islamaumaroc

ذكرى خالدة

  أحمد مراد

20 العدد

ليس أحق من مجلة "دعوة الحق" وهي التي نذرت نفسها لخدمة شؤون الدين والثقافة والفكر في مغربي العربي، ليس أحق منها ولا أجدر بالعناية والاهتمام بذكرى رجل فذ ومصلح عظيم، أوقف حياته على الجهاد من أجل إعزاز الدين ورفع رايته، وتطهيره مما علق به، وأنفق جل عمره يبث أنوار العلم والمعرفة في صدور الرجال، ويزيل غياهب الجهل من طريقهم، ويكونهم تكوينا صحيحا حتى يصبحوا عمادا متينا لبناء مستقبل الوطن.
فقد كان هذا الرجل بحق رائد الأجيال نحو النور والحياة، وباحث نهضة ثقافية واجتماعية وقومية جديرة بالاعتبار. ومجلتنا إذ تعنى بهذه الذكرى إنما تساهم بقسط موفور في تعبيد الطريق القديم أمام شباب المغرب العربي، الذي ينشد العزة ويتطلع بشوق إلى الحياة الحرة الكريمة، على أساس من الهداية الإسلامية والقدوة الحسنة، وبإيحاء من تاريخه الحافل بالعظمة والمجد.
وهذا ما حدا بي أن اسطر هذه الكلمة الوجيزة عن الذكرى التاسعة عشرة لوفاة الراحل الكريم المرحوم الشيخ عبد الحميد باديس رضي الله عنه. بعد أن حالت حوائل الحرب التي يخوض غمارها شعب الجزائر دون إحياء هذه الذكرى الخالدة منذ بضع سنوات في أرض الوطن. فقد قضى نحبه (رحمه الله) يوم السادس عشر من ابريل سنة 1940 في مسقط رأسه بمدينة قسنطينة. وبحلول يوم 16 ابريل من هذه السنة تكون قد انقضت على وفاته تسعة عشر عاما. وكان عمره لا يتجاوز الخمسين سنة. عمر قصير محدود لكنه كان عامرا بجلائل الأعمال وخالد المآثر.  والحياة العامرة المثمر لا تقاس بطوال الأعوام وامتداد الأيام. أن حياة الرجال وأعمار الأبطال تقاس بما يقومون به من جهاد ونضال، وما ينهضون به من أعباء ومسؤوليات قد تنوء بحملها الجبال، وتعجز تحقيقها وانجازها الأجيال.
ولقد كان فقيدنا (يرحمه الله) من طراز فريد في علمه وعمله، وحيد في جهاده وإخلاصه، في تفانيه وانقطاعه لخدمة أمته، ورضي عن طيب الخاطر أن يضحي بكل ما ترغب فيه النفس البشرية من لذة ومتاع، في سبيل العمل لإحياء الدين والوطن والنهوض بالأمة، بعد أن هبطت إلى الحضيض وأشرفت على الموت. وكان لجهاده في مختلف الميادين التي اختارت الجهاد فيها أحسن النتائج وابلغ الآثار، فيما ضحى عليه الشعب الجزائري من نهضة ويقظة شاملة، بات معها مضرب المثل في البطولة والاستماتة من اجل استيراد سيادته، والظفر بحريته واستقلاله.
انحدر الأستاذ عبد الحميد ابن باديس من أسرة جزائرية شهيرة، أسرة علم ومجد، كان لها ماض حافل، وتاريخ ماجد في حياة الشمال إفريقي منذ بضعة قرون خلت. ونشأ في بيئة عربية إسلامية، أثرت في تكوينه تأثيرا حسنا. وبعد استظهاره لكتاب الله، بدأ دراسته الأولى في مدينة قسنطينة، التي كانت موئل طلاب العلم الذين يؤمونها من جميع أنحاء الوطن، واشتهر بجده واجتهاده ولإقباله على العلم بهمة لا تعرف الكلل. ثم ارتحل إلى جامع الزيتونة حيث أحرز منه على شهادة العالمية. وبعد عودته من تونس بقليل، عقد العزم على القيام برحلة عبر أقطار الشرق العربي، لأداء فريضة الحج، والإطلاع على شؤون أبناء العروبة والإسلام في تلك الربوع، ودراسة الأوضاع التي كانت تعيش عليها الشعوب العربية. ويبدو أنه قد تأثر أثناء رحلته خلال ديار الشرق بما لمسه من تأثير دعوة موقظ الشرق وحكيم الإسلام جمال الدين الأفغاني، ورفيقة الأستاذ محمد عبده. ولذلك ما أن بدا جهاده العلمي والوطني في أواخر العقد الثاني من القرن العشرين، حتى حذا حدوهما وسار على منوالهما في دعوته الدينية الإصلاحية، ومبادئه القومية. بيد أنه لم يغفل ما يقتضيه اختلاف البيئة والمكان وتطور الزمان، مما جعله ينهج مناهج في عمله تلائم العصر، وتتماشى الوضع الذي تعيش فيه الجزائر.
وهكذا تداركت عناية الله أمر الإسلام والعربية على يد هذا الرجل في أرض الجزائر، في وقت ظن فيه أعداء الإسلام والعربية من بقايا الصليبيين أنهم قد فرغوا من أهرها بتاتا، وشيعوها من هذه الأرض إلى غير رجعة. ومنذ ذلك اليوم بدأ الشيخ ابن باديس جهاده في شتى الميادين، وكأنه أمة وحده، لا يستمد العون إلا من الله، ومن شعوره بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه وعلى عاتق أمثاله من علماء الدين في هذه الأمة. ومن عرف الوضع الشاذ الذي كانت تعيشه الجزائر آنذاك، وحالة التأخر والجهل وسياسة الاستبداد التي كانت تعانيها، أدرك –ولا ريب- أية مغامرة أقدم عليها هذا الرجل في بداية نضاله لانتشال أمته من الوهدة التي تردت فيها، وليس بيده من سلاح يصارع به طغيان المحتل الغاصب غير إرادة قوية، وعزيمة صادقة، وثقة بالله في انتصار الحق على الباطل.
كان الشعب الجزائري في ذلك العهد المظلم يعيش تحت وطأة سياسة استعمارية عنصرية، قد سدت في وجهه جميع المنافذ التي تنفذ إليها رائحة العدالة، أو يرى منها بصيصا من نور الحرية. فقد عمدت فرنسا من يوم احتلالها أرض الجزائر إلي تطبيق أساليب التفقير والتجهيل، لإبادة شخصية الشعب ومسخ قوميته حسا ومعنى، تمهيدا لإدماجه التام، على الطريقة التي تجعل من أبنائه قطعانا من العبيد المسخرين، لصالح السادة المحتلين، الذين يفرضون عليهم كل الواجبات، وليس لهم أدنى حق من الحقوق. حاربت الإسلام والعربية جهارا نهارا رغم أنها تدعي الملائكية، وجندت لبلوغ هدفها كل ما لديها من قوة مكر، وكيد وغدر، وسلطت ضروبا من البغي والقهر على أبناء الشعب بإسم القوانين الأهلية (لانديجينا)، تلك القوانين الجائرة التي كانت تحاسب الفرد الجزائري حتى على الهواجس والخلجات التي تختلج في صدره.
لكن كل هذه الدواهي لم تنل منالا من إرادة الرجل، ولم تثبط عزمه على خوض المعركة الرهيبة ضد الإستعمار وأعوانه. ورأى لأول وهلة أن صرح النهضة التي يزمع إقامة دعائمها، لا يمكن أن تكون متينة وراسخة إلا أذا أقيمت على أساس الدين واللغة، وإحيائهما والحياة بهما، لأن ذلك أضمن الوسائل وأنجعها لتحقيق الآمال التي ظلت تخامر نفسه في بعث الأمة وإيقاظها من غفلتها وإخراجها من الظلمات إلى النور.
نعم أن الاستعمار قد دأب فناء الشخصية المعنوية للأمة، ولكنه لا يملك أن يقاوم الطبيعة أو يغيرها مهما أوتي من قوة. تلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا. لهذا لم يكن في مقدوره أن يقضي نهائيا على بذور الحياة الكامنة في الإسلام ولغة الإسلام. ولا أن يعفي على عناصر المناعة والقوة الموجودة في طبيعة الدين الإسلامي ولغته، والشعب الجزائري شعب عربي مسلم بطبيعته. على هذا المبدأ بنى الرجل عمله، إذ  أدرك من أول يوم أنه لا يمكن أن توجد أمة أو تشاد نهضة شعب على غير المقومات الطبيعية لهما من لغة ودين وتاريخ. فتصدى في دروسه ومحاضراته وكتاباته لتجلية ما أخفاه الجهل من محاسن الإسلام وآدابه وتعاليمه، ومحاولة البدع والخرافات التي نسبها الجهلة والمبطلون إليه.
أنشأ الكثير من مدارس التربية والتعليم لتثقيف الناشئة الجزائرية وتلقينها دروس الدين واللغة ومبادئ العلوم حسب أحدث المناهج العصرية وعمل بجد وتفان على غرس الروح القومية الصميمة في أبناء الشعب، وإعدادهم لحمل راية الكفاح. والذود عن حمى الوطن في يوم ما ... واستمر في طريقه يقطع المراحل الواحدة تلو الأخرى. رغم العراقيل والأشواك، مواصلا جهاده بمؤازرة فئة قليلة من رفاقه وأعضاده المخلصين، الذين ظلوا صامدين في الجهاد معه، واقفين إلى جانبه، لم تضعف لهم إرادة ولم توهن لهم عزيمة. فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا.
وكان لكثرة إقبال الأمة عليه، وتحميسها لمشاريعه ما يوازى جهوده المبذولة في خدمتها ورفع مستواها وإحلالها المكانة الائقة بها، إذ أصبحت تشعر شعورا عميقا جماعيا بضرورة التحرر من القيود والأغلال التي يكيلها بها الإستعمار، والسير السريع في طريق التقدم والتطور في دائرة التمسك بدينها ولفتها –بحكم الجهل- من الخرافات والأوهام والأباطيل التي لا تمت إلى الدين الصحيح بصلة، وليس لها من الحق نصيب
وبالإضافة إلى جهاد ابن باديس في ميدان العلم والتعليم والتربية، كأداة فعالة لحفظ  شخصية الأمة وإثبات وجودها، وتأكيد اعتبارها كأمة عربية مسلمة، لم يغفل النضال في مجالات أخرى سياسية واجتماعية وغيرها. وأهمها نضاله في مجال الصحافة، الذي أبلى فيه البلاء الحسن. فقد أنشأ منذ سنة 1925 جريدة (المنتقد) أول صحيفة عربية حرة حملت راية الكفاح ضد الاستعمار وعملائه، وعبرت بشجاعة وصراحة عن رغبات الشعب وآماله الوطنية، واتخذت شعارا لها: "الحق فوق كل واحد والوطن قبل كل شيء" هذا الشعار الذي يتضح منه اتجاه الأستاذ في مبادئه. هاجم الاستعمار وأعوانه في صحفه التي أنشأها بشدة وعنف. وفضح أساليب السياسة الاستعمارية المتبعة لفرنسا في الجزائر ومسخ شخصيتها، والقضاء تدريجيا على دينها ولغتها، كما أعلنها حربا شعواء الدجالين والمشعوذين باسم الدين، الذين ما انفكوا يستغلون الجماهير الساذجة باسم الدين، والدين منهم براء. موضحا في الوقت نفسه تعاليم الدين الصحيح وآدابه المستمد من الكتاب والسنة، وعمل السلف الصالح ولم يعمر (المنتقد) طويلا لأن غلاة الاستعمار لم تستطع أن (تهضم) آذانهم لغتها، إذ لم تتعود على سماع مثل صراحتها. ثم أصدر الشيخ صحيفة  (الشهاب) أسبوعية أولا ثم شهرية، ضرب فيها على نفس الوثر، وسار على نفس المنوال، وظلت تؤدي مهمتها الوطنية على خير الوجوه، إلى أن توقفت عن الصدور اتر إعلان الحرب العالمية الثانية. وإلى جانب هذا كان يشرف على توجيه الصحف الأربع التي أصدرتها جمعية العلماء، وعطلت كلها الواحدة تلو الأخرى، ما عدا (البصائر) التي ظلت تنازل العدو الكنود إلى ما بعد نشوب الثورة، حيث عطلت هي الأخرى كسابقاتها بعد كفاح مرير دام عدة سنين.
ويتجلى لنا مما سبق أن أثر جهاد الشيخ ابن باديس في ميدان الصحافة لا يقل عنه في ميادين أخرى، في بث الوعي القومي، وإثارة الشعور الوطني، وإيقاظ الأمة من سباتها، لتتدارك أمرها، وتبادر إلى معالجة أمراضها. وقبل أن أنهي هذا العرض السريع لبعض أعمال الأستاذ أود أن أورد هنا فقرة، واحدة، مما كان يراعه ينفثه في معرض الدفاع عن وجود الأمة الجزائرية كحقيقة ملموسة لا تقبل النكران. قال في أحد فصوله التي نشرتها مجلة الشهاب: "إننا نرى أن الأمة الجزائرية موجودة ومتكونة على مثال ما تكونت به سائر أمم الأرض، وهي لا تزال حية ولم تزل. ولهذه الأمة تاريخها اللامع، ووحدتها الدينية واللغوية، ولها تقاليدها الحسنة والقبيحة كمثل سائر الأمم. وهذه الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا تريد أن تصير هي فرنسا، ومن المستحيل أن تصبح هي فرنسا ولو أجبروها...". ولتفنيذ مزاعم المستعمرين في هذا الموضوع قال في قصيدة رائعة:

شعب الجزائر مسلم                               وإلى العروبة ينتسب   
من قال حاد عن أصله                             رام المحال من الطلب 
أو رام إدماجا لــه                                 أو قال مات فقد كذب 
"إن المجال لا يتسع لتحليل شخصية عبد الحميد ابن باديس ومثاليته من جميع الجوانب، وحسبي أن أسجل هنا أن الرجل كان واسع الإطلاع على العلوم الإسلامية متضلعا خاصة في علوم القرآن وأسرار التشريع، وكان رائد إصلاح وتجديد في مجالات الأدب والاجتماع، إلى جانب المجال الديني الذي اشتهر فيه بمدرسة متميزة، وأصبح له فيها تلاميذ كثيرون من علماء الجيل في المغرب العربي. ويعتبر بحق في طليعة الرجال العظام الذين وضعوا قواعد النهضة الحديثة ثقافيا واجتماعيا وسياسيا في شمالنا الإفريقي، بله العالم العربي والإسلامي".
"ولا يمكن أن نذكر اليوم كفاح أبناء الشعب الجزائري دون أن نتذكر ما بدله ابن باديس من جهود جبارة في إعداد التربة الخصبة الصالحة لغرس بذور المبادئ الوطنية النامية في نفوس أبناء الجزائر، وإعداد جيل من الشباب الواعي، المؤمن بعظمة دينه ولغته وتاريخ، العامل لاسترجاع حرية وطنه واستقلال بلاده. مما مهد لتحقيق هذه المعجزة التي برزت على يد جبهة التحرير وجيشها الباسل، ذلك الجيش الذي يقف اليوم صامدا في وجه قوات عاتية لدولة تعد في عداد الدول الكبرى، دون أن يصاب بضعف أو وهن. وما تم هذا إلا بفضل التربية الحقة المستمدة من صميم العقيدة الإسلامية التي ظل ابن باديس يبنيها في الصدور، ويغرسها في النفوس والعقول ... ويربي ناشئة الوطن على الإيمان بها وممارستها. واسمعه ينادي هذا النشء في قصيدته المشار إليها آنفا، وكأنه قد تنبأ بما سيخوضه من غمرات النزال ضد مغتصبي وطنه فيقول:

يا نشء يا ذخر الجزا                             ئر في الشدائد والكرب
صدحت بلابلك الفصاح                           فعم مجمعنا الطرب
وأذقتنا طعما من الفصــ                           ى ألذ من الضرب
يا نشء أنت رجاؤنا                               وبك الصباح قد اقترب
خذ للحياة سلاحها                                 وخض الخطوب ولا تهب
وأذق نفوس الظالمين                              لسم يمزج بالرهب
واقلع جذور الخائنين                              فمنهم كل العطب
من كان يبغي ودنا                                 فعلى الكرامة والرحب
أو كان يبغي ذلنا                                   فله المهانة والحرب
حتى يعود لشعبنا                                  النور خط وباللهب 
هذا نظام حياتنا                                    من مجده ما قد ذهب 
لقد قضى ابن باديس وذهب إلى ربه في علاه، ولكنه ما فارق دنياه، حتى أحيا امة كانت قاب قوسين أو أدنى من العدم والفناء، ووضع دعائم نهضة قومية عامرة البنيان، متينة الأركان، غدت كشجرة أصلها ثابت وفرعها في السماء، توتي أكلها كل حين بإذن ربها.
فرحمة الله بما قام به من جهاد، وما أسدى من خير ونفع للبلاد.

.
 


 
 


 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here