islamaumaroc

مشكلة مصلى الأعياد مع ازدياد العمران: هل الأفضل اتباعها في المسجد المتسع أو في الصحراء؟

  دعوة الحق

155 العدد

إن البلاد الإسلامية تتسع فيها العمارة ويزداد ويزدهر العمران باستمرار أولا لحركة التصنيع المطردة في المدن، وثانيا لكثرة الهجرة من البوادي إليها. ومن المعلوم أن الرسول عليه السلام كان يبرز إلى المصلى خارج المدينة المنورة في صلاة العيدين الفطر والأضحى إلا إذا كان مطر. قال الشوكاني: واختلف هل الأفضل فعل صلاة العيد في المسجد أو الجبانة (1)، فذهبت العترة ومالك إلى أن الخروج إلى الجبانة أفضل، واستدلوا على ذلك بمواظبته صلى الله عليه وسلم على الخروج إلى الصحراء، وذهب الشافعي والإمام يحيى وغيرهما إلى أن المسجد أفضل، «وفي صحيح الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر فيبدأ بالصلاة، فكتب الإمام النووي على قوله كان يخرج يوم الأضحى ويوم الفطر فيبدأ بالصلاة» قوله هذا دليل لمن قال باستحباب الخروج لصلاة العيد إلى المصلى وأنه أفضل من فعلها في المسجد، وعلى هذا عمل الناس في معظم الأمصار، وأما أهل مكة فلا يصلونها إلا في المسجد من الزمن الأول.
ثم قال النووي: ولأصحابنا وجهان، أحدهما الصحراء أفضل لهذا الحديث.
والثاني، وهو الأصح عند أكثرهم، المسجد أفضل إلا أن يضيق، قالوا وإنما صلى أهل مكة في المسجد لسعته، وإنما خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى لضيق المسجد، فدل على أن المسجد أفضل إذا اتسع.
وسيأتي توجيه كلا المذهبين فيما يأتي، إلا أن المشكلة التي تواجه المجتمعات الإسلامية إذا أخذت هذه المجتمعات بمذهب مالك والعترة هي أن المصلين يخصصون مصلى في ناحية بجنب المدن فلا تلبث أن تحيط بها العمارة فتصبح المصلى في وسط العمارة لا خارجها، فإما أن يداوموا الصلاة فيها أو يتخذوا مصلى آخر لصلاة العيدين فتتجدد له نفس الحالة بعد إحاطة البناية به، وغاية ما هناك أن المصلى يبقى بدون سقف بل يكون براحا خاصا لصلاة العيدين ولو بين البنيان، وكثيرا ما تكون بعض المدن فيها مساجد كبرى تستوعب من يحضر صلاة العيد من المؤمنين.
وهذا ما يدعو إلى النظر في حكمة خروج النبي عليه السلام إلى المصلى وإلى وجهة نظر الأئمة المجتهدين في هذا العمل من الرسول صلى الله عليه وسلم.
ففعل النبي في صلاة العيد أنه كان يخرج إلى صلاتها في الصحراء أي في صحراء المدينة، أما في مكة فكانت صلاة العيد تصلى في المسجد بخطبتها بعد فتح مكة، وأمير مكة الذي عينه النبي صلى الله عليه وسلم يصليها في مسجد مكة، والنبي عليه السلام يعلم ذلك ولم يأمره بالخروج إلى صلاة العيد في الصحراء.
ومن جهة أخرى فمصلى المدينة التي كان النبي عليه السلام يخرج إليها إنما كانت تبعد عن مسجد المدينة بألف ذراع فقط أي نصف كيلومتر تقريبا. ومن المعلوم أن المسجد كان داخل المدينة المنورة وهو ضيق، وقد علق الحافظ ابن حجر على قول البخاري بأن الخروج إلى المصلى بغير منبر، علق على قول البخاري إلى «المصلى» بقوله: هو موضع بالمدينة معروف بينه وبين المسجد ألف ذراع، قاله عمر بن شبة في أخبار المدينة عن أبي غسان الكناني صاحب مالك».
وقال الحافظ ابن القيم في كتابه (زاد المعاد): وهو المصلى الذي على باب المدينة الشرقي، وهو المصلى الذي يوضع فيه محمل الحاج، وبناء على هذا البيان فإن ما يقصد بالصحراء هو فناء البيوت بطرف المدينة وهذا ما بينه الحافظ ابن حزم في كتابه المحلى مسألة 543 حيث قال: «وسنة صلاة العيدين أن يبرز أهل كل قرية أو مدينة إلى فضاء واسع بحضرة منازلهم إثر ابيضاض الشمس وحين ابتداء جواز التطوع ويأتي الإمام فيتقدم بلا أذان ولا إقامة فيصلي بالناس ركعتين يجهر فيهما بالقراءة في كل ركعة أم القرآن وسورة، الخ».
وقال الحافظ ابن حزم في نفس المسألة أيضا حول الصلاة في الصحراء أو المسجد: «وروينا عن عمر وعثمان رضي الله عنهما أنهما صليا العيد بالناس في المسجد لمطر وقع يوم العيد، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبرز إلى المصلى لصلاة العيدين، فهذا أفضل وغيره يجزئ لأنه فعل لا أمر. انتهى بلفظه. والإمام ابن حزم يفرق بين أمر النبي، فيكون مطلوب العمل به على جهة الفرض، وبين فعله من غير أمر، فينبغي الإتساء بع فقط إلا في أحوال خاصة، فقد قال في كتابه «الأحكام في أصول الأحكام» وحكم فعله عليه السلام الاتساء به فيه وليس واجبا، إلا أن  يكون تنفيذا لحكم أو بيانا لأمر الخ».
فما هو السر في البروز إلى المصلى دون المسجد؟ إن الإمام الشافعي رضي الله عنه يعلل ذلك بضيق مسجد المدينة، ويذكر أنه إذا كان المسجد يسع المصلين فالمسجد أولى بالصلاة فيه، فقد ذكر الحافظ ابن حجر عند كلامه في شرح البخاري على خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى ما يأتي: واستدل به على استحباب الخروج إلى المصلى لصلاة العيد، وأن ذلك أفضل من صلاتها في المسجد لمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك مع فضل مسجده، ثم قال الحافظ ابن حجر: وقال الشافعي في الأم بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخرج في العيدين إلى المصلى بالمدينة وكذا من بعده إلا من عذر مطر ونحوه وكذلك عامة أهل البلدان إلا أهل مكة، ثم أشار (أي الشافعي) إلى أن سبب ذلك سعة المسجد (أي مسجد مكة) وضيق أطراف مكة، قال: فلو عمر بلد فكان مسجد أهله يسعهم في الأعياد لم أر أن يخرجوا منه، فإن كان لا يسعهم كرهت الصلاة فيه، ولا إعادة، قال الحافظ ابن حجر تعليقا على كلام الشافعي رضي الله عنه: ومقتضى هذا أن العلة تدور على الضيق والسعة لا لذات الخروج إلى الصحراء، لأن المطلوب حصول عموم الاجتماع، فإذا حصل في المسجد مع أفضليته كان أولى. انتهى كلام ابن حجر بلفظه.
إلا أن الإمام الشوكاني في كتابه «نيل الأوطار» أراد توهين اجتهاد الشافعي وابن حجر من أن المدار على سعة المسجد لصلاة العيد فيه، فقال: «وفيه أن كون العلة الضيق والسعة مجرد تخمين لا ينهض للاعتذار عن التأسي به صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى الجبانة بعد الاعتراف بمواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك، انتهى.
وأقول: إن كلام الشافعي هو الحق المبني على الواقع الذي كان عليه حالة المسجد، ففي كتاب نزهة الناظرين في مسجد سيد الأولين والآخرين للشيخ جعفر بن إسماعيل البرزنجي ما نقله الإمام النووي في منسكه عن خارجة ابن زيد أحد فقهاء المدينة السبعة ولفظه: بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجده ذراعا في ستين أو يزيد، وهو الذي جزم ابن النجار والجمهور على رواية أن مسجده مائة في مائة.
قال الشيخ جعفر البرزنجي: قلت: ما نقله النووي من الذرع محمول على البناء الأول، وما عليه الجمهور محمول على ما استقر عليه المسجد بعد ذلك، فإنه صلى الله عليه وسلم بناه مرتين، مرة مقدمه من مكة ومرة مقدمه من خبير. انتهى. وسواء حملناه على سبعين ذاعا في ستين أو على أنه مائة ذراع في مائة فإنه ضيق  كما يقول الإمام الشافعي وليس ذلك تخمينا فقط.
وبناء على هذا يكون ما اختاره الحافظ ابن حجر بناء على توجيه الشافعي سالما من اعتراض الشوكاني، وهو المناسب أن يختار في العصر الحاضر الذي تنتشر فيه العمارة في مختلف المدن والذي بنيت فيه مساجد عظمى متسعة لكل من يوفقه الله لأداء سنة صلاة العيد، على أن بعض المدن فيها المصلى محاط بالعمارات من مختلف الجهات مثل مصلى مدينة طنجة وتطوان وغيرهما.
ومن جهة أخرى أن المصلى الذي كان النبي يخرج إليها لا منبر فيها بل كان عليه السلام يخطب واقفا ويتكئ على بلال إذا تعب كما يستفاد من الترجمة التي عقدها الإمام البخاري والحديث الذي رواه هناك في هذه المسألة.
وقد نقل الحطاب شارح خليل قول ابن الحاج في كتابه «المدخل»: فإذا خرج الإمام إلى الصحراء وخطب فليكن على الأرض لا على المنبر، فإنه بدعة، وما عقب به الحطاب على هذا من قول ابن بشير الذي فيه أن عثمان اتخذ المنبر في المصلى غير صحيح وإن وقع في المدونة من قول الإمام مالك رحمه الله.
قال الشيخ التودي في حشايته على صحيح الإمام البخاري: وقع في المدونة لمالك أن أول من خطب للناس على المنر في المصلى عثمان بن عفان على منبر من طين بناه كثير بن الصلت. انتهى. ثم قال التودي: ورواه عمر بن شبة عن ابن عباس قال ابن حجر: وما في الصحيحين أصح والآخر معضل (يعني غير صحيح). انتهى كلام التودي.
وكأن العلامة الرهوني في حاشيته على الزرقاني لم يطلع على ما رد به الحافظ ابن حجر قول مالك في المدونة، فرد بقول مالك الذي نقله ابن يونس على قول ابن الحاج أن اتخاذ المنبر في المصلى بدعة مع أن ابن حجر يؤيده وإن كان ابن حجر أخيرا قال: ويحتمل أن يكون عثمان فعله مرة ثم تركه حتى أعاده مروان. ولكن قول ابن حجر هذا لا يلتقي مع بناء المنبر باللبن كما هي الرواية، وإذا أضفنا إلى بدعة المنبر بناء المحراب والسور نكون قد ابتدعدنا عن الكيفية التي كانت عليها الحال في عهد الرسول عليه السلام.
وبعد فإن نظرية الإمام الشافعي في جعل صلاة العيد في المسجد إذا كان متسعا ستحل مشكل تنقل المصلى من مكان إلى مكان كلما اتصلت البنايات وأحاطت به، ومن جهة أخرى أن صلاة العيد إذا كانت في مسجد كبير في قلب المدن الكبرى يمتلئ بالمصلين للعيد أكثر حيث لا يعجز الكثير عن المجيء للصلاة فيه، فالصلاة مثلا في مسجد حسان وساحته الكبرى أو في مسجد السنة والساحة المحيطة به تسع الآلاف من المصلين، ولابد من أخذ رأي العلماء في ذلك، والله ولي التوفيق.


 1 ) قال في المصباح: والجبانة مثقل الباء وثبوت الهاء أكثر من حذفها، هي المصلى في الصحراء  وربما أطلقت على المقبرة لأن المصلى غالبا تكون في المقبرة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here