islamaumaroc

عيون عائشة تدمع

  دعوة الحق

155 العدد

تصعد مريم عقبة حي (البيازين) في مدينة غرناطة بتناقل وعسر؛ فقدماها المتمرستان على السير الطويل تخس فيهما خورا وعياء، بل أن الخور والعياء شملا الجد كله، من أعلى الرأس إلى أسفل القدمين، والدماغ كان مطارق الحديد العاتية تضرب فيه، والعيون غشيتهما غمامة رقيقة، لا تكاد تبين معهما الأشياء بأحجامها وأشكالها وألوانها على حقيقتها، والأشخاص لا يتميزون تميزا واضحا، ثم أن اليد التي كانت تقبض على الحاجيات النفيسة التي هي في الحوزة قبض احتراز وتخوف .. هذه اليد لم تعد قاوية لا على الحمل ولا على الإمساك، ولا على الدفع ولا على الجذب!
إنه عندما تمرض النفوس وتحار الأذهان فلا شك أن الأجسام تمرض هي أيضا، وعندئذ يصبح كل حلو مرا، وكل جميل قبيحا، وكل بهيج ذميما منفرا .. وكيف لا تمرض مريم وهي ترى الحال الذي صارت إليه غرناطة المجيدة الأبية الصامدة؟
لقد كانت قبل اليوم تمر على البيوت الوجهاء والكبراء الوزراء وتحت يدها صنيدقات مرقومة بالصدف المطعم بالفضة، تحتوي على عقود من الجوهر أو اللؤلؤ، أو على حلي من الذهب، المنقوش أو المخرم أو المرصع .. وبمجرد ما تعرض بضاعتها الثمينة تتخطفها الأيدي، ويجزى لها الثمن بالقدر الذي يملأها رضى على حرفتها .. من براعتها في حرفتها هذه أنها كانت لا تكتفي باليع، بل أنها تشتري كذلك، وتبادل ولا ترى مانعا في أن تقايض. لقد خذقت مهنتها على أيدي مهرة الصباغين من الذميين والمسلمين، إلى أن اعترفوا لها بالبراعة والذكاء واللباقة والحذق، وتيفنوا منها أنها عملية متميزة بالصدق والإخلاص. فلا شبهة لغش أو احتيال.
كانت تحمل إلى الغوالي المسلمات التيجان والعقود والأساور والأقراط وتحمل إلى الفاتنات السبيحيات الصلبان المرصعة وغير المرصعة، والقطع المستدرية التي تجسمت فيها صورة السيدة العذراء أم المسيح، وكذلك صور بعض القديسين والقديسات تعلق في النحور إظهارا لثبات العقيدة المسيحية وتغلغلها في النفوس ... أما اليهوديات فهن لا يقربن الصلبان ولا صور القديسين أبدا، ولكنهن يقتنين بعض الأشكال الهندسية كنجمة داود وحذوه الحصان وشكل الكف وبعض المستطيلات التي كتبت عليها طلاسم وتعاويذ باللغة العبرية، من شأنها أن تدفع الشر عن الجمال اليهودي وترد ضرر الحاسدين وإصابة عيونهم عن الكسب الوافر والحظ الظافر والرزق المتكاثر ..
غير أن خريف هذه السنة جاء بالكساد الخانق فاليهوديات لم تعد لهن رغبة في الشراء مطلقا، وهم يحرصون على ما تحت أيديهم من الأموال حرصا شديدا، والمسلمات يغالبن من آبائهن من أجل لقمة العيش ، لقمة العيش التي يتعسر الحصول عليها يوما بعد يوم، وهم جميعا بين كل ضحى وعشية يتوقعون نداء الرحيل عن الديار ولأوطان .. والنصرانيات صدرت لهن إلا يشترين أي شيء، فليتركن الخصوم وروجاتهم وبناتهم والقريبات منهن يتخبطن في الأزمات ونقص ما باليد والبوار والكساد إلى حين فتفتت عزائهم، وتذوب مقاومتهم، وتتكسر شوكتهم، ويميلون إلى الاستسلام .. وهاهم فعلا قد استسلموا؛
في الطريق إلى قصر الحمراء، إلى قصر الأميرة الجليلة عائشة الحرة شاهدت (مريم) ما راعها وأذهلها .. إحياء الموالدين يضج فيها النصارى بالغناء والعزف والرقص والصخب. ويتساقون الخمرة تساقي الماء البارد في يوم حار، وكلهم اشتبكوا باختلاف أعمارهم في الرقص والعناق ومواقف التبذل .. وأحياه اليهود اختلط فيها الحابل بالنابل، والقائم بالقاعد واليائس بالمنخاذل والعابس بالباكي، الرجال أصفرت وجوههم وخارت قواهم وارتعشت أناملهم ودارت رؤوسهم فلا يدرون ما هم فاعلون.أن في نفوس بعضهم من الضيق والحسرات ونيران الغضب والنقمة ما لا تقوى على أطفاله إلا السيوف والرماح الفاعلة غي الصدور والنحور .. ولكن القوم لم يتعودوا على حمل السيوف والرماح، فمن ابن لهم لأذرع الجبارة والقلوب الصخرية لينازلوا ويصاولوا ويقاهروا .. يبقى ميدان الكيد والحيلة وإثارة هؤلاء على أولئك، لكن الأسبان أخذوا حذرهم من ذلك كله، فهم في كل لحظة متشككون في أعدائهم، ممتلئون حقدا عليهم، لا استعداد عندهم لأي تنازل أو تقاهم أو تجاوز .. لا شيء إلا الموت أو النفي.
ولا تقل حيرة المسلمين عن حيرة اليهود، إنما هو يواجهون الموت مواجهة تختلف، الموت عندهم ولا الذل، أما الذي أعجزته الصحة فقد أفرغ صناديقه العامرة لشراء السلاح والخيول، وأفرغ مطاميره لإطعام الرجال والدواب، لا فائدة من الحرص على ذلك فانتزعه أمر محتوم من طرف الأعداء فليأخذ جند الأمة المدافعة المستميتة، وليفعل الرب بعد ما يريد ... آخرون لزموا المساجد الكبرى والصغرى وانهمكوا في الأدعية، فلا مفزع – عند الشدة العظمى – إلا إلى الله، ولي أمر المؤمنين.
كان البعض قد حزم الأمتعة ذات القيمة، وجهز الدواب، وفتش عن رفقة الطريق، ثم اتجه جنوبا إلى أرض المغرب، تاركا العقار- دارا كان أو حانوتا أو فندقا أو حماما- عريضة لمن يتجرأ ويأخذه عنوة، إن ذهول القوم أنساهم الأطماع البشرية الغزيرة، واقعهم تحت طائلة غزيرة أقوى وأعنى هي غزيرة لخوف واندفاع عن النفس .. بقيت قلة قليلة جابهت الموقف بصمت ولا مبالاة وجمود عواطف، والإشاعة تقول أنهم عولوا على أن يندمجوا في الأسبان دينا ولغة ومصيرا، أنهم يبررون مروقهم هذا تبريرات متنوعة: الأملاك التي اقنوا شبابهم وصحتهم في إنشائها وتأنيقها وتأثيتها وتعميرها والممتلكات التي حصلوا عليها بشق الأنفس وبذل الأموال ..
والآخرون كذلك يفكرون: « ترى من يعوضهم عن أراضي التي عمروها وغرسوها وأعتنوا بأمرها حتى غدت جنة ظليلة، ذات فواكه نادرة في حجمها وطعمها ولونها ... والمتاجر التي لا تفتر الحركة فيها، ولا يتوقف توارد البضائع والزبناء عليها كيف يمكن أن يترك الإنسان شيئا من هذا؟ كيف يمكن أن يصير الإنسان فقيرا وقد كان غنيا؟ كيف يصير لاجئا وقد كان ذا أملاك وإذا سطوة وجاه؟
وهكذا تردد في القلوب المضطربة: نحن اسبانيول في أرض اسبانية، فليكن مصيرنا كمصير يأتي مواطنينا ... لا نريد فقرا، ولا نريد لجوءا، ولا نريد تغييرا لأوضاعنا ... والدين لله.
مريم أحزنها هذا الاضطراب في مواقف القوم! وهالتها الأحوال التي وصلت إليها بعض الأسر، الجوع مزق الأمعاء، وأذبل الوجوه، والصبيان في هذه الأسر لم يعد لهم صبر عليه، فصرخوا، وانتحبوا ثم انطفأ نحيبهم وتحول إلى أنين، أنين يزيد في فداحة الأهوال التي تعصر قلوب الآباء والأمهات ... لكن عزة النفوس تمتع الأيدي من أن تمتد مستجدبة، مستطعمة أو مستكسية، وحتى لو انذلت النفوس فإن التحائن والتعاطف وابتغاء الخير لوجه الخير، هذه العواطف السامية كلها قد غاضت من النفوس، وصار الفرد يستأثر لنفسه وللمقربين منه بلقمة الخبز وبمغرفة المرق وجرعة الماء الصافية، لأنه من الممكن أن أعطاها صباحا أن يفتقدها مساء ولا يجدها.
وراد النازحون من القرى والأرباض في شدة الأزمة، فهم كالدواب الهائمة لا تعرف لها مأوى ولا مستقرا، إنما لا صبر لها على الجوع والعطش، لذلك انطلقوا يصرخون مستنجدين، ملحين في الاستجداء، ولا ينتظر أن يمنعهم الشغب الشديد من ارتكاب المخالفات والأضرار والجرائم.
... قصدت (مريم) فلورها قصر الحمراء، ولم تلق في طريقا من يسألها عن قصدها وعن الشخص الذي تطلب، ولا يستمهلها إلى أن يستأذن عليها .. أن الحراس والبوابين لا يختلف أمرهم عن أمر سكان غرناطة المنكوبين. وهكذا تخطت الدهاليز وممرات القصر حتى وقفت عند جناح الأميرة الجليلة عائشة.
إن (مريم) في الواقع مفتونة بهذه المرأة، وهي عندها محل التقديس والاحترام العميقين لقد فتنتها شخصيتها اللطيفة الجذابة الساحرة، التي تكون في المستوى الرفيع في حالة الاطمئنان والاستبشار، وفي موقف الحزم والإرادة والتأثير فيمن يحيط بها ويعمل تحت إمرتها في حالة الخطر والاستعجال.
هذا الجناح هو وحده الذي كانت الأمور تسير فيه دون خلل ظاهر ملحوظ، الرجال موجودون حيث يجب أن يكونوا، والوصيفات قائمات على قدم وساق في إنجاز أعمالهن العادية، لا أثر لتسابق أو إلى حزم أمتعة، كما هو الحال في جميع أنحاء غرناطة، بما فيها القسم الكبير من قصر الحمراء، الذي يسكنه الأمير (أبو عبد الله) الذي هو أكثر سكان المملكة- الآن- اضطرابا وجزعا ... إنه بصدد الإقبال على خطوة من أخطر الخطوات في تاريخ الإسلام باسبانيا!
وجدتها تتوضأ لتصلي العصر. غسلت الأطراف، ومسحتها بعناية في منشفة نظيفة، ولما وجدت (مريم) بحضورها قدمت لها ابتسامة مشرقة، عامرة بالحنان والمودة، واستمهلتها ريتما تصلي.
توجهت إلى مصلاها بخشوع، ووقفت أمام ربها الأعلى، دون واسطة، وفي هواء طلق، وتحت سماء لا حجاب عليها، وعلى بساط تلاشت زخرفته من كثرة الاستعمال، مثل هذا الموقف الرهيب كان ومازال يهز قلب (مريم)، وأقام التفكير العميق في ذهنها، وشغلها في خلوتها، وجعلها تقارن بين عبادة النصارى وعبادة المسلمين، وتدرك الفارق بين الخشوع والخشوع بين التقرب والتقرب ..وما هذا منها البال حتى أسلمت على يد الأميرة عائشة، ورغبت إليها أن تبقي الأمر سرا لتمضي في خدمة الإسلام والمسلمين في هذا الظرف الخطير.
إنها لم تفارق (ايزابيلا) إلا منذ ساعات. لقد شاهدت قداس الصباح، وما ساده من تصنع وتعمل، وشاهدت المرأة على جلالة قدرها ومنصبها، وهي أعظم ملكات أوربا، تقف أمام الراهب، وتتلمس أطراف ردائه، وتطأطيء الرأس أمامه، وتقوم من ركوعها مبتهجة ببركاته التي أمطرها عليها، مع عبارات التشجيع والتحريض على محاربة المسلمين إلى النهاية ودون هوادة أو رحمة، ومد لها راحته فقبلها بحرارة وإيمان ... وبخشوع وانفعال.
اقتربت الأميرة الجليلة (عائشة) من زائرتها، وضعت يدها على منكبها ملاطفة ومرحبة، فبادرت (مريم) بوضع رأسها على كتف عائشة، وتركت هناك بعض القبلات، قبلات التقدير والشوق والمواساة القلبية .. إلا أنها وجدت نفسها في حضرة امرأة ثابتة القلب، بل لعل قلبها أثبت قلب في غرناطة، شأنها في ذلك شأن من بذل الجهود تلو الجهود بإخلاص وإيمان وشجاعة، وما أعياه بذل الجهود، وأخيرا لم يبق أمامه لا الانتظار، وتقبل ما يأتي به تقلب الأحداث بطمأنينة كاملة ورضي نام.
قالت الأميرة عائشة :
أما زال الناس في غرناطة الحبيبة في أحوال من الاضطراب والجزع .. صدق الله العظيم (والفتنة أشد من القتل)، أنهم يضرون أنفسهم أكثر مما يضر بهم العدو، هذا نوع من الهلاك الداخلي الذي لا يكف أي شيء، لو ثبتنا لأبعدنا عن أيديهم ثمرة النصر أياما أو شهورا وربما أعواما، ولكن أقوامنا فضلوا- هكذا- أن يتجادلوا في مقدرة الخصم وحسن استعداده وشدة تصميمه على تحقيق مراده ... وبذلك تزيد القلوب الفزعة فزعا، والضمائر المنهارة انهيارا، وكأني بهم ينتظمون ساعة التسليم، ولم يبق عندهم استعداد لسماع أصوات الكفاح والمقاومة، ما شاء الله، ولا مرد لقضائه (يعز من يشاء، وبذل من يشاء).
- الخصم عنيد يا مولاتي، وقد سد جميع المنافذ الموصلة إلى المدينة، وهو الآن بصدد القضاء على ما تبقى من المقومات ..
- طبعا، وهذا متيسر له، ما دام الحكام قد سلموا له مقاليد الأمور، وفاوضوه ليتنازلوا عن كل ما طلب، وعادوا فوتقوا بعهوده ووعوده، فكيف تهمه- مع هذا- مقاومة الأفراد والجماعات القليلة. إن الدولة هي التيمن شأنها أن تقاوم، وأن تثبت إلى النهاية، خصوصا وأن المصير المحتوم معلوم .. إن حكام هذه البلاد رضوا بالذل والمهانة ...
- سيدتي، هل بلغك؟ لقد أصرت (ايزابيلا) على أن تحضري بنفسك في مراسيم التسليم، أبو عبد الله يطأطيء الرأس أمام (فيرناندو) وأنت تطأطئين الرأس أمام (ايزابيلا) ... لكن ولدك (أباعبد الله) رفض رفضا باتا صارما أن يقبل بحضورك في حفلة التسليم، وهم بتمزيق وثيقة المعاهدة والتقدم للمعارك حتى الموت، ومن أجل ذلك دخلت (ايزابيلا) في خصام مع زوجها (فيرناندو) وقابل كبرياءها المعروف بعناده المشهور ... وتدخل الخواص من الرهبان والمستشارين المختصين في الشؤون الإسلامية أكدوا لها ألا جدوى من ذلك، لأن الديانة الإسلامية تحرم بروز المرأة في الحافل، زيادة على أنك- حسب خبرتهم- لن ترضى بذلك مطلقا، وإن أرغمت عليه فسيثور الشعب بجميع طبقاته من أجل المساس بحرمتك ومقامك، وربما حصل في موقف التسليم ما لا تحمد عاقبته ...
- أبو عبد الله ثبت في هذا الموقف؟ عجبا ! عهدي به يتنازل إلى أقصى الحدود، ومع ذلك فغني احفظ له هذا الموقف .. إنما يمكنني أن أقول لك أن ظهوري من شأنه أن يشعل النار ويلهب غرناطة ثورة، هذا يعرفه أبو عبد الله، وهو ما لا يريده، ولا شك أنه أوحى به إلى مفاوضيه لثمر الأمور بسلام ويخرج من هذا الموقف التاريخي العسير .. متى حفلة التسليم على ما بلغك؟
- غدا عند الضحى.
- هذا ما بلغني أيضا، لهفي على بلدي الحبيب، لهفي على بني ملتي، لهفي على الأمجاد الإسلامية وهي تنهار .. والهفي والهفي .. وأوجع قلبي !
وأخذت عيون عائشة تدمع، دموعا صافية حارة خالصة، فلما كانت تنزل من عيونها بل مثلها لم ينسكب منها قط !
- مولاتي عائشة، لقد جمعت القليل من دراهمي ومقتنياتي من الذهب والفضة .. وجئت إليك رابطة مصيري بمصيرك، فحيثما ذهبت أذهب معك، والمتجه الذي اخترته أصاحبك إليه، لقد أحببتك وأخلصت لك دونما طمع أو رهبة .. إن هذا وقت الجزع والاضطراب والخوف والتخلي عن العزيز الغالي ... وأزنت بين أهلي وعشيرتي ومعارفي الاسبانيين وغير الاسبانيين ورجحت أن أذهب معك أو أموت معك ... إن سيدة فاضلة حصيفة يشرف الإنسان أن يسير في ركابها .. لم يكن شعب غرناطة ولا سكان (البيازين) ولا عائلة بني سراج مخطئين حين أحبوك وأخلصوا لك، وتحملوا من أجل هذا الحب والإخلاص البلاء العظيم. إني واثقة أن ما لا يحبك يرهبك، إني لا أراهبك ولكني أحبك هل تقبلين أن أسير في ركابك ..؟!
- هز الأميرة الجليلة هذه العواطف النبيلة، التي ظهرت في الظرف العسير من امرأة اسبانية الأصل، مسيحية الولد، فقيرة العائلة، وهبت نفسها لها، وأشركت نفسها بمصيرها، ووضعت روحها في يدها، في وقت اشتد فيه البلاء، وعظم الهول ... فلم يسعها  إلا أن تعانقها عناقا أخويا حارا .. وأخذت عيونها- مرة أخرى- تدمع ..
وقضتا معا طرفا من الليل تتذكران، وكانت الدلالة أكثر حديثا، لما لها من إطلاع على الأمور من خلال تجوالها اليومي في المدينة على الأسر الكبيرة والمتوسطة، من مختلف الملل. أن مثيلاتها من الدلالات يلعبن دور المخبرات، من حيث لا يشعر أحد بذلك، إذ لهن نظرات فاحصة لا يفوتها شيء وقع، أو يمكن وقوعه، وهن يحفظن آلاف الأسماء، ويعرفن العديد من الحالات الفردية والعائلية، وفي آذانهن همست آلاف الشفاه بالأخبار والأسرار .. فعلى هذا فالحديث يطول ويمتد الليل بطوله ..!
كان حديث مريم هذا الليلة لا يخرج عن أخبار غرناطة وأحوال أهلها ليلة التسليم وما يسود القوم من  اضطرب وبأس وخيبة، أنك لم تسمع غلا الزفرات والبكاء العويل اذا مررت بإحياء المسلمين واليهود .. لكن إذا مررت بأحياء النصارى فلن ترى إلا الشماتة والتشفي وصادق خدمة، شأن كل ضعيف إذا تقوى، وكل ذليل إذا عز ..
ذكرت لها مآت الأسر التي رحلت إلى المغرب، أو التي نزحت إلى جهات أخرى، أو التي ذهبت برجالها ونسائها وأطفالها إلى الكنائس لتعبر عن رغبتها في الانسلاخ عن الدين الإسلامي فبارك القساوسة هذه الحركة، فمنحوا مغفرتهم عما سبق، ووعدوا لهم بالدعاء الخالص بين تمثال العذراء في ظل الصليب .. وأمعنوا في كرمهم فمنحوا لكل واحد صليبا ذهبيا أو فضيا أو معدنيا، حسب مقام الفرد من العائلة ... وهكذا خرج الرجال وقد استبدلوا زي المسلمين بزي النصارى، وخرجت النساء وقد كشفن وجوههن الناصعة الفاتنة التي ترمقها العيون لأول مرة، وشوهد الصبيان تحلمهم الأدرع وقد انشغلت عيونهم الفاحصة وأيديهم الفتية بتصفح شكل الصلبان الغريب عليهم، ويتتبع بريقها المتسع ... والحقيقة يا سيدي أن أي واحد أو أية واحدة لم تكن تتوفر على الشجاعة لتحدق في وجوه بني الملة الواقعة في المحنة، ولو أنهم وسط الأنصار من متعصبي ومتعصبات الاسبان، يصفقون لهم ويهتفن بهم ويرقعونهم على الرؤوس ... وانغمروا معهم- يا سيدتي-* في شرب الخمر جهارا وفي التهام أقراص الخبز المحشوة بلحم الخنزير النييء، ولم يحجموا عن تبادل العناق والقبل ومن أن يتراقصوا ..... وهكذا يا مولاتي طووا صفحة إسلام، وفتحوا صفحة الدين الجديد بكل جرأة وإصرار.
وأخذت عيون الأميرة عائشة تدمع من جديد، وبمرارة أشد، وغمغمت :
بعد هذا كله لا يسعنا إلا أن نقول : سحقا لمطامع الدنيا، وسحقا لمتاعها الزائل .. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وطاقت مريم الدلالة ببصرها على أثاث الحجرة الثمين، وتفحصت الحاجيات وهي ما تزال في محلها، وأرادت
أن تقول شيئا فتفطنت الأميرة لذلك :
- لا حاجة بالإنسان عند الهول الأكبر إلى أي متاع زائل، فعلى هذا لن أشغل نفسي، ولن أكلف وصيفاتي وخادماتي بالجمع والحزم والنقل والتلفيف، سأخرج من هذا القصر خفيفة كما يخرج الهانك إلى قبره. سأرحل من هنا وحيدة، وليصحبني من شاء جزاه الله خيرا وليبق هنا من شاء ليخدم الذين سيحتلون هذا القصر، لقد انهزمنا واستسلمنا، ولا حق لمنهزم أن يعيش هانئا سعيدا، النفي والتشريد أولى، وبئس المصير ...
ماذا أقول؟ أن مصير ولدي أبي عبد الله هو مصيري، إنه خجل الآن من ملاقاتي، ولا أظنه يستسيغ مواجهتي.. لكن بقائي بجانب ولدي أحسن حل ... وليفعل الله ما يريد- أما أنا يا مولاتي فسأكون بركابك مهما كانت الحال، لقد سلمت في كل شيء من أجلك ...
وتحادثتا قليلا، ومن جديد. ثم أخذ النوم يداعب جفون مريم، وبذلك تركت الأميرة لهواجس نفسها المثقلة بالهموم، والتي هي أثقل ما يكون في هذه الليلة المشؤومة السوداء وكادت تنفجر ضيقا وحسرة، لولا ذكر الله الذي يشغل لسانها، ويفيض نورا على ذهنها، ويسيل اطمئنانا على قلبها.
وشق سكون الليل وصمته العميق صوت المؤذن يؤذن على صومعة مسجد الحمراء (الله أكبر، لا إله إلا الله... ... أصبح ولله الحمد، الحمد لله على فضله وإحسانه، الحمد لله على جوده وكرمه، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله ... يا واسع المغفرة، أعف عنا، واغفر لنا، وارحمنا يا كريم ..
كان هذا الدعاء بعد إذن جلجل به صوت المؤذن جلجلة مؤثرة، كاذ أن يختنق في آخر فقراته شعورا منه بأن هذا الإذن هو آخر إذن بهذه البقعة من ديار الإسلام، فلا إذن بعد اليوم، ولا إقامة لصلاة .. فلا عبادة ولا قرآن ولا ذكر ولا تسبيح .. البقاء والدوام لله.
وتسرب الإذن بعباراته المؤثرة إلى قلب الأميرة العميق الجزح، لكن هذا التأثير لم تأت من ورائه سوى نتيجة واحدة هي شعور الاطمئنان، والركون إلى جانب الله، المغيث عند الشدائد. بالله هذا الإحساس المرير، الذي لا يعادله ولن يعادله أي إحساس عنيف مرير يماثله ولن تأتي الأيام بمثله أبدا .. لقد انتهى كل شيء !
انتهت دولة الإسلام، وانتهت حضارة الإسلام وأمجاده وعظمته وعطاؤه السخي الذي استمر مئات السنين، وأصبح الكل- الآن-مهيأ للطرد والإهانة والقهر والصفار، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..
وتضاربت المشاعر بعضها يتصعد ملتهلبا محرقا، وبعضها يتفجر ككتل من جمار السعير، يلعزة الأمراء الأمجاد في لحظات الانهزام والاستسلام غير الكريم، ماذا بعد قصر الحمراء الباذج ؟ ربما كوخ، ربما إحدى الخرائب، ربما العرا اللا محدود، على أرض يابسة الأعشاب، تحت سماء مثقلة بالسحب، محجوبة القمر والنجوم ... وماذا بعد الأطعمة المتنوعة الفاخرة؟ خبز جاف، وطعام تعافه الكلاب، ومياه تزاحمك عليها الدواب ... وماذا بعد الأفرشة اللينة ؟ والوسائد الرخصة؟ والزرابي المبثوثة؟ لا شيء! أرض متربة، وأحجار صلدة، عبء من يجلس عليها ومن يحملها سواء ... حياة لا فرق بينها وبين حياة أية دابة.
ولم تدر الأميرة عائشة كيف غلبها النعاس، فاستسلمت إلى سنة من ألذ السنات التي تأخذ بتلابيب متعب منهوك ... واستمرت هذه السنة لمدة ليست طويلة مع الأسف الشديد، إذ لم تستغرق سوى الفترة الواقعة بين طلوع الفجر وشروق الشمس، وعندئذ استيقظ الجميع، وبرزت شمس الضحى- لأيام الخريف هذه- كئيبة، حاجبة ضوءها عن مشهد الاستسلام، تسليم غرناطة الحبيبة.
وتعالى ضجيج وهرج قامت من اجله فورا مقعدها إلى الشرفة، فإذا بالخدم والحمالين قائمون بحزم الأمتعة على ظهور البغال القوية، وشدها شدا محكما، استعدادا للسفر الطويل، بين الأودية والشعاب وعلى قمم الجبال وأعالي الوهاد والتلال
وطرق بعض الخدم الباب، عارضين أنفسهم لحمل متاع الأميرة الجليلة إذ لم يبق إلا هو ... لكن الأميرة نهرت الأتباع قائلة بصوت غلب عليه الإنفعال :
- اذهبوا إلى حال سبيلكم، وقولوا (لأبي عبد الله) إنه لا لا رغبة لي حمل الأثقال، يمكنه أن يأمر من يأتي بعد خروجي من أمتعة جناح هذا القصر المنكوب، أما أنا فيكفي أن أنقل الضروري من الحاجيات على هذه الدابة.
- أسرج البغلة البركية يا نعيم، وأشبعها أولا، وخذ معها (الشقراء) أيضا، لقد حان وقت الرحيل على ما يظهر .. مريم هل أنت على استعداد؟
- نعم يا مولاي، فلنسارع إلى خارج المدينة، وسيلحق بنا أفراد الركب، مهما طال بهم الوقت، لا طاقة لي بسماع هتاف الغزاة الخالية قلوبهم من الرحمة، ولا أود أن أرى مظاهر بهجتهم وشماتتهم بنا، ولا الدموع في عيون الرجال حسرة منهم وأسف. إن زعقات الموت من أفواه الرجال أحلى في سمع النساء من شهقات النواح ... هيا يا مريم، (نعيم) واقف ينتظرنا.
وخرجت عائشة ولم تفلت منه أية نظرة إلى الوراء، إلى القصر الذي تركته فخما رائعا من ورائها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here