islamaumaroc

القومية والفعل

  محفوظ شقرون

20 العدد

.. القومية هي شعور الفرد بالمركب – الاجتماعي، الاقتصادي، النفساني، الذي يفرض عليه أن يزيد على إحساسه بحاجات مجتمعه، وان يجمع إلى فهمه نفسه، فهم نفسية متحده الاجتماعي، وان يربط مصالحه بمصالح قومه، وان يشعر مع ابن مجتمعه ويهتم به، ويود خيره كما يود الخير لنفسه) والقومية (هي الوجدان العميق الحي الداعي للخير العام، المولد محبة الوطن والتعاون الداخلي بالنظر لدفع الأخطار التي قد تحدث بالأمة ولتوسيع مواردها، الموحد الشعور بوحدة المصالح الحيوية والنفسية لمزيد استمرار الحياة واستجادة الحياة بالتعصب لهذه الحياة الجامعة التي يعني فلاحها فلاح المجموع وخذلانها خذلانه..
( .. إنها عوامل نفسية من روابط الحياة الاجتماعية الموروثة والموعودة، قد تطغى عليها في ضعف وتنبهها زعازع الدعوات والاعتقادات السياسية، لكنها لا تلبث أن تستيقظ في سكون الليل وساعات التأمل والنجوى، أو في خطرات الإنسان في برية وطنه أو متى تذكر برية وطنه..)
هذه هي القومية النظيفة كما عرفها الفلاسفة السياسيون الذين علموا بواعز الضمير الوطني أن يجعلوها إحدى أديانهم، واصبغوا عليها سماحة القداسة حتى يسهل على المواطنين قبول دواعيها وتكاليفها، وحتى يؤمنون بها كما يؤمنون بدين الله تعالى، ويخلصون في حبهم لها وفروضها كما تعودا أن يخلصوا في خشوعهم لعظمة الله، وذلك لان الدين القومي حقيقة هو عصب الشعوب القوي المتحرك الذي يحميها من خطر الاضمحلال ويضمن لها البقاء رغم أحيان الذوبان في محلول الزعازع والارتطامات التاريخية الموحشة.
وخوفا على ذاتية الدولة من عواقب المسخ جاء في الإسلام أن (حب  الوطن من الإيمان) وعمل المسلمون على ترويج هذا الحديث بين الأمم الإسلامية حتى تتمسك بقوميتها إلى الحرب والى الموت.
.. سمعنا عن شعوب كثيرة تعطلت عن التنفس وأصيبت بالانهيار وأصبحت في إحدى أطوار حياتها ذائبة الضمير يابسة الحس، مثلها كمثل الفيلة تنصاع للأطفال وتصبر للقهر وتستكين للحرمان والجوع.
وقبل أن أؤكد أن هذه الشعوب سكن عصبها القومي، وخمدت في أعماقها جذوة هذا الدين (الديناميكي) بوسائل العدوان التي ابتدعته نزعة الوحشية اللاحقة بالأمزجة المتوارثة عن النظام الامبريالي، مع بعض التفنن في الأساليب، حتى يتمكن من اقتسام شعوب افريقيا وآسيا حبا في قيام نظام  إمبراطوري يحمي استعماره لأرض هذه الشعوب النبيلة .. أحب أن أؤكد انه إذا لم يتمكن العقل البشري لحد الآن من إيجاد دواء نافع لمرضى – الهيموفيليا- ليحمي الفرد من خطر إيقاف النزيف الدموي، فان الضمير القومي قد توصل إلى كيفية تمكن الشعوب من البرء من مرض استنزاف جهودها واستغلال خيراتها وتسكين أعصابها، وجعلها تتحرك لفائدتها وتنفع وتجدي.
هنا يجدر أن نخاطب الفلاسفة الامبرياليين –والبسطاء منهم على حد سواء- الذين مازالوا يفكرون في تجديد وسائل المحافظة على بقائهم على صدر هذه القوميات المنتفضة في افريقيا كلها والكيد لها وإرهاقها بأساليب العدوان والإجرام، حتى تكف عن دق الأجراس، فنسألهم لماذا تباركون الثورة القومية الفرنسية دون أن تباركوا مفعول الثورات القومية الأخرى التي ستبقى تدق الأجراس في مسامع الأجيال الإنسانية المتوارثة الأرض؟؟
لاشك أن منطقهم يؤكد أن الثورة الفرنسية الكبرى كانت انفجارا طبيعيا لفعل القومية في قلوب الجماهير التي كرهت نظام العبودية المسترسلة.
وماداموا يؤمنون بان هذه نتيجة حتمية لكل وضع منحرف وغير طبيعي، فلماذا يبررون وسائل عدوانهم هنا وهناك على قوميات الشعوب التي أرادت اليوم أن تتنفس في حرية وان تعمل في جد لا يقيده استمرار حيثيات خاطئة؟
واسألهم كذلك عن أسباب ثورة المغرب العربي التي نعرفها جيدا كما يعرفونها مثلنا، لأنهم كانوا يمثلون الواجهة المقابلة التي تسعى لإحباط الهمم وتدمير القيم، فكانت القيامة الطامة في كل من تونس والمغرب والجزائر تبدأ في أزمان متقاربة، وبأساليب متشابهة تماما، تعين نفسها، حتى كان هذا الامتداد لأرض الأقطار الشقيقة، تعبير رشيد عن وحدة الدين القومي الذي جمع بينها، وجعلها لحمة واحدة متماسكة كالمرمر، ممتدة في استقامة وجمال على كتفي الأطلس الكبير، كان لم تفرق بينها حدود وسدود وأسلاك شائكة.
وللحديث عن الدين القومي ونسبته إلى الفعل يجب أن نتحدث قليلا عن الظروف التي استغلها السلوك العكسي لتدبير العمليات الإحباطية وأحكامها، حتى يمكن لزيف القومية الدخيلة أن تجد فراغات ملأه وسط قلوب الشعوب المغلوبة على أمرها.
فإذا كان الاستعماريون قد تمكنوا من احتلال الأرض واثبات وجودهم بين مناكبها، فإنهم لم يتمكنوا من احتلال القلوب رغم طول المدة وتنوع الأساليب –المغرية منها والمرعبة- لبلوغ غايتهم القذرة.
لقد جاء هؤلاء في حلل الرسل المكرمين يعاملون الأهليين باللين واللطف، لكنهم شعروا بعد ذلك أن هذه المرحلة ستنتهي، وإذا لم يدخلوا باستعمارهم إلى مرحلة أخرى يغتنمونها لإقامة نظام يحمي برامج رغبتهم في التوسع ماديا وروحيا فلا يمكن لهم أن يجدوا حلا مفيدا يستثمرونه لضمان وجودهم في الأراضي الخصبة بالمواد الأولية وبالخير وبأنواع الخدم والعبيد، لذلك كانت الضرورة ملحة لإقامة نظام استعماري سميك في قوة الاسمنت المسلح يحمي ظهورهم من هجمة السواعد وثورة العقول، فتتصدع عنده شخصية هذه الشعوب  تهوى كأوراق الخريف اليابسة، فتكون مكرهة على دخول سقف هذا النظام، وتنضم مكرهة أو طائعة إلى الإمبراطورية الأم.
فمن هنا بدأت معركة القومية ..
ومن هنا بدأ الجهاد المقدس
.. وتواصلت أيام هذا الجهاد في بسالة رائعة، خصوصا لما صمم الاستعماريون على محاولة المستحيل لمحو اللغة العربية ، وفرنسية الشمال الإفريقي، وتمسيح العقيدة الروحية بلا عن الإسلام الخالد، وتنسية أجيالنا في أمجاد تاريخهم، وتعويضه بتاريخ أجنبي، كان موضوع تدريس يلقن لناشئة مدارسنا، حتى إذا نشأ هذا الشباب يعرف من فطرته الأولى –حشوا- عن رجالات لا يهمونه في شيء، فيخرج جيلا غريبا قد يتنكر لدين قومية الشمال الإفريقي الماجد.
لقد كان هذا العمل بداية حرب القومية في تونس والجزائر والمغرب لتسكين عصبها وتخميد روحها، لكن هذه التجربة كانت فاشلة بالنسبة لآمالهم، وكانت السبب في إيجاد امة مغربية موحدة الأهداف، وقد كانت قبل ضائعة الأطراف تدفعها الحركات القومية لساحة الخلاص النهائي وتجرها لأقرب السبل.
إن هذه الحرب اللعينة التي خمدت في كل من تونس والمغرب ما زالت تدور الآن في شدة وعنف دموي رهيب فرض علينا أن نوفر أسباب الانتصار للحركة القومية الجزائرية، حتى تكون نتيجة كل كفاح انتصارا باهرا للأديان القومية في كل مكان .. وستنتهي هذه الحرب بالنتيجة المحتومة التي تفرض علينا أن نفهم جيدا انه من الواجب المطلق في حقنا وحدنا أن نعتني بفروض هذا الدين، وان نهضم كل متطلباته، حتى لا نحيد عن سوى السبيل، وحتى لا نصاب بالنكسة فتعود إلى حالة الهزال.
ومما يوجب علينا الاهتمام بمستلزمات هذا الدين هو وجودنا في عصر تطبعه القومية بطابعها الخاص، وتهيمن على إحداثه ومجرياته .. عصر بلغ فيه التطور الفكري درجة طغيان الولاء القومي على أي ولاء آخر، حتى كأنما دين العصر الحاضر هو دين القومية الذي احتل المركز الأرفع في قائمة الأديان الفعالة في حياة الإنسان.
.. بعد أن أحطنا علما بحقيقة هذا الدين وبفعله الصالح للمحافظة على قيم الشعوب، يجدر بنا أن نعلم أيضا شيئا عن التهم التافهة التي كثيرا ما ألصقها به خصومه الكثيرون، وهي نفس التهم التي حاول الاستعماريون أن يلصقوها بحركتنا التحريرية حينما ثرنا نريد تبديل النظام اللاوطني الحاكم.
 لقد كان أنصار هذا النظام ينسبون لنا نوايا العدوان بدافع العصبية القذرة المستوحاة –حسب زعمهم – من الشعور الزائف والتقليب السطحي لدواعي التأخر.
كذلك شاء أمثال الخصوم أن يئدوا سماحة هذا الدين قبل أن يستفحل أمره بين الناس ويتعاظم فعله وتنتصر ارداة الشعوب النزاعة إلى العيش والحكم والحياة.
كتب الم E.SHILLITO في مجلة –هبرت- الصادرة في أكتوبر 1931 مقالة تحت عنوان (القومية) يقول: (ما دامت القومية ترتكز على معتقدات سلبية فإنها لن تدوم طويلا).
وجاء في الصفحة 275 من كتاب ESSAYS ON NATIONALISM (إن القومية في جوهرها محبة الوطن ولكنها غالبا ما تجمع إلى ذلك أشياء أخرى .. فهي نظرة متعجرفة مباهية إلى امة المرء المعينة، تقترن بموقف محتقر معاد إزاء الأمم الأخرى، فإذا لم تك خرقاء متحيزة فهي تعصبية غير إنسانية لا محالة، وفي كلا الحالتين هي ضرب من الهوس الهائج والأنانية المتضخمة، فيها ما فيها من أدلة الذاتية المحضة، وعدم الاحتمال، الدالين على توهم الأبهة الغشاشة التي تحت عبئها ترزح ومنها تئن).
.. فإلى هؤلاء وغيرهم نؤكد دفاعنا عن الدين القومي منزهتيه من المزاعم التي تحاول أن تلصق به صفات وسخة (كالسلبية والعصبية .. وكونه مبدأ نزاع وخصام  .. وبشارة أنانية .. ونظرة متعجرفة) مؤكدين أيضا أن التهم التي حاول إضرابهم نسبتها إلى حركتنا القومية أيام ثورة الشعب، قد افتضحت من تلقاء نفسها، خصوصا بعد أن علم العالم عنا شيئا كثيرا كحبنا لإيجاب السلام ونزعتنا الجارفة إلى نشر الإخوة والازدهار والعدل.
 .. إلى هؤلاء تعرف الدين القومي من جديد، بأنه دين باعث على السعي الحثيث إلى الجد والسؤدد.. اثر التقدم والرفاه، وهو حافز على العمل الجدي المتواصل، ومنبه لقوى الإنسان الفكرية الإنتاجية حتى يتحقق حلم الشعوب كلها في إقامة نظام ديموقراطي سليم.
وبعد التأمل في مثل هذه الأفكار يظهر أن هؤلاء الكتاب قد وجدوا أفكارهم هذه في ظرف بدأت فيه شرارة ثورة الشعوب الأسيوية والإفريقية تضايقهم، وتصمم على إيقاف عمليات التشويه القومي حيث ابتدأت، حتى لا تتواصل فيكون هلاك الشعوب، وأننا نعتقد أن الأوروبيين لو لم يحاولوا محو معالم الأركان الدينية القومية على حساب المواطنين، لما كانت هذه الحروب التاريخية، ولبقي التساكن إلى الأبد بين البيض والحمر في آسيا والبيض والسود في إفريقيا، تكتنفه المودة والصفاء، فتتدعم بذلك حركة التعاون الحر المثمر، وينتشر السلام إلى الأبد.
وإذا ما نظر إلى تطور العلاقات بين الشعوب وكيف كانت بالأمس معدومة تماما، لما كان يسود منطق الحاكم والمحكوم، وكيف وجدت اليوم نقية طاهرة تبشر بحلول عهد التفاهم والوئام والاحترام المتبادل بين الشعوب التي أصبحت كلها حرة وانعدمت من مفهومها ومنطوقها معاني السيطرة، فسيتأكد لنا أن العالم لا يستطيع أن يعيش في كنف سلام دائم، مادامت هناك عقليات تفكر في مقاومة حركات الدين القومي خصوصا بالعنف والعدوان.
وبعد تجربة التحرير الباعثة على تنمية روح التفاهم هل مازالوا يفكرون في مواصلة الحرب؟ وهل مازالوا يقفون حجر عثرة في وجه التفاهم البشري؟
لقد كان على الاستعماريين أن يتعظوا بدوي هذه الانفجارات الواقعة في بلاد الشرق الأوسط، والتي كانت نتيجة حاسمة للضغط الذي قصد به توقيف زحف الطلائع القومية في تلك المنطقة وحصرها في دائرة ضيقة تملأها الظلمات.
وكان عليهم أن يتعظوا بمأساة الحال الدائرة في الجزائر في شكل حرب مهولة لا هوادة فيها بين الدين القومي الشمال الإفريقي وبين نزعة العدوان والقهر الاستعماري.
وإذا لم يتعظوا بكل هذه الأمثال الناطقة، فأنهم ولا شك سيتعظون بنتيجة المعركة العامة التي ابتدأتها الحركات القومية من تاريخ مؤتمر طنجة الذي أعلن أن لابد من إقامة قوى مثالية تخلص قوميتنا من الاحلاس والزوائد، ومن دواعي توقيف الحركة، وتؤيد الحركات الشقيقة في كل مكان، وتنشغل إلى جانب ذلك بتأدية رسالة التحرير والتعمير كاملة لتقوية واجهة السلام ولا يجابه في شمول يظل شعوب الأرض لتوفر هذه الشعوب لنفسها سباب الحياة والرفاه والعز.
ومادامت رسالة هذا الدين (المحرك) لم تنتهي ولن تنتهي فعلا، فيجب علينا أن نعد له أجيالا من الحماة المؤمنين بالتضحية وتكاليفها، وبالصبر الجميل، ونكران الذات حتى نسير إلى الإمام دون أن يصيبنا خطر ما زال يرصد لنا فرصة الانقضاض.
لقد وجدنا في رائدينا العزيزين فخامد المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة، وجلالة الملك المحبوب محمد الخامس، مواطنين صالحين تتمثل فيهما حكمة القيادة ومنتهى الإخلاص للوطن ومطلق الإيمان بالدين القومي.
.. كذلك يجب أن نجد رجالا آخرين من أهل الفكر، يدعمون الحركة المواجهة لكل كيد يقصد به تقويض قوميتنا وتشويه قداستنا، فيحادثون الشعب بلغته الحية وبمنطقه الكريم، ويثيرون في عقيدته الإيمان بنفسه وفي نفسه الحمية، وفي قلبه الإيباء، وفي عقله التفهم والرشد والشجاعة، ليقوموا على الأقل بدور مشابه لدور مكيافيللي في ايطاليا، وشكسبير في انجلترا، حتى نلف الأطوار الانتقالية في سرعة ندخل بعدها في حياة المناعة والاعتبار.
لقد كان للرائدين في الميدان السياسي مواقف شريفة صلبة كقلب الأسد، لكن هل من الحكمة أن نتركهما وحدهما في الميدان، ونحن وأفكارنا من حولهما جامدون دون أن نجسم مذهبيهما السياسي والاقتصادي والاجتماعي ونوضح مقاصدهما وغاياتهما المثلى حتى يسهل تأدية الرسالة القومية كاملة ومن اقرب السبل.
.. نحن حينما نقول هذا الرأي فلكي نؤكد أن شعوبنا في حاجة إلى خدامين مفكرين أكفاء يدعمون بإنتاجهم وجاهة الطاقة المذهبية التي توجه شعوبنا إلى حيث العظمة والسلام والرفاه دون أن تمر بها في طريق الزعازع والاتطامات المخلوطة بالعدوان.
وان اعتناء صادقا ونظيفا من المثقفين المفكرين بهذا الموضوع يكسب شعوبنا مزيدا من اليقظة والإيمان بنفسها، ويجعلها عنصرا أقوى فاعلية وأوسع وجاهة مما عليه الآن .. وأصفى جوهرا.
إن شعوبنا تؤمن بالدين القومي ولكنها تجهل بعض التعاليم المفصلة، وستبقى تجهلها إلى الأبد، ما لم نكتب كثيرا عن هذا الدين، وما لم نأخذ لتوضيحه صورا حية عن كفاحنا ومن حياة مجتمعنا .. ومن الواقع الذي نعيش.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here