islamaumaroc

بحث في القراءات القرآنية التي تحدث عنها الزمخشري في تفسيره (الكشاف)(1).-3-

  دعوة الحق

155 العدد

14 - «ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم». -7-
هذه الآية تتميم للآية التي قبلها وافصاح عن حقيقة هؤلاء المعاندين الذين كفروا ورفضوا الايمان وأبوا التصديق بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
ولقد أثارت هذه الآية جدالا كبيرا بين المعتزلة وغيرهم من المفكرين الإسلاميين، وهذا الجدال مرجعه إلى محاولة خلق التوفيق بين هذه الآية وبين بعض أصول المعتزلة من جهة وبين استمساك خصومهم بها كدلالة قطيعة على بطلان ما عليه أهل الاعتزال.
ومن المعلوم أن المعتزلة يعتقدون أن عدل الله لا يتأتى بحرية الإنسان في التصرف وأن المسؤولية لا تكون معقولة المعنى إلا إذا كانت العمال وفق إرادة الإنسان.
وصريح الآية يقتضي أن هؤلاء الكفار قد طبع على قلوبهم فهم لا يؤمنون سواء أنذروا أم لم ينذروا، وتدل على أن الله جعل على قلوبهم أقفالا فهم لا يصدقون، وعلى أسماعهم ختما فهم لا يستمعون، وعلى أبصارهم غشاوة فهم لا يبصرون، فكيف يعاقبون إذن والختم جاء من الله تبارك وتعالى. أليس في عقابهم مظهر من مظاهر الظلم والله يتعالى عن ذلك علو كبير.
لذلك فكر المعتزلة في محاولة تأويل الآية تأويلا يتلاءم م معتقداتهم وقد أبدع الزمخشري رحمه الله في ذكر التأويلات الناتجة عن بيان المعنى المجازي للختم وذكر وجوها شتى نذكر منها الوجه الرابع على سبيل المثال ليطلع القراء على مدى استخدام العنصر العقلي في تفسير الزمخشري وعلى مدى أهمية البلاغة في الدفاع عن أفكاره فنقول : «قال الزمخشري: «ووجه رابع (2) وهو أنهم لما كانوا على القطع والبت ممن لا يؤمن ولا تغني عنهم الآيات والنذر ولا تجدي عليهم الألطاف المحصلة ولا المقربة أن أعطوها لم يبق بعد استحكام العلم بأنه لا طريق إلى أن يؤمنوا طوعا واختيار طريق إلى إيمانهم إلا القسر الالجاء، وإذا لم تبق طريق إلا أن يقسرهم الله ويلجئهم ثم لم يقسرهم ولم يلجئهم لئلا ينتقض الغرض من التكليف عبر عن ترك القسر والالجاء بالختم أشعارا بأنهم الذين ترامى امرهم في التصميم على الكفر والاصرار عليه إلى حد لا يتناهون عنه إلا بالقسر والالجاء وهي غاية قصوى في وصف لجاجهم في الغي واستشرائهم في الضلالة والغي ».
ولم يكن يد ونحن نتحدث ن هذه الآيات وما فيها من القراءات من الإشارة إلى ماقدمناه حتى لا يسأم القارئ في هذا العرض المجرد، وسنقدم ذلك بتفصيل عند الحديث عن العناصر الفكرية والعقائديةفي تفسير الزمخشري حينما سنتعرض للجوانب الأخرى التي أشرنا إليها في مقدمة البحث إن شاء الله إتمام ذلك.
ورجوعا إلى الحديث عن مجال القراءات نذكر ما يأتي :
أولا : - الإخبار بأن القراءة المتداولة تجعل لفظ السمع مفردا في حين أن قراءة ابن أبي عبلة تجعله جمعا.
ومن العلوم أن القراءة الأولى تتطلب تأويلات مختلفة، منها التأويل الذي يجعل السمع مذكورا عوض جمعه وذلك لعدم وجود الالتباس، ومنها التأويل الذي يجعل في الكلام مجازا بالحذف، ويكون التقدير حينئذ والله أعلم ختم الله على قلوبهم وعلى حواس سمعهم.
ثانيا :- الإشعار بأن أبا عمرو والكسالي قد قرأ وعلى أبصارهم بالآمالة، قال الزمخشري : « فإن قلت هلا منع أبا عمرو والكساني من أمالة أبصارهم ما فيه من حرف الاستعلاء وهو الصاد، قلت لأن البراء المكسورة تغلب المستعلبة لما فيها من التكرير كأن فيها كسرتين وذلك أعون شيء على الأمالة، وأن يمال ما لا يمال».
وإني ذكرت ما أشار إليه الزمخشري لأظهر اهتمامه بمخارج الحروف وما يلحق ذلك من دراسة الأصوات وتنوع مصادرها ومآتيها الشيء الذي كان معتادا عند مفسري مصادرها ومآتيها الشيء الذي كان معتاجا عند مفسري القرآن ودارسي اللغة العربية في عصر الزمخشري، وقبل عصره بكثير (3).
ثالثا :- تفصيل الحديث على كلمة غشاوة وما فيها من قراءات.
والغشاوة في اللغة فعالة من التغشية أي التغطية وهذا الوزن يستعمل في اللغة لما يشتمل على الشيء كالعمامة والعصابة، وقد أشار الزمخشري إلى تعدد القراءات في هذه الكلمة فذكرها على الترتيب الآتي :
1- غشاوة بكسر الغين ونصب الأخير.
2- غشاوة بالضم والرفع.
3- غشاوة بالفتح والنصب.
4- غشوة على وزن فعلة بالكسر والرفع.
5- غشوة بالفتح والرفع.
6- غشوة بالفتح والنصب.
7- غشاوة بالعين غير المعجمة والرفع من الغشا.
ورغم ما ذكره الزمخشري من وجوه فإنه لم يبين التأويلات الناتجة عن اختلاف الأعراب، وقد أشار إلى ذلك كثير من المفسرين وربطوا كلامهم بالمفاهيم العربية المعتادة، ويتلخص بعض ما ذكروه فيما يأتي :
أولا : بالنسبة إلى قراءة الرفع فإنها تقتضي على رأي سيبويه أن يكون غشاوة مبتدأ خبره الجار والمجرور قبله، وتكون الجملة معطوفة على ما قبلها وعلى هذا الرأي تكون هذه الجملة اسمية عطفت على جملة فعلية، ومن الضروري في البيان القرآني أن يبحث عن سر تلوين الجملة وتنويعها.
قال أبو السعود العمادي (4) : « وايثار الغسمية للايدان أن بدوام مضمونها فإن ما يدرك بالقوة الباصرة من الآيات المنصوبة في الآفاق والأنفس كانت مستمرة كان تعليمهم عن ذلك أيضا كذلك، وأما الآيات التي تتلقى بالقوة السامعة فلما كان وصولها إليها حينا فحينا أوثر في بيان الختم عليها وعلى ما هي أحد طريقي معرفته أعني القلب الجملة الفعلية».
ثانيا بالنسبة إلى قراءة النصب فقد تعددت التأويلات وأحسنها أن تكون كلمة غشاوة مفعولا لفعل محذوف تقديره، وجعل أي وجعل أبصارهم غشاوة.
ومن المعلوم أن القراءة الأولى أقوى بيانا وأشد ابرازا للإعجاز القرءاني، ولذلك انتشرت دون الثانية وعليها مجرى القراءات المتواترة التي تجري على الألسن، وبها نتلو القرءان في المغرب برواية ورش عن نافع رحمهما الله.

15- « يخادعون الله والذين آمنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون» -8-.
هذه الآية يمكن أن تكون بيانا للآية التي سبقتها في ذكر المنافقين وهي قوله تعالى: « ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين»، ويمكن أن تكون استشنافا باعتبار كونها جوابا لسؤال محذوف تقديره، ولما يقول هؤلاء آمنا وما هم بمؤمنين،فتكون الإجابة هي قوله تعالى : « يخادعون الله والذين آمنوا».
وهذا الخداع يحاولون به كسب بعض الحقوق التي ينالها المسلم دون أن تكون حقيقتهم تخول لهم ذلك والخداع هو إبهام المخدوع بأنه سينال خيرا في حين أن الغرض يهدف إلى إذابته والإساءة إليه، وهذا فعل يتنافى مع اضافته لله وللمؤمنين ولا يمكن إطلاقه في الآية إلى على أساس تخريج معنوي يتفق وقواعد اللغة وينسجم مع صحة العقيدة، وقد حاول المفسرون إظهار هاته الوجوه بشتى الطرق البيانية وبسبب ذلك اختلفت التأويلات وتعددة.
ونحن يمكننا أن نتحدث عن هذا الأمر باعتبار القراءات المختلفة.
القراءة الأولى تثبت صبغة المفاعلة في قوله تعالى : « يخادعون الله والذين آمنوا»، وهنا يمكن أن تكون المفاعلة لفظية لا تقتضي مشاركة ويكون الخداع من طرفهم وحدهم، وهذه الظاهرة في المفاعلة أثبتها أبو عبيدة في كتابه مجاز القرآن واعتبرها صورة لأفعال متشابهة لا تدل مفاعلتها على المشاركة وذلك مثل قولهم : قاتله الله أي قاتله وعاقبه الله أي وجه إله عقابه، وبمكن أن تكون المفاعلة حقيقية دالة على مشاركة الطرفين في الفعل ويكون الخداع حينئذ مشتركا بينهم من جهة وبين الله والمؤمنين من جهة أخرى. قال الزمخشري فإن قلت كيف ذلك ومخادعة الله والمؤمنين لا تصح، قلت فيه وجوه أحدها أن يقال كانت صورة صنعهم مع الله حيث يتظاهرون بالإيمان وهم كافرون، صورة صنع الخادعين، وصورة صنع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم وهم عنده في عداد شرار الفكرة وأهل الدرك الأسفل من النار، صورة صنع الخادع، وكذلك صورة صنع المؤمنين معهم حيث امتثوا أمر فأجروا أحكامهم عليهم ».
وهنا نلاحظ أن الخداع اعتباري لا يؤخذ إلا من مواقفهم وحالتهم ودراسة واقعهم.
وأما القراءة الثانية فهي تأتي بالفعل دون صيغة المفاعلة وهي قراءة أبي حيرة.
والخداع هنا أما أن يكون ناتجا عن سوء معتقدهم في الله فيظنون أنه ممن يصح خداعه، وأما أن يكون في الكلام حذف، ويكون المراد إطلاق الله وإرادة رسوله أن يخدعون رسول الله وذلك شبيه بقولهم بني الأمير المدينة أي بني عملته ذلك.
وقد أبان الله أنهم مخطئون في تقديرهم لأنهم أرادوا أن يخدعوا الله فما اتطاعوا ولكنهم كانوا أنفسهم يخدعون.
ولهذا قال الله تعالى : (وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون).
وفي هذه المقابلة أيضا وردت قراءات.
القراءة الأولى تثبت ضيغة المفاعلة وهي قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو ونجري عليها الأحكام اللغوية السابقة.
القراءة الثانية يخدعون بفتح الياء واسكان الخاء وحذف الألف وفتح الدال وهي قراءة باقي العشرة.
القراءة الثالثة يخدعون من التخديع.
القراءة الرابعة : يخدعون بفتح الياء وتشديد الدال بمعنى يختدعون.
القراءة الخامسة : تجعل الصيغة مبنية لما لم يسم فاعله، فيقال يخدعون حسب القراءتين الأوليين، ولم يشر الزمخشري إلى تعليل هذا النوع الأخير والثالث، إن هذه القراءة تجعلهم ينخدعون بأنفسهم الأمارة بالسوء، وتكون كلمة أنفس منصوبة على نزع الخافض.
ورغم تعدد هذه القراءات فإنه لا يدخل منها في إطار المتواتر إلا الأوليات، وقد قارن بعض الفسرين بينهما كالطبري مثلا فرجح القراءة التي لا تثبت المفاعلة واستدل على ذلك بدلائل منها قوله : « ومن الدلالة أيضا على أن قراءة من قرأ وما يخدعون أولى بالصحة من قراءة من قرأ ويخادعون أن الله جل ثناؤه ثد أخبر عنهم أنهم يخادعون الله والمؤمنين في أول الآية فمحال أن ينفي عنهم ما قد أثبت قد فعلوه لأن ذلك تضاد في المعنى وذلك غير جائز من الله» (5). 

وموقف الطبري مبني على عدم الإعتراف برأي أبي عبيدة السابق الذي يبيح إطلاق المفاعلة لفظا دون اعتبار المشاركة وهو لا يثبت أمام تأويلات الزمخشري رحمه الله.

16- « في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا» -9-
الحديث عن المنافقين لم يتم، وقد أظهر الله هذه حالة المنافقين وما هم فيه من العذاب النفسي ومن العذاب الجسدي وذلك راجع إلى مفهوم المرض من الناحية اللغوية الحقيقة، ومن الناحية المجازية فقد أشار بعض المفسرين إلى أن المرض في قوله تعالى: في قلوبهم مرض يراد به ما في نفوسهم من حقد ونفاق وبغض وضغينة وما تنوطي عليه دخيلتهم من حسد، وأن الغاية من قوله تعالى فزادهم الله مرضا قد تكون راجعة إلى أن بغضهم يزداد لمحمد وأصحابه كلما زاد دينه انتشارا وقد تكون ماديية محضة نظرا للعوارض المرضية التي يصاب بها القلب كلما أخفق الإنسان في تحقيق رغباته الدفينة، وهؤلاء حيث أنهم كانوا يريدون اشعال الحقد بين المسلمين وإثارة الفتنة بينهم وإطفاء نور الله فلم يستطيعوا انعكس ذلك على قلوبهم فمرضت مرضا حقيقيا واجتمع فيها حينئذ مرض الجسم ومرض النفاق.
والمرض ورد في جميع القراءات بفتح الراء لكن روى الأصمعي عن أبي عمرو أنه قرأه بسكونها.
وطبيعة هذا الوزن في اللغة العربية تقتضي إبقاؤه على حالته لأن السكون في العادة لا يلجأ إليه إلا للتخفيف والفتحة خفيفة بذاتها فلا تحتاج إلى تحوير بخلاف ما كان مضموم العين أو مكسورها فإنه قد يقبل التخفيف بالسكون.
وقد نبه السيوطي إلى هذه الملاحظة في كتابه المزهر وذكر أنه مفتوح العين من فعل لم يخفف إلا في حرف واحد ويقصد به المرض في رواية الأصمعي عن أبي عمروا ثم قال بعد ذلك وإنما التخفيف في المضموم والمكسور كرجل ورجل وملك وملك (6).

17- « ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون» -10-.
الباء للسبيبة أو للمقابلة وما مصدرية والمصدر المؤول يختلف باختلاف القراءات الواردة في الفعل المضارع، فعلى أنه من فعل المضعف الوسط يكون التقدير ولهم عذاب أليم بسبب تكذيبهم، ويكون المفعول محذوفا لدلالة سياق الكلام عليه أي بسبب تكذيبهم محمدا صلى الله عليه وسلم أو بسبب تكذيبهم القراءن، وهناك تأويلات أخرى لهذه القراءة لا تصل إلى حد الوضع الظاهر المتجلى في هذا الشرح المشهور.
وأما على القراءة التي تجعل ثلاثيا فيكون لتقدير ولهم عذاب إليم بسبب كذبهم أو بمقابلة كذبهم لأنهم كانوا يقولون أنهم مؤمنون بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين، وقد رجح بعض المفسرين هذه القراءة لإنسجام سياقها مع ما تقدم من الآيات.
ومن الواضح فيما سبق أننا كنا نأخذ المصدر مباشرة من قوله تعالى : يكذبون ونلغي فعل كانوا، وهذا التصرف مبني على إن كان الناقصة لا مصدر لها، وإما على القول بأنها ذات مصدر وهو أرجح فإن التقديريصير حينئذ ولهم عذاب أليم بسبب كونهم يكذبون أو يكذبون حسب القراءتين الواردتين في ذلك.
وكلتاهما متواتران مقبولتان في القراءات العشرية ولم يشر الزمخشري إلى القارئين بهما، ولكتنا مع ذلك نرى الفائدى ستتم إذا قلنا أن القراءة الأولى التي تأخذ المضارع من الفعل المضعف، العين وردت عن ابن كثير ونافع وأبي عمرو وابن عامر وأبي جعفر ويعقوب، وأن القراءة الثانية التي تؤخذ من الثلاثي وردت عن باقي القراء.

 

1 ) جرت عادة لمفسرين أنهم لا يتحدثون عن القراءات لعشرية فقط بل يضيفون إليها القراءات الشاذة أيضا وعلى نسقهم قدمنا هذا البحث
2) تفسير الزمخشري الجزء الول صفحة 22.
3 ) أقرأ باب الأمالة بتفصيل في كتاب سيبويه الجزء الثاني، صفحة 310 فما بعد.
4) تفسير أبي السعود- الجزء الأول- صفحة 30.
5 ) جامع البيان عن تأويل القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310هـ- الجزء الأول صفحة 277.
6) المزهر للسيوطي- الجزء الثاني صفحة 86.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here