islamaumaroc

القرويين … الهوية المغربية

  دعوة الحق

155 العدد

لئن كانت هناك أمة استطاعت أن تحتفظ بتراث المشرق كما يجب الاحتفاظ، فهي بلاد المغرب وعلى الخصوص بلاد المغرب الأقصى لا لما تتميز به من تقدير زائد عميق لذلك التراث منذ الأيام الأولى التي احتضنته فيها، ولكن أيضا لأن بلاد المغرب الأقصى ظلت الجهة الوحيدة التي استطاعت أن تحمي كيانها من أي تأثير خارجي كيفما كان شكله ونوعه، ومهم أبلغت قوته وإمكانياته. أمامنا عدد كبير من الأقطار التي خضعت، بسبب أو آخر، لمختلف القوى التي كانت تبرز أحيانا في العصور الوسطى، أو العهود المتأخرة، كان هناك عدد من البلاد استهدفت لزحف التاتار، وهناك عدد منها- إن لم نقل جلها- استسلم أمام المد العثماني، على أن منها طائفة غير قليلة انهارت منذ قرن أو أزيد أمام الغزو الأوربي .. لكن المغرب الأقصى ظل البلد الوحيد الذي استعصى الوصول إليه على كل الفاتحين بالرغم مما بذلوه ... وحتى الغزو الأوربي الذي ركعت أمام قوته ودهائه وتحايله دول أثر دول، في الشرق والغرب، لم يكن له حظ يذكر في هذا المغرب الأقصى إلا لفترة جد محدودة، وجد مرهقة بالنسبة إلى الاستعمار بل كانت نذير الشؤم على وجوده، بالمرة في كل الجهات. ولأجل ذلك فغن التراث الذي يتوفر عليه المغرب ينبغي الالتفات إليه على انه التعبير الصادق الأمين للعصور الزاهية الأولى ... فإذا كان هناك في بلاد الدنيا من يريد الوقوف على ملامح المجتمع الإسلامي في بهائها وجمالها ومعالم الحضارة العربية في رونقها وأصالتها فلينتقل إلى هذه الديار في المغرب ليشاهد كل ما قرأه عن ذلك الماضي المجيد، فلينتقل إلى هذه المغارب ليتزود من أنفاس الأعراس التي كانت تتأرجح بنسماتها وتتضوع بعطورها تلك المشارق الفيحاء.
وإن في صدر ذلك الرصيد الضخم الذي ينعم به المغرب من تراثنا المجيد هذه المدينة التي وضع الإمام إدريس حجرتها الأولى ولكأنما وضعها لحي جامعي دائم الحياة تعاقب عليه كبار العلماء والفقهاء والأدباء والأطباء ... ولكأنما وضعها لكعبة ظلت على مر الزمن قبلة المومنين يحجون إليها من مختلف الآفاق الإسلامية ... ولكأنما وضعها لقاعدة سياسية سعت إليها مئات البعثات الدبلوماسية من مختلف جهات العالم وأمسى اسمها يعني المملكة كلها ... وما انفكت صاحبة الحل والعقد في كل التطورات الهامة التي شهدتها البلاد ... ولكأنما وضعها لسوق تجارية قصدها الناس ونفائسهم ... ولكأنما وضعها لدار صناعة تجلى فيها جمال الذوق وسلامة المزاج .. ولكأنما وضعها لمصحة يستجم فيها المراهقون والمتعبون وينشد العليل في جناتها وحماتها ما يبعث فيه جذوة الحماس والمراس ... هوت إليها الأفئدة وتاقت إليها النفوس فقصدها الناس متناسين أوطارهم وأوطانهم وتناجى على جنباتها هواة لها ورودها من القيروان وآخرون نزلوها من الأندلس، وسمع بهؤلاء وأولئك أقوام من أقصى المشرق فتنافسوا على امتلاك شبر على أرضها، كانت تلك قصة الذين أخذوا يزحفون إليها من شتى المدن والقرى ممن شعروا بأن مساقط رؤوسهم عادت غير محققة لما إليه يطمحون وما إليه يتوقون، كل ما قيل عنها إنما يقرب الصورة وإلا فإن دعوة القدرة على صوغ محاسنها ومفاتنها باطلة الأساس، زائفة القسطاس، لقد صاغ الهواة محاسنها في نظمهم ونثرهم، كل الفت إلى ناحية، وكل أخذ بناصية، حتى ليخيل إلى المرء أنه أمام فاسات عديدة وليست فاسا واحدة. لقد عني قوم بوفرة منابعها وتخلل عيونها الصافية في المدارج والمنعطفات ... وسحر قوم بالتميز البين بين مواسمها، والتدرج اللين في وداع فصل واسقبال آخر: هي في الشتاء غيرها في الصيف، وهي في الخريف غيرها في الربيع، فما تزال في هذه المناسبة من ألوان زاهية، تعوضه المناسبة الثانية بمفاتين غيرها ... وقد سحر قوم بما احتضنته المدينة من مباهج الشرق والغرب، فعادوا يلتمسون فيها ما ضاع من ليال في دمشق وبغداد وأيام في اشبيلية وغرناطة ... كل زاوية من زواياها ... وكل خلية من خلاياها، وجد فيها الهواة مادة صالحة للحديث، وحتى الأضرحة والمقابر التي يسودها عادة الشعور بالمصير فإنها تكون في فاس مدعاة لرحلة ممتعة في تاريخ أولئك الرجال الذين زودوا هذه المدينة بالروح التي ما انفكت سارية فيها عبر الأحقاب والدهور ... وإذا كانت الفسطاط والقيروان نفحتين زكيتين من الصحابة والتابعين فإن الله آثر مدينة فاس بأن تكون من تأسيس آل البيت الأقربين وأن تضفي عليها هذه النسبة من قبسها ونورها وفيضها وإشرافها، الأمر الذي يفسر ما تواتر الناس على ترديده من أن فاس المدينة الإسلامية الرابعة بعد الحرمين الشرفين وبيت المقدس طهره الله من الرجس.
وفي مدينة فاس، على العدوة الغربية التي تنتسب للوافدين عليها من القيروان يحتضن نصف هكتار هناك، قلب المدينة النابض الذي ظل يهيمن- بما يمتلكه من حيوية وفعالية –على كل أجزاء الإمبراطورية المغربية الفسيحة الأرجاء، المتباعدة الأنحاء ... كان القلب هو (جامع القرويين) الذي يرجع له الفضل كل الفضل في استمرار الوجود الإسلامي بهذه الديار، وفي حياة الحرف العربي بسائر أطراف إفريقيا .. فغن دوره لم يقتصر على استقبال المؤمنين صباح مساء لأداء صلواتهم ومناسكهم، ولكنه تجاوزه إلى المركز الذي كان مصدر إشعاع فياض على مختلف جهات المغرب الكبير وعلى بعض بلاد المشرق ومدن الأندلس ... وعندما قال المؤرخون، « إنه أقدم جامعة في العالم» فغنهم كانوا يقصدون إلى انه المعهد الوحيد الذي استمر في أداء رسالته العلمية دون ما أن يتعثر فيما تعثر فيها جامع الزيتونة من أزمات وما حل بالأزهر الشريف من نكسات ومن نال الجامعة المستنصرية في بغداد من نكبات.
لقد ظلت الممكلة المغربية بعيدة- كما أشرنا- عن التيارات العاتية التي غيرت من معالم عواصم الشرق، فاحتفظت القرويين من اجل ذلك بكل أسرارها وأخبارها، فيما تزال بها إلى الآن « آثار من عهد الإمام داود بن إدريس أواسط القرن الثالث الهجري» وآثار من أيام الزناتيين ودلة المرابطين والموحدين، والمرينيين والوطاسيين والسعديين والملوك العلويين، كل له فيها أمثولة يعتز بها وكل لها عليه دالة يفتخر بها، فإما أنها زادت من سنده، وإما أنها أرشدته إلى طريق تسليم أو أقنعته باختيار قيوم، لقد استغنت وأثرت حتى لنافست مداخلها ميزانية الدولة بما توفرت عليه من جليل العقار وفسيح الأرضيين وغابات الغلال، وحتى لاضطرت الدولة – أحيانا- لإلتجاء إلى وفر أوقاتها لتسدد به خصاص النفقات الطارئة، وتغطي العجز الحاصل، وكل ذلك الطريق والتالد من ثروتها إنما كان يقبل بعد التحري الدقيق في طيب مصدره وحلال مورده، سنة عرفتها القرويين منذ أول يوم من يحاتها ... ولكثر ما تعزز جانبها المالي كان الموسرون من أهل البلاد يضعون في مستودعها نفائسهم وكرائمهم ..
والقرويين الجامع الوحيد الذي توفر على خمسة مصادر للماء لتسديد حاجياتها ومرافقها طيلة فصول العام، ولم نعلم عن شبكة لقنوات المياه متقنة التخطيط محكمة التوزيع كالتي سمعنا بها بمناسبة تزويد القرويين بهذه المادة الحيوية، وحتى في أحلك أيام الجفاف بفاس ظلت القرويين المعقل الوحيد الذي يتوفر على الماء الضروري.
وقد تنافس أهل فاس على السكنى في جوار القرويين وحريمها باعتباره أقرب إلى تربة الجامع، وباعتباره أكثر إنارة وأوفر عناية فسكنه القضاة والدول والسراة والتجار والصواغ والوراقون والكتبيون والعلماء والأطباء إلى جانب المصريات العديدة التي خصصت للموقتين والقيمين والخطباء  بهذه الناحية وقد كان لتلك المصريات منافذ يتسرب منها الايمة للجامع، وعلاوة على المدارس الداخلية التي شيدت سواء بفاس الجديد أو فاس القديم فقد بنيت إلى جانب القرويين طائفة من المدارس الداخلية لاستقبال الطلاب توفرت على عدد من قاعات الدرس، وقد طرزت ووشبت بروائع الفسيفساء، وغدت لوحات فنية فريدة من نوعها غريبة في بابها، مما جعل المختصين ينعتون بعضها بأعجوبة فاس! وإذا كانت المباني تقاس بمداخلها، فإن للقرويين ثمانية عشرة بابا كانت مثلا في العظمة والروعة والاثقان، وفيها ما ليس بالبرنز وطرز بالنقوش التي تحمل عبارات الشكر والثناء وتسجل أسماء الصانعين، ولعل من الطريف أن نعيد إلى الذاكرة أن أحد هذه الأبواب –وهو الباب الذي كان يحمل في التاريخ القديم اسم باب الخلفاء – عرض في أول مؤتمر للمهندسين المعماريين بقصر شايو أوائل ماي 1957، فعد من عيون الاثار الدواية.
كانت القرويين الجامع الوحيد في دنيا الإسلام الذي يتوفر على أقدم صومعة صعدت إلى الآن، وعلى نفس التصميم المربع الذي خط لها منذ أحد عشر قرنا على نحو تربيع الكعبة المكؤمة التي رفع عليها سيدنا بلال الآذان لأول مرة في تاريخ الإسلام ... تلك الصومعة التي كانت قدوة لسائر منارات المدينة الثمانمائة، وقد كان منارها الأعلى أولا، وغرفتها الدنيا ثانيا كل منهما على التوالي كان مرصدا احتوى على أقدم الساعات المائية في العالم، ساعة ابن الجباك .. وساعة الصنهاجي، القرسطوني وابن العربي ثم ساعة الجاي ... إلى جانب الرمليات والشوسيات والأسطرلابات، كانت «الغربقة» متحفا تبارى المهندسون والموقتون والمعدلون في ترتيبه وتزويده بما يساعد على استجلاء الظواهر الجوية ... وكما اقترن ظهور الساعات المائية في المشرق بتركيبها في المغرب، فقد اقترن اختراع الساعات العصرية في أوربا بجلبها إلى غربقة الصومعة، الأمر الذي يدل على مزيد العناية بالقرويين من المتقدمين ... ولا ننسى مع هذا البرج الذي ينتصب على مقربة من الصومعة والذي شيد بعدها بخمسة قرون في وقت شيد مثله بجانب الكتبية في مراكش ( يلاحظ اختفاء برج الحمراء).
والقرويين الجامع الوحيد في العالم الذي يتوفر على أثري وأقدم عملت فيه أيدي الفنانين من العلماء أنفسهم من الذين كانوا يزاولون دروسهم على كراسي الجامع، منبع تتنافس على اعتلانه كبار الشخصيات، يعتبرونه مجلبة لحسن الذكر ونباهة الشأن، وقد سعوا لاكتساب هذه المأثرة ولو ليوم واحد حتى لا تفوت عليهم الفرصة، وكانت تتلى عليه المراسم الخطيرة الشأن ، عليه تزكى سيرة الملوك، وتعلن مبايعتهم أول الأمر، وعليه قرئت الرسالة المفتوحة التي وجهها الإمام العزفي في الرقن السادس وعليه قرئ بلاغ النصر الذي أحرز عليه في الأندلس أبو يوسف يعقوب أواسط القرن السابع ...
وقد انعكست على قباب الجامع : سواء منها القباب المضلعة والمقربصة والدائرية، وعلى أكاليل سواريها وعقود أقواسها وأقاريز أبوابها، انعكست عبقرية الفنانين المغاربة فأبدعوا فيها ما شاء الإبداع، وصاغوا على تلك القطع ما حير المهتمين بالآثار وشككم في مقاييسهم القديمة.
لقد كانت القرويين الجامع الأول الذي يهدى إليه نصيبه من المعارك البطولية التي كان المجاهدون الأولون يخوضون غمارها بنخوة وعزة، وهكذا نجد على طول بلاطه الأوسط عددا من النواقيس التي اقتلعها الجنود المغاربة من أعلى الكنائس الأوربية أيام الموحدين والمرينيين ثم حولوها إلى ثريات رائعة، ولكنه بقي من معالمها حروف منقوشة باللاتينية على الناقوسين المعلقين في القبة السادسة والثامنة ابتداء من قبة المحراب.
ولابد أن نرجع بذاكرتنا الأروقة قصر الحمراء بغرناطة عندما نتجول ببصرنا في صحن القرويين الفسيح الذي تقابلت على جناحيه الشرقي والغربي ظلتان بديعتان تقومان على سواري من رخام رشيقة القوام لتحميا الفوارتين المتساميتين على الخصة الوسطى.
وقد ضمت رفوف خزانتها العلمية العنانية الكبرى، ومكتبتها الاحمدية بعد، من عيون المخطوطات ونفائس الموضوعات ما كان حديث المجالس ورددته مختلف المستندات وحجج الوقف مما يعطي فكرة مدققة عن المواد المدروسة والكتب المستعملة، وقد ازدهرت التجارة في الكتب حتى لعقدت سوق أسبوعية للمخطوطات بالمزاد العلني في الركن الجنوبي الغربي للجامع، وحتى لانشيء ثلاثة وثلاثون فرعا للخزانتين بعدد من المساجد الفرعية التي كانت تابعة للقرويين سواء بفاس البالي أو فاس الجديد.
لقد آوت القرويين آلاف الأسر من مختلف الجهات المغربية، ولها يرجع الفضل في تجمع أكبر عدد من العشائر والقبائل والمدن المتباعدة، بل أنها أغرت طائفة كبرى من الأندلسيين والإفريقيين، ووجدنا إلى جانب هؤلاء وأولئك نفرا من الفرس والكرد والعجم وجدوا ضالتهم في الاقتراب منها، فلم تكن إذن قرويين فاس وحدها ولكنها كانت قرويين الشمال والجنوب والشرق والغرب، بل غنها كانت قرويين العالم الإسلامي، وقد عرفت القرويين في تاريخها الفكري نظاما دقيقا في أيام دراستها وعطلها وتقاليد فريدة في حلقات دروسها، فكانت فيها الحلقة ذات الأستاذ الواحد، والحلقة ذات الأستاذين، وكانت منه الحلقات التيس يقتصر فيها على المعممين من غير أن يسمح فيها للأحداث بالحضور.
وجامعة القرويين هي وحدها التي عرفت منذ تاريخ قديم بعادة تنصيب سلطان الطلبة ربيع كل عام، يشرك فيها عاهل البلاد سلطان الطلبة ، في عرشه ومظلته، ونحن نعلم أن العرش في مفهوم التاريخ المغربي ليس كرسيا ملبسا بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ والمرجان ولكنه ظهر الفرس رمز الحركة الدائبة والسيرة الهادفة ومن هنا كان استقبال الملوك المغاربة للسفراء والرسل إنما يتم على متن الخيول .. وكان سلكنا الطلبة يشكل حكومة له من بين زملائه ويتقبل في يوم من أسبوع مملكته تهاني ملك البلاد في يوم مشهود يزدحم فيه الجمهور ليرى مشهد تكريم الدولة للطلاب.
وإذا كانت فاس قد عرفت على أنها (كرسي المملكة) فلأن جامع القرويين بما يتبعه من مئات الفروع المنبتة في أرجاء المدينة، عاد يتوفر في فترة من الفترات، على مائة وأربعين كرسيا علميا يغشاها الناس من مختلف الطبقات، وعاد من المألوف المعهود أن على الطلبة الذين يدرسون في غير فاس أن يقصدوا القرويين في نهاية المطاف إذا كانوا يريدون لصيتهم أن يعلوا ولعله أن يروج، وأصبح من المأثور المشهور أن عوائد فاس وأقوالها السائرة لا تخلو من سند في شرع أو أصل في الأدب المروي.
ولقد كان للقرويين الفضل في سن نظام القيم على الفن والمشرق على الكتاب مما يعرف اليوم في الكليات برئيس القسم وكان لها فضل إحياء تقليد الإجازات العلمية التي ظلت معروفة في أوساط العلماء إلا أن عوضتها في بداية هذا العهد الشهادة الجامعية.
وقد اعتمد المشايخ في المرحلة الأولى من تاريخ القرويين الفكري على مؤلفات المشرق وعلى الكتب المترجمة كذلك، لكنهم لم يلبثو أن أخذوا يعتمدون على مؤلفاتهم أيضا عند المرحلة الثانية : مرحلة الأوج، ولاسيما في المرحلة الثالثة: مرحلة التنظيم وبخاصة عندما ظهرت المطابع الحجرية حيث أخذت فاس تبعت بمؤلفاتها إلى المشرق ..
وقد تبلورت في أركان هذه القرويين الشخصية المغربية على أتم وأكمل ما يمكن أن نتصوره من مفهوم الشخصية، وهكذا كانت قلعة لحماية المذهب المالكي ونشره على أوسع مدى، والأمر كذلك فيما يتعلق بالعقيدة الأشعرية، واختيارهم لرواية ورش في تلاوة القرآن، ولرواية ابن سعادة في صحيح البخاري، وابتكارهم للعمل الفاسي وتتبتهم بالأرقام العربية أو بترتيبهم الألفبائي، والأبجدي ...
وقد كان للملابس الجامعية البيضاء التي تعود العلماء على ارتدائها قصة وطنية رائعة، فيها تعبير عن أمجاد الإسلام أيام صولته، ولذلك نجد التقاليد المغربية تتمسك باللون الأبيض في أفراخها ومناسباتها القومية والدينية مقتدية في ذلك بالظهير الذي أصدره السلطان أبو يوسف يعقوب أواسط القرن السابع، عندما كان يتهيأ لاستقبال سفارة من أوربا في أعقاب نصر حققه الجيش المغربي هناك.
وقد تحدث بجدوى القرويين على الإستشراق معظم الأجانب الذين كتبوا عنها : استفادوا منها جيربير سيلفستر الثاني الذي نال لقب البابا والذي ادخل الأرقام  العربية إلى أوربا وأخذ عنها كلينار الذي ورد من جامعة لوفان، وكوليوس من جامعة ليدن، وتصدر أبناؤها لتدريس العربية في جامعات أوربا القديمة.
وقد ساعد التنافس فيما بين علمائها على خلق حركة فكريه لها جدوى على سوق العلم بفاس، بل وسائر جهات المغرب والمشرق بما ألهبته من حماس وأذكته من مشاعر ... ونشير إلى النقاش الحاد الذي احتدم بين قاضي تلمسان وقاضي فاس ... وبين السفير ابن مرزوق وبعض علماء تونس وبين الاسحاقي ورجال الأزهر... وبين الإمام الونشريشي والقاضي الورياكلي، وبين الحميدي والزموري ..
 
ولم يقتصر فضل القرويين على أولئك العلماء الأعلام ممن درجوا بين أساطينها ولازموا حصرها واعتلوا كراسيها ولكنه تعداه إلى الفضليات من نساء فاس اللائي كن يقصدن الأروقة الخاصة بهن في الجامع، تلك الأروقة التي تشرف على الكرسيين العلمين الهامين : الأول يقع تحت الخلوة التي تحمل في التاريخ القديم اسم الأسبوع الأعلى وتقع في الركن الجنوبي الغربي مشرفة على الصف الأول. والكرسي الثاني يقع تحت المستودع الذي توجد فيه خزانة بني مرين والذي يحمل كذلك اسم (مستودع ابن عباد) فكانت العرائس في خذورهن على بينة من أمور دينهن ودنياهن لأنهن تلقين في دور الفقهيات ما تلقته هؤلاء بدورهن عن شيوخهن ...
وعلى القرويين كان المغرب يعتمد في تكوين مختلف الأطر وخاصة منها الأطر الثقافية والقضائية فعنها تخرج كبار الكتاب ورجال القانون ممن زالوا مهنتهم سواء بمدينة فاس نفسها أو في مدن أخرى من المغرب، وافريقية والأندلس ..
وقد ارتبط تاريخ المغرب الدولي والدبلوماسي بتاريخ هذه الجامعة، فلا تكاد توجد حركة فاصلة في ماضي المغرب دون أن تجد للعلماء فيها اليد الطولى فإن تطوع المجاهدين للغزو بالأندلس إلى جانب عبد الرحمن الناصر كان بعد فتوى من قاضي فاس للأمير أبي العباس أحمد ابن إبراهيم ابن محمد بن إدريس ... وأن استجابة المرابطين لنجدة المعتمد بن عباد لم تكن إلا بعد استشارة الشيخ ابن الملجوم أحد رجالات القرويين ... وأن أول سفارة من المغرب إلى بغداد كانت بمشاركة عالم كبير تحتضن فاس رفاقه تحت قبة شاخصة إلى اليوم على مقربة منا هو العالم الواصل الإمام سيدي أبو بكر بن العربي الذي يرقد غير بعيد عن أحد سفرائنا الامعين والعلماء أيضا هو الأديب المؤرخ لسان الدين ابن الخطيب (الملقب بذي العمرين لأنه كان يقضي يومه في أشغال الوطيف ويصرف جانبا من ليله في أعمال التأليف) عدد كبير منهم راح في أغراض السفارة وعادوا تاركين ذكرا طيبا جميلا كان الفضل فيه لذلك المدرسة التي لقنتهم طريق السلوك وأساس المعاملة وإصلاح ذات البين الذي هو المفهوم البارزة للسفارة.
ولا أدع  السفارة بين قومــي
           ولا أمتي بشـر ما مشيـت
وما دمنا في دور القرويين على الصعيد السياسي فلنذكر أن الفضل في اختراع (الشفرة) على العهد السعدي يرجع لأحد رجالات – القرويين هو الفقيه سيدي عبد الواحد عنون الذي عهد إليه المنصور السعدي بمهمة لدى اليزابيت الأولى ملكة بريطانيا تتلخص في إبلاغ انجلترا عزم المغرب على مداهمة الممتلكات البرتغالية في الهند، كان على السفير عنون أن يبتكر شفرة ومفتاحا لتسجيل مذكراته ونتائج مهمته إمعانا في الاحتياط حتى إذا وقع في قبضة القراصنة الأوربيين لم يقفوا على أسرار المهمة الدقيقة.
ومما يذكر من صراحة سفرائنا من العلماء ما يرونه لسان الدين ابن الخطيب :
حضرت يوما بين يدي السلطان أبي عثمان في بعض وفاد أتى عليه وجرى ذكر بعض خصومه فقلت ما اعتقد في إطراء ذلك الخصم وما عرفته عنه ، فأنكر على بعض الحاضرين ممن لا تهمه مصارحة السلطان فصرفت وجهي عنه وقلت للسلطان : أيدكم الله تحقير عدو السلطان بين يديه ليس من السياسة في شيء بل غير ذلك أحق وأولى، فإذا كان السلطان قد غلب عدوه كان قد غلب غير حقير وهو أولى بفخره وجلالة قدره وإن غلبه العدو لم يغلبه حقير فيكون أشد للحسرة وأكد للفضيحة » فاستحسن السلطان ذلك وشكره عليه وخرج المعترض ...
وقد كانت القرويين المزارة الأولى التي جعلها رواد الإمبراطورية المغربية في صدر ما يقومون به من مهمات عندما يصلون إلى هذه البلاد، وهكذا تيمنت بتحياتها، فيما يتأكد، سفارة صلاح الدين الأيوبي إلى المنصور الموحدي عندما وردت تطلب النجدة العسكرية من أجل انقاد فلسطين (والتاريخ يعيد نفسه) وهكذا أيضا تردد عليها سفراء الأندلسي وتونس وعقدوا لهم بها مجالس علم رفعت من سمعتهم وزادت في حظوظ نجاحهم ..
وقد كان هناك جسر آهل بين علماء فاس وعلماء المشرق يتبادلون المشورة فيما بينهم حول أهم ما جد في البلاد، وهكذا ظلت بلاد حوض البحر المتوسط وخاصة منها تونس والإسكندرية نقاط لقاء لرجالها مع مختلف العلماء هنا وهناك، ولذلك نجد لعلماء فاس ذكرا على كل لسان، ونجد لمذهبهم الفقهي المالكي
ظهروا في تلك الجهات بما فيها الإسكندرية بالرغم من أن مذهب الدولة هناك كان غير ذلك ..
وكل الشخصيات المغربية التي لمع اسمها بالخارج كانت تنتسب إلى هذه القرويين من أمثال ابن بطوطة وابن خلدون وابن الوزان ممن أصبحت لهم سمعة عالمية.
إننا عندما نحاول أن نستعرض أمامنا أسماء أولئك الرجال ومذهبهم ومداركهم فإننا سنجد أنفسنا أمام معجم ضخم لعدد من العلماء ... ولعدد من الآراء والنظريات حول شتى الموضوعات، ولعل الطريف أن نشير هنا- على سبيل المثال- لنظرية أحد خطباء القرويين : الإمام المفتي العبدوسي، من أهل القرن التاسع حول تحديد النسل ... لقد كان يدعو المتزوجين لذلك، ولكن ليس على أساس التفكير العالم البريطاني ماثوس Malthus الذي كان متأثرا بالناحية الاقتصادية في دعوته للتحديد، وإنما كانت نظرية العبدوسي متأثرة بالناحية الخلقية، فقد أدرك أن الماشئة على عهده تسير نحو الزيغ والتمرد والإلحاد وأن المربين لم يعد في مستطاعهم أن يسيطروا على تربية أبنائهم، وهكذا وقبل ثلاثة قرون من النظرية المالثوسية المادية البحثة نسمع عن النظرية العبدوسية التي تسموا عن ذلك لتهتم بالناحية الروحية الصرفة.
إن مس تاريخ القرويين يعني تناول تاريخ جهات المغرب كلها بما فيها المدن والقرى والسهول والجبال، ويعني تناول جوانب تاريخ المغرب كلها بما فيها التاريخ الإقليمي والتاريخ الدولي، وإن تناولها يعني إثارة كل دفائن الماضي بما فيها النواحي السياسية والاجتماعية وبما فيها الحياة الفكرية والمذاهب الإسلامية، ويعني الاستمداد لرحلة طويلة مع التاريخ إلى جهات بعيدة جدا عن الساحة المغربية: إلى الحرمين الشرفين، إلى بيت المقدس، إلى بغداد والشام والقاهرة، وإلى اسطانبول ومجاهل إفريقيا، وكان يعني الإطلاع على بعض التقارير السياسية التي كان يرفعها الدبلوماسيون الأجانب من القرويين التي كانت تتحطم عليها مخططات الاستعمار ومناوراته في القديم والحديث ...
تلك هي القرويين في صفاتها الجوهرية : ارتباط بتعاليم السماء، وتشبت بالأرض المغربية، التزام مستمر بالقيم الخلقية، ومناهضة شرسة لكل مظاهر التفسخ والانحلال والانهزام وتعلق مطلق بالمقدسات التي وجدنا فيها، عبر القرون والأجيال، ضمان استقرارنا وأسرار التحامنا.
تلك هي حقيقة القرويين بما تحكيه من تاريخ صادق شائق فائق لمواقف البطولة والغيرة على حوزة البلاد وعزة الإسلام ولغة القرآن.
تلك هي القرويين بما تتوفر عليه من آثار حضارة عريقة، فعلت وانفعلت وأثرت وتأثرت، تلك هي القرويين بما مر لها من أجيال أسهموا بعطائهم وعلمهم وعملهم، وبتفكيرهم وجهدهم على مر الأعوام في إعطاء الشخصية المغربية طابعا وروحا وملامح وملامس.
تلك هي القرويين التي شدتنا بالمشرق دينا وثقافة، وحررت لساننا من عقاله وعمقت من إحساسنا ووجداننا ... ظلت وتظل، وسوف تظل الهوية الأصلية الأثيلة للملكة المغربية فيها وعليها اعتمد المغرب طيلة أيام عزته وعنها وبها وجد المغرب الخاص في أيام محنته، فالغرب بدون قرويين مغرب بدون هوية، والكيان المغربي ما لم يقم على سدى هذه القرويين يبقى كيانا غير ذي هوية، وبالتالي كيانا مهزوزا مهددا بالتشرد والضياع.
ولم يكن غريبا على المهتمين بالتاريخ المغربي الحديث أن يسجلوا أن أول تفاهم وقع بين القصر الملكي وبين الإقامة العامة كان بسبب هذه القرويين، وأن الملك محمد الخامس رحمه الله كان يرى فيها الضمان الوحيد للخروج من المغرب من كبوته لأن الحفاظ عليها كان يعني في نظره الإبقاء على الهوية المغربية بكل ما تعنيه من أصالة وآثالة، وأن الطرف الآخر على العكس من ذلك يرى في بقائها عرقلة تحول دون إذابة تلك الهوية والإجهاز عليها وتعويضها بأخرى لا تمت إلى تقاليدنا ولا ماضينا بصلة ... ومن هنا كانت بداية تصعيد الأزمة التي تفجرت بكشف «العراقيل» التي كان المستعمر يضعها أمام العاهل العظيم، ذلك الكشف الذي أعقبه مباشرة نفيه إلى مجاهل الدنيا. وتمسكا وتعلقا بالقرويين فغنه صعد على منبرها بعد عودته الظافرة للوطن ليعلن ظهر الجمعة 4 حجة 1375 (13 يوليه 1956) عن عزمه على تحقيق ما حال « العهد البائد» دونه لهذه القرويين، وتكريما لها وتعبيرا منه عما يكنه من إجلال وإكبار قام بتخليد ذكراها المائة بعد الألف حيث نزل راجلا إلى المدينة العتيقة صباح الإثنين عاشر أكتوبر 1960 بصحبة رؤساء الجامعات العالمية في القارات الخمس وأعضاء الدبلوماسي هناك حيث توجه بالخطاب «ليركز على شخصية القرويين الفذة، وليعلن عزمه على أن يجعل منها جامعة مجهزة بكل المقومات التي تمكنها من مسايرة واقع العالم الحديث لتواصل أداء رسالتها ..»
وإن القلوب اليوم لتهفو فرحا وارتياحا للاهتمام المستمر والعناية المتوصلة التي يوليها جلالة الملك الحسن الثاني من اجل بعث هذه القرويين، والقرويينات الأخرى التي تفرعت عنها في سائر جهات المملكة، جنوبها وشمالها، شرقها وغربها، وإذا كان لنا ما نرجوه، فهو أن يبارك الله تلك الخطوات الرائدة الهادفة، فهو أن ندرك نحن قيمة هذه القرويينات فنعمل شبابا وشيوخا سيدات وسادة، وبشتى الوسائل وفي كل صعيد، على تغذية روافدها بأبنائها وبناتها فيس المدينة والقربة إذا كنا نرغب حقيقة في التشبث بشخصيتنا والتعلق بمقدساتنا والاحتفاظ بهويتنا.
وإذا عظم البــلاد بنوهـا
           أنزلتهم منازل الإجــلال

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here