islamaumaroc

الكتاب تكأة المثقف

  دعوة الحق

155 العدد

كانت عناية الكتاب موجهة في هذا البلد الكريم إلى دراسة القواعد العلمية ساذجة خاما بعيدة عن التعمق والتحليل المؤيد بالبحث في النصوص واستخرج خباياها ووضع النتائج النهائية على ضوء المقدمات السليمة من الاضطراب الموقع في الفهم المعكوس أحيانا، فحسب العالم الضيق الأفق في دروسه أ يتحدث عن النص الأدبي من ناحية الأعراب وتوجيهاته، ثم ينتقل بالطالب إلى ما احتواه من معاني وبيان وبديع مقررا ذلك تقريرا لا يكاد يعدو ظاهر الأسلوب البلاغي من مجازات واستعارات وكنايات وتشبيهات دون أن يستكنه ما وراء النص من أسرار يهدف إليها التركيب العربي المتين، وترمي إليها إشعاعات كلمته الخفيفة الحلوة الناطقة حروفها بأنصح الحقائق وأجلى المعاني.
هذا ما عشناه في مدرستنا ونشأتنا عليه في دراسة الأدب العربي بمتون تتناسب وأياما معدودة في السنة حالة بطبيعتها تتصادم ودراسة الأدب في المدرسة الحديثة اليوم.
فأديب العصر إذا ما تجرد لدراسة نص ما تجرد لدراسة نص من النصوص نثرا كان أو شعرا جند فكره، وجمع رأيه للبحث في ذات القائل وعصره والطريقة التي ارتأى السير على منهاجها تصنيعية أو تصنيعا، وهناك يأخذ يقارن بينه وبين مقلده في الطريقة وهل تسربل بها نهائيا، أو في بعض المميزات، وهل أجاد في ذلك أو قارب ؟
ثم هل له ند يتراكض وإياه ميدان الفن، بعد هذا يجعل ينظر في النص بمنظار التحليل للدورات الكلم ومواقعها من تراكيب النص أهي ممتكنة المراكز مستقرة المواقع أو نابية منتفضة ؟
هذه العمليات الفنية هي وحدها التي تطبع الأديب بطابع القدرة الكفيلة بفهم كل ما يهدف إليه في محاولاته الأدبية، وماجرياته الكلامية على اختلاف ألوانها، وتباين أشكالها، فيصيب الهدف الذي كان الوجهة الحق التي اتجه إليها الكاتب والفكرة التي عالجها في تحييره، وعلى نغماتها بنتائج ايجابية ذات مغزى عميق لا يكاد يتجلى ويتضح لأبناء المدرسة العتيقة التي كان حسب طلابها أن يلمسوا قشور النص من ظاهر ألفاظه، قانعين من عمليتهم تلك برشحات تسيل من بين حروفه لا تروي غلة الوعاة، ولا تشفي صدور المتشعبين بالأدب الحي، أضف إلى هذا ما كان يدس بين صفوف الأدباء من أفكار بالية تقوم على ساق الأوهام والخرافات، وأن الأدب على من العلوم التكميلية التي لا تدخل في عريق المعرفة وجذورها- حسبه أنه فن يتلهى به كل شخص عضه الدهر بنابه، وركعت به عواصف الزمن، وتناولته الفلكة فيمن تناولته، حتى قالوا : « فلان أدركته حرفة الأدب» إلا هذا الحد يصل الأدب عند المائعين ممن جفت قرائحهم وتحجرت أدهانهم، وبعدوا عن رقة العاصفة وجودة الرأي، فانثالوا عليه أنثيا لا يكبلون له أنواع الحط والتنقيص، والرمي بكل ما يمكن أن يصبح ذريعة تفت في أعضاء الناشئين الذين أنبتهم العصر ونور أفكارهم وهيأهم بجبلة النشأة الأولى وشرخ الشباب والطبيعة لينغمروا في زمرة الأدباء، ويحتكوا بالأدباء الحي في جدته وطراوته. هكذا يجرؤ بعض علمائنا وإنصافهم فيضعون الأدب وعلومه الأساسية على الهامش جهلا منهم لأصوله وفنونه التي عرفها قدماء المعرفة ( وما كن أصح علم من تقدم) إلى اثني عشر قرعا في مقدمتها علوم البلاغة واللغة والتاريخ – التاريخ الذي أدى بجاهلية إلى أنه حديث خرافة وأحاجي يتعلل بها، وتعرض للاستجمام والتسلية ليس فكرة لعب الاستعمار في بثها ألعابا مخزية كان لها الأثر السييء على بسطاء العقول وإنصاف المثقفين ويكفينا أن تستدل على فنية الأدب وأصالته العلمية أن إمام قريش أبا عبد الله محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله عكف على دراسته قرابة عشرين سنة ولو لم يكن من حجة لأصالته وعراقته العلمية إلا هذه العناية من أحد أئمة الإسلام لكان كافيا في خلوده الفني ووجود ذاتيته في الحقل الثقافي المغدق.
فليس من شك في أن وضع الأدب هذا الوضع الوضيع فكرة انحدرت من أعداء العروبة ودخلاء الإسلام الذين خلقوا وما خلقوا إلا ليحملوا محاول الهدم وفؤوس التحطيم لقيم العروبة والإسلام التي على أضوائنا وإشعاعاتها يتجلى نور الحق، وترفرف راية العدالة في أعلى شرفات الذكر الكريم وبيانه.
فبأي وسيلة وصل أئمة البيان إلى فهم الكتاب وبأي عمل شقوا الطريق رغبة في الاهتداء إلى الحق وبأي طريقة أصابوا الهدف وفتحوا العيون وأناروا الأفكار، وحرروا العقول من قيود الجمود والخمول عدا وسيلة الأدب الرفيع وعلومه الغالية، والعمل في جد على دراسته والكتب في فنونه محاضرة وإنشاء واشتقاقا تاريخا وقصة ورواية. فقام الوعاة من المحررين من قيود الاستخذاء والتزمت لاستخدام الأدب في التحرير والتأليف سالكين في المجموع نهج كتاب الشرق وطريقة رجال الاستشراف في تناول الموضوعات وبحثها منهجيا دعامته التهذيب والتنقيح.
وإذ نرى هذا المجهود يتكون في غالبه من ولوع شخصي ومجهود فردي- توجهت إليه سهام النقد المريخ بالصحة تارة والتحامل تارة أخرى في ظرف نكون فيه أحوج ما نكون- للتحبيذ والتشجيع لتلك الجهود وما اتسمت به من ضعف قد يكون ساورها في جوهر الترتيب والتحرير فأفقدها بهجة الأسلوب والسلاسة التي تعلو بقلم الكتاب إلى أوج الفن الرفيع وتركيز الموضوعية في اتجاه من الهلهل والاضطراب.
أقول كان على مجموعة الأدباء والكتاب أن يكونوا رحيبي الصدور لتقبل هذا الإنتاج المتصدع الفقر والمتلون بألوان ما أبعد ما تكون عن روح القلم الجديد وتصويره الفني الرائع أقول هذا لا كمقياس ثابت على سبيل الدمومية يجري ما دامت هذه الطائفة من الكتاب تنتج من نوع هذا الإنتاج المتصادم وطابع الجدة التي يعيش عليها كتاب قرن العشرين. لا ؟
وإنما رغبتنا الملحة في كف الأفلام الحادة عن توجيه سهام انتقاداتها المرة التي لا جرم أن تلتقي بأصحاب الإنتاج المتحدث عنه في زوايا الكسل والخمول فرارا مما قد يلاقونه أمام ما كتبوا في شتى الموضوعات – لا مطلقا بل تريثا منه وانتظار لنتابع التأليف وغزارة الكتاب وفيضان بضاعته خاصة في الموضوع الواحد وقتما يفتح المجال فيه للناقد ويتسع بين يديه ميدان لاختيار وتلك ظاهرة نوجه بطبيعتها الكتاب نحو النموذج الذي يجب أن يتوفر عليه صارقة إياه عما يمكن أن يطغى على وضعه من فقر ونقص في الشكل والجوهر. وبدون شك ينهضون للعمل على تلاقي ما فات، وتجديد ما بليت أوضاعه وانمحى أسلوبه ولم يعد استعماله صالحا حتى في عادي الرسائل، وحديث أبسط المجالس.
أعتقد أن بهذا وما إليه يستطيع المغرب أن يعتز بكتابه وأدبائه ويخلق ناشئة متطورة الأقلام والأسلوب هادفة في موضوعاتها حسبما توحي به الظروف المعايشة حيث تعلوها مسحة الجدة، ويحوطها رواء الموضوعية الفنية، وعندئذ نرى ثروة فكرية يتضاعف نموها وتحلق مدرستها ما ساندتها أندية تجمع في زواياها نخب المثقفين من الشباب الذي يكون نكاته الكتاب، وهويته البحث والتحرير، وطبعا تغزر مادة الكتاب ويعتز أكثر من الآن وليس بيننا وبين تكوين هذه الظاهرة السارة عدا أن نفتح باب الأندية العلمية الأدبية على مصراعيه إذ هو بلا شك الدافع القوي والعامل الأساسي لخلق التنافس في الشباب الواعي والمتعطش إلى المعرفة، فما على إخوان الكتاب إلا أن يجدودوا النشاط لتوسيع معلمته وتمديد دائرته وليس هذا على همة وعاة الشباب ببعيد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here