شارك

حول المجاز في اللغة

  دعوة الحق

159 العدد

الانسان من صنع اللغة، بقدر ما اللغة من صنع الانسان، وفي الحياة اشياء كثيرة اخترعها الانسان، ولكنها عادت فاخترعته هي بدورها، ومنها الفنون والآدب، والاعراف والعادات، والنظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية، الا ان اللغة تمتاز من اولئك جميعا، بكونها تقوم منها مقام الاساس والقاعدة من البناء الشامخ الرفيع، فمن معين اللغة تشتق الآداب وفنون القول، ويوحي منها تتكون الاعراف والعادات، وعن هذه الاخيرة تنبثق النظم السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
أما كون اللغة من صنع الانسان، فأمر مقبول بالبداهة، الا أنه يفرض بعض التحفظات، ذلك أن ظاهرة، أنها من مقتضيات تركيبه العضوي والجسماني وما وجود أجهزة النطق لدى الانسان، الا لتؤدي وظيفة لغوية حتمية، ولهذا نشأت اللغة مع نشأة الانسان، وكانت بالنسبة اليه كالتنفس أو الشهيق أو الزفير، أو ما الى ذلك من وظائف التركيب المادي للجسم البشري، وعلى ذلك يصعب القول بأن اللغة من صنع الانسان، اذا نحن فهمنا من هذه العبارة ان الانسان وجد أولا، ثم اخترع لغته التي يتحدث بها، ويتفاهم بواسطتها مع من يتصلون به من افراد البشر، والاقرب الى الواقع وطبائع الاشياء أن نقول أن اللغة كانت في نشأتها الاولى من لوازم الوجود الانساني، بحيث لا سبيل الى فهم ماهية الانسان، دون أن تكون اللغة من صميم هذه الماهية، وهنا يحضرني تعريف الانسان من طرف الفيلسوف اليوناني القديم بأنه حيوان ناطق، فهذا التعريف دلالة على اقتران وجود الانسان البيولوجي بوجوده اللغوي، وعلى كون الوجود اللغوي من الآثار المباشرة للوجود البيولوجي في الواقع وفي التفكير الانساني القديم.
ثم بعد أن وجدت اللغة بوجود الانسان، صادرة عنه كبعض وظائفه الطبيعية، أخذت تتطور وتتشقق وتتنوع دلالاتها وأصواتها ومقاطعها، فهل كان الانسان على وجه الحقيقة هو الذي دفع بها نحو هذه التنوعات عن وعي وبصيرة، أو أن ذلك قد حدث بنفس الطريقة التي كانت بها اللغة من لوازم وجود الانسان ؟ أغلب الظن أن هذه الاخيرة هي الصحيحة ذلك أن الانسان لم يبدأ في توجيه التطور اللغوي، الا بعد أن استطاع تنظيم المعرفة، أما قبل ذلك، فقد كان التطور اللغوي عشوائيا تلقائيا تتراكم اللغة بمقتضاه تراكم المساكن في مدن الانسان القديمة، بمعنى أن عجلة التطور كانت تدور بالانسان لغة واجتماعا واقتصادا وفنا وما الى ذلك، فلما نظم الانسان المعرفة، أي تدخل في تقنينها وتقعيدها ووضع برامجها وطرق ايصالها الى الاجيال الناشئة بدأ يؤثر في تطور لغته، اذ كان من الطبيعي ان يمسها هذا التنظيم ويؤثر في دلالاتها وأساليبها وطرق استخدامها.

هذا، ولقد كان ميلاد المجاز في لغة الانسان، مبدأ تحرره لغويا وأخذه بناصية الابداع والخلق في اللغة، مقرونا ذلك بالشروع في تنظيم المعرفة، حتى لتستطيع القول بأن ظهور عنصر المجاز في اللغة، كان أخطر مراحل تطورها على الاطلاق، ذلك أنه –أي المجاز- كشف عن عديد الامكانيات التي تحملها اللغة في طبيعتها، ورسم من دلالاتها ومفاهيمها وجعل منها مصدر ايحاء، وخصوصا بالنسبة لذوي الاستعداد الفني، وأتاح للانسان فرصة التصرف فيها بالتوليد والاشتقاق والاختراع والابتكار، وجعل منها- أي اللغة – مستودعا لتجارب الشعوب والمجتمعات، يتضخم بتوالي العصور والاحقاب، كما نوع من علاقة الانسان بالاشياء التي تحيط به، وهيأ المجال لاحلامه ووساوسه وخواطره، ان تمرح في حقل اللغة وتخلق عالما من الرؤى والصور، ووسع من حرية الانسان في علاقته بهذا العالم، حيث كان قبل وجود المجاز مقيدا بالاشياء التي يلمسها ويراها ويحسها، من حيث أنها هي التي تحدد معاني الالفاظ التي يستخدمها في أغراضه ومعاملاته، فلما وجد المجاز انطلق من هذه القيود، وتجاوز هذه الحواجز، جاعلا من اللغة وسيلة المتعامل والتجاوب مع عوالم أخرى وراء المشهود والمحسوس، فاتسع أفقه الفكري، ونشطت حياته الروحية، وتحركت قواه النفسية والوجدانية لتخلق من اللغة كائنا جديدا يتفجر شاعرية ويضطرب بدوافع الحياة.
ولقد كان ظهور المجاز في اللغة أمرا لازما، لان المجاز من طبيعة اللغة، ولا توجد لغة خالية من عنصر المجاز، وربما كانت العلة الاساسية في ذلك، أن اللغة نشأت نشأة رمزية، اذ لم يكن هناك ما يفرض أن تختص كلمة معينة بالدلالة على شيء معين في الطبيعة، أو على معنى قائم في النفس، باستثناء الكلمات التي فيها حكاية صوتية لبعض الاشياء ذات الاصوات في هذا الكون، فتبع ذلك عدم التلازم المطلق بين الكلمات ومدلولاتها، وكان ظهور المجاز مستمدا في الاصل من طبيعة العلاقة المرنة المتطورة بين كيانات الالفاظ، والمفاهيم والاشياء التي تدل عليها عند استخدامها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى يلاحظ أن ظهور المجاز في اللغة، تأثر تأثرا كبيرا بكون اللغة كانت تتحمل العبء الاكبر في التعبير عن مجموع المعاني والانفعالات التي يضطرب لها كيان الانسان، اذ هي وسيلة مباشرة، وسريعة الاستجابة، وصالحة للاخذ والعطاء التلقائيين، الامر الذي أهلها لان تسعف الانسان في قضاء جل حاجياته، وللتعبير الفوري عن انفعالاته، ومن ثم كان من المحتم أن تنفلق اللغة وتتفجر، نظرا لعبثها الثقيل، فظهر المجاز كعرض من أعراض هذا التفجر وذلك الانفلاق، وهكذا أخذت المادة اللغوية تتمدد، كما تتمدد الاجسام اذ تصهرها النار، فاستعاض الانسان القديم عن ضالة حصيلته اللغوية، بالتنويع في دلالاتها (1) ومعانيها والخواطر التي يستوحيها منها، والصور والظلال التي يعبثها بها، وهذا شيء مدهش في تاريخ التطور اللغوي، وهو  قد لا يبدو لنا مدهشا في وقتنا الحاضر، لاننا فتحنا عيوننا وعقولنا على لغة متكاملة في مجازاتها ودلالاتها وطرق استخدامها، ولكن لو تمكنا من الرجوع بالخيال الى ماض سحيق، لنتمثل الظرف الذي بدأت فيه اللغة تخرج عن مدلولاتها الحقيقية، لتنصرف الى مدلولاتها أخرى مجازية، لادركنا بوضوح خطورة المجاز، والدهشة التي لا شك أنها أخذت الانسان الذي عاش تلك المرحلة من حياة اللغة، وهو يجد الكلمات تخرج من شفتيه جديدة الدلالة، وكأنما طاف بها طائف من السحر !! بل ان شيئا من هذه الدهشة يأخذنا اليوم، عندما نصادف شاعرا معاصرا لنا يحدث ثورة في اللغة، فيجردها من دلالاتها المتعارف عليها حقيقة ومجازا، ويديرها على معان أخرى لم يسبق لها ان استخدمت للدلالة عليها، مما يدخل في باب المجاز الجديد، الذي بدأ يدخل عالم اللغة العربية فيقلبه رأسا على عقب، واذا شئت أمثلة على ذلك فدونك أدب السرياليين، واقرأ شعر ادونيس الذي تفرد باستعمالاته الخاصة للغة، مما أثار دهشة الكثيرين من قراء الشعر، ودفع بعض النقاد الى مهاجمته.
وظهور المجاز في اللغة مع ماتلاه بعد ذلك من تنظيم المعرفة، قد مكن الانسان من مزاولة عملية خلق لغة داخل اللغة، فاذا فاته أن يخترع اللغة ولو في صورتها البدائية القديمة، فانه يملك ان يتصرف فيها باستخدامها في ضروب الفخار وأنواع الدلالات، والامر يقع حتى بالنسبة الينا نحن أهل هذا العصر، وسوف يقع حتى للاجيال القادمة، ذلك أننا نأخذ عن المجتمع لغة جاهزة في كلماتها ومعانيها وتراكيبها و  
طرق استعمالها، ولكنا لا نقف عاجزين عن التصرف الحر فيها، متى كانت عندنا المواهب والاستعدادات الضرورية لذلك، اذ تعمد الى مجازها فنحور فيه ونغير، ونلقي عليه من الاصباغ الخاصة المتنوعة ما يعطيه كثيرا من الطرافة والجدة، وهذا هو السر في أن كل شاعر كبير وأديب لامع، له قاموسه الخاص الذي يختلف عن قواميس غيره من كبار الشعراء والادباء، اذ المجاز هو الثغرة التي بقي الانسان ينقب عنها في جدران سجنه اللغوي الى ان عثر عليها، فانطلق منها الى أوسع الآفاق، فأنشأ فنون القول وترجم لغة الصخر والطير والزهر والصحاري والعواصف والنسمات والامواج الى لغته المجازية، مشتقا منها الجديد تلو الجديد، على نحو لا يعرف التوقف، وكان المجاز ولا زال حافلا بشتى الوعود، يحمل في تضاعيفه ارهاصات وتنبؤات بالمستقبل، اذ صارت اللغة بفضله حقلا لتجارب الانسان الروحية والعقلية، ومجالا خصبا لاستثمار آماله وأشواقه وتطلعاته، فاذا قيل لك ان مخترعات العلماء، منها ما يرجع الى حلم الانسانية القديم، فلا تكذب ذلك، لان الانسان لما عرف المجاز في اللغة، واتخذ منه معبرا الى عوالم لا حد لها، انعكست تطلعاته وتوقعاته على اللغة فكان ذلك مبدأ تحرره من قيود الضرورة، واطلالته على دنيا غير الدنيا التي يعرفها فدل ذلك على ضيق الانسان بما هو كائن، وانتظاره لما ينبغي أن يكون، أو قل أنه كان دالا على شعوره بالتناقض بين ضعف وسائله وبعد غاياته، بين ما يستطيعه فعلا، وما يطمح الى تحقيقه، وعلى ذلك يمكن تفسير المجاز بأنه طموح، وتمرد على الاشياء، وضرب من الرفض للتقولب داخل قوالب معينة جامدة، وأسلوب في تحطيم الحواجز الواقفة بينه وبين المجالات التي يحلم بالوصول اليها، أهو رد فعل الانسان ضد اللغة التي فرضها عليه المجتمع ؟ أم هو تفان في حب هذه اللغة وتعشقها إلى حد اعادة خلقها من جديد، كما يفعل العاشق المدنف، اذ يحيل محبوبه كائنا آخر، يسير فوق السحب، ويسبح في بحر من ضياء وسناء...؟ أم هو تداعي المعاني الذي يشرحه علماء النفس، يعمل عمله في دلالات اللغة، فيبدع منها شيئا بعد شيء، كما يرى الانسان حبل غسيل، فيذكره بموعد ضربه لصديق وأوشك أن ينساه، أو يرى زهرة متفتحة، فيرد اليه منظرها ذكرى قصيد شعري كان قد انتشى به بضع لحظات ؟ أم هو شيء آخر غير هذا ؟
ومع ظهور المجاز في اللغة، لم تنقطع العلاقة بين الدلالة الحقيقية والدلالة المجازية للالفاظ، ذلك ان الثانية تقوم من الاولى مقام الفرع من الاصل، والنتيجة من المقدمة، حتى أن فهمها أحيانا لا يتم بدقة دون فهم سابقتها، فأنت- مثلا- غير قادر على تصور المعنى المجازي بكلمة شرف، أو شجرة النسب، أو بيت القصيد، الا اذا استحضرت الى ذهنك المعاني الحقيقية لهذه الاستعمالات اللغوية، والا كان تصورك ناقصا غير دقيق، ما دمت لا تدخل في تقديرك الاسس اللغوية للالفاظ.  
وغير خاف ان العلاقة بين الدلالتين الحقيقية والمجازية، ليست علاقة سببية دائما، فقد تكون علاقة قائمة على تداعي المعاني، او علاقة في الآثار الناجمة عن كل واحدة من الدلالتين، أو علاقة تشابه وتماثل بينهما، أو غير هذا من ضروب العلاقات اللغوية، وعلى أي فان هذه العلاقة قائمة بين أحد طرفي المعنى والطرف الآخر،  بحيث قد يسهل تنقل الذهن بينهما اذا اقتضى الحال ذلك، وبناء على هذا لم تسلم أية من الدلالتين من التأثر بالدلالة الاخرى والانفعال بها، ومن ثم كان اختلاط المعاني الحقيقية بالمعاني المجازية لدى جل الناس، كما كان تصور أحداهما لا يسلم من ظلال الاخرى وايحائها، وان الناس ليختلفون احيانا كثيرة بسبب اختلاط معاني الالفاظ في اذهانهم، وقد يتوارى المعنى الحقيقي لكلمة ما لحساب معناها المجازي، بحيث يقف استعمالها في المعنى الاول، بينهما ينتشر استعمالها في المعنى الثاني، ككلمة شرف التي اشرنا اليها منذ قليل، وكلمة مذهب، وكلمات سيارة وعقيدة ورواية وما اليها.
وارتكاز كلمات اللغة على المعاني الحقيقية، في نفس الوقت الذي تنصرف فيه الى شتى المعاني المجازية، له مغزاه ومعناه، وبيان ذلك أن من طبيعة اللغة الا تنفصل عن أصولها التي انحدرت منها مهما طرأ عليها من تحولات، فدائما ينظر فيها الى الاصل، على أنه القاعدة التي لا بد من مراعاتها في كل استعمال لغوي طارئ، فالكلمة اللغوية تقطع رحلتها الطويلة عبر العصور والاجيال، ممتصة اثناءها عديد المعاني والانطباعات، لترتد أخيرا الى أصلها القديم الذي نشأت عنه طائفة من التفرعات، وهو راسخ في موضعه لا يريم، ومن هنا كانت الخلفية التاريخية لكلمات اللغة ذات قائدة كبيرة للدارس والباحث في متن اللغة وفقهها، وكانت   أهمية النصوص الادبية القديمة جوهرية، اذ تمكن من الرجوع باللغة الى منابعها ومنابتها الاصلية، قصد وضع اليد على الاساس التاريخي البعيد، لكل تطور طرأ عليها خلال العصور.
والسر في هذه الصلة القوية بين كلمات اللغة ومعانيها الاساسية الاصلية، هو اتصالهما منذ وقت مبكر، وبطرق تلقائية لا أثر للتعمل فيها، مع شيوع ذلك وتقبله من طرف المجتمع، وقيامه مقام الاشياء الطبيعية، وانطباعه في وجدان الجماعة، وامتزاجه بحسها اللغوي، واستمرار ذلك بالوراثة، متنقلا من جيل الى جيل، ومن عصر الى عصر، وفسح المجال له في الاستعمال اللغوي بين الافراد والجماعات، مع ارتباطه بالاذواق واستقراره كعرف لغوي، وعلى هذا الاساس كانت اللغة لا تقوي على فصم انتمائها الى ظروف نشأتها الاولى، اذ أن آثارها تبقى عالقة بها باستمرار، مهما طرأ عليها من تطور، كما كانت دائما ظاهرة تاريخية، تعيش في الحاضر وتنزيا بازيائه، ولكنها تفعل ذلك من خلال مزاجها التاريخي، ومع محافظتها على شخصيتها القديمة، تتبع اللغة العربية – مثلا- وهي زهرة تتألق في روض مؤنق جميل، او وهي خارجة لتوها من أحدث صالونات التجميل الحديثة، أو وهي حلية ترقد فوق صدر احدى بنات هذه الايام، وتأمل جيدا في قسماتها وتقاطيع وجهها، تجد انها اعرابية متنكرة في ثوب فتاة عصرية، اختلطت فيها روائع الشيح والقيصوم، بأرق العطور وألطفها مغازلة للحس، مشى في أديمها نعيم الحضارة، واحتار في محياها ماء الشباب، وخشن فيها طبع البداوة، واستقرت حكمة السنين.
وسوف يكون مصير الكلمات التي نخترعها اليوم، مثل مصير سابقاتها الراجعة الى أيام خلت، من حيث أنها سوف تبقى دائما مرتبطة بمعانيها التي استخدمناها للدلالة عليها، مهما يطرأ على دلالاتها من تحوير أو تغيير، عندما تستخدمها الاجيال المقبلة، في أغراض بعيدة عن الاغراض الاساسية لها.      
بما صنعته أجيال من قلبنا، أو بعبارة أكثر دقة اذا هو قيس بنشاط جيل من أجيالها الماضية، اذ أنه من الظلم أن يقاس عمل جيل واحد، الى عمل أجيال بكاملها، ولعل ذلك راجع الى الثروة اللغوية الهائلة التي فتحنا عيوننا عليها والمردودة الى عهود مختلفة.
أي أننا وجدنا بعد ان كانت اللغة قد استكملت عناصر شخصيتها، وتكون لها مزاجها الخاص واعرافها الخاصة، ومن ثم كان عملنا في غالب الاحيان ازاء اللغة، هو تحرير معاني الالفاظ، واشتقاق ألفاظ جديدة من مادة لغوية قديمة، أو تركيب لف من لفظتين على نحو ما نقول: برماني، وانجلوساكسوني أو ما الى ذلك، أو استعارة ألفاظ من لغة أخرى، وهذه قضية يتشعب البحث فيها.
واذا  كان من اللازم أن تبقى الصلة قائمة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي للكلمات، على توالي العصور والاحقاب، فان هناك رأيا خاصا في هذه المسألة، ربما كان متطرفا بعض الشيء، وهو الرأي الذي يذهب الى ان المجاز قسمان: مجاز نسبي ومجاز محض، المجاز النسبي هو الذي تكون فيه العلاقة بين المعنيين الحقيقي والمجازي واضحة أو يكتنفها شيء من الغموض، ولكنها على كل حال يمكن تصورها واستحضارها الى الذهن – وهذا هو المجاز الذي عرفته اللغة العربية في كل عصورها – أما المجاز المحض، فهو ذلك الذي لا تلمح  فيه هذه العلاقة، ومهما بحثنا عنها فأنا لا نجدها لانها غير قائمة سواء بالقوة أو الفعل، ويعتبر بعض الباحثين الرمزية الدينية الواردة في الكتب الدينية من هذا القبيل، ذلك أن اللغة الدينية يستحيل ترجمتها من المفهوم المجازي الى المفهوم الحرفي، طالما أن العلاقة بين الطرفين غير قائمة على الاطلاق، اذ اللغة الدينية تتحدث عن نظام الهي غير محدود، وخارج النظام البشري المحدود، ومن ثم كان من المستحيل ردها –أي اللغة الدينية- الى المعاني التي نشتقها نحن من طبيعة نظامنا الارضي لنضعها في الالفاظ، هذا وان كثيرا من الشعر العربي الحر الذي يقال هذه الايام غاص بالمجاز الذي ان لم يكن محضا فهو أقرب الى المجاز المحض منه الى ضرب آخر من ضروب المجاز، ويمكن للقارئ الرجوع الى اعداد مجلتي الآداب ومواقف، ليجد نماذج كثيرة لذلك، فأنت اذا درست هذا الشعر تعذر عليك رد كلماته الى معانيها الحقيقية وربطها بالمعاني المجازية، نظرا لكونها خارجة عن كل عرف لغوي، وعن جميع أساليب البيان العربي والبلاغة العربية، واصحابها يصرون في بعض مقالاتهم وما أجري معهم من استجوابات على افراغ كلمات اللغة من كل مفاهيمها التي استعملت فيها من قبل، والتعامل معها بأسلوب جديد، فيه ثورة على كل عرف لغوي، واقرأ اذا شئت كتاب أدونيس (زمن الشعر) كوثيقة ادبية تقوم شاهدا على هذا المذهب الثوري في التعامل مع كلمات اللغة، على حين انك اذا قرأت قصيدا لاي شاعر عربي قديم أو أي شاعر عربي معاصر من الذين يستخدمون كلمات اللغة، بناء على أعرافها المتوارثة وقواعدها القارة الثابتة، أمكنك بسهولة تبين العلاقة بين الحقيقة والمجاز في لغتهم، كما امكنك رد أساليبهم البيانية الى أصول البيان العربي المعروفة.
والمجاز في اللغة تطور في الدلالة، وهذه تتبدل بتبدل أحوال الامة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وبانتقالها من حالة البداوة الى حالة الحضارة، ومن حالة التخلف الى حالة التقدم، ومن حالة التمزق الى حالة الوحدة، وكل تغير يطرأ على أذواقها وأفكارها ونظرتها الى الاشياء ومقاييسها في تقييم الامور، يترك آثارا على الدلالة اللغوية، والمجاز ظاهرة حضارية في اللغة، تدل على مرحلة هامة من مراحل التطور، وينعكس عليها مدى قدرة عقلية الامة على التخيل والتمثل والاستجابة لظواهر هذا الكون واحدانه، ومن ثم كان المجاز ظاهرة حضارية، من حيث أنه يمثل انتقال عقلية الامة التي يبرز في لغتها من طور الجمود والحرفية والتعامل مع الماديات الى التعامل مع المعنويات، ومن حالة ادارة اللغة على أشياء الطبيعة، انى ادارتها حتى على شؤون النفس والوجدان، اذ أتيح للانسان بفضل توسعه في مفاهيم لغته ان يتأمل ذاته وخواطره وانطباعاته الخاصة عن هذا العالم، فبرزت ذاتيته في لغته، واتصلت منه بجوهر رفيع، ووشت بأحلامه وأشواقه ورغبته في السمو عن واقعه الى آفاق رحبة واسعة، يحلق فيها عن طريق التخيل والتأمل، جاعلا من اللغة مطيته الى ذلك، ومن ثم نشأت عنده الآداب، لانها كانت من هبات ظفره بعنصر المجاز في اللغة.
وكأنما استمرا الانسان هذا العنصر المجازي واستلذه وآثره، فأخذ يتفنن فيه ما وسعت ذلك طاقته الروحية والوجدانية، حتى تضخم هذا العنصر وطغى على العنصر الحقيقي وجار على حدوده، واستلبه مناطق نفوذه، ودونك قواميسنا اللغوية، اقرأها بامعان، تجد أن الاكثرية المطلقة لكلماتها تدور على معان مجازية، وهذه ظاهرة اظنها توجد في جميع اللغات، ان تضخم عنصر المجاز في اللغة اذا كان نعمة على فنون القول وأصناف البيان، فانه كان من العقبات المنيعة التي واجهت العلماء والفلاسفة (2)، ذلك ان هؤلاء يريدون أن تكون اللغة التي يشرحون بها قضاياهم وأفكارهم في منتهى الدقة والتركيز، والحال ان المادة اللغوية التي يعتمدونها اداة لهم، طافحة بالمجاز، غنية بالصور والظلال، مشحونة بالعواطف والانفعالات، قابلة للايحاء، فكان أن جاهدوا لتجريدها بما علق بها خلال العصور من كل هذه الامور، حتى تبقى لها دلالتها العلمية أو الفلسفية الخالصة، فهل نجحوا في هذا المطلب؟ لقد كان نجاحهم جزئيا، واستمر شيطان اللغة يراوغهم، ويخرج لسانه الخبيث من بين سطورهم، في سخرية لا تخلو من طرافة وظرف..       
   ونحن لا نذهب بعيدا اذا قلنا – معتذرين للعلماء والفلاسفة – ان المجاز المتضخم، هو الذي جعل القماش اللغوي من السعة بحيث تدخل فيه مجتمعات وشعوب، تفصله على قاماتها وهياكلها، فلا يضيق بها ذرعا وانما يسعها جميعا، فهل كان للفارسي والرومي والهندي والصيني وغيرهم ان يمرحوا في رحاب العربية ويتقبلوا في أعطافها ويوسعوها من ابداع وافتنان لولا الرصيد الضخم للغة العربية من المجاز، الذي أتاح لهم جميعا أن يجعلوا العربية لغتهم، يصوغون بواسطتها خواطرهم ويتغنون عواطفهم ويبلورون أفكارهم، وهي اللغة القادمة من البادية، تضم جسمها ملاءة الصحراء، ويلف رأسها خمار العشيرة ؟ اني هنا لا شبه اللغة الغنية بالمجاز بانسان بشوش ودود، على جانب كبير من المرونة، يتسع صدره لجميع الناس، فيكثر من حوله الاصدقاء، على تباين أمزجتهم وطباعهم، كما أشبهها بمتجر توجد به بضائع مختلفة، بحيث يجد فيه كل واحد طلبته فيكثر زبناؤه، ولقد كان من حسن حظ العربية، وحسن حظ الطارئين عليها، انها وصلت اليهم في الوقت الذي كانت فيه لغة ثرية الدلالة، تمثل أمة ذكاء ولها خبرة ووجدان حي، وطموع الى بعيد، الامر الذي تهيأ معه لهذه اللغة أن تستجيب لهم، وتتسع لكل أغراضهم الفكرية والذوقية والعاطفية.  

وننظر الآن الى المجاز من زاوية أخرى، فنلاحظ أنه يقوم أحيانا مقام الحقيقة، بل قد يكون هو الحقيقة نفسها، وبيان ذلك أن الكلمة اذا استخدمت للدلالة على حقيقة في نفس الشخص أو فكره، بعد أن تكون – أي الكلمة – قد نقلت من معناها الاصلي، ويصبح هذا الامر القائم في النفس أو الفكر، هو حقيقتها، وهنا ينتفي عنصر المجاز أو يتوارى، لان الكلمة لا تدل حينئذ على حقائق النفس أو الفكر مجازا، وانما تدل عليها حقيقة، ولو استحضرنا معناها الاصلي فلربما كان هو المجاز، بالنسبة الى المعنى الذي جاءت للدلالة عليه عند شخص ما، وعلى ذلك يمكن القول بأن من المجاز ما يتحول الى حقيقة، اذا كان الاصرار على اعتباره مجازا، يسيء الى الغرض الذي جيء به للدلالة عليه، فاذا امتلأ شاعر- مثلا- بأن حبيبه يمتاز من غيره من الناس، فخلع عليه لقب ملاك، أو سلكه مسلك بعض الاشياء الخارقة للعادة، فليس لنا أن نناقشه مستكثرين عليه ذلك، بالرجوع بالالفاظ الى معانيها الحقيقية، والا ضاعت الحقيقة النفسية التي يريد التعبير عنها، ولكن مع ذلك يمكن رد ألفاظه الى معانيها الاصلية خارج نطاق النص الادبي، أي أننا ينبغي أن نفرق بين الالفاظ وهي مفردة، وبينها هي نفسها داخلة في نسيج الادب والشعر.
وما دام من حق الشاعر أو الاديب، ان يبدع في اللغة، ويضمنها ما شاء من المعاني، حتى ولو خرج في ذلك عن التقاليد اللغوية والادبية المتوارثة، فليس لنا أن نطالبه بالخضوع لهذه التقاليد، ونحاكمه الى المأثور من الآداب القديمة، وعلوم بلاغتنا العتيقة، والا نكون قد أخللنا بما ينبغي للاديب من حرية في مزاولة عمله الابداعي، وبناء على هذا فالمجاز لا يصح ان يطلق الا حيث تكون الحقيقة هي الطرف الآخر المقابل له، اما اذا استخدم ليدل على حقيقة في النفس، فهاهنا يكون هو الحقيقة نفسها، وحينئذ ينبغي الامتناع عن اعتباره مجازا حسب العرف اللغوي المعهود، ومن ثم كان على ناقد الاعمال الادبية الا يحكم عليها، مقاييس اللغة في تقديره للنصوص والحكم عليها، ذلك أن اللغة في الاستعمال الادبي قد تخرج عن أعرافها وتقاليدها التي يحددها المعجب الادبي القديم، وكتب البلاغة الموروثة، ولو ان ناقدا خالف هذا المبدأ، لقلب الاشياء رأسا على عقب، وأساء الى اعمال بعض الادباء المبدعين من حيث يدري أو لا يدري.
وأود في الاخير أن أنبه على هذا الحديث لم يقصد به أن يكون بحثا في فقه اللغة، ولست أزعم له شيئا من ذلك، وانما هو خواطر في اللغة تساق الى الادباء، قبل أن تنساق الى المعنيين بالدراسات اللغوية المتخصصة ، فمعذرة. 


1- راجع (دلالة الالفاظ لابراهيم انيس) 
2- راجع كتاب (فنون الادب)، لتشارلتن، ترجمة زكي نجيب محمود.  

 

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here