islamaumaroc

رباعيات الإمام البخاري -1-

  دعوة الحق

161 العدد

الرباعيات
مدخل:

اعتنى أهل الحديث بتخريج عواليهم في الوصول إلى أرفعها درجة وأسناها درجة للإسناد العالي ورغبة في القرب من الرسول صلى الله عليه وسلم دلك لأن علو الإسناد طريقة مرغوب فيها ونهج كان السلف يتزاحمون على سلوكه.
وقد كان أصحاب ابن مسعود يرحلون من الكوفة إلى المدينة فيتعلمون من عمر بن الخطاب رضي الله عنه ويسمعون منه حتى قال الطوسي1 : قرب الإسناد قربة إلى الله تعالى"
ولأجل دلك أجمع أئمة الحديث على طلب الرحلة في سبيل علو الإسناد ليتحقق المعنى المقصود منه الرواية وهو صحة المروى ودلك لا يتم إلا بالإسناد العلي كذلك فإن السند يبعد الإسناد من الخلل قال ابن الصلاح:
"والعلو يبعد الإسناد من الخلل لأن كل واحد من رجاله يحتمل أن يقع الخلل من جهته سهوا أو عمدا ففي قلتهم قلة جهات الخلل وفي كثرتهم كثرة جهات الخلل وهدا أجلى وأصح2 
لدلك قام المحدثون بتخريج عواليهم فخرجوا الثلاثيات، ثم الرباعيات، ثم الخماسيات، ثم السداسيات، ثم السباعيات، ثم الثمانيات، وكل دلك تم قبل نهاية القرن السابع الهجري، ثم خرجوا فيما بعد التساعيات والعشاريات، كما أورد السيوطي في كتابه (النادريات من العشاريات)3 .
على أننا نجد عند المحدثين عواي أخرى أعلى مما سبق من الثلاثيات وغيرها فهناك الوحدانيات والثنائيات4 
وقد أفرد أهل الحديث عواليهم مند الأول بكتب جمعتها وحفظتها مند العهود الأولى للمحدثين والرواة نورد بعض هده الكتب تأكيدا واستشهادا على اهتمامهم بأسانيدهم العالية.

تعريف:
هده الرباعيات لا تتعلق بصحيح البخاري فهي ليست رباعيات سند ولا رباعيات متن إد لا صلة لها بأسانيد الصحيح ولا بمتونه.
وهي صنف ثالث من الرباعيات استخرجناها من وصية الإمام البخاري لطالب الحديث وقد سميناها رباعيات البخاري في وصيته الأدبية إعتمادا على نص الوصية نفسها والتي جاء فيها اسم الرباعيات صريحا كما قال البخاري بالحرف:
"وكل هده الرباعيات لا تتم له إلا بأربع......"
ورباعيات البخاري في وصيته عبارة عن جملة من المعاني تتعلق بطلب الحديث وهي شروط رباعية شرط الإمام البخاري توفر طالب الحديث عليها والتزامه بها ليصير محدثا كاملا.
وهده الوصية الرباعية تعتبر وثيقة علمية منهجية فريدة اشتملت على شروط المحدث وما ينبغي أن يلم به ويعلمه ليصبح من المحدثين الكبار.
ونظرا لأهميتها العلمية المنهجية فسنورد نص الوصية بأكملها بالإسناد الكامل لرواتها المعتمدين وعلى رأسهم القاضي عياض ثم نفصل الكلام عنها ونناقش ما ورد فيها بعد أن نقوم بتخريج رباعياتها وتقسيماتها.
دلك أن أغلب المحدثين والدين أرخوا للإمام البخاري وكتبوا عن جامعه الصحيح وآثاره أسندوا له هده الوصية الرباعية التي تضمنت شروطا وأمورا لابد للمحدث ليصير محدثا فاضلا.
ونحن أقدم من نقل هده الوصية ورواها بإسناده إلى الأمام البخاري القاضي عياض وهو من أهل القرن السادس الهجري (476-544) ودلك في فهرسته المسماة "الغنية"5
في أثناء ترجمته للقاضي أبي يكر محمد بن عبد الله المعافري المعروف بابن العربي ذكرها ضمن مروياته وما أخد عنه وعن القاضي عياض سنورد نص الوصية لكونها أقدم من رواها بالسند المتصل إلى الإمام البخاري فيما نعلم.
وروى هده الوصية الرباعية وذكرها غير القاضي عياض كثيرون من مختلف العصور في القديم والحديث نذكر منهم:
المقري"في نفح الطيب"6  والحافظ السيوطي  بإسناده في "تدريب الراوي"7  في (معرفة آداب طالب الحديث) كما أوردها الإمام القسطلاني في "إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري"8  في "لطيفته" أواخر الفصل الثالث من كتابه أسندها بالرواية" عن الحافظ نجم الدين ابن الحافظ تقي الدين أبي المعالي محب الدين المكيان إلى أبي المظفر محمد بن أحمد بن حامد بن الفضل البخاري.....إلخ.
وعن هؤلاء نقل كثير من المعاصرين ممن درسوا البخاري وترجموا له أو كتبوا عنه سواء في "الختمان" أو التراجم أو الفهارس أو الرسائل العلمية نذكر منها:
الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني فقد ذكرها في "ختمة البخاري"وأسندها قوله:
وعجيب ما أوتيه من دقيق الاستنباط كما أجاب من طلب علم الحديث بأن المحدث لا يكمل في محدثيه إلا أن كتبها من مثلها عند مثلها يمثلها عن مثلها لمثلها، ولا يتم دلك إلا بمثلها مع مثلها فيهون عليه حينئد مثلها ويبقى بمثلها إدا صبر أكرمه الله بمثلها في الدنيا وأثابه في الآخرة بمثلها.
والأصل في هدا الرمز ما رويناه بسندنا إلى كتب السيوطي عن أبي إسحاق إبراهيم السقا القاهري عن المعتمد السيد تعيلب عن الجوهري عن عبد الله بن سالم البصري عن محمد بن علاء الدين البابلي9  عن سالم السنهوري عن الشمس العلقمي عن الحافظ السيوطي في شرح التقريب رواه بسنده إلى ابن المظفر محمد بن أحمد بن حامد البخاري إلخ.
ودكرها الشيخ محمد زكريا الكانوهلوي الهندي في كتابه: ومقدمة لا مع الدراري على جامع البخاري10 
وروى الكانوهلوى الهندي نفسه عن السيوطي بيتا في الغيتة عنة وصية الإمام الرباعية قوله:11  وللبخاري رباعيات في طالب الحديث نيرات12   كما أوردها الدكتور الحسيني عبد المجيد هاشم في أطروحته التي سماها "الإمام البخاري محدثا وفقيها"13   فقد ذكرها بنصها دون تعليق عليها، كما نجد للشيخ محمد المدني بن الحسيني رسالة حول وصية البخاري الرباعية سماها "الفوائد الإبداعية من فوائد وصية البخاري الرباعية" وهي مخطوطة لم تطبع14
وننقل نص االوصية كما رواها (القاضي عياض) في "الغنية"15  بسنده المتصل قال في أثناء ترجمته للقاضي أبي بكر المعافري بعد ما ذكر ما قرأ عليه من الكتب وإجازته له بجميع مروياته وعن الأماكن التي لقيه بها وخاصة إشبيلية وقرطبة ثم قال:
...."ومما كتب عنه أي ابن العربي- مما جاءني به سماعا منه بلفظه،نا أبو محمد هبة الله بن محمند الأكفاني نا عبد العزيز ابن محمد الكتابي الدمشقي الحافظ نا أبو عصمة نوح بن نصر الفرغاني،قال: سمعت أبا المظفر عبد الله بن محمد بن عبد الله بن مت الخزرجس وأبا بكر محمد بن عيسى البخاري يقولان:
سمعنا أبا در عمار بن محمد بن مخلد التميمي يقول: لما عزل أبو العباس الوليد بن ابراهيم بن زيد الهمداني عن قضاء الري ورد بخاري سنة ثمان عشرة وثلاثمائة لتجديد مودة كانت بينه وبين أبي الفضل البلعمي فنزل في جوارنا فحملني إليه معلمي أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الختلي وقال له:
أسألك أن تحدث هدا الصبي، مما سمعت من مشايخك قال: ما لي سماع، قال: فكيف وأنت فقيه16   فما هدا؟ قال: لأني لما بلغت مبلغ الرجال تاقت نفسي إلى معرفة الحديث و(دراية)17  الأخبار وسماعها.
فقصدت "محمد بن إسماعيل البخاري" ببخارى صاحب التاريخ والمنظور إليه في معرفة الحديث وأعلمته بمرادي وسألته الإقبال على دلك فقال لي:
يا بني لا تدخل في أمر إلا بعد معرفة حدوده والوقوف على (مقداره)18  فقلت له: عرفني رحمك الله حدود ما قصدتك ومقادير ما سألتك عنه فقال لي:
إعلم أن الرجل لا يصير محدثا كاملا في حديثه إلا بعد أن يكتب أربعا مع أربع مثل أرب في أربع عند أربع بأربع على أربع عن أربع لأربع.
وكل هده الرباعيات لا تتم له إلا بأربع مع أربع فغدا تمت له هان عليه أربع وابتلى بأربع فإذا صبر على دلك أكرمه الله بأربع وأثابه في الآخرة بأربع.
قلت له: فسر لي ما ذكرت من أحوال هده الرباعيات من قلب "صافي" بشرح "كافي" وبيان "شافي"19   طلب للأجر الوافي فقال:
لعم لما الأربعة التي تحتاج إلى متبها هي:20  أخبار الرسول عليه السلام وشرائعه والصحابة ومقاديرهم والتابعين وأحوالهم وسائر العلماء وتواريخهم مع أسماء رجالهم وكناهم وأمكنتهم وأزمنتهم كالتحميد مع الخطب والدعاء مع (الرسل)21  والبسملة مع السورة والتكبير مع الصلوات مثل المسندات والمرسلات والموقوفات والمقطوعات، في صغره وفي إدراكه وفي "كهولته"22   وفي شبابه عند فراغه وعند شغله، وعند فقره وعند غناه، بالجبال والبخاري والبلدان والبراري، على الأحجار  والأصداف والجلود والأكتاف، إلى الوقت الذي يمكنه نقلها إلى الأوراق عمن هو فوقه وعمن هو مثله وعمن هو دونه وعن كتاب أبيه بتيقن أنه يخص أبيه دون غيره، لوجه الله تعالى طالبا لمرضاته والعمل بما وافق كتاب الله تعالى منها، ونشرها بين طالبيها ومحبيها والتأليف في إحياء ذكره وبعده.
ثم لا تتم له هده الأشياء إلا بأربع من كسب العبد أعني معرفة الكتابة واللغة و (الضبط)23  والنحو وأربع هي من إعطاء الله تعالى أعني القدرة والصحة والحرص والحفظ، فإذا تمت له هده الأشياء هان عليه أربع: الأهل( والولد والمال)24  والوطن وابتلى بأربع: بشماتة الأعداء وملامة الأصدقاء و (طعن)25  الجهلاء وحسد العلماء، فإذا صبر على هده المحن أكرمه الله في الدنيا بأربع: بعز القناعة وبهيبة النفس و(لذة العلم)26 و(حياة الأبد)27  وأثابه في الآخرة بأربع: بالشفاعة لمن أراد من إخوانه، ويظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، ويسقي من أراد من حوض نبيه (صلى الله عليه وسلم)28  ، و(بجوار)29 النبيئين في أعلى علين في الجنة، فقد أعلمتك يا بني مجمل ما كنت سمعته من مشايخي متعرفا في هدا الباب فأقبل الآن على ما قصدتني له أو أودع.
قال: فهنالك قوله، فسكت متفكرا وأطرقت (نادما)30  فلما رأى دلك مني قال (وألا تطق)31  احتمال هده المشاق كلها فعليك بالفقه (الذي)32   يمكنك تعلمه وأنت في بيتك فار ساكن لا تحتاج إلا بعد الأسفار ووطء الديار وركوب البحار، وهو مع داك ثمرة الحديث وليس ثواب الفقيه (دون)33  ثواب المحدث في الآخرة ولا عزة بأقل من عز المتحدث.
قال: فلما سمعت دلك نقض عزمي في طلب الحديث وأقبلت على دراسة الفقه وتعلمه إلى أن صرت فيه (فقيها)34  متقدما.
(ووقفت منه على معرفة ما أمكنني من تعلمه بتوفيقي الله تعالى ومنته)35  (فلذلك)36  لم يكن عندي ما أمليه على هدا الصبي يا أبا إبراهيم، فقال له أبو إبراهيم: إن هدا الحديث (الواحد)37  الذي لا يوجد عند غيرك خير للصبي من ألف حديث يجده عند غيرك.
هدا هو نصر رباعيات البخاري في وصيته كما وردت في غنية القاضي عياض مع مقابلتها بالنص الوارد في إرشاد القسطلاني وبيان ما بين النصين من اختلاف في بعض الفقرات والألفاظ وقد نبهت على دلك كله في الهامش.
تخريج رباعيا البخاري من وصيته وتقسيمها:
من قراءة وصية البخاري مراجعتها ودراستها نجد القاضي عياض يرويها عن شيخه ابن العربي عن أبي عباس الوليد بن إبراهيم بن زيد الهمداني وهو الذي حدث يهدا الحديث سماعا وتلقيا من الإمام البخاري وهو يتضمن رباعيات الإمام وشروطه لطالب الحديث ليصير محدثا كاملا.
ونجد هدا النص يحتوي على ستة عشر رباعية كل رباعية منها تشتمل على أربعة أمور.
ويبتدئ النص بعد الإسناد وذكر ورود أبي العباس الوليد بخارى سنة ثمان عشرة وثلاثمائة ومرافقة أبي در التميمي لأبي إبراهيم الختلي عند زيارته لأبي العباس الوليد وسؤاله إياه أن يحدث "الصبي" -يعني أبا در التميمي- بسماعه من شيوخه وجواب الوليد لأبي إبراهيم أنه قصد الإمام البخاري عندما بلغ مبلغ الرجال وتاقت نفسه إلى معرفة الحديث ورواية الأخبار، زائرا له ومتعلما وسائلا عما تاقت نفسه إلى معرفته ثم جواب الأمام البخاري له:
بأن شرط الدخول في أي أمر من الأمور ذ: هو معرفة حدوده والوقوف على مقداره.
وسؤال الوليد الإمام البخاري عن بيان حدوده ومقادير ما سأله عنه من معرفة الحديث ورواية الأخبار.
وجواب البخاري له: بأن الرجل لا يصير محدثا كاملا في حديثه حتى تتوفر فيه شروط وأمور تضمنتها الوصية والتي نخرجها حسب ترتيبها وسياقها في النص مفصلة مرتبة.
1- أن يكتب أربعا:
أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم مع شرائعه.
أخبار الصحابة ومقاديرهم
أخبار التابعين وأحوالهم
أخبار سائر العلماء وتواريخهم.
2- مع أربع:
مع أسماء رجالهم، وكناهم، وأمكنتهم، وأزمنتهم
3- كأربع38 
كالتحميد مع الخطب، والدعاء مع الرسل، والبسملة مع السورة ، والتكبير مع الصلوات.
4- مثل أربع:
مثل المستندات والمرسلات، والموقوفات، والمقطوعات.
5- في أربع:
في صغره ، وفي إدراكه، وفي شبابه، وفي كهولته
عند أربع:
عند شغله، وعند فراغه، وعند فقره، وعند غناه.
7- بأربع:
بالجبال، والبحار، والبلدان، والبراري.
8-على أربع:
على ألحجار ، والأصداف، والجلود، والأكتاف.
9- عن أربع،
عمن هو فوقه، وعمن هو مثله، وعمن هو دونه، وعن كتاب أبيه يتيقن أنه بخط أبيه.
10- لأربع:
لوجه الله تعالى طالبا لمرضاته، والعمل بما وافق كتاب الله تعالى ونشرها بين طالبيها ومحبيها، والتأليف في إحياء ذكره بعد موته.
11- ثم لا تتم له هده الأشياء إلا:
بأربع من كسب العبد وسعيه: معرفة الكتابة، واللغة، والصرف، والنحو.
12- مع أربع من عطاء الله تعالى:
القدرة ، والصحة، والحرص، والحفظ.
13- فإذا تمت له:
هان عليه أربع: الأهل، والولد، والمال، والوطن
14- وابتلى بأربع:
شماتة الأعداء، وملامة الأصدقاء، وطعن الجهلاء39 ، وحسد العلماء.
15- فإذا صبر عليها أكرمه الله في الدنيا بأربع:
عز القناعة، وهيبة النفس، ولذة العلم، وحياة الأبد.
16- وأثابه في الآخرة بأربع:
بالشفاعة لمن أراد من إخوانه، وبظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، وبسقي من أراد من حوض نبيه صلى الله عليه وسلم، وبجوار النبيئين في أعلى العليين في الجنة.
وبعد أن أجاب الإمام البخاري سائله عما أراد وتفصيله لشروط المحدث وما يلزمه معرفته والإلمام به أخبره بأن عليه أن يقبل كل ما سمعه منه وأجابه إدا أراد أن يصير محدثا وإلا فليترك هدا الأمر.
ولكأن الأمر هال سائل البخاري فأطرق متفكرا متأدبا مستعظما ما ذكره الإمام الذي شعر بدلك فخيره أن ثقا الأمر ولم يطقه أن يقبل على تعلم الفقه فدلك أهون بكثير وأقل مشقة خصوصا وهو لا يكلف سفرا ولا رحلة و لا ركوبا بحر ولا اغتراب وأنه ثمرة الحديث وليس ثوابه وعزه بأقل ثواب المحدث وعزه

تعليق على الوصية الرباعية
وهده الوصية الأدبية الجليلة، وثيقة ذات شأن لقيمتها التاريخية والعلمية:

فمن الناحية التاريخية:
1- نضع بين أيدي الدارسين للإمام البخاري مزيد إضاءة كاشفة عن ملامح شخصيته، وخطواته على الطريق طالبا للعلم، ومعلما.
2- ونضيف غلى المعروف عن كتابه (الصحيح) فكرة واضحة عما أتيح لهدا الكتاب من جهود فذة، وآفاق رحبة، وأصلة راسخة، وإدراك عميق لجلال موضوعه، وحرمة الأمانة الصعبة التي احتملها جامع الصحيح.

ومن الناحية العليمة:
3- نأخد هده الوثيقة النادرة مكانها بين جهود الرواد من علماء السلف لتأصيل منهج علوم الحديث على ضوابطه الدقيقة الصارمة التي عرفها التاريخ العلمي للمدرسة الإسلامية، في ضبط الرواية النقلية وتوثيق الإسناد والشروط التي كان ينبغي أن تتوفر لطلاب الالتحاق بهده المدرسة.
4- ومنها نستبين معالم الطريق التي عبدها جيل الرواد والخطة المنهجية التي تركها الإمام البخاري وصية للأجيال من العلماء الدين تتابعوا على حمل الأمانة ووصلوا بعلوم الحديث إلى المستوى الدي يعده التاريخ العلمي من مفاخر الأمة الإسلامية وأجل عطائها لأصول المنهج.
وأترك لأستاذي الجليل الرحالي الفاروقي بيان القيمة العلمية لهده الوصية فقد كتب معلقا عليها قال:
أنه من أبدع اللطائف وأفضل الطرائف أن تكون الرباعيات التي رواها غير واحد من مشاهير المحدثين عند الكلام على القصد والإقبال على علم الحديث الشريف - أن تكون هده الرباعيات من عصارة أفكار البخاري وتجربة حياته وتراث مدرسته رحمه الله، فهي أقوم وصية وأعظم نصيحة لمن أراد أن يبلغ في هدا الفن العظيم مبلغا  لا يقلعن درجة الدين يتمتعون بألمها. في روايته ودرايته، كل على حسب قدرته واستطاعته، وهده القصة التي تعلمها الناس من قبل ومن بعد صحيحة وثابتة من أولها إلى آخرها ليس فيها ما ينكر شرعا ولا ما يعاب طبعا، ولدلك فإن لا يخدشها ما نقله الشيخ نجا الأبياري في حاشية مقدمة القسطلاني عن العلامة السخاوي عن شيخه الحافظ ابن حجر أنه قال:
مند قرأتن هده القصة وقلبي نافر منصحتها مستبعدا لثبوتها، تلوح أمارة الوضع عليها والتلفيق فيها، وأنه لا يظن أن محمد بن إسماعيل رحمه الله يقول هدا، وأما يقوله أن هدا الحديث الواحد الذي لا يوجد عند غيرك خير من ألف حديث نجده عند غيرك، فكدب لا مزيد عليه أ هـ.
قلنا لا يؤثر هدا الكلام في صحتها ولا يقدح بمجرده في ثبوتها، لعدة وجوه:
أحدها أن هده الرباعيات قصارى أمرها أ تحمل المجد على العمل بما فيها إدا أراد هدا المجد أن يكون قدوة يشار بالبنان إليه، وتعتقد الخناصر عليه، وليس المعنى في النظر الصحيح أنها تفقر عن طلب الحديث والاتصال به، بل هي على العكس من ذلك، تحرص على انتهاج طريقة مجدية وتبشر القوم بنهاية طيبة وثانيها أن هده النصيحة التي قدمها الإمام البخاري رحمه الله لمن سألها وطلبها هي ترجمة صريحة - لما حفلت به حياته من عناية ونشاط في اكتساب الحديث والاشتغال بمادته، والبحث عن أهم قادته ورجاله وخاصة أولئك الدين اشتهروا بجمع روايته والمحافظة على سلوكه وسيرته، والتفقه في أحكامه ومعانيه، وقد يضطر طالب الحديث إلى ملاطفة من هو مثله ومصانعة من هو دونه، فيغالب نفسه، ويحملها على الاعتراف بفضله، حتى لا تفوت الفرصة وتضيع المتعة بسبب الترفع والتكبر الذي لا يناسب مقام العلماء عامة ومقام المنظمين خاصة، والدي يستنكف من الأخذ عن علماء زمانه، لا يحمل غالبا على شيء من أمانيه - ولما أحاط بها من خوض الامتحانات وصوغ المؤامرات، التي تنصب على كل من بني بنايته، وأبرز نباهته في علم ينضر صاحبه ويقصر جاهبه، ودلك من أعظم المنن وأكبر النعم، إلا أن كل نابه مقصود، وكال ذي نعمة محسود، وهدا بحول اله كمن جملة الإمارات التي تجعل حديث الرباعيات، شيئا واقعا وداخلا في نطاق  النصاحة المقصودة، والصراحة المفروضة.
وثالثهما أن الأئمة أئمة الحديث سلموا الرباعيات بل أيدوها وأكدوها، فهدا الأمام القسطلاني رحمه الله بعد أن ذكرها في مقدمة شرحه إرشاد الساري قال أثرها: وقد قال الخطيب البغدادي الحافظ: أن علم الحديث لا يعلق إلا بمن قصر نفسه عليه ولم يظم غيره من الفنون إليه، وقال إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى: أتريد أن تجمع  بين الفقه والحديث هيهات آهـ.
فكلام الإمام الشافعي، والخطيب البغدادي رحمهما اللح موافق لرباعيات الإمام البخاري من حيث التخصيص على الاتجاه إلى العلم، والتشمير عن ساق الجد في طلبه.
وأما القول بأن الحديث الواحد لا يوجد عندك خير من ألف حديث يوجد عند غيرك فلا ينبغي أن يحمل على الكدب والزور بل المبالغة في الكثرة، كما يقول الإنسان وقد كرر المجيء إليك -جئتك ألاف مرة- والمبالغة باب من أبواب البلاغة، فمثل هدا الكلام يقبل ويحمل على قصد المبالغة، والسياق يعضده ويشهد له، وحمل كلام الناس على محمل حسن خير من حمله على شيء لا يليق به، على أن دلك ليس من قول البخاري صاحب الرباعيات وإنما هو من كلام مدرسة إسلامية ناهضة، وعلماء مبرزين في شؤون الحديث نجد إطلاق الحديث الواحد عليها وهو الذي يقابل بعدد من الأحاديث مجرد إطلاق ظاهري وشكلي، وقد تقرر أن العبرة بالمعاني لا بالألفاظ، وبدلك أن شاء الله أن ينتفي الاعتراض، فإنك إدا نفدت حكم الرباعيات أمكنك بمعونة الله أن تعرف أو تحفظ ألف ألف حديث مثلا، والوقوف على هدا العدد الكبير خير من الوقوف على ألف حديث مثلا تأمل.
   وبعد فإن هده الرباعيات لازمة لكل من أراد أن يسلك طريقا قاصدا لهدا العلم النبوي الشريف لزوم الحمدلة للخطبة، والبسملة للسورة، والدعاء للوسيلة، والتكبير للصلاة، وإذا صبرت على ما يلفقاك من المحن في سبيل تحقيق هده المعاني الرفيعة أكرمك الله في الدنيا بعز القناعة وهيبة النفس ولذة العلم، وحياة السعادة، وأثابك في الآخرة بالشفاعة لمن أردت، وبالسقي من الحوض لمن اخترت، ويظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، وبمجاورة النبيئين في الجنة ودلك فضله.
وهيهات أن يكون المحدث راسيا وراسخا في هدا العلم وهو لا يتوفر على المعاني المطوية في رباعيته، ولا يخدمه بعزم وحزم طول حياته، ولا يرحل إلى اقتطاف أنواره ولا يسرع إلى اقتطاف أزهاره، ولا يصبر على المنغصات التي تنزل بباحته.
ونسأل الله العظيم أن يجمع لنا ولكم بين التنسيق والتوفيق، وأن يهيئنا للطريق اليسر ويهب لنا السعادة والحسنى، والله سبحانه أعلى وأعلم وأرحم وأكرم.
وبعد، فلعلي قد استطعت أن أقدم إلى المدرسة الإسلامية ما وفقني الله إليه من عطاء هدا الموضوع الجليل الذي طالت فيه صحبتي لصحيح الإمام البخاري، أرتوي من نبعه السخي، وأتدبر منهجه وأستقرئ أسانيده، وأستبين معالمه.


1ألفية السيوطي شرح محمد محي الدين عبد الحميد ص 260
2المصدر نفسه ص 260
3 فهرس الفهارس ج: 2 ص : 95
4الرسالة المستطرفة للحافظ محمد بن جعفر الكتاني ص 97
5الغنية فهرست القاضي عياض 30 إلى 33 وهو مخطوط
6نفح الطيب "للمقري" ج 2 ص 576، 577 ط دار صادر بتحقيق إحسان عباسي
7وتدريب الراوي "للسيوطي" ص 182و 183
8لإرشاد الساري "القسطلاني"  ج 1 ص 18 و 19
9"ختمة البخاري" للشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني ص 94 و 95
10" مقدمة لا مع الدراري" للشيخ محمد زكرياء الكانوهلوي ص 7
11والمنصدر السابق نفسه ص 20
12 ألفية السيوطي 
13الإمام البخاري محدثا وفقيها "الدكتور الحسيني ص 157 و 158
14هذه الرسالة حدثني عنها ولد المؤلف المرحوم سيدي عبد الكريم بن الحسن
15الغنية" فهرست القاضي عياض ص 30 إلى 33
16منإرشاد الساري القسطلاني
17في الإرشاد " ورواية "
18في إرشاد القسطلاني "تقاديره"
19شافي وصافي وكافي كذا في مخطوط الغنية وفي إرشاد الساري بحذف الباء فيها جميعا وهو القياس
20كذا في مخطوط الغنية وفي الإرشاد – هي بغير أما
21في الإرشاد مع النوسل وليس الأولى
22في الإرشاد (وفي شبابهوفي كهولته) ولعله السياق
23في الإرشاد (والصرف)
24في الإرشاد (والمال والولد)
25من الإرشاد والذي في الغنية (وظن)
26في الإرشاد (بلذة العلم) بزيادة الباب
27من الإرشاد والذي في الغنية (وحسرة) ولم أدر ما وجهه
28من الإرشاد وليست في الغنية
29في الإرشاد (ومجاورة)
30كذا في الغنية والذي في الإرشاد (متأدبا)
31و في الإرشاد (وإن لم...)
32في الإرشاد بدون(الذي)
33في الإرشاد والذي في الغنية (بدون)
34منالغنيةوليس في الإرشاد
35من قوله "ووقفت..إلى منته" من الإرشاد وليس في الغنية
36من الإرشاد و في الغنية (فذلك)
37من الإرشاد و ليس في الغنية
 38هذا تشبيه لإيضاح هذه الأربعة بمعنى أنه لا بد للمحدث من مراعاة هذه الرباعيات كما أنه لا بد من ذكر الحمدلة مع الخطبة والدعاء مع التوسل وقراءة البسملة مع السورة والتكبير مع الصلوات.
 39لأنه أصبح ذا نباهة وشفوف

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here