islamaumaroc

أكبر افتراء على القرآن

  أبو الاعلى المودودي تعريب محمد عاصم الحداد

20 العدد

"إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (البقرة: 62)
مما لا ريب فيه أن قد وجد في كل زمان أناس حاولوا التحريف المعنوي لآيات القرآن بصرف أحكامها الواضحة المحكمة وإنزالها على أهوائهم أو ميول ومطالب أحبابهم أولياء نعمتهم. إلا أن التحريف المعنوي الذي قد دهمنا في هذا الزمان للآية المذكورة أعلاه، لعل التاريخ لم يشهد تحريفا أكثر منه شناعة وتضليلا. فالذي تشتمل عليه التحريفات الأخرى في معظمها هو تأويل الأحكام بقطع الآيات من أخواتها في السياق، وسلخها مما قبلها وما بعدها أو هي تقصد الضرب على جزء من أجزاء تعاليم الإسلام. أما هذا التحريف الجديد، فالمقصود من ورائه استئصال الأساس الذي عليه يدعو القرآن الكريم أهل الأرض جميعا إلى صراطه المستقيم، بل فوق هذا، يريد أن يزعزع القاعدة الكلية التي سنها الله سبحانه وتعالى لهداية هذا النوع البشري ومازالت تجري تحتها سلسلة بعث الرسل وتنزيل الكتب منذ بدء الخليقة إلى البعثة المحمدية على صاحبها ألف تحية وسلام.
والحقيقة أن هذا التحريف قد أسدى إلى روح الضلال خدمة كان قد عجز عن مثلها أكابر أئمة الضلال والكفر على بعد نظرهم ومضاء تلبيساتهم وتجاربهم، إذ هو يزود –في جانب- غير المسلمين بدليل من القرآن نفسه على عدم احتياجهم إلى قبول دعوته إلى الحق، ويأخذ –في الجانب الآخر- بيد المنافقين والدخلاء في الجماعة الإسلامية من الذين يتململون دائما للتقصي عن قيود الإسلام وحدوده حتى ينالوا الرخصة بلسان القرآن نفسه في رفع الامتياز القائم بين الكفر والإسلام، ويزلزل –في الجانب الثالث- إيمان المؤمنين المتبعين للقرآن والسنة في داخل الجماعة الإسلامية، حتى ليأخذهم الشك بان الإنسان ما دام من الممكن له أن يستحق النجاة ولو بإنكاره القرآن والسنة النبوية، وانه ما لم تكن له من حاجة إلى الإيمان بكتاب ولا برسالة، فمن العبث أن يتقيدوا بحدود الإسلام إذ لا فرق البتة بين كومنهم مسلمين أو يهودا أو نصارى أو صابئين أو هناك أو غيرهم.
وجملة القول أن هذا التحريف هو ضربة معلم (Master STOKE) تتعاور الإسلام بسهامها المسمومة من الخارج والداخل معا. فليفرح الذكاء الذي استخرج من كتاب الهداية هذا السلاح القوي للغواية، ولعله اكبر افتراء على القرآن ما رأت عين السماء تحريفا أشنع منه في أي عصر من عصور الإسلام الماضية.
اتفق لي أن أشاهد عدة مظاهر لهذا التحريف وقد وجدت المثقفين الجدد أصبحوا ضحاياه بصفة خاصة، وكتب إلى كثير من قراء مجلة "ترجمان القرآن" يشكون ما قد أذاع هذا التفسير الجديد من أنواع الاغلوطات والشكوك في عامة المسلمين، كما أني وجدت كثيرا من مشاهير غير المسلمين يحاولون استغلال هذا التفسير لإغراضهم المخصوصة، فرأيت من الواجب على نفسي أن أقوم بتحديد المفهوم الصحيح لهذه الآية وارد بالقرآن نفسه المعاني الغريبة التي قد حيكت من حولها بغاية من الدهاء والمكر، لان القائل إذا شرح قوله بنفسه فليس من حق غيره أن يلبس قوله معنى غير معناه:
فالذي يجب قبل كل شيء آخر بهذا الصدد أن نعنى بتجزئة هذه الآية ونحدد المعنى لكل لفظة من ألفاظها بصفتها المستقلة ثم نرى كيف جاء تفصيل موضوع في هذه الآية في مواضيع أخرى من القران:
(1) قيل أولا "إن الذين آمنوا ...." " ثم واليوم الأخر ..."، فمن هنا ينشأ السؤال: ما المراد بإيمان من قد آمنوا؟ الظاهر انه لو كان المراد "بالذين آمنوا" الدين يومنون بالله واليوم الآخر من ذي قبل، لكان من اللغو أن يقال بالنسبة لهم "من أمن بالله واليوم الأخر"، فلا بد من التسليم إذن بان المراد "بالذين امنوا " في أول الآية هم طائفة أهل الإسلام، وان المراد "من امن بالله واليوم الآخر" في مقابل ذلك أولئك الذين هم متصفون في حقيقة الأمر بصفة الإيمان الصحيح الكامل بصرف النظر عن الطائفة التي ينتمون إليها.
أن تصورات الطائفية التي كانت منتشرة في عهد نزول القرآن، هي بعينها منتشرة في هذا الزمان أيضا. فلهذا لا يصعب علينا أن نعرف أن القرآن إنما يفرق في هذه الآية بين الذين هم مؤمنون لمجرد  انتسابهم إلى طائفة وبين الذين هم متصفون بصفة الإيمان وحاملين لحقيقتها في الواقع ونفس الأمر. فكما إننا نشاهد في هذا الزمان أن الدنيا تميز بين الأفراد بوجهة نظر الطائفية، فيقال لرجل مؤمن، أو مسلم، لمجرد انه من جماعة المسلمين على حسب انقسام أفراد البشرية بين مختلف الجماعات بصرف النظر عما أن كان هو مسلما في واقع الأمر أو لا، ويقال لفرد من اليهود والنصارى والبوذيين يهودي أو نصراني أو بوذي على اعتبار ظاهر انتسابه بصرف النظر عما أن كان هو على عقيدة طائفته في واقع الأمر أم لا، كذلك كان النوع البشري في عهد نزول القرآن مقسوما إلى عدد من الطوائف على حسب الظواهر وقطع النظر عن الواقع ونفس الأمر، فكان يميز بين مختلف الأشخاص والجماعات باعتبار أن فلانا من جماعة محمد (صلى الله عليه وسلم) وفلانا من طائفة اليهود، وفلانا من طائفة النصارى الخ ...، ومن هنا كان المنافقون يعدون من جماعة المسلمين –الذين آمنوا- مع أنهم لم يكونوا مسلمين في حقيقة الأمر. 
والذي يقصده الله سبحانه وتعالى في هذه الآية هو أن يوضح فساد هذه الوجهة للنظر، ولهذا فانه يذكر مختلف الطوائف بأسمائها المعروفة قبل أن يذكر الحقيقة ونفس الأمر، وقد بدأ بذكر جماعة المسلمين.
(2) "والذين هادوا –ليس المراد بهؤلاء أيضا- كما قلنا بالنسبة للذين آمنوا المذكورين في أول الآية- حقيقة الذين اختاروا عقيدة اليهود ويتمسكون بمذهبهم في حقيقة الأمر، فان الحكم لهم ما يأتي بيانه في ما بعد، بل المراد بهم جميع أولئك الذين يعدون من طائفة اليهود.
(3)  "والنصارى" –ليس المراد بهم أيضا- حسب سلسلة الكلام وسياق العبارة- الذين يعتقدون النصرانية في واقع الأمر، بل المراد بهم أيضا جميع أولئك الذين يعدون من طائفة النصارى.
(4)  "والصابئين" – لقد كانت هذه الكلمة تطلق على طائفة العراق والجزيرة كانت اختلطت في عقائدها تعاليم الأنبياء بعقائد عبادة الملائكة والكواكب، والمراد بهم أيضا في هذه الآية أفراد هذه الطائفة لا المعتقدون بالصابئة في واقع الأمر.
(5) "من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا هم يحزنون"
- حقيقة أن الله سبحانه وتعالى يريد بهذا الجزء من الآية أن يفند الفكرة السائدة عند الناس عامة، وهي أن الناس سيحشرون في الآخرة على حسب الانقسام الواقع بين مختلف طوائفهم وأقوامهم على ظاهر أسمائها وأنسابها في الدنيا، فيعتقد اليهودي أن النجاة خالصة لمن هو معدود في طائفة اليهود دون سائر الناس، ويظن النصراني أن الدخول في النصرانية كأنه دخول في أهل الحق وان كل من هو خارج من هذه الدائرة هو على الباطل، وكذلك قد بدا المسلمون يظنون أن من هو دخل في جماعتهم على اعتبار اسمه ونسبه ومولده، هو مسلم وله الشرف والفضيلة على كل من ليس بداخل في جماعتهم على هذا الاعتبار. فتفنيدا لهذه الفكرة الخاطئة يقول سبحانه وتعالى أن ليس الفرق الحقيقي بين الإنسان والإنسان على حسب الطائفية الظاهرة، بل الذي عليه المدار هو الإيمان والعمل الصالح، وليس كل من يتسم بأسماء المسلمين مع خلوه من الإيمان والعمل الصالح، بمؤمن في واقع الأمر ولن يكون في عاقبته مثل المؤمنين الحقيقيين، وكذلك ليس كل من ينتسب إلى اليهودية أو النصرانية أو الصابئة إذا تحلى بصفة الإيمان والعمل الصالح، يهوديا أو نصرانيا أو صابئا بل هو مؤمن سيحشر مع المؤمنين والصالحين في الآخرة، وأما إذا كان متجردا من هذه الصفات، فكما أن الاعتداد في جماعة المسلمين لا يغني عن الإنسان شيئا، كذلك أن اعتقاده في اليهود أو النصارى أو الصابئين لا يرجع عليه بجدوى في الآخرة.
والله تعالى قد ذكر في عدة مواضع أخرى من كتابه طائفية اليهود والنصارى ومزاعمهم الخاطئة هذه وفندها بما لا مزيد عليه فقال مثلا: "وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، تلك أمانيهم. قل هاتوا برهانكم أن كنتم صادقين. بلى من اسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (البقرة) وقال: "وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه، قل فلم يعذبكم بذنوبكم، بل انتم بشر ممن خلق" (المائدة: 18) وقال: "وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون. فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون" (آل عمران: 24) وقال: "قل – أي لهؤلاء اليهود والنصارى- إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين" (البقرة: 94).
فكل هذه الآيات إنما تكشف عن حقيقة أن الله عز وجل ليست عليه دالة لطائفة في الأرض ولا طائفة خاصة مستأثرة بالنجاة عنده، فليس من حق احد من الناس أن يعامل بصفة خاصة بناء على انه ولد في امة فلانية أو انه ينسب إلى جماعة خاصة، بل الجميع –من حيث هم أفراد الجنس البشري- لا فرق بينهم البتة في نظر الله. وعلى هذا فليست في الأرض امة هي محبوبة عند الله مقبولة في جنابه من حيث هي، ولا امة غيرها هي مطروحة مبغوضة في نظرة لمجرد أنها تعرف بالاسم الفلاني أو تنسب إلى الجنس الفلاني، لان الوزن الحقيقي عند الله ما هم للمبادئ والحقائق. فان آمنتم بصدق قلوبكم وعملتم الصالحات، نلتم جزاء حسنا عند الله، وإذا بقيتم على غير شيء من الإيمان والعمل الصالح فلا شيء ينقذكم من العقاب والعذاب الأليم، إلى أي طائفة أو جنس كنتم تنتسبون. والله تعالى قد صرح بهذه الحقيقة في موضع آخر من كتابه حيث يقول مخاطبا المسلمين "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوء يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا. ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا" (النساء: 123).
وهذا بعينة ما جاء بيانه في الآية تحت البحث باسلون آخر. أن سياق الكلام وتسلسله الذي أنزلت فيه هذه الآية، ما كان البحث يتعلق فيه البتة بالأمور التي يجب الإيمان بها لكون المرء مؤمنا والضابطة التي يجب أن تكون لأعماله حتى تعد صالحة، إذ قد جاء بيان مثل هذه التفاصيل في مواضع أخرى من القرآن. بل الذي يتعلق به البحث هاهنا هو بيان القاعدة الكلية القائلة بان الاعتبار الحقيقي عند الله هو للحقائق الواقعة لا لهذه الصور السطحية والمظاهر الخارجية والانتساب الظاهرة التي يستميت الناس في سبيلها في الدنيا، ولهذا قد أشير إلى هذه الحقائق إشارة خاطفة في الآية. فادا جاء احد الآن يستنبط من كل هذا أن هذه الآية لما لم يأت فيها ذكر الإيمان بالله واليوم الآخر، فالإيمان بهما يكفى للنجاة وان لا حاجة للإنسان بعده إلى الإيمان برسول ولا كتاب ولا اتباع شريعة، أو قال أن ليس المقصود بدعوة القرآن بأكثر من أن يكون النصراني راسخا في نصرانيته واليهودي في يهوديته والهندوك في هندوكيته والمجوسي في مجوسيته، ويتبع كل واحد منهم إتباعا محكما ما هو عليه من الدين، وأما الإيمان بالقرآن والرسالة المحمدية، فما هو بشرط للنجاة، فأنا نقول بالنسبة لمثل هذا الرجل انه لا يفسر القرآن بل يستهزئ به ولن نقبل له قولا أبدا ما دام يكفر بالقرآن كله لا هذه الآية.
مما لا مجال فيه أن أصل الدين هو الإيمان بالله ولهذا قد جاء ذكره قبل غيره في الآيات تحت البحث، ولكن ليس معنى الإيمان بالله أن يقر الإنسان بوجود الله ويقول بوحدانيته فحسب، إذ القرآن بنفسه يبين لنا بكل وضوح ما هو مراده بالإيمان بالله في قوله: "بلى من اسلم وجه الله وهو محسن فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" – هنا قد جاء بيان مراد القرآن بالإيمان وهو "الإسلام" أي جعل الإنسان نفسه تابعا لمرضاة الله، وقيل أن اجر هذا الإسلام هو بعين ما جاء ذكره في آية "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى".
وفي مواضع أخرى من القرآن قد جاء الشرح المزيد لهذا الإيمان وقيل فيها أن الإنسان لا يمكنه أن ينال مثل هذا الإيمان – أو الإسلام بكلمة أخرى- إلا بواسطة أنبياء الله وكتبه انه لا يستطيع أبدا أن يوجد لنفسه عقيدة عن الله وكتبه انه لا يستطيع أبدا أن يوجد لنفسه عقيدة عن الله والآخرة أو يقيم لنفسه نظرية عن الأخلاق الفاضلة بالتفكير بنفسه أو يعمل ما في نفسه من ملكة الانتخاب فيقتنى أمورا من دين زيد وأخرى من دين عمرو ويقول إنا "مؤمن" في نظر القرآن. اقرأ أن شئت قوله تبارك وتعالى "قولوا آمنا بالله وما انزل إلى إبراهيم .... وما أوتي النبيئون من ربهم، لا نفرق بين احد منهم ونحن له مسلمون. فان آمنوا بمثل ما آمنتم به احد منهم ونحن له مسلمون. فان امنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا، وان تولوا فإنما هم شقاق" (البقرة: 132) وقد أعيد هذا الموضوع نفسه في سورة آل عمران (الآية: 84) وقيل بعد لفظة "ونحن له مسلمون": "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين" وقيل في موضع آخر من هذه السورة "فان حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعني، وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم؟ فان اسلموا فقد اهتدوا" (الآية 20). فالواضح بكل صراحة من هذه الآيات أن ليس المراد  "بالإيمان بالله" في الآية تحت التفسير الاعتقاد بالله أو الإقرار بوحدانيته فحسب، بل هو الاعتقاد بالله وفقا لتعليم الأنبياء والكتب السماوية وانه هو الإسلام.
والقرآن في غير أية من آياته يبديء ويعيد في بيان أن وسيلة النبي والكتاب مما لا غنى عنه أبدا لاهتداء الإنسان إلى صراط الله المستقيم، فبناء على هذا لا يمكن لإنسان أن يكون مؤمنا في نظر القرآن ما دام لا يمكن لإنسان أن يكون مؤمنا في نظر القرآن ما دام لا يؤمن –مع إيمانه بالله وكتبه ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله – النور: 62 -) "ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا" – النساء: 136 – "وكأن من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا، فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا" – الطلاق: 80-.
هذه بعض تلك الآيات التي قيل فيها صراحة أن العلاقة بين الإيمان برسله وكتبه علاقة لا انفكاك لها وانه لا يمكن لمن يكفر بالرسالة أن يكون مؤمنا بالله وان ليس معنى الإيمان بالكتب والرسل أن يعترف الإنسان بعظمة الرسل وجلالة منزلتهم ويقول بلسانه إني مؤمن بهم وبما جاؤوا به من الكتب، أن الاعتراف التعظيمي – مثل ما قد يأتي به أمثال غاندي – لا يكفي للإيمان أبدا، بل لابد للإيمان من الطاعة العملية ومن شروطه اللازمة التسليم بالقاعدة الكلية القائلة بان قول النبي هو القول النهائي الفيصل (Final Authority) وان ليس من حق أي مؤمن أن يعمل برأيه إزاء رأي النبي وأمره (وما أرسلناك من رسول إلا ليطاع بإذن الله – النساء 64) (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله – النساء: 80) (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا – النساء: 115)، (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله فقد ضل ضلالا بعيدا – الأحزاب: 36)، (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما – النساء 65).
وقد صرح القرآن – مع هذا – بان الإيمان بنبي أو عدد من الأنبياء أو كتاب أو عدد من الكتب لا يغني عن الإنسان شيئان بل المحتوم عليه أن يؤمن بجميع الأنبياء وجميع الكتب الإلهية، حتى انه إذا كفر بنبي واحد منهم، فكأنه كفر بجميعهم بل والله نفسه (إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا، أولئك هم الكافرون حقا – النساء: 150) ذلك بان الأنبياء كلهم جماعة واحدة لا تقبل التفرقة ولا يدعون إلا إلى شيء واحد، فالكفر بواحد منهم كفر بجميعهم، بل هو رفض للدين بأسره، لأنه إذا كان لديك عشرة رجال لا يقول كل واحد منهم قولا بعينه، فلا بد لك إذا أردت تصديقهم إن تصدقهم جميعا أو إذا أردت تكذيبهم أن تكذبهم جميعا. اما إذا جئت تصدق تسعة وتكذب واحدا منهم فكأنك في الحقيقة كذبتهم جميعا بل كذبت القول الذي يبينونه بإجماعهم (يا أيها الرسل.. وان هذه أمتكم امة واحدة وإنا ربكم فاتقون – المؤمنون ..50 – 51)، (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تفرقوا فيه – الشورى: 13).
والذي يتحتم على الإنسان حسب هذه القاعدة الكلية، أن يصدق محمدا صلى الله عليه وسلم أو آمن بسائر الكتب ولم يؤمن بالقرآن فانه في حقيقة الأمر قد أنكر الأنبياء والكتب بل أنكر أصل الدين نفسه، كما قلنا آنفا. وهذا ما قد جاء التصريح به في عدة آيات من القرآن، وبناء عليه أمر المؤمنون بسائر الأنبياء السابقين والكتب الالاهية السابقة أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وقيل لهم أنكم إذا لم تؤمنوا بهما، كنتم من الكافرين (ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به، فلعنة الله على الكافرين – البقرة: 80)، (نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه ... إن الذين كفروا بآيات الله لهك عذاب شديد – آل عمران: 3/4)، (يا أيها الذين آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على إدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت – النساء: 47). وأوضح من هذه الآيات تلك الآية التي قيل فيها (وان لمن أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما انزل إليكم وما انزل إليهم... أولئك لهم أجرهم عند ربهم – آل عمران: 200). فهي تفسير الآية تحت البحث أحسن تفسير وأوضحه فإذا كان قيل فيها "إن الذين آمنوا والذين هادوا ..." تقول هذه أن الأجر عند الله لن يناله احد من أهل الكتاب بعد ما جاءه محمد صلى الله عليه وسلم بالقرآن الحكيم إلا إذا آمن بهما مع إيمانه بالأنبياء السابقين وما نزل عليهم من الكتب. وأي تفسير للآية تحت البحث يكون أوضح وأبين من هذا التفسير؟
اما الذي يستخرج من هذه الآية أن رسوخ اليهودي في يهوديته والنصراني في نصرانيته والهندوكي في هندوكيته هو الكافي لاهتدائه إلى صراط الله المستقيم واستحقاقه الأجر عنده في الآخرة  فانه يفسر القرآن مخالفا لبيان القرآن الصريح. نعم، أن القرآن يدعو أهل الكتاب إلى إتباع التوراة والإنجيل، ولكن هل تدري ما معنى هذه الدعوة؟ ليس معناها أن يتبع أهل الكتاب توراتهم وإنجيلهم غير مبالين بالقرآن والرسالة المحمدية بل معناها في حقيقة الأمر أن يتبعوا ما جاء في الثورات والإنجيل من الوصايا المتكررة بالا يمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وتصديقه واتباع رسالته، ولهذا قد قيل في القرآن الكريم صراحة أن الأتباع الصحيح للتوراة والإنجيل الآن هو اتباع القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم (يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما انزل إليكم من ربكم – المائدة: 68)، (الدين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل .... أولئك هم المفلحون – الأعراف: 157).
وما هذا بناء على القرآن لا يعرض إلا نفس الدعوة التي كانت تعرضها التوراة والإنجيل من قبل فحسب، بل لان القرآن هو احدث وآخر نشرة Latest and lost sdition لهذه الدعوة، فقد أضيفت إليه أمور لم تكن في النشرات الماضية وحذف فيه أمور ما بقيت للناس حاجة إليها الآن. فالذي يعرض عن النشرة الأخيرة، فانه لا يرتكب معصية الله فحسب، بل يحرم نفسه، مع هذا، كثير من المنافع التي تشتمل عليها النشرة الأخيرة، ويحتاج إليها العباد في معاشهم ومعادهم (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير – المائدة: 15)، (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم – الأعراب: 157).
وفوق هذا وهذا، فان الإيمان بالقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم لا غنى عنه لأهل الكتاب ولا لغيرهم، لان أهل الكتاب قد حرفوا الكتب السابقة وأضاعوا بعضها (كأصل الإنجيل المنزل إليهم من الله) ونسوا كثيرا مما فيها، مما لم يعد من الممكن بعده لأحد من الناس أن يتبع موسى وعيسى عليهما السلام أتباعا صيحا دون أتباعه للقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم (يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به .... ومن الذين قالوا إنا نصارى أخدنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به – المائدة: 13).
فالظاهر الآن انه إذا لم يكن ولا لأهل الكتاب – الذين قد صرح القرآن بأنهم أوتوا الكتاب من الله – سبيل إلى النجاة إلا أن يتبعوا القرآن ومحمدا صلى الله عليه وسلم، فاني للأمم غيرهم – "لكل قوم هاد" العامة – أن تجد سبيلا إلى النجاة والسعادة بدون اتباع القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم؟
اما قول أصحابنا "بان الإسلام لا يحتكر الصدق لنفسه بل هو يصدق أيضا كل ما سواه من الأديان في الأرض، وانه ليس من دعواه أن الناس لن يهتدوا ولن يستحقوا النجاة ما داموا لا يدخلون فيه بتركهم أديانهم التي هم عليها الآن، بل هو يقول بالنسبة لأهل الأرض أجمعين أن عليهم أن يتبعوا بكل جد واهتمام التعاليم الأصلية لأديانهم" فلا شك انه قول يفيض تسامحا في ظاهر الأمر، ولكنك إذا تأملت فيه وجدته بالغا النهاية في السخف واللغو، لأنه كما لا يمكن أن يكون هو الخط المستقيم بين نقطتين إلا واحدا، كذلك لا يمكن أن يكون الطريق المستقيم بين الله والإنسان إلا واحدا. والإسلام إذا كان يقول بالنسبة لنفسه انه هو الصراط المستقيم بين الله والإنسان، فاللازم من هذا انه يحكم بالزيغ والاعوجاج والنقص والخطأ على كل ما سواه من الطرق. فلا يليق برجل عنده مسكة من العقل أن يقول عن طرق انه صراط مستقيم، ثم يقول في الوقت نفسه عن الطرق المختلفة الأخرى أنها أيضا طرق مستقيمة. إذا كان هذا هو التسامح، فانه تسامح كاذب مموه يأباه القرآن بكل جهارة، ويأمر محمدا صلى الله عليه وسلم أن يعلن بقوله "وان هذا صراطي  مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله، ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون – الإنعام: 53)
إنما بعث محمد صلى الله عليه وسلم ليدعو الناس جميعا إلى دينة، فكان واثقا كل الثقاة بكونه على الحق ولم يكن من المذبذبين المترددين ولا متملقا حتى يستعد لمداراة السالكين لمختلف الطرق ومجاملتهم ومجاراتهم.
إذا كان التسامح شيئا محمودا، فان الكذب والمخادعة والتزوير شيء يستحق الازدراء والمقت أكثر مند بدرجات، والذي تحدثه نفسه بان يتظاهر بمثل هذا التسامح، فليقل ما شاء من عند نفسه، ولكن ليس من حقه أن ينسبه إلى القرآن بتقويله ما لم يقله، فإن القرآن – على العكس من ذلك – يقول صراحة وجهارة أن النوع البشري لا سبيل له إلى النجاة والسعادة إلا إتباع القرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم وان من اعرض عن أتباعهما، كانت عاقبته ضلالة في الدنيا وخسرانا في الآخرة (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا – الأعراف: 158)، (وأوحى إلى هذا القرآن لا نذركم به ومن بلغ – الأنعام: 19)، وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا – سباك 28)، (يا أيها الناس ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان – البقرة: 208)، (يا أيها  الناس قد جائكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم، وان تكفروا فإن الله ما في السماوات والأرض – النساء: 170)، (ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون – البقرة: 99)، (ومن يكفر به فأولئك هم الخاسرون – البقرة: 121)، (وكذلك أنزلنا إليك الكتاب ... وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون – العنكبوت: 47)، (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب اليم – النور: 63)، (والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما أنزل على محمد وهو الحق من ربهم – محمد: 2)، (قد انزل الله إليكم ذكرا رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور – الطلاق: 10 -11)، (قل أن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ... فان تولوا فان الله لا يحب الكافرين – آل عمران:31).
إن الجزم والتأكيد والقوة البيانية التي توجد في ما ذكرنا في هذه الآيات، لا يمكن أن توجد إلا في كلام يكون قائله واثقا كل الثقة عالما أحسن العلم بكونه على الحق والصدق عاقدا عزيمته على إصلاح النوع البشري كله على حسب علمه، ومن المحال البثة أن يقدر هذا الجزم والتأكيد والقوة البيانية أصحاب القوة الواهنة والعزيمة المتهلهلة والأرواح المريضة والعقول الكليلة، ممن لا نصيب لهم من العلم اليقيني بالحق ولكنهم مع هذا يتمنون أن يترضوا الجميع ويتجلوا في عيونهم وقلوبهم فماذا عسى أن يصدر منهم سوى أن يقولوا للناس "يا أيها الإخوان، إنكم جميعا على الحق والصدق والصلاح".
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here