islamaumaroc

من مظاهر التضامن الإسلامي

  دعوة الحق

161 العدد

مأثرة للمغاربة اشتهروا بها عبر التاريخ الإسلامي، جعلتهم يتبوأون مكانة محترمة عند إخوانهم المسلمين، تلك هي مشاركتهم في الحروب التي يخوضها إخوانهم في باقي المناطق ضد الكفار الصليبيين، ومسارعتهم إلى إعانتهم على رد العدوان الصليبي عبر التاريخ، الهادف إلى القضاء على المقومات الإسلامية، والمغاربة في ذلك يندفعون بدافع الغيرة على الإسلام ومقدساته، ويعتبرون المشاركة في تلك الحروب جهادا مقدسا وواجبا مفروضا يتطلب منهم التضحية، وقد سجل التاريخ ذلك واحتفظ به للأجيال التالية والقادمة، التي تشعر بالفخر والاعتزاز وهي تتابع صفحات البطولة الخالدة والتضحية الغالية التي سجلها المغاربة وأهل الأندلس في القديم.
الأمثال كثيرة، كلها تؤيد وتسجل هذه المأثرة، أحيانا على الصعيد الرسمي، وأحيانا كثيرة على الصعيد الفردي والجماعي، تضحية ومساعدة ومشاركة وجدانية وعملية، تبرهن على مدى ما يكنه المغربي هنا لأخيه في المشرق من حب وعطف، وأهم ما يمكن تسجيله هنا، على سبيل المثال، مشاركة المغاربة إلى جانب إخوانهم المشارقة ضد العدوان الصليبي، لن نتحدث هنا عن ظروف هذه الحرب التي نفخت في الأوروبيين روح العدوان وراح رجال الدين يثيرون النفوس داعين لتخليص بيت المقدس من أيدي العرب، فهبوا متضامنين متحدين من شتى الأقطار، وألقوا بكل ثقلهم في المعركة، ظانين أنهم يهزمون المسلمين بسهولة، وما حققوا ذلك، ويستنجد صلاح الدين الأيوبي - بطل الحروب الصليبية، أمام الغزو الصليبي، بالموحدين، وهم يمثلون الدولة الإسلامية القوية آنذاك في الجانب الغربي من بلاد الإسلام، وتجري مراسلات بينه وبين الخليفة الموحدي يعقوب المنصور، لما رأى أن المعركة أصبحت أخطر، وأنها ستحدد المصير، فيطلب من يعقوب المنصور أن يساعده بقطع من الأسطول الموحدي الذي كان إذ ذاك من أعظم الأساطيل، مما يدل على عظمة الموحدين وقوتهم في تلك الفترة، ونشير  هنا إلى أن الموحدين كانوا أيضا يقومون بدور يكاد يشبه دور المسلمين في المشرق، فقد كان هؤلاء هنا يقومون بالدفاع عن الأندلس ضد الحملات والهجومات التي كان الاسبان قد بدأوا يشنونها على أطراف البلاد، محاولين إخراج المسلمين من تلك الديار.
ويشير بعض المؤرخين إلى أن يعقوب المنصور لم يلب طلب صلاح الدين الأيوبي إثر هذه المراسلة الأولى سنة 1189م، وقد يكون ذلك السبب الذي ذكرناه هو السبب الرئيسي في عدم استجابة الخليفة الموحدي لطلب صلاح الدين، وقد يضاف إلى ذلك طبيعة المراسلة نفسها وما فيها من عبارات، كما يرى البعض، ولكن صلاح الدين، إدراكا منه لأهمية المعركة التي يخوضها المسلمون، وللروح  التضامنية التي سادت وألفت بين المسلمين عبر العصور، عاد في العام التالي فكرر المراسلة، وهنا يختلف المؤرخون أيضا، ويرى بعضهم أن يعقوب المنصور، لم يستجب لطلب صلاح الدين على الرغم من تفهمه للموقف والحالة السائدة في المشرق، لأنه كما ذكرنا كان مهتما بمحاربة الاسبان المغيرين على أطراف بلاد الأندلس، ولكن بعض المؤرخين، وعلى رأسهم ابن خلدون، يرون أن الخليفة الموحدي سارع إلى مساعدة صلاح الدين، فأرسل قطعا من أسطوله الجهادي، قدرت بحوالي مائة وثمانين سفينة، لعبت دورا رئيسيا في صد الصليبيين عن السواحل المشرقية، ولا سيما سواحل بلاد الشام وموانئها، وردتهم على أعقابهم.
وإذا كان ذلك ما حدث على الصعيد الرسمي، فإن المغاربة والأندلسيين، تدفعهم الحماسة وروح الجهاد والتضامن، كانوا في الخطوط الأمامية للمعركة، جنبا إلى جنب مع إخوانهم المشارقة. كان المغاربة والأندلسيون يتجهون إلى الحج إلى بيت الله، وفي طريقهم كانوا يقفون على ظروف المعركة، فيشاركون فيها إلى جانب إخوانهم هنالك، وتحتفظ كتب التاريخ بأسماء العديد من الشخصيات المجاهدة منهم العلماء والفقهاء والقضاة والأدباء، وغيرهم من عامة الناس، وفي ذلك خير دليل على شيوع روح التضامن والتضحية، والوعي الكامل بالواجب المقدس.
 ويكفي أن نتصفح بعض كتب التاريخ والتراجم لنقف على ذلك، ونذكر على سبيل المثال: أبا الحجاج يوسف بن محمد بن عبد الله بن يحيى بن غالب البلوي المالقي الأندلسي ( 592هـ ـ 604هـ) موافق (1135 ـ1207م)، وهو من علماء اللغة والأدب، ولد وتوفي بمالقة، وتولى فيها الخطابة، يقول الحافظ المنذري: كان أحد الزهاد المشهورين... لم تفته غزوة في البر ولا في البحر. ويقول عنه ابن الأبار إنه غزا عدة غزوات مع المنصور الموحدي بالمغرب، ومع صلاح الدين الأيوبي بالشام.
 وكثيرا ما عانى المغربة والأندلسيون المجاهدون مثل إخوانهم المشارقة الآلام والويلات، فاستشهدوا وجرحوا، وأسر منهم الكثير.
غير أن الأسرى من هذه الديار، وإن كانوا غرباء، وليس لهم من يفتديهم من أقربائهم، كانوا يثيرون عطف المشارقة، مما يدل على الاعتراف بهذه التضحية، وتلك مأثرة للمشارقة أيضا تضاهي مأثرة المغاربة.
يحدثنا الرحالة ابن جبير ( 540هـ ـ 614 هـ) في رحلته، التي زار فيها عدة بلدان مثل مصر وبلاد العرب  والعراق والشام وصقلية وغيرها، عن الحروب الصليبية، وما كان المشارقة يقومون به في سبيل افتداء الأسرى من المغاربة، وكلامه هنا يغني عن كل تعليق أو إيضاح، ذلك أنه يدل على ما يريد رحالتنا ابن جبير أن ينقله إلينا مما أثار انتباهه ونال إعجابه، يقول: "ومن جملة صنع الله لأسرى المغاربة  بهذه البلاد الشامية الإفرنجية، أن كل من يخرج من ماله وصية من المسلمين بهذه الجهات الشامية إنما يعينها في افتكاك المغاربة خاصة، لبعدهم عن بلادهم، وأنهم لا مخلص لهم سوى ذلك بعد الله عز وجل، فهم الغرباء المنقطعون عن بلادهم، فملوك أهل هذه الجهات من المسلمين والخواتين من النساء وأهل اليسار والثراء إنما ينفقون أموالهم في هذه السبيل، وقد  كان نور الدين(1) رحمه الله نذر في مرضة أصابته تفريق اثني عشر ألف دينار في فداء أسرى من المغاربة، فلما استبل من مرضه أرسل في فدائهم، فسبق فيهم نفر ليسوا من المغاربة وكانوا من جملة عمالته، فأمر بصرفهم وإخراج عوض عنهم من المغاربة، وقال: "هؤلاء يفتكهم أهلوهم وجيرانهم، والمغاربة غرباء لا أهل لهم". فانظر إلى لطيف صنع الله تعالى لهذا الصنف المغربي".
وهذه السنة الكريمة التي أثارت انتباه ابن جبير فسجلها مشكورا تظهر أن روح التضامن والتآخي والمساعدة والتضحية إشراقة تملأ نفوس المسلمين، وذلك الحرص من طرف المشارقة على افتداء المغاربة أولا، سنة حميدة استنها المشارقة هناك اعترافا بفضل المغاربة وبالدور البطولي الذي يقومون به، مما يزيد من تمتين روح الأخوة ويقوي الروابط ويزرع الحب المتبادل، وهم بذلك أيضا يتقربون إلى الله  تعالى، كما أن عمل المغاربة جهاد شريف في سبيل الله.
 واليوم يعيد التاريخ نفسه، القدس يتعرض للعدوان الصهيوني، ويتعدى الصهاينة على بلاد الشام ومصر، ويذيقون الفلسطينيين ألوان العذاب ويحرمونهم من أهليهم وأرضهم ويرشدونهم، فإذا نحن جميعا في الهم شرق، كما يقول الشاعر، ويسارع المغاربة إلى إحياء وتجديد روح التآخي والتضامن، وتنبعث فيهم روح الجهاد والتضحية، فيحملون السلاح، وتروي دماؤهم بقعا طاهرة روتها دماء أجدادهم في القديم، فيمتزج الدمان ويتحدان ويكونان رمزا خالدا للبطولة العربية، ويتبرع من لم يحمل السلاح من إخوانهم وأقربائهم بالمال والدم، وتشغلهم أخبار المعركة عما عداها، وتملأ كيانهم الأدعية والابتهالات. وهكذا يشارك المغاربة في تحرير أجزاء مهمة ومواقع إستراتيجية من البلاد العربية، ويسارع المواطنون إلى الثكنات للتطوع وأداء الواجب المقدس، ويعترف المشارقة بهذا الجميل، فيحمدون للمغاربة فعلهم وصنيعهم، ويأبى المشارقة إلا أن يعلنوا استعدادهم لرد هذا الجميل، فيعلن العديد منهم عن الاستعداد للمشاركة إلى جانب المغاربة في تحرير الأجزاء التي لا زالت تحت سيطرة وإدارة الاستعمار الاسباني من الأرض المغربية الكريمة.
تضامن في القديم والحديث، وروح عالية تبرهن على حقيقة الدين الإسلامي الذي يوحد المسلمين تحت لواء جامعة إسلامية امتدت منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليوم، وستزداد قوة  وتماسكا، مما يدل على أن المسلمين مثلهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعت له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، وفي ذلك برهان على أن الخلافات ما هي إلا مظاهر لا تعبر عن الحقيقة. فمزيدا من التضامن، ومزيدا من التآخي والاتحاد، فها هي أنوار الفجر الجديد المملوء خيرا وحرية ورفاهية تطل على كل شبر من الأرض العربية الكريمة.

 

(1) هو محمود نور الدين بن عماد الدين زنكي، ملك حلب بعد مقتل أبيه، وانتهت دولته سنة 577 هـ على يد الأيوبيين، ويعتبر نور الدين أستاذ صلاح الدين الأيوبي، كان له ولأبيه جهاد مشكور ضد الصليبيين، شأنهما في ذلك شأن صلاح الدين، وقد بنى كثيرا من الحصون والمساجد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here