islamaumaroc

الدكتور مندور في كتابه: الثقافة وأجهزتها

  محمد برادة

20 العدد

هذا الكتاب مجموعة  محاضرات ألقاها الدكتور محمد مندور بمركز التربية الأساسية في العالم العربي، ثم جمعها بعد ذلك في كتاب. والموضوع حيوي جدا لأنه يدرس أساليب التأثير في الجماهير ويحلل وسائل الثقافة المختلفة في العصر الحديث.. فلم تعد الثقافة تصل إلينا عن طريق الكتاب وحده كما كان الأمر في القديم، بل وجدت وسائل متعددة في نتيجة تطور الحضارة الإنسانية وكفاحها ضد المجهول..
وإذا كان اختراع الكتابة منذ آلاف السنين يعد الفاصل بين التاريخ وما قبل التاريخ، فإن الكتابة لم تصبح وسيلة فعالة في نشر الثقافة إلا منذ القرن الخامس عشر الميلادي عندما اخترع جوتنبرج الطباعة وبذلك لم تعد الثقافة محصورة على المخطوطات النادرة، الغالية الثمن. والى جانب الكتاب وجدت الصحف والمسرح والسينما والإذاعة، وكل هذه الوسائل احتلت مكانة بارزة في حياتنا، وأصبح باستطاعتها أن تؤثر تأثيرا عميقا في الجماهير؛ وهذا التأثير يختلف من حيث النفع والضرر بحسب طبيعة كل منها .. لذلك يستحسن عرض كل من هذه الوسائل ليتضح مدى فعاليتها.

الإذاعـــة
يعتبر المؤلف هذه الوسيلة أكثر وسائل الثقافة انتشارا بين الجماهير خاصة في العالم العربي حيث لا يمكن أن يوجد مسرح أو سينما في كل قرية مما يساعد على انتشار الراديو. ومما يساعد على انتشار الراديو في العالم العربي، انتشار الأمية، إذ لا تتجاوز نسبة من يعرفون القراءة والكتابة الثلاثين في المائة. ومن بين هذه النسبة عدد كبير لا يستغل ما تعلمه في تثقيف نفسه ومتابعة انتصارات الإنسانية في ميادين العلم والفن، وهذا يرجع إلى عدة أسباب منها:
1) نظرة بعض الحكومات إلى التعليم نظرة مريبة لأنها خشيت أن تيقظ وعي الشعب عن طريق المعرفة، فقصرت مهمة التعليم على أعداد الموظفين الضروريين لإدارة الدولة.
2) استنزاف الاستغلال الداخلي والخارجي لثروات البلاد، مما جعل الميزانية لا تتحمل نشر الثقافة على نطاق واسع، كما أدى إلى انخفاض دخل الأفراد المتعلمين فلم يستطيعوا متابعة تثقيف أنفسهم .. ويضيف المؤلف قائلا: "ومن الواضح انه من العبث أن نطالب من لا يملك رغيفا أن يشتري كتابا، لان الم الجوع الجسمي أوضح وأكثر فتكا بحياة الناس من الجوع الروحي".
3) فساد مناهج التعليم واعتبار القراءة والكتابة غاية في ذاتها لا على إنها وسيلة للمعرفة والثقافة.
ومما يزيد في إقبال الناس على الراديو انه يمثل –مثل السينما والمسرح- اقل الجهود في تحصيل الثقافة، على العكس من القراءة التي تتطلب مجهودا عقليا وعصبيا.
اما عن مدى قدرة هذا الجهاز على تثقيف الناس، فإن المواد التي تقدمها الإذاعة لا تخرج عن مواد ثقافية وأخرى أدبية، وثالثة فنية.
المواد الثقافية: تتمثل في صورة أحاديث ومحاضرات وندوات. ويجب أن تأخذ هذه المواد شكلا مبسطا. والمشرفون على الإذاعة يخطئون عندما يظنون أن تقديم مثل هذه المواد لا يحتاج إلى كبار الأساتذة والعلماء؛ ذلك أن التبسيط لا يقدر عليه تماما.
ويجب أن نلاحظ  أن الراديو لا يمكنه أن يقوم بدور القراءة، لان المستمع لا يستطيع أن يسأل أو يراجع فقرة مما يذاع.
المواد الأدبية: تقدم الإذاعة مسرحيات وقصصا وإشعارا وندوات نقد، وكذلك الشأن في التلفزيون الذي يجمع بين المشاهدة والسمع. ويتساءل بعض المفكرين فيما إذا كان التلفزيون والراديو يستطيعان القضاء على المسارح ودور السينما والأوبرا .. وهم يستبعدون ذلك لان الراديو والتلفزيون لا يوفران التأثر والانفعال اللذين تساعد عليهما الاجتماعات البشرية في المسرح والسينما والأوبرا.
المواد الفنية: وتتمثل في الموسيقى والغناء. وفي هذا المجال تكثر المناقشات حول نوع الفنون التي يجب أن يقدمها الراديو ... هل يقدم الفنون المحلية أم الفنون الحضارية العالمية؟ وأيهما أجدى للشعب؟ والى أي حد يمكن الاستعانة بالراديو للقضاء على بعض الرواسب المتخلفة من عهود مظلمة تظهر في شكل حزن بائس واستسلام ذليل؟ وهل يمكن الجمع بين الفنون الفولكلورية والفنون الحضارية؟
واكتفى المؤلف بالجواب على هذه الأسئلة بقوله: "كل هذه الأسئلة تتطلب أبحاثا طويلة عميقة يجب أن تتخذ أساسا لرسم السياسة التي يجب ان يسير عليها جهاز ضخم قوي كجهاز الإذاعة وبخاصة في بلد كمصر وغيرها من البلاد العربية التي تحتكر فيها الدولة هذا الجهاز ولا تتعدى فيها تلك الأجهزة".
اعتراضات أساسية: يعترض بعض المفكرين على الإذاعة كوسيلة للثقافة بأن الناس ينظرون إليها على أنها جهاز للتسلية والترفيه، في حين أن الثقافة تتطلب حالة نفسية جادة وتأهبا إراديا لتحصيلها .. وأيضا عنصر الاختيار غير متوفر للمستمع. ويرون كذلك أن الراديو يقتل الفردية وينشر روح القطيع بين الجماهير. ومهما تكن صحة هذه الاعتراضات، فالراديو يمكن أن يستغل –حسب رأي المؤلف- في محاربة الأمية بين الشعوب العربية، وفي الترغيب في القراءة والتعريب بين الثقافات.

السينمــــا
تأتي السينما في الدرجة الثانية بعد الراديو من حيث سعة الانتشار. ويلاحظ أنها يغلب عليها الطابع التجاري، فتسخر لجلب الأرباح الطائلة على حساب الأخلاق والقيم. والسينما –مثل جميع الآلات – يمكن أن تستخدم فيما يفيد كما يمكن أن تستخدم فيما يضر. والملاحظ أنها تطرق مواضيع مبتذلة وتتملق للمتفرجين بإثارة غرائزهم. وقد استطاعت السينما أن تنافس المسرح وتجلب إليها عددا يفوق رواد المسرح والأوبرا، وذلك لأنها تتمتع بإمكانيات ضخمة وتستطيع تصوير اعنف المشاهد واغرب المناظر .. كما أن طبيعتها الآلية تمكنها من فرض نفسها على اكبر عدد ممكن من الناس في مختلف البلدان، بينما يتقيد المسرح بإمكانياته المحدودة التي تعتمد على المجهود المتكرر.
وللسينما التجارية اثر فعال في تدمير الأخلاق بما تعرضه من أفلام بوليسية وما تلجأ إليه من تصوير الأجساد العارية وألوان الرقص الخليع كرقصات البطن في العالم العربي.
ولا يمكن أن تعتبر السينما ضمن أجهزة الثقافة لأن الذين يقصدونها إنما يفعلون ذلك بقصد التسلية. وهناك بعض الأفلام التعليمية التي تنتجها الدول لنشر الثقافة بين شعوبها، وهذه الأفلام تستعين بها الحكومات في مرافق التعليم.
وقد اختلف المفكرون حول السينما فهاجمها ارستقراطيو الفكر وأبعدوها عن أجهزة الثقافة؛ بينما عارضهم الاشتراكيون ورأوا في السينما أداة لنشر المعرفة وكشف الحقائق للجماهير. ومن رأيهم أنها تصلح للتثقيف بعد أن تؤمم أو بعد أن تفرض عليها رقابة من الدولة حتى لا يساء استعمالها.
المســـرح
عرف العالم العربي المسرح بمفهومه الصحيح سنة 1848 بفضل التاجر الجوال مارون النقاش الذي ادخله إلى لبنان وسوريا ومنهما انتقل إلى مصر حيث ازدهر وتقدم. ولم يوجد أدب تمثيلي مطبوع إلا في سنة 1927 عندما نشر الشاعر احمد شوقي سلسلة مسرحياته الشعرية المعروفة، كما أخذ الأديبان الكبيران توفيق الحكيم ومحمود تيمور ينشران مسرحياتهما النثرية.
ويلاحظ تطور ملموس في أدبنا التمثيلي بسبب تخلصنا من السيطرة الأجنبية واختفاء الروح الفردية، واتجاه الأدباء نحو تصوير مشاعر الشعب وأحاسيسه، فظهرت فكرة الأدب في سبيل الحياة وانتشر مذهب الواقعية الاشتراكية ... وكل هذه التطورات جعلت الشعب ينظر إلى المسرح على انه أداة للتعبئة الروحية والفهم والتوجيه، فزاد اهتمام الحكومة بشؤونه وأوجدت له لجنة خاصة في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب بمصر، وتتجه النية الآن إلى إنشاء مسرح شعبي يتجول في الأقاليم والأرياف، ويعرض الروائع الفنية التي تساعد على توعية الجماهير.
والصعوبات التي تعترض ازدهار المسرح في العالم العربي كثيرة منها مشكلة اللغة الملائمة لتأليف المسرحيات إذ أن معظم الجمهور أمي؛ ثم مشكلة اللهجة التي يمكن أن تنتشر من بين اللهجات المختلفة .. ثم نوع المسرحيات التي يجب أن تقدم هل تكون من النوع الغنائي أو الهزلي أو الدرامي؟

الصحف والمجــلات
عرفت الصحافة قديما عندما كان الملوك والحكام يبلغون رعاياهم الأوامر والقرارات عن طريق الصحف المخطوطة .. ثم حدث انقلاب كبير في مدى انتشار الصحف بين الناس، بعد أن تم اختراع الطباعة والحروف المتحركة. على أن الانقلاب الذي أعطى للصحافة صفة الذيوع على نطاق واسع هو الذي قام به الصحفي الفرنسي "بول جيراردان" سنة 1938، حينما استخدم الصحافة كوسيلة للإعلانات التجارية، فاستطاعت أن تغطي نفقاتها وان تنوع موادها؛ وبذلك تمكنت من السيطرة على الرأي العام.
ولما أصبح للصحافة هذه السلطة الواسعة كثر الجدال حول نوع علاقة الدولة بالصحافة، ووجد من المفكرين من يؤيدون تأميم الصحافة وخضوعها لإشراف الدولة؛ كما وجد من ناصر حريتها والاحتفاظ بشخصيتها، والمؤيدون لتأميم الصحافة يعتمدون على أن أرباب رؤوس الأموال يتحكمون في اتجاهاتها ويسخرونها للدفاع عن مصالحهم. اما أنصار استقلال الصحافة فإنهم يخشون من تعطيل قوتها إذا ما اقتصرت على تأييد الحكومات وتمجيدها.
وتنقسم الصحافة إلى صحافة رأي وصحافة خبر، أي أن هناك صحفا تغلب نشر الأخبار على الاهتمام بالمقالات والتوجيهات، وهناك صحف تسلك عكس هذه الطريقة. كما تنقسم الصحف من حيث اتجاهها إلى ثلاثة أقسام: صحف محايدة ذات طابع تجاري تهتم بالربح ولا تتحمل مسؤولية في قضايا البلاد، صحف مستقلة وهي التي لا تلتزم بمذهب سياسي معين وتحرص على رواجها مهما تغيرت الحكومات، وصحف حزبية وهي التي تدافع عن مذهب سياسي وتهتم بنشاط هيأتها وشرح مبادئها.
المجلة وسط بين الكتاب والجريدة: المجلة الحقيقية كما يعرفها "جورج ديهامل" هي التي تحمل أثرا لكل ما يحدث في العالم من أمور هامة، إذ من واجبها أن تعلق على الكتب وتذكر الحوادث وتحكم على أعمال الرجال وتظهر أخلاقهم. والمجلة أبقى من الجريدة نستطيع أن نرجع إليها في أي وقت لتعطينا نظرة عن الحقبة التي وجدت فيها .. والمجلة تفضل الجريدة كأداة للثقافة الجادة.
ويجب أن نشير إلى وجود مدرستين في الصحافة والمجلات: مدرسة تجارية تهتم بالربح وتعتبر الصحف والمجلات تجارة تدر الأرباح ومن ثم تعتمد على رواجها على الإثارة وتملق الغرائز؛ ومدرسة جادة تعتبر الصحف والمجلات وسائل لتأدية رسالة تثقيفية لها خطرها في تكوين قيم المجتمع وتفكيره.
الكتـــاب
الكتاب أهم أجهزة الثقافة وأبعدها أثرا، وهو وإن نافسته الأجهزة الثقافية الآلية إلا أنه سيسترد مكانته ويظل في الصدارة، وذلك للأسباب الآتية:
1) كل الشعوب مؤمنة بضرورة القضاء على الأمية ومحو الجهل لتستطيع أن ترفع من مستواها وتنجز مشروعاتها، والكتاب وسيلة فعالة لتعليم القراءة والكتابة.
2) إن تقدم الحضارة بفضل العلوم سيوصلنا إلى الاستغناء عن المجهودات العضلية وسيصبح الاعتماد على الخبرة والثقافة وبذلك سيزداد الإقبال على الكتب كوسيلة لهذه الخبرة والمعلومات.
3) هناك اتجاه إلى تبسيط العلوم ونشرها بين الجماهير حتى تكون على بينة من الاكتشافات النافعة والضارة التي تستغل فيها العلوم، وبفضل هذا الوعي تستطيع الجماهير التأثير في سير حكوماتها والحد من تهالكها على استغلال العلم من اجل تدمير الآخرين. كما أن الكتب تستعمل في تنوير العمال وتبصيرهم بحقوقهم، وتقدم لهم ثقافة مبسطة في أوقات فراغهم.
ورغم هذه الأسباب التي تطمئننا على مستقبل الكتاب فإننا يجب أن نبذل مجهودات منظمة تعجل انتشار الثقافة في مجتمعنا العربي، ويمكننا أن نقترح بعض الدعائم لتنظيم هذه المجهودات:
أول خطوة يتحتم القيام بها هي ترجمة العلوم والثقافات الأجنبية إلى لغتنا العربية باعتبارها إنتاجا قائما على تراث بشري تجمع في العصور القديمة والوسطى وساهم فيها عالمنا العربي والشرقي بنصيب وافر. والى أن تتم هذه الخطوة علينا أن نضع كتبا مبسطة في جميع ألوان المعرفة ونعمل على نشرها بين اكبر عدد ممكن وذلك عن طريق إيجاد مكتبات في كل بلدة وقرية، وترغيب الناس في القراءة والتحصيل.

فعاليـة هـذه الأجهــزة
نتبين مما سبق أن أجهزة الثقافة على نوعين: أجهزة آلية وهي الراديو والسينما والتلفزيون والمسرح، وأجهزة غير آلية وهي الكتاب والصحف والمجلات.
وقد بينا أن الأجهزة الآلية للثقافة لا يمكن أن يعتمد عليها في تثقيف الجماهير وان الكتاب هو اضمن وسيلة للثقافة الصحيحة، ومع ذلك يجب أن نلاحظ أن الأجهزة الآلية يساندها قانون بشري عام يتيح لها الانتشار والتغلغل في حياة الناس وهو ما أسميناه بقانون اقل الجهود، الأمر الذي يجعل من الأجهزة الآلية منافسا خطيرا للكتاب والصحف والمجلات .. ومع ذلك فالكتاب يمكن ان يظل الأداة الأولى للثقافة الأصيلة. ومهما حاول الراديو تبسيط المعلومات، ومهما حاول المسرح والسينما تقديم الروائع الأدبية فإنها لا تتيح للمستمع أو المتفرج التمهل ومراجعة النصوص في إمعان لتتم عملية التمثل والهضم، وهنا يجعل الأجهزة الآلية في المرتبة الثانية بالنسبة للكلمة المكتوبة كوسيلة للثقافة الصحيحة.
والمشكلة الهامة التي تتطلب حلا سريعا في البلاد العربية هي الأمية. يتحتم علينا محو الأمية بكل الوسائل ليتمكن مواطنونا من ارتياد آفاق المعرفة ومسايرة العصر الذي يعيشون فيه، كما يتحتم علينا أن نعدل من برامج التعليم بحيث نستطيع تغيير النظرة السائدة عند متعلمينا الذين يعتبرون التعليم في غاية في ذاته.
ولئن كانت هناك ملاحظة توجه للكاتب فهي تركيزه في الكتابة واختصاره لنقط هامة من الموضوع .. وهذا الاختصار جعله لا يذكر رأيه الشخصي في المشاكل التي عرضها مثل تأميم الصحافة، فقد  ثبت من تجربة التأميم أن الدور الذي تلعبه الصحافة المؤممة اقل مما تؤديه غير المؤممة لأنه يقتل عنصر المنافسة وهو عامل مهم في ازدهار الصحافة.
على أن قيمة الكتاب تتمثل في إثارة هذا الموضوع الحيوي، وإلقاء الأضواء على جوانب منه تتصل بمجتمعنا العربي وتستحق أن يتناقش فيها المفكرون والأدباء.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here