islamaumaroc

مقاصد التشريع الإسلامي

  محمد المنوني

20 العدد

من المعلوم أن التشريعات الإسلامية التي يزاولها المسلمون في أعمالهم اليومية، الدينية والدنيوية، في عبادتهم وفي معاملتهم، كلها تهدف الى غايات حميدة، ومقاصد معقولة، وتنبني على حكم سامية،  وترمي الى مصالح عائدة على العاملين بها بالنفع الكثير، والخير العميم دينا ودنيا، معاشا ومعادا، وأن القرآن الكريم والحديث الشريف ليزخران بالكثير الطيب من الأمثلة لمقاصد التشريع كقوله تعالى بعد آية الوضوء: (ما يريد ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطريكم وليتم نعمته عليكم) وقال في الصيام: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وفي الصلاة: (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر) وقال في القبلة: (فولوا وجوهكم شطره ليلا يكون للناس عليكم حجة) وفي الجهاد: (إذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا) وفي القصاص: (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) وفي التقرير على التوحيد: (ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين)(1)
وقد وضح معقولية هذه الشريعة الإسلامية الإمام الجليل ابن القيم في كلام نفيس لا يستغنى عنه بحث كهذا، قال في كتابه إعلام الموقعين(2)أثناء كلام:
(فان الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، فكل مسألة خرجت من العدل الى الجور، وعن الرحمة الى ضدها، وعن المصلحة الى المفسدة، وعن الحكمة الى العبث، فليست من الشريعة وان دخلت فيها بالتأويل، فالشريعة عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم أتم دلالة وأصدقها وهي نوره الذي به أبصر المبصرون، وهداه الذي به اهتدى المهتدون، وشفاؤه التام الذي به دواء كل عليل، وطريقه المستقيم، الذي من استقام عليه فقد استقام على سواء السبيل، فهي قرة العيون وحياة القلوب ، ولذة الأرواح، فهي الحياة والغذاء والدواء والنور، والشفاء ، والعصمة، وكل خير في الوجود، إنما هو مستفاد منها وحاصل بها، وكل نقص في الوجود فسببه من إضاعتها، ولولا رسوم قد بقيت لخربت الدنيا وطي العالم، وهي العصمة للناس وقوام العالم، وبها يمسك الله السماوات والأرض أن تزولا، فإذا أراد الله سبحانه خراب الدنيا وطي العالم رفع إليه ما بقي من رسومها، فالشريعة التي بعث الله بها رسوله هي عمود العالم، وقطب الفلاح والسعادة في الدنيا والآخرة).
هذا كلام ابن القيم الجوزية، وهو كاف في بابه، شاف في موضوعه، فلننقل الحديث بعده الى سرد طائفة من القضايا التي قال فيها الإسلام كلمته، حكم حكمه قبل نحو أربعة عشر قرنا، هذه القضايا التي كانت تعاليل كثيرة منها غير معروفة، مما أدى إلى الطعن فيها والطعن في الإسلام من جرائها، حتى جاء الطب الحديث باكتشافات تؤيد وجهة نظر الإسلام على طول الخط، وتصوب حكمه، وتدحض شبه الطاعنين، وتنسف مزاعم الضالين، فكان هذا مصداقا لقوله تعالى: (سنريهم ءاياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق).
وأول هذه القضايا حديث الذباب الذي أخرجه البخاري وأبو داوود عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم –وفي لفظ في طعام أحدكم- فليغمسه كله ثم ليطرحه فان في احد جناحيه داء وفي الآخر شفاء ..) هذا الحديث تعرض غير ما مرة للطعن عليه حتى ارتاب في صحته بعض المتأخرين الذي ظن انه مخالف للنواميس الطيبة، ومعارض للقواعد الصحية، ثم تبين أخيرا خطأ الطاعنين وظلال المعترضين، بما أثبتته تجارب الطب الحديث، فقد قررت أن هذه الحشرة –المعروف عنها أنها تأكل الجراثيم المولدة للأمراض-يوجد داخل جسمها أيضا مادة للشفاء، وهي جسيمات صغيرة مفترسة للجراثيم، وبهذا صار في الذباب مادتان متعاكستان مادة للشفاء وأخرى للداء، وهذا هو ما ورد في عجز الحديث الشريف (فان في احد جناحيه داء وفي الأخر شفاء) وإما ما ورد في صدر هذا الحديث (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه كله ثم ليطرحه) فالغمس هو لأجل أن تدخل –للشراب أو الطعام- مفترسة الجراثيم التي يقرر الطب أن أثرا زهيدا منه يكفي لقتل جميع الجراثيم المماثلة، وان هذا الاكتشاف ليسجل معجزة كبرى للإسلام الذي عرف هذا السر منذ عصر النبوة مع أن العين لا ترى شيئا من ذلك، ولم يكن لعلم الجراثيم اثر، ولا للآلات المكبرة الموجودة(3) .
ثانيا، تحريم لحم الخنزير (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير)، هذا التحريم اكتشف العلم الحديث سره، فقد تبين أن الخنزير يصاب في كثير من الأحيان بديدان تمر منه الى من يأكل لحمه، وتتربى في جسده فتكون الدودة الوحيدة، الخطيرة التي قد تطول أحيانا أمتارا عديدة، وتمنع التبرز لسدها المحل، وفي الخنزير ديدان أخرى تتربى في لحمه، وتتسرب الى معدة آكله، فتؤدي به إلى أقبح الأمراض وأشنعها، قال بعض أطباء العرب، وهذا من الأمراض التي لم يتيسر للطب أن يجد لها علاجا، ولن تتيسر الوقاية منه إلا بالامتناع عن أكل لحم الخنزير. وانه نظرا لهذه الأدواء الكامنة في الخنزير عافه كثير من الأطباء وتركوا أكله، بعد أن سبقهم القرآن الى تحريمه منذ فجر الإسلام، ولا شك أن هذا كله معجزة أخرى من معجزات القرآن الباقية(4) .
ثالثا، تحريم إتيان الحائض المذكور في قوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى لكم فاعتزلوا النساء في المحيض). فقد جعل القرآن المحيض أذى أي  مستقدرا تنفر منه الطباع، ورتب على ذلك تحريم جماع الحائض وقد توصل الطب الحديث الى سر ذلك كله، وبين أن الجماع في المحيض قد يحدث عقما في الذكر والأنثى، ويؤدي إلى التهاب أعضائهما الذي يفسد صحتهما، وكفى بذلك ضررا، ولذلك نجد أطباء العالم المتمدن الآن ينهون عن الجماع في ذلك الوقت كما نهى القرآن عنه، فانه لا شك أذى للرجل والأنثى(5).
 رابعا: تعدد الزوجات (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة) هذا التشريع كثيرا ما نقمه على الإسلام خصومه وشنعوا عليه من اجله، ومن حسن الحظ أن نجد ضد هؤلاء الخصوم عددا من أهل أوروبا يحبذون هذا النظام الإسلامي: (إباحة التعدد عند الحاجة ومع العدل) وينتقدون نظام الاقتصار على زوجة وحيدة، وممن حبذ تعدد الزوجات، الفيلسوف الألماني الشهير شوبنهور. وكذلك الأستاذ غوستاف لوبون الذي قال في هذا الصدد: (إن تعدد الزوجات على مثال منا شرعه الإسلام من أفضل الأنظمة وأنهضها بأدب الأمة التي تذهب إليه وتعتصم به) وقال: (ولست ادري على أي قاعدة يبني الأوربيون حكمهم بانحطاط ذلك النظام –نظام تعدد الزوجات- عن نظام التفرد المشوب بين الأوروبيين بالكذب والنفاق(6) ..
وقد حدث ضابط في البحرية الأمريكية بعد ما عاد من لندن وباريس عام 1927، بأنه وجد طوائف من أوروبا رجالا ونساء وشخصيات حكومية جميعهم يؤمنون بفكرة تعدد الزوجات ويعملون لتقنين هذا التشريع، وقد ورد حديث هذا الضابط في جريدة الفتح(7)  التي نشرته تحت عنوان (الغرب يصير شرقا والشرق يصير غربا، أوروبا تطلب تعدد الزوجات والشرق يسعى لضد ذلك)
خامسا، الزنا (ولا تقربوا الزنى انه كان فاحشة وساء سبيلا)، هذا الذي سماه الله سبحانه فاحشة  ... اكتشف العلم مضاره المتنوعة، ولذلك بادرت أكثر دول أوروبا إلى إلغاء البغاء العلني بعد ما نجد الإسلام نادى –منذ ظهوره – بإلغاء البغاء ما ظهر منه وما بطن.
سادسا، الخمر (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان) أن هذه الخمر نرى القرآن الكريم يسميها رجسا، كما يسميها الرسول الأعظم صلوات الله عليه وآله: أم الخبائث، ومن حسن حظ الإنسانية أن توصل كثير من أهل الغرب إلى إدراك خطورة هذه الرذيلة فعافوها، وألفوا جمعيات للنهي عن الخمور والسعي لإبطالها، وأقوى هذه الجمعيات نفوذا وتأثيرا في الولايات المتحدة الأمريكية، كما أن بعض الدول منعت الخمر على الجنود أثناء الحرب لما تبت لديهم أن السكر يضعف الجنود من القيام بأعباء الحرب واحتمال أثقالها(8) .
سابعا، الأمر بتتريب الإناء من ولوغ الكلب الذي جاء فيه حديث مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن بالتتريب) – الى حد العشرات الأولى من هذا القرن كان سر الأمر بالتتريب لا يزال مجهولا، ثم اكتشف فيما بعد أن في لعاب الكلب ميكروبا لا يقضي عليه إلا باستعمال التراب (9)، وهذه أيضا معجزة جديدة من معجزات قوله تعالى (سنريهم في ءاياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم الحق أو لم يكف بربك انه على كل شيء شهيد).
ثامنا، سريان الأمراض المعدية التي نبه عليها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة عند البخاري (وفر من المجذوم كما تفر من الأسد) ونحوه من الأحاديث التي أيدتها الاكتشافات العصرية(10) .
تاسعا، الوقاية من الإمراض المعدية ذكرها الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث أسامة ابن زيد عند البخاري قال (إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وانتم فيها فلا تخرجوا منها) وهذا الحديث هو أساس المحاجر الصحية للأوبئة التي جرى العمل بها في هذا العصر الحديث.
رأينا في هذه القضايا التسع، كيف مشى العلم الحديث جنبا الى جنب مع التشريع الإسلامي، وليست هذه القضايا سوى أمثلة قليلة بين عدد ضخم من الموضوعات التي أيد أو سيؤيد فيها العلم الحديث وجهة نظر الإسلام. ويا ليث بعض المتضلعين من الثقافتين الحديثة والإسلامية يتناول هذا الموضوع فيسدي للتشريع الإسلامي يدا لن تنسى.
والآن لنقف بهذا الموضوع عند هذا الحد لنتحدث عن مظهر آخر لسمو التشريع الإسلامي، وذلك يتمثل في المكانة البارزة التي يعتقدها بين القوانين المعاصرة، وسوف نجد لهذه المكانة أمثلة غير قليلة نفصلها فيما يلي:
انه في عام 1931 = 1350، انعقد في مدينة لاهاي مؤتمر القانون المقارن الذي تقرر فيه أن الشريعة الإسلامية أساس صالح كبير من أسس القانون المقارن العالمي؛ ثم أعقبه مؤتمر آخر للقانون المقارن الذي انعقد في مدينة لاهاي أيضا عام 1937 = 1356 وقد مثل فيه الأزهر الشريف تمثيلا خاصا تقرر بإجماع آراء الأعضاء – وكلهم من علماء القانون في بلاد العالم- أن الشريعة الإسلامية شريعة قائمة بذاتها ليست مأخوذة عن شريعة ما كالشريعة الرومانية.
وفي عام 1945 = 1364  قدم ممثل مصر في لجنة المشترعين بواشنطن اقتراحا اقترحته عدة وفود عربية وإسلامية، ويقضي بان تمثل الشريعة الإسلامية –كنظام قانوني من النظم الأساسية في العالم- في محكمة العدل الدولية وقد سجلت اللجنة هذا الاقتراح وتم تنفيذه بالفعل.
وقد كان للشريعة الإسلامية نصيب وافر في المؤتمر الثاني للقانون الدولي الذي انعقد بالإسكندرية عام 1946 = 1365، فقد أوصى بأن تكون الشريعة الإسلامية موضع دراسة خاصة لإبراز ما حوته من كنوز في تنظيم العلاقات الدولية، وأنها تشمل من القواعد الاشتراعية ما لا يقل عن احدث النظم الدولية الحديثة، وقرر المؤتمر أيضا تأليف لجند لهذا الغرض حتى يكون في أحكام الشريعة الإسلامية ما يساعد على دعم السلام في العالم، وما ينشر من الناحية الروحية التي تفتقر إليها الدول في العهد الأخير، وقد قامت هذه اللجنة بمهمتها (11).
هذا وبعد أن عددت الأمثلة للمكانة الممتازة التي للشريعة الإسلامية بين القوانين المعاصرة، انقل الكلام الحديث عن أسرار بعض التشريعات التنفيذية أو باصرح تعبير أتحدث عن الحكمة المراعاة في فرض الأركان التالية: الطهارة، الصلاة، الصوم – الحج – الزكاة.

       الوضوء - الغسل
لكل من الوضوء والغسيل فوائد كثيرة، ومنها فيما يخص الوضوء:
1- إن غسل أعضاء الوضوء مرة أو مرات في اليوم كفيلة بإزالة ما أصاب هذه الأعضاء من ملامسة الأشياء، ومما يحمله الهواء من التراب، وتخرجه المسام من العرق، وتقذفه المنافذ من الأقدار.
2- وأيضا في غسل هذه الأعضاء محافظة على الصحة يدفع عوامل الأمراض والوقاية منها، فقد ثبت طبيا أنها تدخل في الجسم من المنافذ التي يعمها الوضوء، فإذا أزيل عنها ما عليها مما يمنع بروز العرق وتصاعد الأبخرة كان ذلك أحفظ للصحة وادعى للسلامة (12)
3- ومن المظاهر الصحية في الوضوء أيضا استعمال السواك عند كل وضوء وكونه بعود أراك، هذه الفضيلة التي يحمدها الطب الحديث للإسلام (13) .
4- وفي الوضوء فوائد أخرى: ففي تأكيد البدء بغسل الكفين ثلاث مرات فائدة طبية جليلة، ذلك بان الكفين اللتين تزاول بهما الأعمال يعلق بهما من الأوساخ الضارة وغير الضارة مالا يعلق بسواهما. فإذا لم يبدأ بغسلهما يتحلل ما يتعلق بهما فينقع في الماء الذي به يتمضمض المتوضئ، ويستنشق ويغسل وجهه وعينيه، فلا يأمن أن يصيبه من ذلك ضرر، مع كونه ينافي النظافة المطلوبة. ومن حكمة تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل جميع الأعضاء اختيار طعم الماء وريحه فقد يجد فيه تغيرا يقتضي ترك الوضوء به.
5- ومن أسرار الطهارة بقسميها الوضوء والغسل، إن غسل البدن كله أو غسل أطرافه يفيد صاحبه نشاطا وهمة، ويزيل ما يعرض لجسده من الفتور والاسترخاء بسبب الحدث أو بغير ذلك الأعمال التي تنتهي بمثل تأثيره، سيما إذا كان الغسل مع الدلك الذي هو من أحسن الوسائل المستعملة في الطب لتقوية الأعصاب والعضلات وإزالة بعض الآلام، قال بعض الأطباء العرب: ولذلك يمدح بعض أطباء الفرنج الإمام مالكا رضي الله عنه لجعله الدلك من فرائض الغسل، فانه أكثر تقوية للجسم من الغسل وحده، وبهذا كله يكون المتطهر جديرا بان يقيم الصلاة على وجهها ويعطيها حقها من الخشوع ومراقبة الله تعالى (14).

         الصلاة
شرح غير واحد من فلاسفة التشريع الإسلامي أسرار مشروعية هذا الركن العظيم في الإسلام وأفاضوا في ذلك، وهذه عبارات بعضهم:
قال الإمام ابن القيم في الهدى النبوي: "وأما الصلاة فشأنها في تفريج القلب، وتقويته وشرحه وابتهاجه ولذته أكبر شأن، وفيها من اتصال القلب والروح بالله وقربه والتنعم بذكره والابتهاج بمناجاته والوقوف بين يديه واستعمال جميع البدن وقواه وآلاته في عبوديته وإعطاء كل عضو حظه منها واشتغاله عن التعلق بالخلق وملابستهم ومحاورتهم، وانجذاب قوى قلبه وجوارحه الى ربه وفاطره، وراحته من عدوه حالة الصلاة –ما صارت بم من اكبر الأدوية والمفرجات، والأغذية التي لا تلائم إلا القلوب الصحيحة، وأما القلوب العليلة فهي كالأبدان العليلة لا تناسبها الأغذية الفاضلة، فالصلاة من اكبر العون على تحصيل مصالح الدنيا والآخرة، وهي منهاة عن الإثم، ودافعة لأدواء القلوب، ومطردة للداء عن الجسد، ومنورة للقلب، ومبيضة للوجه، ومنشطة للجوارح والنفس،وجالبة للرزق، ودافعة للظلم، وناصرة للمظلوم، وقامعة لأخلاط الشهوات، وحافظة للنعمة، ودافعة للنقمة، ومنزلة للرحمة، وكاشفة للغمة، ونافعة من كثير من أوضاع البطن".
وقال ابن القيم أيضا في محل آخر: (ولا ريب أن الصلاة نفسها فيها من حفظ صحة البدن وإذابة أخلاطه وفضلاته – ما هو انفع شيء له، سوى ما فيها من حفظ صحة الإيمان وسعادة الدنيا والآخرة. وكذلك قيام الليل من انفع أسباب حفظ الصحة، ومن أمتع الأمور لكثير من الأمراض المزمنة، ومن أنشط شيء للبدن والروح والقلب، كما في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وءاله وسلم انه قال: يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على كل عقدة عليك ليل طويل فارقد، فان هو استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فان توضأ انحلت عقدة ثانية، فان صلى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان)
وقال الإمام السندي في حاشيته على سنن ابن ماجه ما خلاصته: الصلاة قد تبرئ من الم الفؤاد والمعدة والأمعاء، وكذلك من (عدد من) الآلام، ولذلك ثلاث علل، الأولى أنها أمرا لا هي حيث كانت عبادة بمعنى أنها تدفع الأمراض بالبركة، والثانية أن النفس تلهو فيها عن الألم ويقل إحساسها فستظهر القوة، والثالثة –أمر ظني- وذلك أن الصلاة رياضة فاضلة للنفس لأنها تشتمل على انتصاب وركوع وسجود وتورك وغير ذلك من الأوضاع التي تتحرك معها أكثر المفاصل، وينغمر فيها الأعضاء سيما المعدة وسائر آلات التنفس والغذاء عند السجود، وما انفع السجود الطويل لصاحب النزلة الى الحلق وما اشد إعانة السجود الطويل على فتح سداد المنخرين في علة الزكام وإنضاج مادته، وما أقوى معاونة السجود على هضم الطعام من المعدة والأمعاء، وتحريك الفضول المتخلفة فيها وإخراجها، إذ عنده تنحصر الآلات بازدحامها ويتساقط بعضها على بعض وكثيرا ما تشد الصلاة النفس، وتمحق الهم والحزن، وتذيب الآمال الخائبة وتكشف عن الأوهام الكاذبة، ويصفو فيها الذهن وتطفئ نار الغضب (15).
وبانتهاء كلام الإمام السندي نكون قد استعرضنا طائفة من أنظار فلاسفة الإسلام في سر مشروعية هذه الركيزة الأولى في الإسلام، وإذا كانت هذه الأنظار إنما تتناول مطلق الصلاة فلنقف عليها بذكر أسرار إيقاع الصلاة جماعة، التي نتناولها بالشرح فيما يلي:
1) إن في طليعة ما راعاه الشارع في الحث على الصلاة جماعة: الرغبة في اجتماع أهل البلدة أو الحي الواحد خمس مرات في اليوم على عدد الصلوات الخمس، لتتربى فيهم روح الاتحاد والمودة والتعاون، فلا يجدون محتاجا إلا أعانوه ولا مضطرا إلا قدموا له يد المساعدة ولا غائبا إلا بحثوا عن أسباب غيبته فان كان مريضا عادوه أو مشرفا على خطر أنقذوه أو متقاعد الكسل عاتبوه، هذا في صلاة الجماعة اليومية، اما الجمعة فقد فرضت ليجتمع في هذه الصلاة الأسبوعية الذين لا تمكنهم أعمالهم من حضور صلاة الجماعة اليومية، وشرعت صلاتا العيدين الفطر والأضحى ليجتمع المسلمون في كل مكان واحد بمناسبة العيدين فيتبادلون تحيات الود والايخاء.
2) ومن أسرار الصلاة جماعة إشعار المصلى بروح المساواة التي هي اكبر أسس الإسلام، فيقف الغني بجانب الفقير، والشريف مع المشرف، والمخدوم قريبا من الخادم، والكل في موقف واحد بين يدي الله سبحانه لا فضل لأحد على احد.
3) وثالثا إن إتباع المصلين لإمامهم في جميع أعمال الصلاة وتعويد النفوس الطاعة والانقياد للرؤساء وقد فطن لهذا السر (رستم) قائد جيش الفرس، حين رأى الصحافة يصلون خلف إمامهم ويتحركون لحركته ويسكنون لسكونه(16).
وهذا ولتكن خاتمة حديث أسرار الصلاة ذكر المكانة المرموقة التي تحتلها هذه الشعيرة في نفوس بعض علماء أوروبا، جاء في مجلة المنا(17)ر . ما يلي:
 (وقد نقل إلينا بعض علماء الإفرنج المستقلين الإعجاب بهذه الصلاة حتى خصوم الإسلام منهم، فقد قال الفيلسوف (رينان) الفرنسي، أنني ما رأيت المسلمين في مسجد يصلون جماعة إلا وتمنيت لو كنت مسلما أو قال احتقرت نفسي لأنني غير مسلم، ولما طعن في الإسلام في خطاب له في السربون ذكره الفيلسوف المنصف (غوستاف لوبون) بقوله هذا فاعترف.
وقد افتتح (الكونت هنوي دي كاستري) كتابه (الإسلام خواطر وسوائح) بمقدمة ذكر فيها ما رآه في سياحته في الشرق من صلاة المسلمين صلاة الجماعة، ووصف من إعجابه بها وتأثيرها في نفسه انه احتقر نفسه اتجاه جماعة من الفرسان المسلمين رآهم يصلون جماعة.
        الصــوم
فرض الصوم لتطهير النفوس وتزكيتها، وليحس الصائم بآلام الجوع والعطش فيتذكر الجائعين من الفقراء والمساكين، ويتعطف عليهم، ويواسيهم، وقد شرح القرآن الكريم والحديث الشريف هذه الحكم: (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وفي حديث البخاري (الصوم جنة) أي وقاية من عذاب الدنيا بالأمراض والمعاصي ومن عذاب الآخرة؛ وفي صحيح البخاري أيضا (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل عليه السلام وكان يلقاه في رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله  صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة).
ولما في الصوم من معنى الإحسان اوجب الشارع زكاة الفطر عقب انتهاء رمضان تنبيها على هذا المقصد الأسمى من مقاصد الصوم.
هذا والى جانب حكم الصوم الآنفة الذكر نجده ينطوي على فوائد صحية عديدة أصبحت موضوع عناية أطباء الغرب في هذا القرن العشرين الى حد أن احد دكاترتهم خص هذا الموضوع بكتاب على حدة عنوانه (التداوي بالصيام وأصول الاستعانة به) وقد طبع في ألمانيا عام 1354 = 1936   في 194 صفحة (18).
وبين كمية وافرة من اعترافات الأطباء المعاصرين بفوائد الصيام نسوق هنا شهادة دكتور عربي: محمد توفيق صدقي الذي قال في كتابه الجليل (سنن الكائنات)(18)  ما يلي:
"إن الصوم عن الطعام نافع في أمراض المعدة والأمعاء والكيد والكلى وحصواتهما، والنقرس والروماتيزم والحميات وأمراض القلب وغير ذلك، إلا أن الغلو فيه له ضرره، ولذلك نص الشارع صلى الله عليه وسلم على وجوب الاعتدال في كل شيء، ونهى عن صوم الدهر، وعن الوصال في الصيام واستحب السحور وتأخيره وتعجيل الفطر. قال صلى الله عليه وسلم لمن نهاه عن كثرة الصيام والقيام (إن لبدنك عليك حقا)، ومما يخفف ضرر الصوم عند المسلمين انه يباح لهم ليلا ما يحرم عليهم نهارا فذلك كان الضرر الناشئ من الضعف في أثناء النهار قليلا أو معدوما، وبجانبه نفع يفوق هذا الضرر كثيرا وهو راحة الجهاز الهضمي والكبد والجهاز البولي وإحراق ما في الجسم من الزيادة الضارة وغير ذلك مما ذكرناه (19).
هذا كلام الدكتور محمد توفيق صدقي، وينبغي أن نتبعه بذكر حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الموضوع وهو قوله (صوموا تصحوا) نسب إخراجه في الجامع الصغير الى ابن السني وأبي نعيم في الطب النبوي، ولئن كان إسناد هذا الحديث ضعيفا فان معناه – كما رأينا- صحيح، ولأكن على أساس أن يتعاطى الصائم عند فطوره وسحوره اللائق، اما من يتجاوز الحد في ذلك فلا تحصل له الصحة ولو لوجود العفونات في جوفه، هكذا قيد الحديث بعض شراحه  موافقا في ذلك ما ينادى به الطب الحديث.

        الحـــج
إذا كانت صلاة الجماعة على اختلاف صورها شرعت ليجتمع المسلمون يوميا وأسبوعيا وبمناسبة العيدين الإسلاميين، وإذا كانت هذه الاجتماعات كلها محدودة لا تتعدى في الأكثر البلدة الواحدة، فان الحج شرع ليجتمع –في البقاع المقدسة- المسلمون من أقصى الرقعة الإسلامية إلى أقصاها، حيث يتعارفون بينهم، ويطلعون على ما وصل إليه العالم الإسلامي من تقدم أو ضده، ويتبادلون العلوم والمعارف، ويتداولون مشاكل الإسلام والمسلمين، ثم بعد ذلك يرجع كل حاج إلى موطنه وقد اخذ نظرة على الإسلام، وبهذا كان الحج مؤتمرا إسلاميا عاما.
وفي الحج – أيضا- زيارة البيت العتيق، والسلام على المقام النبوي الكريم، ومشاهدة البقاع المقدسة الأخرى، وكل هذه المشاهد تثير في نفس المسلم ذكريات عديدة: ذكرى إشراق الإسلام من تلك الأراضي المكرمة، وذكرى حياة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ومدفنه بها، وذكرى ما جرى لآدم وحواء بعد ما هبطا من الجنة.
وفي الحج يتجرد الحجاج من ملابسهم العادية ويستعيضون عنها بلباس الإحرام الذي يوحد زي سائر الحجاج، وفي هذا تذكير بالمساواة التي جاء بها الإسلام، وتذكير أيضا بيوم الحشر الأكبر حيث يتجرد الناس من سائر مظاهر الزينة. وفوق هذا ففي لباس الإحرام فائدة صحية جليلة: فان الطب اكتشف أخيرا أن الإنسان لابد له من تعريض جسمه  الى الهواء الطلق نحو شهر من كل سنة، يسترجع فيه الجسم قوته ويستعيد نشاطه(20) .

        الزكـــاة
الزكاة اكبر مظهر من مظاهر البر والإحسان، فهي منحة الإسلام للفقراء والأغنياء، ومن ابرز أسرارها أنها تساهم مساهمة فعالة في حل أزمة الفقر، فتفرض نسبة مئوية في مال كل غني ليساهم بها في حل تلك الأزمة.
وهي أيضا – مدعاة لترويج أموال الأغنياء وعدم تجديدها: وذلك لان الغني إذا رأى الزكاة تقتطع من ماله المتجمد نسبة مهمة على رأس كل سنة، فهو يبادر الى ترويج رأسماله وتنميته ليلا تنتقصه الزكاة، ويشير لهذه الحكمة الحديث الشريف (اتجروا في الأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة) أخرجه الطبراني في الأوسط عن انس.
وفوق هذه الناحية المادية فهناك أسرار روحية لهذه الفرصة: فهي ترويض الأغنياء على السخاء، وتربيهم على البذل في سبيل الله، حتى تزول منهم صفة البخل المذمومة (ومن يوق شح نفسه فاؤلئك هم المفلحون). والزكاة تطهير للمال مما عسى أن يكون تسرب إليه –غفلة- من مداخل غير طيبة (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها).

(1)- الموافق ج2 ص 7
(2)-   "     ج3 ص 3
(3)-  مجلة المنار، مجلد 29، جزء (5)
 (4)- دائرة المعارف الوجدية ج 3 مادة خزر، مجلة هدى الإسلام، السنة الثانية العدد 71. مجلة مكارم الأخلاق التونسية، السنة الأولى العدد السابع، مجلة المنار، المجل 6 ج 8.
(5)-  سنن الكائنات ص 57
(6)- محمد رسول الله صلى الله لعيه وسلم تأليف محمد رضا ص 462 – 463.
(7)- عدد 49 الخميس 9 ذي الحجة سنة 1345 – 9 يونيو سنة 1927 السنة الأولى
(8)- مجلة المنار مجلد 18 ج 2
(9)-  سمعت هذا من بعض الباحثين الإثبات
(10)- انظر مجلة "التمدن الإسلامي" العدد الأول، السنة الأولى، ربيع الأول سنة 1354.
( 11)- "الدولة الإسلامية" تأليف عبد الله حسين ص 229، 230، 231
( 12)-"محمد المثل الكامل" ص 153   
( 13)- (سنن الكائنات) ص77 -78
( 14)- مجلة "المنار" مجلد 16 ج 10 مع السنن الكائنات ص 166
( 15)- "الرياضة في الإسلام" ص 47 – 51
( 16)- محمد المثل الكامل، 156 – 157 وغيره
(17)- مجلد 29 ج 6.
( 18)- ص 119  - 120
( 19)- هو الحنفي المطبوع تعليقه بهامش شرح العزيزي على الجامع الصغير ج2 ص 365
( 20)- تحدث عن هذه الفائدة الصحية محمد لبيب البتنوني في (الرحلة الحجازية) ص183


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here