islamaumaroc

الحدود في الإسلام

  دعوة الحق

155 العدد

تثار في بعض كتابات المستشرقين ومن بينهم اللورد كرومر(1) معتمد الدولة الانجليزية بمصر سابقا في كتابه (مصر الحديثة) وكارل بروكلمان في كتابه تاريخ الشعوب الإسلامية (2)، قضية الحدود الإسلامية، وتوصف بأنها أحكام همجية لا تليق بإنسان متحضر، وقد انساق مع هذا الرأي الفطير أصحاب الأهواء وإنصاف المثقفين من الشباب اليوم الذين لا يعرفون عن الإسلام إلا أنه دين يعيش على هامش الحياة بفروضه وتشريعاته.
هذه معرفة جاهل – وايم الله – بمنهج الإسلام، وهذا الجهل بالنسبة للشباب المعاصر لا يفتقر البتة وخصوصا في عصرنا الحديث، إذ أصبح من المفروض على المثقف أن يلم يشتى الاتجاهات والإيديولوجيات حتى يمكن له ،ن يواكب مسيرة الفكر الجديد فيصطفي المذهب العقدي الذي اهتدى إليه بعد تمحيص واستقصاء.
ولا ايراء عند من تدبر منهج الإسلام وعقد مقارنة بينه وبين باقي المنهج الأخرى في أن شريعة الإسلام نظام للحياة فريد، ذو خصائص متميزة، حركي في أبعاده، جاد في ارتباطه مع الواقع الحي للإنسان في أي ظرف زماني، رافض لكل ما يعتبر فرضا من الفروض أو نظريات التي تحتمل شتى التفسيرات المتناقضة مع التكوين النفسي والاجتماعي للفرد أي فرد.
وما دام هذا الدين نظام حياة شامل فإنه توخى في تشريعاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والخلقية إقامة مجتمع متميز الذات على غير الصورة التي نرى عليها لمجتمعات الحديثة التي ارتكزت على منطلق جاهلي محض لا تعترف بالربوبية الحقة.
وعندما ينشئ الإسلام هذا المجتمع المتميز بعقيدته يضطلع أول ما يضطلع بتربية الضمير، وتهذيب النفس إذ يعمل على غرس بذور المودة وحب التعاون واعتبار المومنين كتلة متماسكة يربطها تصور واحد سليم للحياة هو أوثق من  وشيجة الدم أو أية رابطة أخرى، وفي هذا يقول تعالى : ( إنما المومنين إخوة ) (3) ويقول سيدنا محمد عليه السلام ( مثل المومنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ).
قال:قتصر وصية الإسلام بالرأفة والإخاء على المسلمين فقط، بل تعدت إلى الملل الأخرى من الأجناس البشرية لكونها تلتقي عند منبع واحد هو الرابطة الإنسانية قال عليه السلام ( ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء )، وكذلك تعدى إلى كل حي حي – قبل إنشاء جمعية الرفق بالحيوان – قال عليه السلام ( بينما رجل يمشي، فاشتد عليه العطش، فنزل بئرا فشرب منها ثم خرج فإذا هو بكلب يلهت يأكل الثرى من العطش، فقال : لقد بلغ هذا مثل الذي بلغ بي فملأ خفه ثم أمسك بفيه، ثم رقى فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له) قالوا : يا رسول الله : إن لنا في البهائم أجرا؟ قال : ( في كل كبد رطبة أجر ) .
لذلك كانت رؤية الإسلام في تكوين المجتمعات تكوينا سليما رؤية ذات أبعاد عجيبة في تقويم الخلاق وإصلاح السلوك بشتى الوسائل المجدية كالترهيب حتى ينشأ ما يسمى بالضمير الذي هو عند علماء الأخلاق الشعور النفسي الذي يقف من المرء موقف الرقيب يحضه على أداء الواجب ويوبخه على التقصير فيه، وما يسمى عند علماء النفس ب ( الأنا الأعلى ) الموجه للسلوك البشري.
ولنا في الأجيال السابقة في الإسلام ولاسيما الجيل الأول العظيم خير مثال على براعة الإسلام في صياغة الفرد صياغة فذة في التكوين الخلقي العام، والتصور الرائع للكون والحياة كصحابة رسول الله عليه السلام ومن جاء بعدهم من التابعين وأقطاب الصالحين، وقصة ماعز بن مالك مشهورة تمثل النموذج الحي المومن الذي ارتكس في الخطيئة في لحظة من لحظات الضعف البشري، فاستيقظ ضميره من غفوته وراح إلى نبيه يفضي إليه بما ارتكب وهو يعلم أن اعترافه سيودي بحياته، لكن النفس المومنة التي استشرقت رحاب الإيمان لم تبال بالمصير إذ في المصير تطهير لها، وكذلك قصة المرأة الغامدية كما سيأتي بعد حين.
ولهذا كان من حكمة منهج الإسلام – حتى يحافظ على نظام المجتمع وأمته – فرض الحدود بعد أن ربى الضمير واضطلع بتتشلة النفوس كي يسد المنافذ على العدوان والفساد فلا يعبث بسعادة الناس ويستبد الطغيان بحياة الآمنين فتتحول إلى شقاء وتعاسة (4). ولقد صدق عثمان بن عفان رضي الله عنه حين قال ( إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ) .
وحرص الإسلام بالغ الحرص على تطبيق الحدود ورفض شفاعة الشافعين فيها حتى لا تصبح القوانين القوية في يد أصحاب الأهواء ودمية في يد المستبدين من الحكام، الأمر الذي يحيل المجتمع ميدانا للتلاعب المخزي، ويفقد حينذاك أفراده تقتهم الكاملة بعدالة التشريع، ويؤيد ها ما روى عن السيدة عائشة رضي الله عنها في حكاية المرأة المخزومية فاطمة بنت الأسود ابن عبد الأسد ( إن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قالوا : من يجترى عليه إلا أسامة بن زيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه أسامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا أسامة اتشفع في حد من حدود الله ؟ ثم قام فاختطب فقال : إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) (5).
ومع هذا يراعى الإسلام في تطبيقاته للحدود ملابسات القضايا وظروفها التي تكون في صالح المتهم، لأن المتهم بريء ما لم تثبت إدانته، وهذا المبدأ الإسلامي العظيم واضح فيما صنعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حد السرقة عام المجاعة واتخذه بعض من يتطفل على منهج هذا الدين ذريعة للقول بتعطيل الحدود وغيرها من أحكام الله كما ذهب إلى ذلك الدكتور محمد النويهي في بحثه ( نحو ثورة في الفكر الديني) المنشور بمجلة ( الآداب ) البيرونية (6) نافيا أن يكون حكم عمر مرتكزا على القاعدة الإسلامية الصريحة وهي قول الرسول عليه السلام ( ادرؤوا الحدود بالشبهات ) كي يدلل عن أن اجتهادات الخليفة الورع عمر تخالف النص القرآني لنتخذ نحن – وهذا هو غرضه – طريقا لتعطيل الأحكام الواردة في كتاب الله كنظام الارث وتعدد الزوجات، ويبدو لي أن الدكتور النويهي التبس عليه المفهوم الدقيق للشبهة في الشريعة الإسلامية، الذي هو ما يشبه الثابت وليس بثابت، إذ لو كان للدكتور على بيئة من هذا المفهوم لناقشه وأعطاه حقه من البيان حتى يبرر إعجابه الكبير بشخصيته عمر ذلك الإعجاب الذي يتمثل في قوله بهامش البحث ( ما أروعك يا ابن الخطاب ) (7).
وقد يحتج بعض أنصار التحليل النفسي بأن المجرم مخلوق سلبي، وضحية للعقد النفسية الجنسية – كما زعم فرويد وبعده علماء النفس – الناشئة عن كبت المجتمع والأخلاق والدين والتقاليد، لذلك فهو بريء لأنه مجبر على ارتكاب الجريمة تحت تأثير العوامل النفسية.
وقد يحتج أيضا الشيوعيون بأن الجريمة منشأها العوامل الاقتصادية إذ أن المجتمع الذي تختل فيه موازين الاقتصاد لا يمكن بحال أن تسوده الاخلاق، والنتيجة أنه لا يجوز معاقبة المجرم ما دامت هذه تاظروف تدفع الفرد إلى ارتكاب الجريمة في حين ان روسيا التي تدعى العدالة في الاقتصاد تزخر بكثير من الجرائم ويزج بأصحابها في السجون.
والمرد على هاتين النظريتين يحسن أن أورد بعض ما قاله الأستاذ المفكر محمد قطب عن الجريمة والعقاب داحضا رأي المحللين  التقيين ورأى الشيوعيين ( ولكن المحلل النفسي في وقوفه إلى جانب المجرم الخلقي لا يكون على صواب، وكل ما يقوله في تبرير الجريمة هو في الواقع كلام يفسر ولا يبرر، يفسر الجريمة بشرح الخطوات النفسية المتتابعة التي أدت على حدوثها، ولكنه لا يبررها لأنه – كما قلنا من قبل – يغفل القوة الضابطة في كيان الإنسان، وهي واقع علمي لا سبيل إلى إغفاله، ومن الخطأ ولا شك أ نقيم نظرياتنا وتشريعاتنا على أساس إغفاله والنهرين من قيمته في الحياة البشرية.
كما ينشأ الخطأ كذلك من اعتبار كل مجرم مريضا نفسيا لا إرادة له فيما وقع منه من اعتداء، بل مجنيا عليه من المجتمع ينبغي علاجه من شذوذه دون أن يوقع عليه عقاب.
وما يكابر أحد في أن بعض بواعث الجريمة في المجتمع المسيحي الغربي قد نشأ من سوء تطبيق التعاليم المسيحية، ومن الكيت الذي لا مبرر له في واقع الأم .. فإن الحجر على كل نزعة فطرية وتحريم الإحساس بها في داخل النفس لا بد أن ينشأ عنه هذا الصراع المدمر الذي ينتهي أحيانا إلى الجريمة.
ولكن التوسع في تطبيق هذه النظرية حتى تشمل كل جريمة أمر شديد الخطورة فضلا عن مجانيته للحقائق العلمية، فكثير من الجرائم في المجتمع الغربي الحديث لا ينشأ عن الكبث، وخاصة بعد أن انحلت القيود ولم يعد هناك رقيب من المجتمع ولا من داخل النفس يحرم النشاط الجنسي وهو مبعث الجريمة كلها في نظر فرويد وكثير غيره من المحللين، وإنما تنشأ الجريمة في هذا المجتمع المنحل من المبالغة في الإباحة ونزع القيود لأن هذا رأي يؤدي إلى إغراء كل فرد ( بتحقيق ذاتيته ) على أوسع نطاق فتتضارب المطالب وتصطدم الرغبات وتحدث الجريمة.
على هذا الأساس الخاطئ في التربية وعلم النفس يقوم المجتمع الغربي المنحل وتنشر فيه الجريمة ثم تقدم لها المبررات فتزداد يوما بعد يوم ويتقاضى عنها المجتمع ويأخذها على أنها أمر واقع لا تجوز مقاومته ولا تستطاع حتى لو أريدت لأنها مسأله جبرية ليس لأحد عليها سلطان.
أما الشيوعية فترى أن الجريمة تنشأ من أسباب اقتصادية لا جنسية ولا سيكولوجية على وجه العموم، وانه طالما كان المجتمع غير متوازن من الوجهة الاقتصادية فلابد أن تنشأ الجرائم لأنه لا سبيل على قيام الفضائل في نفوس الفقراء الحاقدين ولا الأغنياء المترقين، ولذلك فهي ترى أن وجود الجرائم في البلاد الرأسمالية أمر طبيعي وأنه ليس من العدل مقاومتها ولا فرض العقوبات عليها، كما أنه لا سبيل إلى القضاء عليها مع بقاء الأساس الاقتصادي غير المتوازن.
أما داخل بلادهم فنحن لا نعلم الأمور كلها على وجه اليقين ومعظم ما يصلنا  هو الدعاية اما منهم وإما ضدهم، وعلى أي حال يزعمون أن الجرائم قد انتهت وإن كانوا لو يزعموا بعد أنهم قد الغوا المحاكم والسجون، ولعلهم يقصدون أن جرائم السرقة هي التي انقطعت، فإنه لا موجب فعلا للسرقة إذا أتيح لكل شخص كفايته من الطعام والشراب والكساء،وإن كانت الأخبار قد جاءت ذات مرة بمحاكمة صبي في الثالثة عشرة لأنه زور في البطاقات الخاصة بمواد التموين على قدر أكبر من نصيبه، وقالت الصحف التي أوردت الخبر أن القاضية نصحت الصبي بألا يعود لمثلها أبدا ثم أطلقت سراحه.
 أما الجريمة الكبرى في الدولة الشيوعية، الجريمة التي تشق لها السماء وتنهد الجبال هذا فهي انتقاد النظام الشيوعي أو التعرض لواحد من الآلهة المقدسين وخاصة الإله ليتين عند ذلك ينسى القاضي رحمته المشرقة التي تؤثر النصح على العقاب وتنسى الدولة مناعة النظام الذي لا تنغلب عليه قوة أيا كانت، وينسى الدعاة جبرية الاقتصاد التي تخضع الأرض والسماء لسلطانها بطريقة ذاتية غنية عن كل قانون .. وينقضون جميعا على هذا المجرم الاثيم فيسرعون به على المشنقة إن أرادوا له الرحمة، أو ينفونه في ثلوج سيبيريا إذا أريد له العذاب. وعندئذ تخرج الصحف الروسية مفاخرة مباهية بأن الدولة قد قامت بحركة تطهير لحماية النظام .الخ).
 وقد يتساءل الفرد مع نفسه لم لم يترك الإسلام للعقل الإنساني الحرية في سن ما يبدو له من حدود؟ الجواب أن الإسلام ما عطل يوما حركة الفكر، بل أنه شجعه على المضي في استنباط ما يناسب ظروف الإنسان في إطار تصوره لقضايا الحياة، وليس أدل على ذلك من أن الله تعالى لم شاء لجعل شريعته تنص على كل ما يحتاج إليه الإنسان بكل وضوح دون أن يتيح الفرصة للفكر في أن ينطلق يستنبط ويجتهد، وهذا أمر لا جدال فيه عند من يؤمن بالله وقدرته، بيد أن الله تعالى خلق خلقه وتركهم يعملون على أساس منهجه الذي رسمه لهم، ذلك أن الإسلام مهما أوتي من قوة خارقة، وذكاء مفرط، فإنه لا يقدر على وضع دستور له يرعى فيه مصلحته الظاهرة فيه والخفية، وفي القانون الغربي كثير من الاعتساف في الاحكام نتيجة لقصور العقل الإنساني عن الإحاطة بخفايا النفس البشرية ومتطلباتها.
ما دام الإنسان – إذا – معرضا للخطأ ولشتى الأهواء والميول، الأمر الذي يجعله يؤثر مصلحته الشخصية أو مصلحة الغير على حساب الآخر مما يضر بالبناء العام للمجتمع الإنساني، فإن خالق الكون تولى في مثل هذه المسائل بيان الأحكام ورغم ذلك كلف الحاكم بالاستعمال فكره في ظروف القضية ودراستها محكمة على هدى من التخطيط  الإلهي.

 

1) انظر الشيخ مصطفى الغلايثي. الإسلام روح المدنية ط 1380 ص 157 وما بعدها.
2) ص 82 ترجمة نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي ط 4 – دار العلم للملايين بيروت 1965.
3) سورة الحجرات آية 10.
4 ) نشير إلى أن الإسلام يعترف بلحظات الضعف البشري، ولا يرمي إلى إنشاء مجتمع الملائكة ولذلك فتح باب التوبة على مصراعيه امام الخطائين، ونشير أيضا إلى أن المجتمع الإسلامي الحق في عصر النبوة وبعده لم يكن يخلو من الجرائم بتاتا إلا أنها كانت قليلة جدا ومتسترةوالاستثناء يؤكد القاعدة.
5) الحديث رواه البخاري ومسلم مع زيادة في الروايتين.
6) العدد الخامس مايو 1970 – السنة الثامنة عشرة ص 25 وما بعدها والبقية بصفة 98  وما بعدها.
7) نفس المجلة ص 100، والغريب أن النويهي لا يقول بالشبهة في اجتهادات عمر ، في حين أنه روى عنه قوله ( لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أقيمها بالشبهات ).
8) انظر، كتابه ( القيم الانسانية بين المادية والاسلام ) فصل «الجريمة والعقاب» ص 180 وما بعدها .ط 4 ( 1965ن وانظر نفس الموضوع بكتابه «شبهات حول الاسلام» ص 135 ط 6 – (1964).

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here