islamaumaroc

عروبة البربر

  محمد رضى شرف الدين

20 العدد

نزولا عند رغبتكم سأتحدث عن المغرب، البلد العربي المسلم الذي زرته فعرفت شيئا كثيرا عنه، وما كان لي أن اعرف بالقدر الذي عرفته عن المغرب لو زرت بلدا غيره وبمثل المدة القصيرة التي قضيتها فيه لو لم يكن المغرب كالبحر تغترف منه من أي جهة أتيته، المغرب بحر يزخر بالمزايا الحسان، جئته فاغترفت منه ما وسعني الاغتراف لا الوقت –وما زلت اطلب المزيد لأنه فيه الكثير الكثير مما لم أصل إليه.
للمغرب الذي عرفته نواحي كثيرة منها أرضه الخصبة وطبيعته الخلابة بسهله وجبله وشاطئه ومنها مناخه المعتدل وهوائه العذب وفاؤه الفرات، ومنها خيراته الظاهرة وخيراته الخافية الكامنة في باطن الأرض من كنوز معادن شتى، ومنها شعبه العظيم وتاريخ هذا في ماضيه وفي حاضره وشخصية هذا الشعب الصلبة ونضاله وحبه للاستقلال العريق فيه، ومنها ملك هذا الشعب النابغ من أغلا أمانيه. وتاريخ هذا الملك الحاضر المتسلسل من تاريخ مثله ينحدر من آباء كان كل فرد منهم نابتا في أوساط شعبه لا ينظر إلا بعينه ولا يفكر إلا بعقله ولا ينبض قلبه إلا بقلبه، يحس آلامه ويعيش أحلامه. ملك من ملوك أحبوا الشعب وخدموه خدمة الأمناء الأمر الذي ما اعتاد الملوك أن يكونوه في غابر الأيام، وما حدثنا التاريخ عن وجود أمثالهم، كان كل ملك منه بالنسبة إلى عصره وعقلية ذلك العصر وطرق تفكيره وتطويره مثالا عاليا بين الملوك المعاصرين في شعوبهم. رأيت ملك المغرب الحالي وسمعت عنه فعجبت وعندما رجعت إلى تاريخ البيت العلوي الحاكم منذ أكثر من 300 سنة ارتفع العجب. لقد جرى هذا الملك على أعراقه وتصاعد مع الزمن وتطور مع تطور المثل فجاء مثالا عاليا في حبه وطنه وشعبه وتضحياته في سبيلهما.
هذه بعض نواحي المغرب، فعن أيها احدث؟
تحدثت عن المغرب بعد عودتي منه إلى قراء جريدة اليقظة البغدادية أحاديث ربت على الخمسين حديثا تطرقت فيها إلى كثير من نواحيه المجهولة عندنا، ومع ذلك أجدني لم أوف المغرب حقه.
لقد كانت إقامتي في المغرب 14 يوما بما فيها يوم ورودي ويوم خروجي، فهل يمكن أن أقوم بواجب بلد عظيم كالمغرب في مثل هذه المدة؟
في صباح يوم السبت 4/5/1957 دخلت المغرب عن طريق مطار الدارالبيضاء الواقعة على الشاطئ الأطلنطي غرب المغرب، وفي مساء يوم الخميس بتاريخ 16/5/1957 خرجت منه عن طريق مطار تطوان على مقربة من شاطئ الأبيض المتوسط في شمال المغرب.
لقد قدرت لي هذه الزيارة من غير أن أبيت نية لزيارتها، فقد دعت وزارة الخارجية المغربية من صحف بغداد جريدة اليقظة وجريدة الشعب لحضور افتتاح معرض الدارالبيضاء لسنة 1957، فكنت مندوب اليقظة وكان السيد يحي قاسم صاحب جريدة الشعب مندوب جريدة الشعب. وكان منهج زيارتنا مرصوصا بالزيارات والمقابلات والتنقلات. لقد كان المظروف أوسع من الظرف ومع ذلك اتسع الظرف الضيق للمظروف الواسع.
زرت في هذه المدن أكثر أمهات الدن المغربية كالرباط والدار البيضاء ومراكش وفاس ومكناس وطنجة وتطوان، وشاهدت أوسع ما يمكن مشاهدته في مثل هذه المدن من مساحات واسعة جبلا وسهلا وشواطئ وأريافا ومصائف ومنابع وآثار وخالطت اكبر عدد ممكن من خاصة شعبه وعامته، فوجدت انسجاما رائعا بين تلك التربة الخصبة الجميلة وبين نابتتها من بشر وشجر وزهر. لم يتسع وقتي هناك لأجمع بين تنفيذ المنهج الحافل وبين الكتابة، فكنت اجمع المعلومات والوثائق وأسجل الملاحظات رموزا على مفكرة جيب، وبعد عودتي أصبحت الرموز مقالات طوال والمقالات كتابا اسمع "14 يوما في المغرب" عدد صفحاته 228 صفحة؛ لقد أمدني المغرب وشعب المغرب بهذا الفيض، اما مقدار توفيقي فيه فذلك ما لا يمكن أن اقدره أنا ولا يمكن أن تقدروه انتم، وينحصر حق تقديريه بالقارئ المغربي الذي يحسن التقدير لأنه يعيش  الحياة التي كتبت عنها. ومما يبعث الهناءة في نفسي إني رأيت القارئ المغربي يقدر ذلك التوفيق بالمقدار الذي احمد الله عليه، فقد علمت أن الصحف المغربية والإذاعة قد استقبلت ذلك الكتاب استقبالا زادني شكرا لله، وقد كتب إلى العالم الأديب البحاثة السيد عبد الله كنون، صاحب الأبحاث المفيدة والتأليف الأدبية الجليلة العديدة ما يلي:
"لقد استوعبتم من أحوال المغرب في أيام معدودة ما لا يستوعبه بل لم يلم به –فقط- غيركم في شهور، وتحدثتم عن ماضيه وحاضره ومشاكله حديث المطلع الخبير مع إعطاء كل ذي حق حقه –كما أعجبت بكثير من الالتفاتات الذهنية والوصفية- حقا لقد وضعتم يدكم على مفتاح الشخصية المغربية فلم تخف عنكم ما جريات الأحوال في هذه البلاد وذلك من دقة الحس وقوة الملاحظة".
وبالطبع كان سروري بهذا التقدير وبتلك التعليقات بالصحف والإذاعة المغربية، أكبر من سروري بتقدير أدبائنا ومفكرينا وصحافتنا الدين قابلوا فيه كتابي هنا في بلادنا المشرقية.
وهنا أود أن أقول لإخوتي إني تحدثت إليهم عن كتاب الفته وعما استقبل به من تقدير لموضوعه وإعجاب لأسلوبه وعرض لمنهجه وموضوعيته، أن أحدثكم عن ذلك كله لغرض الدعاية لذلك الكتاب، فان حديثي لم يكن على كل حال لغرض دعوى عبقرية التي نظر إليها الأعمى وأسمعت كلماتها الأصم في تأليف كتاب بمدة 14 يوما. أنا لم أؤلف كتابا في 14 يوما وإنما كانت مدة إقامتي هذه المدة. اما التأليف فقد استغرق شهور ثلاثة كنت أقدمه على شكل مقالات تنشر في جريدة اليقظة تعبت سبابتي خلالها في تقليب الصفحات وأفكاري بالفور بين السطور. لقد رجعت إلى مصادر عديدة درست فيها تاريخ المغرب حاضره وماضيه، ثم هذه الوثائق الرسمية التي صحبتها معي ولم يبق إلا التعليق والملاحظة، وهذا لا يحتاج عبقرية فائقة، وكل حاجته تنحصر في صدق التعبير ودقة التصوير وقوة الملاحظة ورهافة الحس يمد ذلك شيء يسير من أدب يقوم بمهمة حصر الموضوع وتنظيمه. إذن فلم ادع العبقرية ولا أنكر أني صغت دعاية صادقة لكتابي ولا تثريب علي في ذلك إن كانت الدعاية صادقة.
كنت تحدثت في الكتاب عن شعب المغرب واصله حديثا خالف كل من كتب في هذا الموضوع من فرنج ومن عرب في شرق وفي غرب. لقد حاولت أن اثبت عروبة شعب المغرب منذ أقدم الأزمنة، فليكن حديثي الليلة في هذا الموضوع لانسجامه مع اسم ناديكم نادي العروبة ومسماه المتمثل بكم وبأهدافكم ومناهجكم.
كنت أوردت أدله عديدة تدعم مدعاي في عروبة شعب المغرب منذ القدم وسألخصها هنا وأضيف إليها دليلا جديدا لم اذكره في كتابي معتزا به وسيكون سندا قويا لا يقل قوة عن إخوته الأدلة التي سبقته.
أكثر من كتب عن المغرب في عهديه القديم والحديث هم الأجانب منذ الرومان حتى عهد الأسبان والفرنسيين وكتب عنهم العرب أيضا ولكن اقل مما كتب أولئك بكثير وكل هؤلاء قالوا أن شعب المغرب قبل الإسلام قوم بربر من أصل غير عربي طبعا وادعى الكتاب الفرنج في العهد المتأخر أنهم من أصل أوروبي انحدر من الشمال فعبر المضيق واستقر في المغرب وأصبح هذا القول شائعا، بل أكثر من شائع، فان قول: إن المغاربة القدماء بربر وفي المغرب اليوم قوميتان مختلفتان هما عرب وبربر، هذا القول أصبح عقيدة يقول فيها المغاربة أنفسهم العرب منهم والبربر.
وكان أول من قالها من المغاربة ابن خلدون المؤرخ والعالم الاجتماعي الشهير، لقد سجلها في تاريخه نقلا عن الرومان مستعمري هذه المنطقة في القديم. ومن الصعب على باحث أن ينقض قولا قال به مؤرخ اجتماعي حجة كابن خلدون، فلو أن مؤرخا  غير ابن خلدون قال ذلك لسهل رده باعتبار القول افتراء مغرضا من أجنبي له من وراءه أهداف، ولكن ابن خلدون عن حسن نية أعطى الأجنبي سلاحا استعمله بعد قرون ضد بني قومه، فكاد يصرعهم لولا تماسكهم وقوة شخصياتهم وميزاتهم التي أصلها بها أمجادهم الإسلامية وإيمانهم بهذه الأمجاد. لقد صمد شعب المغرب لهذا السلاح منذ سنة 1912 حتى سنة 1956 فخرج ظافرا سليما إلا من هذه العقدة (عرب وبربر) التي تركها لنا ابن خلدون عفا الله عنه.
احتل الفرنسيون المغرب وفي سنة 1912 قضوا على سيادته، وأرادوا أن يثبتوا هذه السيادة والسيادة لا تثبت عادة إلا بالتفرقة بين صفوف الشعب الذي يبغون أن يسودوا عليه، فهو شعب يدين بدين واحد هو الإسلام فلا أقليات دينية فيه، وهو شعب يتمذهب بمذهب واحد هو المالكية فلا طائفية، وقديما كانت الأقليات الدينية والطائفية أمضى سلاح المستعمرين، ففكر الفرنسيون ولم يطيلوا التفكير فوجدوا قولا لإسلافهم الرومان يؤيده قول مواطن مغربي محترم، هذا القول هو أن سكان المغرب القدماء بربر والمحدثين عرب. وإذن وجدوا السلاح المطلوب فشحذوه بالظهير البربري الذي يصفه إخواننا المغاربة (بالمشوم). نعم لقد كان مشموما بأهدافه ومراميه لكنه كان ميمونا مباركا بمفعوله الذي أيقض المغرب فوحده وأبطل سحره بظهور الشخصية المغربية التي أثبتت وجودها في وقتها المناسب.
الشخصية المغربية أبطلت سحر المستعمرين ولكنها لم تبطل سحر ابن خلدون، هذا السحر الذي يجب أن يبطل، يجب أن ننتزعه من جذوره كلها، أن الإبقاء عليه كامنا يختفي بين الضلوع خطر كإبقاء الجمر تحت الرماد، يخفيها الهدوء والركود ويسعرها هبوب العاصفة، لقد حاولت -متجرءا- قلع هذه الجذور وكانت محاولة تصلح لان تكون خطوة أولى في هذا الباب السبيل يخطو على آثارها باحثون معنيون في هذا الموضوع، متوفرون باختصاصاتهم على استكماله.
كان دليلي الأول في محاولتي تعريف كلمة (بربر) والبحث عن أصلها ومن استعملها وعلى من أطلقها، فعلمت أن كلمة بربر يونانية الأصل، كانوا يطلقونها على لك من لم يتكلم بلغة غير لغتهم من شعوب العالم كما نطلق نحن العرب كلمة عجم على كل من لم يتكلم لغتنا من شعوب العالم أيضا. وجاء بعدهم الرومان فضيقوا حدود استعمالها وحصروها بكل شعب لم يخضع لسلطانهم ولم يتقبل حضارتهم، فالشعب الذي لا يتصف بهذه الصفات فهو (بربري) أي غير متحضر، وكان هذا الوصف يطلق على كثير من شعوب أوروبا حتى في العصور الوسطى ومن الثابت أن أول من أطلق هذا الوصف على شعب المغرب هم الرومان زمن احتلالهم تلك البلاد لعدم خضوعه لهم. وإذن ف (بربر) باستعمالها الأول كان يقصد منه الوصف لا الجنس أو العرق.
وكان دليلي الثاني هو أن: ما ظهر في الآثار المكتشفة في أواخر القرن الماضي في مصر يدل دلالة قطيعة أن هؤلاء القوم الذين اسماهم الرومان (بربرا) هم عرب من اليمن. هذه الآثار تقول أن تجار العرب من اليمن وحضر موت وصلوا إلى ليبيا عبر مصر واستمروا في أسفارهم حتى استقروا في المغرب. وفي زمن آخر عبر البحر إليهم إخوان لهم من ارض كنعان وسبأ فاستقروا معهم.
وطريق حضرموت –الهند أو حضر موت- سبأ – البلقا -  مصر – المغرب برا وبحرا، طريق يعرفه عرب اليمن منذ عهد الأسرة الفرعونية الحادية عشر، أي قبل المسيح بألفي سنة.
وأوردت دليلا ثالثا من أقوال النسابين، فقلت أن كل من ذكر (البربر) منهم نسبهم إلى العرب بقول مطلق، والاختلاف الذي حصل بأقوالهم كان: إلى أية قبيلة ينتمون من قبائل العرب؟ فهم ينسبون طورا إلى حمير وطورا إلى سبأ وطورا إلى غسان أو إلى لخم أو إلى جذام وهكذا. ويلاحظ أنهم اتفقوا في هذا الاختلاف على أنهم عرب من أصل يماني قحطاني، فكان أن واحدا منهم لم يقل أنهم غير عرب لم يقل أنهم عدنانيون.
ويقول ابن خلدون أن قبائل زناتة حميريون وجدوا هناك من أزمنة متطاولة لا يعلم أولها إلا الله. وقال لقد تفرع من هذه القبائل شعوب أكثر من أن تحصى مواطنها من طرابلس إلى تلمسان إلى وادي ملوية. ويقول أن أصل كلمة زناتة متطورة عن كلمة (جانا) وجانا هذا هو ابن ضريس ابن جالوت، وجالوت هذا هو العربي الفلسطيني الذي حارب اليهود وقتله داوود. وهذا القول يؤيد قول بعض النسابين ويؤيدهما ما ظهر من الآثار: إن قبائل كنعان بعد جلائها من أرض فلسطين قدموا المغرب عن طريق مصر فتوطنوه فإذا ما ثبت أن قبائل زناتة-بالذات عربية- فقد أثبتنا أن أكثر من تلتي سكان المغرب العربي في طرابلس وتونس والجزائر والمغرب، القدماء عرب.
هذه خلاصة ما أوردته في كتابي 14 يوما في المغرب من أدلة على عروبة البربر فيه وفي مطالعاتي الأخيرة التمع في خاطري دليل آخر ليس بأقل أهمية من تلك أورده فيما يلي:
يقول التاريخ أن الدين الإسلامي واللغة العربية كانا يسيران مع الفتح جنبا إلى جنب في المغرب، فلا يحتل الجيش الفاتح بلدا في المغرب حتى يقيم فيه الدين الإسلامي وتنتشر اللغة العربية الأمر الذي لم يكن يعهد بفتحه من قبل في المغرب ولا يفتح مثله من قبل الفاتحين العرب أنفسهم في المشرق. كان ذلك برغبة وإقبال ولم يصادف مقاومة سوى مقاومة الكاهنة التي صرعت وانطفأ أمرها بأيد مغربية – ولا يخلو عصر من (جلاوي) فكما أن الجلاوي خرج على الإجماع فصرعت مطامعه بأيد مغربية في عصرنا الحديث، صرعت الكاهنة بأيد مغربية في العصر القديم.
لقد اعتنق شعب المغرب دين الإسلام مع الفتح وانتشرت اللغة العربية مع الفتح أيضا في بضع سنوات، فما السر؟
إن كان السر في الإسلام فقد فتح المسلمون غير المغرب أقطار واسعة أخرى في المشرق كفارس وما وراء النهر مثلا فلم يعتنق الإسلام شعب تلك الأقطار إلا بعد قرون ولم يتعلم اللغة العربية حتى الآن، وإذن فما السر؟
نعود إلى التاريخ فنرى طارق ابن زياد المغربي في جيش قوامه 12 ألف مغربي ليس فيهم سوى 13 عربيا وفي رواية أخرى 300 عربي، يخطب طارق المغربي في هذا الجيش العرمرم الجرار المغربي خطبة لو نسبت إلى زياد ابن أبيه أو غيره من بلغاء القادة لكانت مفاخره، يلقيها بمثل هذه البلاغة على جيش كبير والجيش عادة أخلاط من الناس فيهم المتعلم وغير المتعلم فيتفهمها الجيش ويتأثر بها فيندفع إلى الفتح.
نسأل متى تعلم طارق (البربري) لغة العرب وتفقه بها فأتقن نطقها بمخارج حروفها؟ ونسأل كيف فهم جيش عدده 12 ألفا هذه الخطبة من غير ترجمان؟ أفي ذلك معجزة، أم ماذا؟
ونقلب صفحات التاريخ مرة ثالثة فنجد أن حسان ابن النعمان الغساني والي افريقيا رسم اللغة العربية فجعلها لغة رسمية. ونجد أن عمر ابن عبد العزيز أرسل إلى إفريقيا عشرة من الفقهاء يعلمون الناس القرآن، ونجد أن موسى بن نصير رتب عددا من القراء والفقهاء للتعليم.
قال التاريخ هذا ولم يزد.
نعود فنسأل: هل إن رسم اللغة العربية في شعب غبر عربي يعلم ذلك الشعب اللغة العربية بالمدة التي تعلمها الشعب المغربي على النحو الذي تقدم، بحيث يخرج جيشا يفهم اللغة العربية البليغة وخطيبا يلقي مرتجلا مثل هذه الخطبة؟
الجواب: لا، قطعا لا، فان رسم اللغة العربية في غير المغرب من أقطار غير عربية لم يعلمها العربية. إن الرجل الأعجمي ليعيش عمرا يبلغ الثمانين وأكثر من الثمانين في أوكار العروبة، في الحجاز واليمن مثلا ثم يموت وهو لا يحسن نطق الكلمات العربية ولا يفهم معناها.
ونفس السؤال نواجهه في إرسال عشرة قراء يعلمون القرآن، فلا العشرة قراء الذين أرسلهم عمر ابن عبد العزيز ولا العدد من القراء الذين رتبهم موسى ابن نصير ولا أضعاف أضعافهم بقادرين على تعليم شعب كبير يسكن مساحات واسعة من الأرض تبلغ أكثر من مليون كلم مربع في الجبال والأدغال والسهول والشواطئ إلى درجة أن يجند من هذه الأرض الواسعة جيشا يفهم هذه اللغة نتيجة لهذا التعليم ... هذا محال.
هذه مقدمات اعتقد أنها سليمة ومسلم بها وأذن فلا بد أن تكون النتيجة سليمة ومسلم بها أيضا. وبناء على ذلك فلا مندوحة لنا من القول بأن هذا الشعب عربي، إلا انه كان عربيا حميريا بعد عن مواطنه الأصلية وانعزل عن بني عمومته العدنانيين فلغته التي يتكلم بها عربية حميرية أو سبائية فهو لذلك لا يحتاج كبير عناء ولا طويل وقت لتعلم لهجة إخوانه العدنانيين، فالأمر لا يعدو الممارسة والمران، وهذا سر تفهمه واتقانه اللغة بمثل هذه السرعة كما ورد في التاريخ.
وهذا الأصل العربي يفسر لنا أيضا أن المغاربة القدماء عندما اقبلوا على الدين الإسلامي يعتنقونه وعلى الفاتحين يرحبون بهم، كانوا يعلمون أنهم عرب وان هؤلاء إخوان لهم منقذون وان الذين هو دينهم نبع منهم ومن طبائعهم وأمزجتهم فحملوا رسالته، يفتحون الأمصار باسمه في حماس يشبه حماس المهاجرين والأنصار.
وأخيرا عساني وفقت فيما أوضحت بهذه المحاولة التي رجوت بها القربى إلى الله والإسلام والعروبة، وأبطال دعوى حاول المستعمر أن يقيم بناءه عليها في شطرنا المغربي.
واتينا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت واليه أنيب.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here