islamaumaroc

العدد الماضي في الميزان

  ادريس الكتاني

20 العدد

كانت افتتاحية العدد الماضي "رمضان كريم" تذكيرا جامعا بدرس من دروس الإسلام الإنسانية والاجتماعية والخلقية والوطنية، التي طالبنا بأن نخصص أنفسنا لممارستها خلال هذا الشهر الكريم من كل عام، لكي نجدد فطرتنا الإنسانية من الصدأ والتعفن اللذين يغطيان صفائها وإشراقها طوال الأحد عشر شهرا الأخرى، تماما مثلما تحتاج كل آلة ميكانيكية الى «عملية تزييت وتنظيف» دورية، وفي الكلمة اقتراح جدير باهتمام الحكومة، يطالب بفرض ضريبة خاصة على جميع المواد الكمالية، لتمويل إسعاف منظم مستمر، يهدف القضاء نهائيا على ظاهرة التسول، الذي هو في رأيي اكبر سبة تطعن في دولة متحضرة في إنسانيتها، قبل أن تطعنها في ديمقراطيتها الاجتماعية، ورغم ذلك فاني اعتقد بأن مثل هذا الاقتراح سوف يتكرر في رمضان المقبل، ورمضانيات التي تليه، دون أن يفكر فيه احد، وسيظل آلاف الجياع يتضورون جوعا أمامنا، ويتمسحون على الأعتاب كل يوم، يحطم الجوع كرامتهم، ويحطم الشبع إنسانيتنا الى أن يشاء الله، ولكني ارجوا أن تخيب ظنوني في أقرب الآجال.
وتشير الكلمة في حسرة الى هذا الصراع الذي يعيش فيه المغرب، والذي كان من واجب الصحافة الوطنية أن تتحاشاه في رمضان، وان لم تتخذ منه فرصة لمراجعة مواقفها. وهذا الموضوع على درجة كبيرة من الخطورة بالنسبة لمستقبل المغرب.
والسؤال الذي نواجهه اليوم هو: هل من الضروري أن يجتاز المغرب جميع المراحل التي مرت بها الأقطار العربية الشقيقة ليصل الى نفس النتائج التي وصلت إليها اليوم؟ !
وأول مقال يواجهنا بعد هذه الكلمة القيمة هو "الإسلام ونظرية جيسل" حول التداول النقدي للزعيم علال الفاسي، وهو يعالج موضوعا من موضوعات الساعة، وما أحوجنا الى المزيد من دراسته وتحليله، بمثل هذه الروح، وذلك التوجيه. لقد اتخذ المغرب في يناير الماضي قرارا بفصل فرنكه عن الفرنك الفرنسي
وهنا برز السؤال: من أين تأتي القوة الشرائية لعملة ما؟ أمن الرصيد الذهبي؟ أم من العمل والإنتاج المستمر؟ أن جيسل يؤكد أن هذه  القوة كامنة في المبالغ المتداولة من النقد، ولذلك تجب مراقبة هذا التداول لضمان استمراره. كما يجب فرض ضريبة على كل نقد "مختزن" لم ينتقل من يد صاحبه ليد غيره، حتى لا تتكدس الأحوال، ويتوقف استعمالها في الإنتاج.
والأستاذ علال الفاسي عندما يقارن بين نظرية جيسل الحديثة، والمبدأ الاقتصادي الإسلامي الذي حرم الربا، وفرض الزكاة على الأحوال المدخرة، لمنع احتكارها وكنزها، وهي نفس الأهداف التي يرمي إليها جيسل بتقرير مذهبه – إنما يذكر المسؤولين عن الاقتصاد المغربي بضرورة انتهاج سياسة اقتصادية موجهة وثورية أن اقتضى الحال، في حدود مبادئ الدين الإسلامي والمصالح القومية العليا.
ثم تقرأ «الإسعاف في نظر الإسلام» للأستاذ عبد الله كنون لتزداد يقينا بالمثل الإنسانية العليا لدعوة الحق التي هي دعوة الإسلام، والأستاذ عبد الله كنون من العلماء القليلين الذين يحتاج مغرب اليوم الى تفكيرهم وأقلامهم للدعوة والتوجيه وعلاج المشاكل الاجتماعية بروح إسلامية وقومية جريئة. لقد تحدث عن رحمة الله بعباده كمقدمة لموضوع المقال. والأساليب الحديثة تتحاشى المقدمات لان القراء يتضايقون منها ويفضلون الدخول في الموضوعات توا، إننا في عصر السرعة وتركيز الأفكار. وبعد أن أعطى الأستاذ كنون صورة حية لإنسانية الإسلام وعدالته الاقتصادية، أورد من الأحاديث ما هو صريح في "الاشتراكية التعاونية الإسلامية" في الطعام والشراب واللباس والسكنى والمركب، ولكن الأستاذ كنون لم يسمها باسمها السياسي الجديد، ولم يقل أن تفريطنا في "اشتراكيتنا الإسلامية" دفع أجيالنا الحديثة التي تجهلها الى انتحال "الاشتراكية الشيوعية" بماديتها المفرطة وإلحادها، إنني أريد من أخي الأستاذ كنون أن يجهر بدعوة الحق باللغة السياسية الجديدة التي يفهمها الجيل الجديد، وانه لأهل لذلك.
وتقرأ بعد ذلك حديثنا دينيا عن حكمة الصيام، والغرض الذي يهدف إليه الإسلام في تشريعه بعنوان:
"عقيدة الإسلام شريعة وكفاح" للأستاذ الرحالي الفاروقي. وللحديث "مقدمة" كالعادة، وقد يكون العنوان موضوعا لهذه المقدمة، ولكنه مع ذلك أضخم من المقدمة ومن الموضوع !
وعلى خلاف الأحاديث الدينية التقليدية التي يكتبها شيخ وقور يعيش في عالمه أكثر مما يعيش في عالم الناس، فإنك تحس في مقال "القرآن دعامة الوحدة" للأستاذ محمد الطنجي بالحياة تدب في ثناياه، وبالروح القومية والغيرة الإسلامية تغمران قلب صاحبه، انه من هؤلاء الإبطال الذين يجهرون بدعوة الحق ويسيرون في موكبها غير هيابين.
لقد علق صديق لي على نشر مقال "إعجاز القرآن" للمرحوم العلامة محمد السائح بأن هذا الموضوع كتبت فيه عشرات الكتب. وقتل بحثا كما يقولون، فليس هناك من جديد يدعو لنشره. فكان جوابي: الجديد في الأمر هو تذكيرنا بما يجب أن لا ننساه أبدا، ونحن هنا بصدد دراسة قيمة لعالم مغربي كبير قد لا يتاح لآثاره العلمية أن ترى النور، لولا الفرصة التي هيأتها "دعوة الحق".
وكلمة الأستاذ محمد بن العربي بنونة: "رمضان شهر القرآن العظيم" هي موعظة من هذه المواعظ التي تشتد الحاجة لتذكير المسلمين بها في هذا الشهر الكريم، والأستاذ بنونه معروف بغيرته الإسلامية، ومن الرعيل الأول في الكفاح الوطني بالشمال.
ويسجل هذا العدد نص الخطاب القيم الذي ألقاه رئيس الجامعة المغربية الأستاذ محمد الفاسي على أعضاء مجمع اللغة العربية بالقاهرة بمناسبة تعيينه عضوا عاملا ممثلا للمغرب فيه. وأذكر أنني عندما قرأت هذا الخطاب لأول مرة شعرت بارتياح كبير، لا لأنه ربط صلاتنا القومية بالعربية والعروبة في ظروف كنا في اشد الحاجة الى تأكيد هذا الرباط فحسب، بل انه كان وفيا في الإشادة بجهود المرحوم الشيخ عبد القادر المغربي. وقد فكرت يومئذ في أن اكتب للأستاذ الفاسي كلمة أهنئه فيها على هذا الخطاب ثم لم افعل، ربما لأنني كأغلب المغاربة تنقصنا مع الأسف "عاطفة تقدير الآخرين" إذا أتوا عملا جديرا بالتنويه أو الإعجاب.
ولعل من حسن الحظ أن نعثر في "دعوة الحق" على أديب مغربي لم تمنعه أشغال سفارتنا في طهران وأنقرة من التفكير في المصير الذي آل إليه قبر أديب أندلسي كبير بفاس، فإذا كانت تنقصنا على الأقل بالنسبة للأموات، ومن حسن الحظ أيضا أن الاهتمام بقبور عظمائنا الذي لفت النظر إليه من قبل الدكتور صلاح الدين المنجد، لقي اهتماما سريعا من جلالة الملك محمد الخامس الذي اصدر أمره لوزارة الأوقاف ببناء ضريحين ليوسف بن تاشفين ولسان الدين ابن الخطيب حسبما أعلن عنه الأستاذ المكي بادوا عقب هذا المقال.
ونلتقي بعد ذلك بالأستاذ احمد التجاني ليلقي علينا عنوان: "العهد الجديد يتطلب ثقافة ملائمة" خطابا عن الاستعمار والكتلتين الشرقية والغربية والطريق التي يجب أن يسلكها المسلمون إزاءهما، بروح مؤمنة مخلصة، لكن بأسلوب الوعظ والإشارات الصوفية، فإذا لم تكن ممن خالط هذه المدرسة، فإنه يصعب عليك حل كثير من الرموز الواردة في هذا الخطاب.
ومن محاسن "دعوة الحق" أنها تتيح لك الفرصة للقاء صديق لم تره منذ عدة سنوات، لذلك هو حالي مع الأستاذ محمد العربي الخطابي الذي عرفته كاتبا مجيدا يمتاز بتركيز الفكرة، ووزن الكلمة قبل وضعها في مكانها من الجملة، وهو اليوم يحدثنا عن "قضية التربية والتعليم في المغرب" وهي القضية التي تشغل بال جميع المفكرين، والذين يهتمون بمصير أجيالنا المقبلة، فقد قام التعليم في المغرب منذ أزيد من أربعين عاما على أساس فرنسة شعب جديد ربحته الإمبراطورية الفرنسية سنة 1912، وهذه الفرنسة تشمل لغته وتفكيره وعاطفته، ولكن هذا الحلم تبخر نظريا سنة 1956. والأستاذ محمد الخطابي يتناول هذه القضية بدراسة موضوعية شاملة، يعرض المشكلة ويذكر لها حلا، ويقدم الاقتراحات، وأظن أن بعض اقتراحاته هي اليوم في طريق التنفيذ، ومن المؤسف أن وزارة التربية –ربما ككل الوزارات- لا تعلن عما تقوم به، أو تنوي القيام به في هذا السبيل لتطمين المهتمين بها، وإزالة القلق الذي يخيم على الأوساط الشعبية.
وطالب الأستاذ الخطابي بإلغاء "كلية العلوم" التي ينفق عليها المغرب عشرات الملايين وليس فيها إلا الطلبة الأجانب، باستثناء ثلاثة من المغاربة –كما بلغني- في إمكانهم أن يدرسوا في الخارج بإعطائهم منحا عادية كالآخرين. أنني أضم صوتي الى صوت الخطابي وعشرات المفكرين المغاربة في المطالبة بإلغاء هذه الكلية، وإنفاق المبالغ الضخمة التي تستهلكها على تعليم أبناء الشعب، على مئات الآلاف من أطفالنا المشردين الذين لم يجدوا مكانا لهم في المدارس الموجودة تنقدهم من البؤس والجريمة، وتضمن مستقبلهم. وان ما يقوله الشعب اليوم عن كلية العلوم، سيقوله إذا عن أية كلية أخرى لا تجدد عددا كافيا من الطلبة المغاربةـ ولن يقبل قيام "بورجوازية تعليمية" لأنها تتنافى مع العدالة الاجتماعية، ومبدأ تكافؤ الفرص لجميع أبناء الشعب في التعليم، نعم، يوم تستطيع الحكومة إيجاد المدارس الابتدائية الكافية، ويصبح التعليم إجباريا، سنكون أول من يؤيدها في إنشاء كليات لعلوم الذرة والصواريخ، وحتى الأقمار الصناعية.
ولأول مرة مع "دعوة الحق" نستمتع بلقاء عالم من جامعة الزيتونة هو الأستاذ محمد الشاذلي الذي يحدثنا عن التجاوب المغربي التونسي وآثاره في التاريخ" وهو من موضوعات الساعة التي يجب أن نهتم بها وندرسها من جديد، في الوقت الذي نسعى فيه لإقامة "المغرب العربي" الكبير، وحبذا لو يتسع نطاق هذا التبادل الفكري والثقافي بيننا وبين القطر الشقيق.
ولعل في الملاحظة التي أبدتها جريدة "العلم" حول كلمة "شاهدت في تونس" وجوب الأستاذ عبد القادر الصحراوي عليها، ما يعنيني عن إضافة شيء جديد.
ويطالعنا ركن الشعر بألوان فيها التقليدي والحديث، وفيها الموزون والمنثور، وتبدأ بشيخ الأدباء الأستاذ محمد المختار السوسي الذي يعرض علينا صورة حية من صور المنفى في قصيدته "بالحق صاولت" الحديثة بمعانيها وصورها، القديمة بلغتها وفحولتها، وهي مأخوذة من كتابه "معقل الصحراء" ولعله الوحيد الذي سجل هذه الحقبة من الكفاح الوطني. وكم يكون الأدب المغربي فخورا لو نشر الأستاذ المختار السوسي كتابه هذا.
ثم قصيدة الأستاذ عبد الرحمان الدكالي "ذكرى يخلدها التاريخ" التي يصور فيها فترة من كفاح جلالة الملك محمد الخامس، أيام كان بالمنفى، ويذكر بثورة الشعب ومقاومته، وكنا نود من الأستاذ الدكالي أن يقول الشعر دائما، وأن يخلق هو له المناسبات، لا أن ينتظرها حتى تأتيه.
ثم قصيدة الشاعر الأستاذ صالح جودت "لقد ثرت من أجل حريتي" التي لقيت في مؤتمر الأدباء العرب بالكويت، ويا حبذا لو يجب أن يتغنوا بها خصوصا في بلد كالمغرب، يعاني فيه الشعب من آلام الجوع والشقاء ما يعانيه كثير من شعوب الشرق.
ولا يسعني إلا أن أقدم تهنئتي للشاعر احمد البقالي على قصيدته "هلال رمضان في قرانا" (الأليق في قريتي) إنها من روائع شعر الشباب المغربي الحديث، وان ما تمتاز به من السلاسة والعذوبة ودقة الوصف، لجدير بأن نتنبأ لصاحبها بمركز ممتاز في دولة الشعر، ولكني أسأل الشاعر البقالي هل هو متأكد من أن سكان قريته يأكلون "الخليع" ليلة رمضان؟ ألم يستشعر ثقل هذا "الخليع" على روح قصيدته؟
وننتقل الى لون آخر من الشعر في قصيدة "الأرض تتكلم " للشاعر فيكتور ديك وتعريب الأستاذ عبد الهادي التازي، والقصيدة ذات هدف اجتماعي في طابع فلسفي، إنها الأرض أم الإنسان، تهيب بابنها أن يعمل ويجد في خدمتها.
ونلتقي بعد ذلك بالأستاذ عبد السلام الهراس في قصيدته "قصة تائب" وهي من الشعر الرمزي الذي ينقد المجتمع بلغة صوفية، والأستاذ الهراس شاب شديد الغيرة على المقدسات الروحية، ونرجو أن يزيدنا إيضاحا بما يريد أن يقول.
وتنتهي من الشعر لتطالع (ركن الجزائر)، ولعل فتح هذا الركن جاء متأخرا بالنسبة لحياة "دعوة الحق" وقد يكون لها عذرها. ومقالها الأول "القضية الجزائرية في شهر" هو عرض جامع مركز يحق للمجلة أن تعتز به وتفخر به حتى على الصحافة اليومية التس شغلت عن الاهتمام الجدي بالقضية الجزائرية مع الأسف. وتقرأ بعده كلمة الأستاذ ميشيل فعلق عن "العروبة والألم" فتجدها آية في تحليل المعركة التي يخوضها شعب الجزائر العربي، إزاء المعارك العربية الأخرى. اما قصيدة الشاعر الأستاذ صالح الخرفي "تحية الجزائر" فإنها صورة ناطقة لبطولة الجزائر في الشعر، تضاهى تلك التي تتمثل كل يوم في أرض الجزائر بلغة الرصاص والمدفع.
وفي ركن (مطالعات وآراء) تقرأ المقدمة التي كتبها الأستاذ محمد الصباغ للترجمة الاسبانية لديوان "همس الجفون". وأنا مع احترامي لميخائيل نعيمة كأديب، لا أومن بعقيدته الدينية كفيلسوف، وإذا كان هناك من المجلات ما تستبيح لنفسها نشر آرائه في "الحلول والتجسيد" وغيرها من المعتقدات الباطلة، فليست هي "دعوة الحق" خصوصا في ظروف الانحلال الفكري التي نعيشها.
كما تقرأ كلمة عن مخطوط ابن الآبار "السمط في خبر السبط" ولما كان الأستاذ الحسن السايح مولعا بكتابة التراجم فقد ترجم لنا ابن البار، وترجمة أدبائنا وإبراز آثارهم الأدبية عمل جليل يشكر عليه الأستاذ السائح، لكن لا بالأسلوب التقليدي السهل: ميلاده، أشياخه، كتبه، وفاته، بل بدراسة شخصية المترجم، وظروف حياته الاجتماعية، وهذا عمل شاق، ولكن هذا ما تعنيه الترجمة بلغة الأدب الحديث.
ثم تقرأ في ركن النقد الادبي المقال الثالث للأستاذ محمد الامري المصمودي "في شعرنا المعاصر" وهي اول دراسة ادبية لكاتب مغربي في العهد الحديث يستحق عليها كل تشجيع وتقدير، أما الحكم عليها فمن الخير ان يؤخر الى نهاية البحث.
لقد كانت "دعوة الحق" كريمة في رمضان وقد لحقني هذا وأنا أضعها في "الميزان".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here