islamaumaroc

بلادي

  محمد الصباغ

20 العدد

بلادي يا ألف زجاجة عطر تنكسر في حنجرتي عندما أناديك: يا بلادي
وطني يا تمزق اللحون والطيوب. ويا عصف البنفسج والورد في حديقة لحمي عندما أناديك: يا وطني
باسمك، أنادي هاتفا، وصارخا، وصائحا، في كل ناد، وواد، وصقع بعيد!
فيا وجع النداء في صدى كلماتي، وفورة المرارة في حلقي وعقيرتي
أخشى أن أخاطبك ولا تفهمين، وأتودد إليك فتتدللين، وأتوسل إليك فتنفرين.
لا أخاطبك يا بلادي، وليس عندي إلا اللغة التي تجحدينها، وتتنكرين لها،
ليس عندي إلا الضاد، والظاء، والشين، والقاف، ليس عندي إلا هذه الحروف
الثقيلة على أذنك، الخشنة على إحساسك، ليس عندي إلا لغة الشمس
والصحراء، والرمال، والإطلال، والصافنات الجياد، فكيف تفهمين، وأنت
تهتزين نشوة، وتميلين ميوعة بلغة العطر والحرير ..؟ فتنسجين منها رسائلك
في دواوين وزاراتك، وتربطين بها التفاهم بين أبنائك في البيوت، والشوارع،
والقهوات، وحتى الأحلام والحشرجات.
ما أظنك تفهمين ما أقول، وان فهمتني، فإنك لا تقيمين لكلماتي وزنا،
فما أبعدني عنك، وما ابعد كلماتي عن إذنك الغارقة في رغى كلمات تسمعينها أنت
 فتحسبينها نصحا، واسمعها أنا، فتكوى إحساسي في مشاعري. وتشوي عاطفتي في عروقي.
مسكين أنا المغربي. يا لتعاستي، وغباوتي، وفقر ثقافتي
مسكين أنا الذي أتكلم واكتب بالعربية في بلد عربي حر، فلا أجد لكتابتي أذنا، ولا لحروفي عينا
مسكين أنا الكاتب المغربي الذي انفق الليالي في الكتابة من اليمين إلى اليسار
عاصرا ضوء عيني، وعرق عاطفتي في حروفي، فلا أجد لها في بلادي قارئا
مسكين أنا الذي اجلس في المجالس مع مغاربة مثلي فلا افهم من أحاديثهم
الغريبة عني بلغتها شيئا
مسكين أنا العامل المغربي اشرب عرقي، وآكل بشرتي ولحمي،
وأتوسد وجعي وعيائي في كوخي المتصدع الحقير. فيا لغربتي فيك يا وطني
مسكين أنا الفقير المتوسل المدقع في بلادي، أجوب أحياء مدينتي، محطما
تحت قدمي الحافيتين تاج عزتي وحيائي، الذي هو تاج الإنسانية
لا يا بلادي، لا ، وألف لا
اهتف بها صائحا، صارخا في كل ناد، وواد، وصقع بعيد
في كوخ مسكني تنام آلاف الأسود والجياد والجياع، وفي ضعفي تستريح
البروق والرغود، وعواصف من شظايا الزجاج المسنون،
أنا ابنك الجبار العنيد الذي سأجعلك تؤمنين بنفسك، وأبنائك، وبمواطنيك،
وبترابك، وترائك وتدفعين عنك وعن أبنائك رداء الذل والهوان، ومركب النقص
أنا ابنك الجبار العملاق، الذي سأفرض عليك لغتي العربية فرضا، فتتكلمين
 بها، وتكتبين بها في مكاتبك ودواوين وزاراتك، وتعلمين بها أبنائك أخواتي في التعاهد
والمدارس.
وعندئذ يا بلادي سأجنح في صدرك طائرا يغني بربيعك، فتحضنيني إلى
صدرك الربيعي. الدافئ باللحون والعطور، وامضي منشدا في كل ناد وواد
وصقع بعيد.
بلادي. يا ألف وردة تنبت في حنجرتي عندما أنادي يا بلادي
بلادي. كلما أناديك يحلو لي أن أذوب في نداء اسمك حبا، وصبابة
وهياما. يا بلادي.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here