islamaumaroc

القراءات القرآنية واللهجات العربية -6-

  دعوة الحق

155 العدد

30- حيث : ندرسها في قوله تعالى : « وقلنا يا  آدم أسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما، ولا تقربا هذه الشجرة فتكون من الظالمين» (1).
لعل قرائي الكرام يتذكرون أنه سبق أن تحدثت عن هذه الآية حينما تعرضت للهجة قبيلة سليم التي تنطق الشجرة الموجودة في هذه الآية بكسر الشين (2).
واليوم أعود إليها لأتصدى للظرف المكان « حيث» الموجود فيها، ولاشك أنكم فطنتم للسبب الذي دعاني للحديث عن هذه اللفظة، سيما وأنا أستعرض مفردات اللغة التيمية، وهي التي، كما سبق أن قلت (3)، تؤثر الصوت الأشد على الصوت الأخف لبداوتها، وتجنح إلى التفخيم.
ومعلوم أن من التفخيم الضم لخشونته وبما أن الواو ما هو إلا امتداد مبالغ فيه للضم، فإن تميم تقلب الياء واو في كثير من الأحيان.
وما أتيت بهذا إلا لأزيل بعضا من الشك بقي عالقا في نفسي مما نقله لنا الدكتور صبحي الصالح في كتابه « دراسات في فقه اللغة» نقلا كما ادعى عن « الكفاية في علم الرواية» للخطيب البغدادي المطبوع في حيدر آباد سنة 1357 صفحة 182.
قال الدكتور صبحي : « ويزداد هذا وضوحا بمقارنة اللذون التيمية بالذين الحجازية وحوث التيميو بـ « حيث» الحجازية» (4).
وبما أنه لم يقدر لي أن أطلع بنفسي على « الكفاية في علم الرواية»، وبما أنني أعرف أمانة الدكتور صبحي الصالح العلمية، فإني، ثقة به، فقلت ذلك واعتمدته.
ومع ذلك، يبقى في الأمر غرابة، ذلك أنني كنت أعرف دائما أن « حوث» بالواو وضم التاء هي من لهجة طيئ، وهو أمر يؤكده لنا جمال الدين ابن هشام الأنصاري (5)  الذي قول : « وطيئ تقول : حوث»(6)
كان من المنتظر من العلامة أبي حيان الغرناطي أن ينص على ذلك صراحة ولكنه لم يفعل، واكتفى بهذه العبارة الغامضة : « ويجوز حوث بالواو وبالحركات الثلاث» (7).
ومعلوم أن حيث ظرف مكان مبهم لازم الظرفية، مبني على الضم في المشهور عندهم.
إلا أن بطنين من تميم هما يربوع (8) وطهية (9) ببنيانه على الفتح دائما.
أما القراءة القرآنية الموافقة للهجة التي درجت عليها يربوع وطهية فهي قراءة عبيد بن عمير اللبثي (10) الذي قرأ : « ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام، وإنه للحق من ربك، وما الله بغافل عما تعلمون» (11) بفتح الثاء، نص على هذه القراءة أبو حيان، إلا أنه خلافا لعاداته اكتفى بأن علل فتح التاء دون أن ينسبها إلى لهجة ما، فقال : « وقرأ عبد الله بن عمير « ومن حيث» بالفتح، فتح تخليف» (12)
وعزا هذا المنطق الموافق لقراءة عبد الله بن عمير إلى بطلي تميم الموما إليهما أعلاه الأستاذ عبد الستار أحمد فراج الذي أردف يقول : « والمشهور في حيث البناء على الضم وبعض القبائل تعريها» (13).
إنه لم يذكر هذه القبائل التي تفعل ذلك، مع أن أبا حيان نص عليه صراحة وأطلعنا على اللغوي الذي روى هذا المنطق، فقال : « وحكى الكسائي أن إعرابها لغة بني فتعس» (14).
وكما أنها قرئت مضمونة ومفتوحة التاء قرئت مكسورة أيضا. قال ابن هشام : «ومن العرب من يعرب «حيث»، وقراءة من قرأ «والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون» (15) بالكسر تحتمل لغة البناء على الكســــــــر»(16)
يظهر إذن من هذا أن « حيث » تنتسب حسب كيفية التلفظ بها إلى ثلاث قبائل.
إلى تميم الكبرى التي نقلب فيها الاء واوا، وإلى بطنين من تميم هما يربوع وطهية حين تقرأ بالياء مبنية على الفتح وإلى بني فقعس (17) حين ينطق بها متمكنة 31- استحيى في قوله تعالى : «إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها. فلما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلا، يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الناسقين» (18).

و«استحى» فعل مزيد مجرده « حيى» بكسر العين. وبما أن فتحة الياء لازمة، فغنهم مالوا إلى الإدغام وقالوا فيه « حي» أمام الفك الذي نلاحظه في « يحيى في قوله تعالى : «أليس ذلك بقادر على أن يحيى الموتى (19)، فسببه أن حركة الياء غير لازمة
أما ما نجده عند نحاتنا القدماء بخصوص حيى وما شاكلها وقضية حذف إحدى باعيها بعد نقل حركتها إلى الحرف الذي بعدها فكلام لا نقبله بوجه من الوجوه سيما وقد خطأ الآن علم الأصوات خطوات مباركه إلى الأمام.
ولقد صادف الصواب العالم اللغوي التونسي الأستاذ الطيب البكوش حين قال : «فهم عندما يقولون أن ضمة الياء في (بقيوا) انتقلت إلى القاف فالتقى ساكنان فحذف ما سبق وهو الياء، وأصبحت الصيغة  « بقوا» يعتبرون أن كسرة القاف حذفت، بينما لا يمكن لحركة أن تضمحل بكامل هذه السهولة وبدون مبرر صوتي»(20).
قال إسماعيل بن حماد الجوهري نقلا عن أبي الحسن الأخنش : « أستحيي بياء واحدة لغة تميم، وبياءين لغة الحجاز، وهو الأصل، لأن ما كان موضع لأمه معقلا لم يعلوا عينه، ألا ترى أنهم قالوا أحييت وحويت»(21)
والذي قرأ بياء واحدة موافقة للهجة تميم هو أين كثير في رواية شبل (22)، هذا ما ذكره الزمخشري (23) وزاد أبو حيان : « وابن مميصن (24) ويعقوب (25) يستحي بياء واحدة وهي لغة بني تميم يجرونها مجرى يستبي» (26).
وتعرض لإعرابها بتفصيل أبو البركات الأنباري فبين كيف تتعدى بالحرف وكيف يسبك منها ومن صلتها مصدرا (27).
أما الشيخ محمد الطاهر بن عشور فركز تفسيره في هذه اللفظة على ما تضيفه الحروف الزائدة في الفعل حيي، ثم أعطى تعريفا رائعا لهذه المفردة (28).
32- خاشعة (29) « في قوله تعالى : « ومن آياته لنك ترى الأرض خاشعة، غاذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت، أن الذي أحياها لمحي الموتى، إنه
على كل شيء قدير» (30) لفظة تميمية (31) معناها في هذه اللهجة حسب أبي القاسم بن سلام «مقشعرة»
وذهب جل المفسرين إلى أن معناها الآن في القرآن الكريم « التذلل والتصور، فاستعمر لحال الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها» (32) وقال السدي : «خاشعة ميتة يابسة (33)
وقال محمد بن علي بن محمد الشوكاني «الخاشعة، اليابسة الجذبة وقيل الغبراء التي لا تنبت، قال الزهري إذا يبست الأرض ولم تمطر قيل قد خشعت» (34)


1 ) الآية 35 من السورة الثانية، البقرة.
2) انظر مجلة « دعوة الحق»، صفحة 29 من العدد التاسع السنة الرابعة عشرة شوال 1391.
3) انظر نفس المجلة المشار إليها أعلاه، صفحة 33.
4) دراسات في فقه اللغة، طبعة دمشق 1379، صفحة 97.
5) هو عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن يوسف، أبو محمد جمال الدين ابن هشام ولد سنة 708 (1309) بمصر ومات بها سنة 761 (1360) كتبه المطبوعة معروفة متداولة. وله، فيها يهمنا « رفع الخصاصة عن قراء الخلاصة» لا زال مخطوطا، وهو في أربعة مجلدات.
6) المغني اللبيب عن كتب الأعاريب، الجزء الأول، صفحة 140 من الطبعة الثانية بدمشق.
7 ) البحر المحيط، الجزء الأول، صفحة 155، السطر 19.
8) يربوع بن حنظلة بطل من تميم. انظر الإشتقاق لابن دريد، الصفحات 221، 226.
9) طهية بن عبشمس بتشديد الياء من أولاد مالك بن حنظلة المشار إليه أعلاه- انظر ابن دريدي صفحة 559.
10) هو أبو عاصم الليثي المكي، ولد في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو ثقى روى عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعن سيدنا أبي. توفي سنة 74. وهو الذي روى هذه القراءة الشاذة « لمردكون» بتشديد الدال في قوله تعالى « فلما قراء الجمعان قال أصحاب
موسى أنا لمدركون» الآية 61 من سورة النمل، قراها معه الأهرج، انظر ترجمته في غاية النهاية لابن الجزري الجزء الاول، صفحة 496، وعند أبي حاتم الدازي (عبد الرحمن بن محمد بن إدريس) في كتابه الجرح والتعديل الطبعة الأولى بحيدر آباد 1371، الجزء الثاني رقم 1896 من القسم الثاني.
11) الآية 149 من السورة الثانية، البقرة.
12) البحر المحيط الجزء الأول، صفحة 439 السطر 22.
13) « الرسالة» المجلة الأسبوعية المصرية المشهورة، العدد 803، السنة السادسة عشر نونبر 1948. وردت هذه المعلومات في سلسلة من المقالات كان الأستاذ فراج ينشرها تباعا تحت عنوان « القبائل والقراءات» انظر الحلقة الثانية صفحة 1323، العمود الأول.
14) البحر المحيط، الجزء الأول، صفحة 155، السطر 19.
15) الآية 182 من السور السابعة الأعراف.
16) المغني اللبيب، صفحة 140 من الجزء الأول.
17) لاشك أن هذه هي القبيلة العربية عناها ابن هشام بقوله : « ومن العرب من يعرب « حيث» وقراءة من قرأ « من حيث لا يعلمون بالكسر. وقد أشرت إليها في الحاشية رقم 15 .
18) الآية 26 من السور الثانية البقرة.
19) الآية 40 وهي الآية الأخيرة في السور 75 القيامة.
20) الطيب البكوش في مقدمة كتابه « التصريف العربي من خلال علم الأصوات الحديث».
21) الصحاح، الجزء السادس، صفحة 2324، آخر العمود الأول.
22) هو شبل بن عباد أبو داود المكي، من مقرئي الحرم المكي وهي قراءة ابن كثير. حديثه مخرج في صحيح البخاري وفي سنن أبي داوود والنسائي روى عنه خلق كثير ومن بينهم حمزة الزيات. اختلف المؤرخون في سنة وفاته، ويظهر أن المشهور في وفاته هي سنة 160. انظر ترجمته في طبقات القراء لابن الجزري الجزء الأول، صفحة 323، وفي معرفة القراء الكبار، الجزء الأول، صفحة 180.
23) الكشاف، الجزء الأول، صفحة 85، السطر 12.
24) مقرئ مكة المكرمة مع ابن كثير. روى عنه شبل السابق الذكر إلا أن في قراءته مخالفة للمصحف، لذا رغب الناس عن قراءته وأجمعوا على قراءة ابن كثير، وهو في الحديث ثقة احتج به مسلم رضي الله عنه. توفي سنة 132. انظر ترجمته في طبقات القراء، الجزء الثاني، صفحة 167، وفي معركة القراء الكبار للذهبي، الجزء الأول صفحة 81.
25) أحد القراء العشرة أمام أهل البصرة ومقرئها، توفي سنة 205، انظر ترجمته في طبقات القراء لابن الجزري، الجزء الثاني صفحة 386، وفي معرفة القراء الكبار، الجزء الأول، صفحة 130.
26) البحر المحيط، الجزء الأول، صفحة 121، السطر الخامس.

27) انظر ذلك في « البيان في غريب القرآن، الجزء الأول، صفحة 65، السطر العاشر».
28) تفسير التمديد والتنوير، الجزء الأول، من الكتاب الأول، صفحة 361.
29) أشرت لهذه اللفظة على أنها من لغة تميم في المقالات المتسلسلة التي كنت أنشرها تباعا في دعوة الحق تحت عنوان « لم يكن القرآن بلغة قريش فحسب» العدد السادس والسابع، السنة العاشرة محرم- صفر 1387، صفحة 25.
30) الآية 39 من سورة فصلت.
31) أبو القاسم بن سلام في رسالته الشهيرة المتضمنة لما ورد في القرآن الكريم  من لغات قبائل العرب، أثبتت حاشيته تفسير الجلالين، الجزء الثاني، صفحة 169، طبعة القاهرة بدون تاريخ.
32) الكشاف، الجزء الرابع صفحة 157 السطر ما قبل الأخير.
33) البحر المحيط، الجزء السابع صفحة 499 السطر 15.
34) فتح القدير، الجزء الرابع، صفحة 518، السطر السابع عشر.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here