islamaumaroc

رسالة المغرب الثقافية في إفريقيا

  دعوة الحق

155 العدد

لم يكن الإطار الجغرافي الذي يعيش فيه المغرب بمنأى عن العلاقة بين هذا الإطار والحيوية الفكرية التي اتسم بها العقل المغربي إذ لا شك أن هذا الإطار وضع المغرب بين أوربا وإفريقيا فكان معبر الثقافات التي لم تمر في مجرد قنوات قائمة وإنما كانت تتجسد في شخصية أبناء المغرب الذين يستوعبون هذه الثقافات ويتمثلونها ويعطونها عصارة تجربتهم.
ولهذا فالإطار الجغرافي كان إطارا اجتماعيا وثقافيا لصهر عملية والعطاء والنثل ..
وإذا كان من الصعب أن تتابع تطور العلاقات الزمنية والعلاقات المكانية في موضوع متشعب كهذا الموضوع، فإن هذا لا يمنع من البحث عن طريقة سهلة وواضحة لاقتناص الموضوع من عدة جوانب حتى نعطي نظرة تقريبية على الأقل ... وتسهيلا لذلك نتساءل أولا عن حدود المغرب، من أين تبتدئ وأين تنتهي .. ولا شك أن هذا التحديد يختلف باختلاف العصور اختلافا كبيرا، كما نتساءل عن الحقبة أو الحقب التي عاش فيها المغرب مستوعبا لحركة الأخذ والعطاء والنقل .. وهي عصور تختلف باختلاف الدول المتعاقبة عليه حيث قد تصل الحدود إلى امتداد شاسع أو تتقلص لأسباب سياسية أو اقتصادية .. وليس من السهل أن يعالج الإنسان هذه المواضيع أن يعتمد اعتمادا كليا على مصادر تاريخية وفقهية وسياسية ودبلوماسية وأدبية وفنية.
وهذه المصادر لا تسلم من الأخطاء والأغلاط المقصودة وغير المقصودة، إذ كثيرا ما تجاهل المؤرخون الغربيون عدة حقائق تاريخية لاعتبارات سياسية .. أضف إلى ذلك أن الحضارة الإفريقية لم يكتب لها أن تدون أو ليس من طبيعتها أن تدون مما جعل من العسير معرفة كثير من تاريخ إفريقيا ... وإذا كان التاريخ المعاصر يعتمد أسسا فلسفية جديدة وبالأخص التحليلات التاريخية التي استنتجها هيجل من دراساته للتاريخ فإن هذا الفيلسوف لم يجد حرجا أن يقول حين بلغ به البحث إلى تاريخ إفريقيا، إنها قارة بدون تاريخ .. وقد كان مجحفا في حكمه إجحافا لا يكفره إلا جهله بتاريخ إفريقيا .. والواقع أن إفريقيا تاريخا حافلا.
وقد أعطت إفريقيا لأوربا ( الإنسان الأول) فقد أثبت علماء الأنتروبولوجي أن الإنسان الأول ظهر في إفريقيا ومنها عبر عن طريق المغرب، إلى أوربا وقد عثر عن بقايا عظام لهذا الإنسان في طنجة ودبرت يرويكي.
ويؤكد بعض علماء تطور الأجناس أن الإنسان الأول (تباندرتال) من العصر الحجري ومن هذه النواحي انتشر في عدة قارات ولا ينكرون أن يكون سبق بأنواع أخرى قبله، ولكن الإنسان الأول الذي يظهر في أوربا جاء إليها من إفريقيا السمراء الحارة .. ثم جاء الإنسان الموستري الذي يمثل في إفريقيا وسطا بين الموستري وبين نوع آخر ذي ملامح فيكوية وباتصال المونسترية والاريجانسية انبثقت مدينة الإنسان العاقل (نيادرسال) وهو شبيه كما قلنا بالإنسان (كومانيون) Cro-Magnon الذي عثر على بقاياه سنة 1868. وهو من الفصيلة البيضاء التي عثر عليها في بيركول (Pèrigord) ويبسط علماء الأجناس الإنسان في هذه الحقبة إلى عهود ثلاثة ولم يندرج النمو الإنساني في إفريقيا إلا في العصر الحجري الوسيط لمساعدة البيئة لذلك بخلاف الإنسان في أوربا حيث تعتبر الحضارة الأوريجانسا سليلة الجنس (جريبالدي) وهو من الزنوج عكس السولثري الذي يعتبر من جنس الكرومانيون القوقازي ..
وإذن فالحضارة الأوربية مدينة للجنس الجريبالدي الإفريقي الذي وصفه العالم (ألكسندر موريه) بأنه جنس زنجي صغير الحجم من الهتنتوت والبوشمي الموجود حاليا في وسط إفريقيا.
ويفترض العلماء أن هذا الجنس في إفريقيا الشمالية ونما على حوض البحر الأبيض المتوسط حيث عبر أوربا الغربية والوسطى حتى العصر الحجري الحديث، كما يرون أن ذلك قد تم منذ مليون سنة تقريبا. فاختلفت كل الأشكال الناقصة ليبرز الإنسان الحقيقي الذي شيد الحضارة الإنسانية حيث برزت الحضارة (العاطرية) في المغرب والحضارة (السبيلية) في مصر والحضارة (القفصية) في الصحراء أما بالنسبة لإفريقيا فإن الإنسان (جريبالدي) الزنجي انتشر في إفريقيا ويتلخص من هذا أن المغرب الأول عريق تاريخه، عرف حضارتين أوليتين، وسكنه نوعان من الأجناس، ومنه عبر الإنسان الإفريقي إلى أوربا وإلى مجاهل إفريقيا. ثم ظهر من ذلك جنس الإنسان (أسيلر) الذي اكتشف في مالي وهو قريب الشكل من (البانشو) و (الجريمالدي).
هذا عن نشأة الإنسان بإفريقيا الشمالية والتفاعل الحضاري بين أوربا وإفريقيا على الصعيد الإنتروبولوجي ..
أما عن تأثير البيئة فإن التشابه واضح بين سكان إفريقيا الشمالية والشرق الأدنى، وهو تشابه عرقي وبيئي أيضا كما أن التشابه واضح بين سكان إفريقيا الشلاقية والشرق الأدنى فالسودان الذي يبدأ من شمال نهر (زمبيزي) مارا بساحل البحر الأحمر وينتهي بوادي الأردن يرجع في طبيعته الجغرافية إلى تكونه في عصر جيولوجي واحد. ونظرا لوحدة هذه البيئة فقد ظلت الإتصالات والهجرات متوالية في هذه الرقعة الجغرافية.
وكان المغرب دوما نهاية المد الثقافي، وبداية الارتياد من جديد ومن ذلك محاولة المصريين الفراعنة لعبور المحيط الأطلسي عن طريق المغرب والسفن الشراعية البردية إلى أمريكا كما تؤكد ذلك تجربة المغامر السويدي المعاصر. ولا يستبعد أن يكون المغاربة قبل ذلك عرفوا هذا العالم بدليل عناصر قبلية من مطماطية ذكرها المؤرخون القدماء. وهكذا كان المغرب معبر الحضارة الفرعونية إلى أمريكا .. كما يذكر المؤرخون هجرة العرب الحميريين من اليمن إلى مصر، ومنها إلى إفريقيا الشمالية مستدلين بذلك على وحدة العنصر البربري والعنصر العربي ذي الأصل الواحد من العرب العاربة .. وكما هاجر العرب إلى إفريقيا هاجر الأحباش إلى جزيرة العرب في حروبهم الطويلة مع العرب إلى هزيمتهم (عام الفيل). ولما جاء الإسلام هاجر المسلمون إلى الحبشة، وهاجر اليهود من خبير إلى إفريقيا الشمالية لينتقلوا كروم الواحات التي أحرقتها الكاهنة (داهيا) لمحاولة توقيف الزحف الإسلامي على أفريقيا الشمالية.
ثم جاء العرب الفاتحون إلى إفريقيا الشمالية لينشروا الإسلام ويوحدوا الشعوب فعبروا إلى الأندلس عن طريق المغرب وإلى إفريقيا السمراء عن طريق المغرب أيضا .. ولا شك أن هذا المعبر كان سهلا على الفاتحين العرب لوحدة البيئة الجغرافية والبشرية .. وكما جاء الفاتحون العرب عن هذا الطريق كلما ضاقت بهم البلاد الشرقية لأسباب سياسية ومذهبية حيث نرى الأمويين يتوجهون إلى الأندلس عبر المغرب والأدارسة بعد ذلك ليستقروا في وليلي وبني هلال يدخلون المغرب في عهد الموحدين .. ثم نرى امتدادا آخر إفريقيا الوسطى عن طريق الحبشة التي هاجر إليها الأزديون بعد انتصار الحجاج الثقفي فاستقروا بالزنجبار، هكذا وصلت الثقافة الإسلامية إلى مجاهل إفريقيا عن هذين الطريقين.
وكان التفاعل بين الأجناس في هذه المنطقة عظيما فانصهرت في وحدة حضارية مما سهل على الفنيقيين الاستقرار الحضاري في المغرب، بل أن علماء الأجناس البشرية يرون أن أقباط مصر هم سكانها القدماء ينتمون إلى العنصر البربري، وأن البربر تركوا اليمن واستقروا بوادي النيل وسواحل البحر الأحمر والصومال والحبشة ثم انتشروا في إفريقيا الشمالية ويعتبر منهم التوارك، والشاوية ( في الأصل رعاة الشاه) وكان لهؤلاء جميعا خط قديم فينيقي وحضارة سامية انتشرت في إفريقيا الشمالية وامتدت إلى تخوم إفريقيا السوداء وبقي أثرها بارزا في الطقوس الكهنوتية، والزواج والدمى والرقص والرسم والفلكلور.
أما دور المغرب في هذه الاتصالات فإن موقعه الجغرافي جعله مدا للامتداد ومرحلة للصهر والتلاقح فسكان إفريقيا السمراء عبروا منه إلى أوربا كما عبر هؤلاء إليها عن طريقه، فلا غرابة أن نهج آسيا وأوربا بالرجال الأبيض يتجول متاجرا ومقيما في مجاهل إفريقيا محاولا ترويج بضاعاته، وتجربة أسلحته وإظهار تفوقه العلمي.
ومن المغرب تطورت حضارة التوارك الذين يسمون أنفسهم ( بموشاك) أي الحر الشريف كما يقول البربر ( أمازيغ) الأحرار  . . ورغم أن الفتينتية الوثنية ظلت في إفريقيا فإن التوحيد السامي أثر فيها فلم تكن في وتنية متعددة الآلهة كاليونان، أو متعددة الصور كالبوذية فهي وثنية بسيطة تكاد أن تكون نوعا من الوثنية العربة القديمة، وتدفق الهجرات للأسباب التي ذكرتها جعل سكان إفريقيا الشمالية الغربية من السودانيين والمغاربة وزنوج البانتو ( أي الكفرة) المنتشرين في حوض ( الكونغو) والذين وصل بعضهم في القديم إلى جنوب افريقيا وتسموا ( بالزولو) ووصل آخرون منهم إلى ساحل البحر الهندي، أما سكان إفريقيا الشرقية فهم من زنوج المسائي وزنوج ( البانتو) ومن السوحليين المنحدرين من العرب والزنوج
ولا تظن أن هذه الصلات القديمة كانت صعبة فإن المؤرخ الروماني ( بلين) الذي عاش في القرن الأول للميلاد يتحدث عن عرب اليمن وتجارتهم في الحبشة وسواحل إفريقيا الشرقية، وبطليموس اليوناني يتكلم عن وصول العرب إلى ساحل ( موازمبيك) للتجارة في العاج والطيوب والتوابل والمعادن كالذهب والفضة.
ولا يجادل أحد من المؤرخين أن الإسلام كان أقوى طاقة قوية جبارة هيات الإنسان ليسمو على العراقيل المختلفة، ويصبح أداة لنقل الإنسان  من مرحلة التعلق بالسحر والخرافة والاجترار إلى مرحلة الانسجام التام مع الكون والطبيعة. والالتحام مع الإنسان نفسه لتحقيق عمل جماعي يقهر كل المعوقات النفسية والاجتماعية.
ولهذا فقد كانت المعجزة الإسلامية أن يجعل من العرب أمة، وأن يجعل من عقلها ووجدانها أداة لاستقطاب المعرفة وتسخيرها لخدمة الإنسان. ولنذكر أثر ذلك على صعيد إفريقيا فإن السفن العربية الإسلامية عبرت بالفاتحين أولا والتجار ثانيا أرخبيل الملايو وجزر الجبال العمر، ومدغشقر، حيث أسس العرب ممالك ما تزال قائمة إلى اليوم، ووصلوا أيضا إلى ( مغدشو) فأسسوا مركزا بها وال (بمبه)، و( زنجبار) و (روديسيا) ، والكونغو، وهناك حملوا الفلاحة، القطنية والقنبية، والبيلة، وقصب السكر والأرز، واستخدموا الحصان والثور، واستغلوا الأرض والأشجار . .
أما في افريقيا الشمالية فإن الإسلام الذي أوقد الجذوة العربية هو الذي أوقد جذوة الفكر المغربي بكل عناصره المتساكنة به . . وقد كان عقبة بن نافع أول فاتح وصل إلى جنوب المغرب حيث انتهى إلى (تاكلاتين) قرب السودان ، واسلم كثير من سكانه، ويعنون بالسودان سواد البشرة . . ويرى بيرت Berth المؤرخ الانجليزي أن عقبة فتح التكرور وغانة معتمدا رواية إسلامية تتكلم عن وجود جالية إسلامية في العقد السادس من الهجرة، وربما أخطأ في زعمه لأن غانة تقع في القديم على نهر النيجر قرب السينغال الذي كان امتدادا لقبيلة صنهاجية المشتق منها اسم السينغال .. والواقع أن من الصعب تحديد الخط الذي وصل إليه عقبة، لأن السودان كانت تمتد في الشمال إلى (وادي النون) كما تمتد قبائل صنهاجية وكدالة إلى الجنوب .. فلا يبعد أن يلتبس وادي النون بوادي النيجر عند الفاتحين الأولين كما يرى ذلك بعض المؤرخين، ثم جاءت دولة لمتونة لترى الأمير (ترلونان) كما عند ابن الخطيب في (إعلام الأعلام) كما في القرطاس، وهو أمير لمتوني دان له ماوك لسودان وأتقاه بأداء الجزية أزيد من عشرين ملكا، وكانم يركب في مائة ألف نجيب وتوفى سنة 222 ثم جاء حفيده (بالتو) بن معي بن فيولوتان بن تيكان الصنهاجي، ثم بعده تلين بن يالين. ثم محمد بن نيفات اللمطي وقد استشهد في السودان ثم جاء الأمير يحيى اللكدالي، ثم دلوة أبي بكر بن عمر بن تلاكاكين وعبد الله بن ياسين الذي كان رباطه في السنغال قرب النيجر (بسان لوي). إلا يدل كل هذا على الاستمرار في التبادل البشرلاي والثقافي بين المغرب والقارة السمراء .. فمنذ عقبة بن نافع الذي فتح إفريقيا الشمالية إلى السنغال ومنذ عبد الرحمن بن حبيب الذي حفر الآباد في الواحات إلى موريطانيا كما في القرطاس، إلى تمركز اللمتونيين في (اضرار) والمسوفيين والكدالين في (النيجر) إلى عجزة اللمتونيين إلى غانة التي تعتبر أقدم مملكة زنجية في التاريخ القديم .. ولا شك أن التبادل الاقتصادي طور من الصلات بين المغرب وإفريقيا على الصعيد المعماري فبنيت عدة قرى في الواحات وشيدت منازل من الطابية والخشب، وتلك بداية الاستقرار في هذه المناطق، وتوحدت الطوتمة بين قبائل المغرب الجنوبية وإفريقيا الوسطى كما تقاربت الأنغام الموسيقية والرقص والعادات والأطعمة والزي، وأصبح بحق ما يقوله مؤلف الاستبصار وهو مؤرخ مغربي قديم يرجع إلى القرن الخامس الهجري. (وكلمة التوحيد والهداية متصلة من طرابلس إلى مدينة غانة).
ولقد اهتم المؤرخون العرب بالجانب الاقتصادي والاجتماعي وما يسمى بعلم الأنتسلوجي وكتب عن هذا الموضوع عن إفريقيا السمراء المناخمة للمغرب كل من ابن حوقل والبكري، والإدريسي والحموي والعمري وابن خلدون بالإضافة إلى ملاحظات اجتماعية صحفية بالمعنى المعاصر دونها ابن بطوطة وليون الإفريقي، وكذلك المؤرخون الأفارقة كمحمد الكوتي النيجري مؤلف تاريخ السودان، وتذكرة النسيان لمؤلف مجهول والسعدي في تاريخ السودان بالإضافة إلى مصادر برتغالية وإسبانية وهو لندية وانجليزية لا تسلم بعضها من تعصب وتحيز ..
وتعتبر حضارة (إفريقيا الغربية والوسطى) مزيجا من الحضارة البربرية التي وصلت عن طريق المغرب، والعربية عن طريق الحبشة وزنجيار. مما تكون حضارة (زنجية) بإبعادها الحضارية لا العنصرية.
ولقد توغل الملثمون في إفريقيا الوسطى فقضوا على ممالك غانة في عهد (تيولوتان) كما في ابن خلدون ( ج 6- ص181). وكانت حدود غانة من (ادرار) وبلاد النكرور (وهي السينغال) كما تمتد كذلك من نهر النيجر إلى مدينة (أركى) ومن عواصمها القديمة غادريار، وديارسي وسلا وغير ذلك من العواصم .. وقد شعب (صوصو) المقيم بجنوب غانة في وجههم ثم سهلوا لهم الدخول إلى أودغشت في الصحراء الكبرى. وبذلك حمل الملثمون الرسالة الثقافية المغربية إلى دلتا نهر السينغال والنيجر وصنغاي وكان عهد يوسف بن تاشفين عصر القضاء على الوثنية بين زنوج إفريقيا. وهكذا أسلمت غانة كلها. وفي ديوان أبي الربيع سليمان الموحدي عامل تافيلالت رسالة إلى ملك غانة في موضوعات اقتصادية، أما مملكة صنغاي فكان إسلامها في عهد زاكي الذي أسلم سنة 400 هجرية.
كما انتشر الإسلام بمالي في عهد كونكو موسى أو مني موسى وفي عهد سعيد منسي سليمان من سلالة سونديانا الذي كان من المثقفين الواعين والذي ضمت مملكته ما يقرب من أربعين مركزا حضريا وقرويا، وقد حج واشتهر اسمه في الشرق وصحبه في عودته الشاعر الأندلسي إبراهيم الساحلي.
وكانت للملك كونكو موسى صلة بأبي حسن المريني، حين هنأه بفتح السودان مع هدايا نفيسة فرد الهدية بأحسن منها ولكن الوفد وجده قد مات وخلفه ابنه، ثم أخوه سليمان الذي مات أبو الحسن في عهده وصلى عليه صلاة الغائب .. وفي هذا العهد وصل ابن بطوطة إلى إفريقيا الغربية ليحدثنا في رحلته عن أعلام مغربية وتقاليد وأعراف وأحكام إسلامية .. وابن بطوطة تجول في مالي وغانا وغينيا ملاحظا انتشار الإسلام في هذا الجزء من إفريقيا، كما لاحظ أن سكان بوالاتين يحتقرون الجنس الأبيض وتعرف على قاض من دكالة وتاجر من سلا وعلى جماعة من الأباضيين في مدينة (أغري) .. وتكلم ابن بطوطة عن انتشار العدل والأمن. وتكلم عن سلطان تكد البربري.
وبعد ابن بطوطة نقرأ وصف ليون الإفريقي لتمبكتو وحضارتها العلمية والاقتصادية. وجاء عصر المنصور السعدي لنجد السعديين يستولون على عدة عواصم في صنغاي.
وقد بدأ الخلاف بين المنصور وهؤلاء يوم طالب سعديون سكبا بن اسحاق بمعدن تغازي وضريبة عن جمل الملح، ونظرا لامتناعه تقدم السعديون لمحاربته معتمدين الأسلحة الجديدة والإستعانة بالجمل للسير إليهم عبر الصحراء، ولعل هزيمة المسلمين في الأندلس ومحاولة البرتغال الاستيلاء على الساحل الإفريقي للوصول إلى الرجاء الصالح مما قوي عزيمة المنصور لغزو هذه الأقطار حتى يستطيع الجيش الأندلسي بقيادة جوذر أن يحصل على الذهب ليعزز أسطول الجهاد، ورغم معارضة علماء المغرب والمقاومة الفقهية للفقيه أحمد بابا السوداني فقد تقدم المغرب في غزو إفريقيا ونجح في ذلك حيث حطم أطماع البرتغاليين إلى حين .. وهذا ما أضعف هذه الممالك وزاد في ضعف مالي استغلال (صنغاي) وغزو البرتغال لمالي كما أسس الملك (أوكاغو) مملكة سوني مستوليا على تمبكتو والتوارك واستمر ذلك إلى عهد (بامبارا).
والحق أن هذه الدولة ترجع إلى القرن السابع الميلادي حيث حكمها أفراد من أسرة (دجة) وهم من أصل عربي ومنهم الملك (كونكو موسى) و (علي موليس) المعروف بابن علي ثم حكمها في أواخر عصورها محمد توري الذي كان أعظم منظم لهذه المملكة في إطار إسلامي، وازدهر في عهده ازدهارا عظيما وبالأخص تمبكتو، وكاغو، ودجيش، وقد نظم السلطان سيكا الدراسة في عهده حيث كان بتمبكتو عدة مدارس إسلامية وقد حج واتصل بالإمام السيوطي وكانت تحد مملكته بساحل العاج جنوب وشمالا وبنجيرا شرقا، وتشمل قسما من الصحراء ومالي والسنغال وسيراليون وقولتا العليا.
وأما قبائل المانجو، والحوصة وقبائل الفيلاني Fuble فقد اعتنقت الإسلام مؤخرا وانتشرت في ساحل غينيا. ومن قبائل الفولاني المصلح الوهابي عثمان ديقيدو، الذي استطاع أن ينشر العربية والإسلام فيس قبائله. وطالما حارب الوثنية .. ولا ننسى أن نذكر ما اضطلعت به الطرق الصوفية، كالجزولية والشاذلية والقادرية والدرقاوية والتيجانية من حمل رسالة الإسلام وثقافته إلى إفريقيا، وطالما رحل الدعاة من الوعاظ والتجار إلى هذه الربوع النائية.
والواقع أن الشعب المغربي من كان. وهو شعب متفتح يأخذ ويعطي ويتحمل كل الصعاب ليبلغ رسالته وهكذا استطاع أن يجعل من إفريقيا بلادا مسلمة .. ورغم قوة المستعمرين الذين جعلوا من الكنيسة وسيلة لمحاربة الإسلام في إفريقيا فقد ظل الزحف الإسلامي مستمرا، وعندما عجزت الكنيسة تبنت أساليب الإسلام، فرتلت الإنجيل على نهج الهمزية والبردة، وصلت على النبي (عيسى) بل إن بعض القسيسيين خطب للمسيح على المنبر الإسلامي فيس المسجد بمدينة (كابرال) بموزمبيق إظهارا لوحدة الدين.
أما الإسلام فلم ينتشر إلا بثقافته الإنسانية وعدائه للعنصرية اللونية والزنجية المتعصبة. والتصوير الزنجي للجنس الأسود العربي وتقدير المسلمين لبلاد الحبشي .. وكان المسجد بيت الاستقرار الروحي للإفريقي بعكس Youyou والكنيسة والبيعة والهيكل.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here