islamaumaroc

أول سفارة ثقافية مشرقية إلى الأندلس العربي

  دعوة الحق

155 العدد

في قرطبة حياة، فالمدينة المتكلة على هضبات سيرا مورينا، تشهد في عهد عبد الرحمن الأوسط، مؤسس الخلافة الأموية في الأندلس أول سفارة ثقافية مشرقية، تؤم الدولة بدعوة من الناصر لدين الله.
لقد خرج الحكم المستنصر ولي العهد باسم الخليفة، وفي رهط كبير من الوزراء والوجوه والأعيان والعلماء ليستقبل في قلب الدولة، أبا علي اسماعيل القالي، بعد أن استقبل بحفاوة بالغة ومن الجزيرة الخضراء من وجوه الرعية، ومن بياض كورة المدينة ورجالاتها العظام يتقدمهم عامل الدولة ابن رماحس.
نشأ أبو علي القالي في بلدة بمنازجرد من أعمال ديار بكر، وأقام فيها حيث تلقى ثقافته، ثم رحل إلى بغداد سنة ثلاثمائة وثلاث للهجرة، تسعمائة وخمس عشرة للميلاد مع أهالي قالي قلا الذي نسب إليهم.
في بغداد أكب القالي على الدرس وجد في التحصيل على علماء الحديث، وجهابدة اللغة الرواية فسمع عن البغوي، والعدوي، والسجستاني، وأبى محمد يحيى ابن محمد ابن صاعد، والقاضي، والمحاملي، وابن عبيد، وأبي بكر بن مجاهد المقرئ.
كان القالي طلعة في النحو، والعربية، والأدب إلى جانب تعمقه وفهمه للحديث وأصوله : ويرجع في ذلك إلى النخبة من الأساتذة الذين درس عليهم أمثال درستويه، والزجاج، والأخفش الأصغر ونفطويه، وابن دريد، وابن السراج، وابن اظلنباري، وابن أبي الأزهر، وابن شقير، والمطرز، وجحظة، وابن قتيبة وغيرهم، وهم الذين تكررت روايته عنهم في كل ما كان يمليه من المحاضرات.
نبغ أبو علي القالي في العلوم التي برع فيها نبوغا لم يكن لأحد ممن تقدمه، أو تأخر عنه، وعده المؤرخون اماما ثبتا، وحجة ثقة، فوصفه الضبي في كتابه «بأنه كان علما في اللغة متقدما فيها، متقنا لها، فاستفاد الناس منه، وعولوا عليه، واتخذوه حجة فيما نقله، وكانت كتبه في غاية التقيد، والضبط والاتقان، وقد ألف في علمه الذي اختص به تآليف مشهورة تدل على سعة علمه وروايته ».
عاش القالي في بغداد خمسا وعشرين سنة، فبلغ فيها مجده وذروة شهرته، فكان احفظ أهل زمانه للغة والشعر ونحو البصريين وما عتم أن استدعاه الخليفة الناصر إلى الأندلس لنشر علمه، والاستفادة من معارفه وعلومه، فلبى الدعوة وحط الرحال في قرطبة.
إن في استدعاء القالي من بغداد إلى الأندلس، وفي عهد الرحمن الناصر الذي رفع منار العلوم والفنون، أكثر من معنى، فجده سلمان كان مولى للخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، وولاء القالي للأمويين في تأدية رسالة الثقافة والعلم في الأندلس الأموي حفظ لعهد بني أمية، ونشر رسالتهم وتحدث عن أمجادهم وتاريخهم العظيم في المشرق والمغرب العربيين.
هذا، ومن المؤرخين من يؤكد أن الرجل، بالرغم من مركزه العلمي في بغداد فإن الحظ لم يبتسم له في كنف الدولة العباسية، ومن هنا كان ولاء أبي على القالي للمبدأ وللدولة التي رعت جده الأول وعرفت مركزه.
ومن الثابت أن أبا علي القالي كان أستاذا جامعيا من طراز رفيع وفي رتبة كبار المحاضرين الثقاة الذين يقدرون الرسالة الجامعية، ويعون قيمة البحث العلمي وأصول النقد والاثبات، والموازنة والحكم، تلك الأحكام الأدبية التي يطلقونها بعد دراساتهم للنصوص، والتي هي قيمة وغاية الدراسة الجامعية الحديثة.
على هذا المنهج من البحث والدرس والتقرير كان يحاضر عالمنا في أيام الأخمسة في قرطبة، وفي غير هذه الأيام في المسجد الجامع بالزهراء أمام علماء الأندلس وأدبائها، فكان يملي من حفظه ما أعمل نفسه في جمعه، واشتغل ذهنه في درسه، حتى حوى خطيرة، وأحرز رفيعة ، وروى جليلة، وعرف دقيقه، وعلق شارده، وروى نادره، وعلم غامضه، ووعى واضحه.
في حدود هذا الواقع العلمي أملى العالم الجليل الثقة محاضراته اللغوية والأدبية التي استوعبها كتابه : «الأمالي» الذي قال فيه محمد بن حزم : «ان كتاب نوادر أبي علي مبار لكتاب الكامل الذي جمعه المبرد، ولئن كان كتاب أبي العباس أكثر نحوا وخبرا، فإن كتاب أبي علي أكثر لغة وشعرا ».
إلى جانب كتاب الأمالي ألف القالي كتاب الممدود والمقصور الذي رتبه على التفعيل ومخارج الحروف من الحلق، مستقصى في بابه، وكتاب الابل، وكتاب حلى الانسان والخيل وغيرها.
هذه الكتب التي  يعتبرها النقاد ذخيرة علمية كبيرة، والتي يرجع الفضل فيها إلى الحكم المستنصر التلميذ الذي وعى علم استاذه، وأحب الأدب عن طريقه واشتدت رغبته في اقتناء الكتب بسننه فأسس أكبر مكتبة في الأندلس، لقد أجمع المؤرخون «على أن الحكم كان بحث أستاذه على التأليف وينشطه بواسع العطاء».
بلغ أبو علي القالي أستاذ الحكم الخليفة الأموي، وأستاذ النخبة من العلماء والادباء والفقهاء في الأندلس مبلغا عظيما من الرفعة والشهرة فما زاده ذلك الا تواضعا واحتراما للعلم، وتقديرا لأثرابه من العلماء، فلقد سأله الحكم المستنصر ذات يوم «من أنبل من رأيته ببلدنا هذا في اللغة؟ فقال محمد بن القوطية».
لقد كان شرفا عظيما للعالم الكبير ان يهدي مؤلفه الأمالي إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر، ينوه بفضله على العلم والعلماء فيقول في مقدمة كتابه :
«لقد جعلت غرضي أن أودعه من يستحقه، وأبديه لمن يعلم فضله، وأجلبه لمن يعرف محله، وانشره عند من يشرفه، وأقصد به من يعظمه، وبقيت مدة ابتغى  له مشرفا، حتى تواثرت الأبناء بأن مشرقة في عصره أفضل من ملك الورى،بذال الأموال، محقق الآمال، مفشي المواهب، معطي الرغالب، أمير المؤمنين، وابن عم خاتم النبيئين، عبد الرحمن بن محمد محي المكارم ومبتني المفاخر».
وبعد فإذا كان المستشرق الاسباني اميليو غرسيا كومس يعتبر القالي أول سفير للثقافة المشرقية في الأندلس، فلا شك بأن القالي كان أولأستاذ جامعي في قرطبة كرسي الخلافة – وحاضرة الثقافة في الأندلس العربي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here