islamaumaroc

في ذكرى الهجرة

  دعوة الحق

161 العدد

إن الهجرة النبوية الشريفة لم تكن قصة من القصص تقال، ولا حكاية تروى، ولكنها مدرسة كبرى، وضع دروسها العلمية الواقعية،معلم البشرية الأعظم،سيدنا محمد صلى اله عليه وسلم،وعمل بها تلاميذه النجباء،الذين تخرجوا في مدرسة المحمدية،وهم أصحابه الأخيار رضي الله عنهم...
وما أعظم أن تأخذ من الماضي ما نتزود به للسري من دروب حياتنا، وما أروع أن نترسم خطى المفلحين من السلف الذين رسموا الطريق الأقوم، فنتخذ هديهم مصباحا نستضيء به في سلوكنا...
كم في تاريخ المغرب الماضي من دروس، توضح للخلف النهي الأقوم، والطريق الأرشد، وتكشف له المعلم، فيعرف الحق من الباطل، و الضلال من الهدى، بما يراه من الآثار التي بقيت، فلا يعثر في سيره، ولا تزل قدمه، و العاقل يأخذ من الأحداث في سيره،عبرا وعظات، ويبقى الزلل في حاضره وإذا أراد المسلمون منهجا علميا، ودروسا واقعية في العزة والإباء، وعلو الهمة، والتضحية بالأنفس والأموال، وبكل ما يعتز به الإنسان في سبيل عقيدته، و الثبات على مبدئه...
وإذا أراد المسلمون أن يتذوقوا حلاوة الفرج بعد الضيق والسير بعد العسر،و النصر بعد الذلة، والكثرة بعد القلة، فإن الهجرة النبوية من العبر والعظات،ما يروى ظماهم، و يشفي غلتهم، ويسد حاجتهم، والصحابة رضوان الله عليهم ـ ضربوا أعلى الامتثال وأبلغها من بناء المجد، ورسموا السبيل إلى العزة، والانتصار على شدائد الحياة... وأول ما يطلعنا من دروس الهجرة ـ الصبر ة الثبات المبدأ السامي، فإن الرسول صلى الله عليه و سلم لقي من أذى أن الصحابة رضوان اله عليهم ذاقوا من العذاب والتنكيل على أدي الكفار والمعاندين ما لاقوه، مما لا صبر لأحد عليه، فما قل ذلك من عزمهم. و ما زادهم إلا إيمانا وإيقانا...
واشتد غيظ أولئك الطغام الجهلة ـ لثبات المؤمنين على عقيدتهم، فيمعنون طغيانهم   و عنوهم، و تضيق بهم الحيل، فيتخذون سبيل المقاطعة، و يحاصرون بني هاشم في شعب أبي طالب، وتمر ثلاث سنين، بلغ فيها كيد المشركين أشده من البطش والإيذاء، و لما سقط في أيديهم، أرسلوا من يساوم رسول الله صلى الله عليه وسلم في عقيدته، وبعثوا إليه ليغزوا بالمال، و الجاه و السلطان، ويعرض عليه عمه  أبو طالب تلك العروض السخية ، التي فكر فيها زعماء المشركين، و عظماء مكة في ذلك الحين، و بجيبه صلى الله عليه وسلم إجابة الواثق بربه، في حزم و عزم ـ قائلا ـ و الله يعمى لع وضعوا الشمس في يميني، و القمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهر الله أو أهلك دونه، فانقلبوا على أعقابهم خاسرين،ولم يجدوا لهم متنفسا غير المؤامرة على قتله،( و إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك و يمكرون و بمكر الله و الله خير الماكرين).
و من قبل ذلك أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، إشفاقا عليهم، ورحمة بهم، فمهم من هاجر إليها منفردا، و منهم من هاجر ومعه أهله، و عاد بعضهم إلى مكة ـ ظنا منهم أن الأمور قد استقرت، و أن المشركين قد رجعوا عن تمردهم و طغيانهم، و لكنهم وجدوا أنهم زادوا عنتا و عنادا، و بغيا و عدوانا فعادوا إلى الحبشة مرة أخرى.
وفي هذه درس وعبرة لكل من نصب نفسه لدعوة الحق و الدفاع عنه، فإنه لابد من لقاء مصادره، ومعارضة، و مكابرة، حتى من أهله و ذويه، و عشيرته التي تؤويه، ولكن عاقبة الصبر والنصر والظفر فإن الحق يعلو، و لا يعلى عليه، و لا يعدم الحق أنصارا، و الحق و الباطل يتصارعان، ثم ينتصر الحق، بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.
و مضى من عمر و الرسالة المحمدية ثلاث عشرة سنة، و الدعوة لم يأخذ بعد مكانها على الظهور، وقد قال الله تعالى: هو الذي أرسل رسوله بالهدى و دين الحق ليظهره على الدين كله ولوكره المشركون، ولم يبق في عمر صاحب الرسالة إلا عشر سنوات.
وإذن لابد من تخطيط آخر، تسير فيه الدعوة إلى النصر،بعد أن مضت المرحلة الأولى من الدعوة، وكأنها نور فاجأ أبصارهم التي ألفتت الظلام، فعشت عن أن تبصر به، و تستضيء بضوئه، و كان من رحمته صلى الله عليه وسلم أن يقابل أذاهم بالعطف عليهم، و شدتهم في اللين و أعرضهم عنه بالإقبال نحوهم،و إذا اشتدوا أذاهم يقول: اللهم أهد قومي فإنهم لا يعلمون.. و كان طابع هذه المرحلة الملاطفة و الدعوة إلى الله تعالى بالحجة و الإقناع كما قال الله تعالى، أدع إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة و جادلهم بالتي هي أحسن.
 ثم أخذ يعرض دعوته على القبائل في موسم الحج، و يعرض عليهم السلام، و لقي نفرا من الخزرج، فتلا عليهم القرآن، و شرح الله صدورهم وقالوا له: لقد تركنا قومنا من ورائنا، وبينهم من الشر ما بينهم، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك، وحين رجعوا إلى المدينة، ذكروا لقومهم ما رأوا ودعوهم، فأجابهم كثير منهم، و فشا الإسلام في المدينة.
ولما على مرجل الكفار، و ضاقت بهم الحيل، تآمروا على قتله صلى الله عليه وسلم، و أطلعه الله تعالى على ما بيتوا له من الأمر، و أمره بالهجرة إلى المدينة، فهاجر ومعه صاحبه أبو بكر رضي الله عنه.
و إلى هنا انتهت المرحلة الأولى، مرحلة البرهان و البيان، و الهدوء و اللين، و لكن ذلك لم يجد في قوم غلاط الأكباد قساه القلوب، إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين...
فلتكن المرحلة الأخرى بالسيف يجزر رقاب العتاة والطغاة،ويطهر الأرض من رؤوس الكفر، وأذناب الشياطين، حتى تأخذ الدعوة طريقها إلى النفوس الطيبة، و القلوب المتفتحة، و البلد الطيب يخرج نباته بإذن وبه، والذي خبث لا يخرج الإنكار.وقد تعلمنا من هذه المرحلة، أن المسلمين لا يستسلمون للإدعاء بل عليهم أن يثبتوا، وأن يعلموا كل وسيلة لإحاقاق الحق...

كما تعلمنا أنه يجب على المرء أن يكون بعيد النظر، وئيد الخطوة، مشرق الفكرة، آخذا في شؤون حياته، بالجزم والحذر، و حسن السياسة،قوي القلب، لا يجد اليأس إليه سبيلا، و أن طال المدى، مع التدبير والتفكير في طرق الفوز والنجاح...
ومن هنا نعلم أن الهجرة لم تكن فرارا من أذى قريش، بل كانت انتصارا، و تخطيطا لخوض المعارك الحاسمة.
كان المشركون يظنون أنهم الأشداء أولوا البطش و القوة، ولو قاتلهم المسلمون، فإنهم هم المنصورون، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم،لا يحب أن تراق دماء بمكة المكرمة التي قدسها الله تعالى وجعل فيها آمنا،لهذا حافظ صلى الله عليه وسلم على طهارتها وقداستها ..و هكذا.
فإن القائد المظفر المحنط هو الذي يرغم خصمه أن ينازله في الميدان الذي يختاره( لا الميدان الذي يريده الخصم) حيث يتوقع القائد النصر في الميدان الذي خططه، ويريد الرسول صلى الله عليه وسلم أن يلقي درسا علميا في القيادة و حسن السياسة، وسلامة التفكير، إذ أحاط أصحابه بسياج من الصيانة، حتى  تبقى عزمتهم، و ليسوا من شرور أعدائهم، فهجرة الصحابة إلى المدينة كانت نصرا وفوزا للمسلمين، و كانت ذلا وخزيا للكافرين، هاجر صلى الله عليه وسلم من بلد عليها الحرام مكة وطنه، و مدرج طفولته، و ألقي عليها نظرة يودعها بهذه  الكلمات العذاب الرقاق: والله  إنك لا أحب أرض الله إلي وأحب الله إلى الله، ولولا أن قومك أخرجوني منك ما خرجت أبدا.
كانت الهجرة مبدأ عهد الاستقرار و الأمن. بعد الاضطراب و الخوف، عهد القوة و العزة، بعد الضعف والذلة، و تلك سنة الله في خلقه للمجاهدين الصابرين قال تعالى:" ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة و نجعلهم الوارثين و نمكن لهم في الأرض" كما كانت نقطة تحول، وبداية لجهاد وكفاح في سبيل الله.
 اتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قاعدة لتأسيس دولة جديدة، و بدأ أصحابه الأخيار  يعلمون لبناء الحياة الإسلامية بعد أن آخى الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين و الأنصار، الذين فرحوا بهجرة إخوانهم، و قاسموهم ديارهم و أموالهم، وألف الله بين قولبهم فكونوا مجتمعا مثاليا، و ألف المحبة الصادقة، و الأخوة الخالصة،وقد أثنى الله تعالى على الأنصار فقال  سبحانه:" و الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم و لا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا و يؤثرون على أنفسهم ولو كان خصاصة و من يرق شح نفسه فأولئك هم المفلحون"، كما أثنى هز وجل على المهاجرين بقوله سبحانه "  والذين هاجروا في الله من بعدما ظلموا لنبوئهم في الدنيا حسنة و لأجر لآخرة أكبر لو كانوا يعلمون".
وإذا أردنا أن ننتفع بذكرى الهجرة ـ ينبغي لنا أن نلتفت إلى ما فيها من دروس و عبر، لنعمل بها، ونتخذ من أحداثها منهجا نسير عليه في حياتنا و ما أحوجنا في هذه الظروف، بل و في كل وقت إلى السير على منوال السابقين و الاقتداء بهم...
فمن دروس الهجرة: الثبات على العقيدة، و يتمثل هذا الثبات في العمل، فليس العقيدة فكرة تستقر في النفس فحسب، دون أن تظهر آثارها، و تكون ترجمتها عملا متواصلا مثمرا، أساسه الترابط و التعاون، و توثيق الصلة، و توكيد الأخوة، على ضوء قول الرسول صلوات الله وسلامة عليه:  المسلم أخو المسلم لا يظلمه و لا يسلمه، و من كان في الهجرة  في حاجة أخيه كان الله في حاجته" و منها أن هذه الهجرة كونت شعبا جديدا، يملك قلبا جليدا، و عزما حديدا، و أنشأت أمة  مثالية، لأتعر بها زخارف الحياة الدنيا...
وفي مدرسة الهجرة تربى جيل مبارك، هم أصحابه الإنجاب الذين أدبوا الجبابرة، و قهروا الطغاة والمعتدين، ورفعوا راية الإسلام، خفاقة عالية فوق ربوع الجزيرة العربية،  و استهل الدين الحنيف ظاهرا باهرا، بعدما مكث في بطن مكة مستكينا كامنا، بزغت شمسه ساطعة، فملأت الكون ضياء و نورا، وقد كان في بطاح مكة يظهر حينا وتغالبه القوة أحيانا، واهتز الدين، و اهتز العالم، وسمع نداء الحقل عاليا.

لقد كانت الهجرة المباركة  حلقة من سلسلة التضحيات الغوالي التي قام بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصلح بها شأن الدنيا، و أرسى بها قواعد الدين، و حول بها مجرى التاريخ، و غير بها وجه الحياة، و أيقظ بها الدهر النائم، فأشخص بعينه، و أرهف أذنيه، ليرى منه و يحفظ عنه، و يسجل له في سحابه الأبدي من مفاخر و مآثر، ما لم يسجله لأحد من قبل، و لن يسجل لأحد نمن بعد...
وهكذا أصدقت نواياهم، فآتاهم اله أجرهم مرتين، و فازوا بالحسينيين،" أن تنصروا الله ينصركم و يثبت أقدامكن و الذين كفروا فتعسا لهم و أضل أعمالهم".
إذا كانت الهجرة بهذا المعنى قد انتهت، وفاز بها السابقون الأولون، فإن الهجرة إلى الله تعالى بالروح والقلب، و النية الصادقة، و العمل المبرور، باقية إلى يوم القيامة.
و في هذا يقول الرسول صلوات الله وسلامة عليه: لا هجرة بعد الفتح و لكن جهاد ونية، و معنى هذا باب الهجرة إلى اله تعالى مفتوح لسائرين، وهو العمل بما جاء به الكتاب المبين، و الرسول الأمين، صلى الله عليه وسلم، فكل عمل يؤديه المسلم من عبادات، ومبرات فهو هجرة إلى الله، وكل نية في الخير توجه صاحبها إلى الصلاح و النفع، فهي هجرة إلى الله.
و في الحديث: المهاجر من هجر ما نهى الله عنه، فإذا انتصر المسلم على نفسه، وكبح جماحها، وأمات نوازع الشر فيها، فإنه مهاجر إلى الله، و إذا كف جوارحه عن الفواحش و المنكرات، فقد نجا من و بالها وبلائها،وقد قيل في هذا المعنى
ليس الشجاع الذي يحمي ظعينته
                      عند القتال و نار الحرب تشتعل
لكن من غض طرفا أو اثنا قدما
                      عن الحرام فذاك الفارس البطل
 نسأل الله الكريم أن يوجه قلوبنا و أرواحنا إليه، و أن ستعمل جوارحنا في طاعته و أن يوفق المسلمين للعمل بكتابه، و سنة رسوله، و أن يجعل هذا العام عام فتح و نصر للإسلام و المسلمين.
كما نسأله سبحانه أن يبارك في عمر مولانا أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني و أن يبقيه ذخرا للإسلام و المسلمين، و أن يقر عينه بولي عهده الأمير المحبوب سيدي محمد، و شقيقه الأمير السعيد مولاي رشيد، و الأميرات النجيبات، و أن يحفظ في مشارق الأرض و مغاربها، و الأرض الفلسطينية من أيدي الغاصبين.
وأن يمطر شآبيب رحمته و رضوانه على فقيد العروبة و الإسلام المغفور له مولاي محمد الخامس طيب الله ثراه، و جعل الجنة مقلبه، و مثواه، آمين، و سلام على المرسلين و احمد لله رب  العلمين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here