islamaumaroc

في شعرنا المعاصر -4-

  محمد الأمري المصمودي

20 العدد

وعلينا ألا ننسى ونحن بصدد الحديث عن شعراء الطائفة الثانية، شعراء كشهيد الوطنية محمد القري، ومحمد المختار السوسي، والمرحوم حسن الداودي، والمكي الناصري، وعبد الرحمان حجي، وعبد الكريم السكيرج، وعبد الرحمان الدكالي، وعبد المالك البلغيثي، وغيرهم ممن لم أتعرض لذكرهم؛ ومن بينهم شعراء كشفت الظروف أنهم أصبحوا بعد ذلك يسيرون في ركاب المستعمر ويتمسحون بأبواب الإقامة العامة، وقد سبق لأكثرهم أن نظموا قصائد وطنية لا غبار عليها؛ فهل كان ما نظموه عن غير عقيدة راسخة؟ أم انه ضعف الإيمان بالبلاد وأبنائها المكافحين؟ إن التاريخ يسجل على هؤلاء استمرارهم الوظائف السامية تحت نظام الحماية البغيض، وموقفهم من نضال الملك والشعب موقفا استفزازيا بغيضا.
وإذا كنا قد رأينا سابقا نماذج تمثل بعض السمات التي نفتقدها عند شعراء الطبقة الأولى، فإننا لا ننكر مع ذلك أن هناك أخرى كانت بارزة عند هذه لم تختلف نهائيا عند الطائفة الثانية، بل أننا لا نغالي إذا قلنا أن من شعرائها من استمر في عزفه على وتر الطائفة الأولى لا من حيث المضمون فحسب، بل من حيث الديباجة كذلك، وهذا يعني أن وسمها بالثانية إنما هو من قبيل ظهور شعرائها في فترة واحدة، أو آونة متقاربة، وهذا يعني أيضا أننا لا نميل إلى جميع شعراء هذه الطائفة يندرجون تحت بعض السمات أو الظواهر التي تكتشفها أو بعض الأحكام التي نرسلها، فالشهيد القري مثلا يتناول المشكلة الوطنية من الجانب المعهود عند الطائفة الأولى، فلا إصلاح يرجى لا بالعلم والدين.
هم خير في أمرهم ما قاموا                           الدين والعلم، واستبانوا الرشادا
 فإذا ما عموا عن الحق بادوا                         واضمحلوا ثنى ثنى  وفرادى 
 
لكن القري لا يريد العلم للفتى وحده، بل للفتاة كذلك:
وبقاء الفتاة جاهلة عا                                ر عليكم لا ينقضي الآبادا
أي دين أتى بحرماتها منـ                            ـه ضللتم لا تعرفون الرشادا
آه من جهلها الذي قادها للــ                         آلمتنا وقطعت أكبادا
آه من آلام بها قد المت                               ـذل حتى لاقت به انكادا 
 
وهذا الشاعر محمد المختار السوسي في قصيدته "الهلاك ولا الجهل":
حتى متى شعبي يعبده الجهل                     كأن لم يكن قطب السيادة من قبل
اجل إننا كنا وكنا هكذا                            يقول لسان العلم من قوله القول
لتسقط على الأرض السماوات ولتقم              فكم لوعة تذكو وكم زفرة تعلو
ولكن إذا ألقيت يومك نظرة                       قيامة شعبي فالهلاك ولا الجهل

وهذا الشاعر الغزلي عبد الرحمان حجي في مقطوعة "كيف أرى أمتي"
أرى أمتي طاشت شعورها                         فان ذوي الارماس فيها لأفضل
أراها وقد فاضت دموعي حسرة                   واني على صب الدموع يعول
 
ولنسق له هذين البيتين في التغزل:
قد راق لي في هواك الذل والأرق             يا من له الأسودان الخال والحدق
الله في كبدي وما تكابده                          يا من له المشرقان الثغر والعنق
 
فإذا انتقلنا إلى الشاعر المكي الناصري وجدنا عنده نفس السمة خصوصا في قصيدته "هذا كتاب الله".
الله لا يرضى لأمة احمد                             لا طرائق للعلا والسؤدد
هذا كتاب الله فيه شفاؤنا                             سبل الرشاد ونصح كل موحد
هذا كتاب الله يدعونا إلى                             من كل أدواء علينا تعتدي
إلى أن يقول:
فانظـر لمغربنـا الضعيـف فأهله                 نـار الجهالـة بينهم لم تخمد
غير أننا عند ما نقف على قطعة رقيقة قالها في الحنين إلى وطنه وهو بمصر، لا يسعنا ألا أن ندرج الأستاذ الناصري في بعض السمات التي اكتشفناها عند بعض شعراء هذه الطائفة:
أنا في مصر وقلبي                                  أبدا ثم مقيم 
أن يهم بالنيل قوم                                    فبود ياني أهيم     
تلك أوطاني وهذا                                   وطن المصري الكريم
كم يسليني صديق                                   من بني مصر حميم
غير أني لست ارضي                              عن سوى وكري القديم
انه موطن أنسى                                    انه مأوى النعيم
هل عجيب في الفتى إلنا                            زح إحساس اليم؟

ولا نفتقد هذه السمات عند الشاعر عبد المالك البلغيثي، ولا سيما في قصيدته "ارجيكم بني وطني" و "تحية الصحافة الوطنية" فهو في الأولى يتفطن إلى حاجات الشعب لنهوضه؛ المحامي، والمهندس، والطبيب، والطيار والغواص، والاهتمام بالصناعات الوطنية:
مضت في المغرب الأقصى                           سنون تعد كالعمر  
ولم تر بيننا فئة                                        بنور علومها تسري 
محام أو مهندس أو                                   طبيب شارح الصدر 
وطيار يطير بنا                                       لنرقى مع الغير
وهل كضائع الشعب مـ                             على قطع الدر 
وغواص يغوص بنا                                    ــن قاض على الفقر
وهو في الثانية لا يترك حادث ظهور صحافة وطنية دون أن يهزه هذا الحادث ويقول فيه شيئا:
خطرت تغازل حاملي الأقلام                          في الشرق بل في العالم الإسلامي 
بزغت كشمس في سماء صحافة                       هتف الجميع لها بطيب سلام
إن بلغت أوطانها اوطارها                             من قبل ما بلغت زمان قيام
لا تعجبين فإنها وطنية                                 مذ خيلت في عالم الأوهام
علم الجميع اليوم ما قد كنه                             ذا المغرب الأقصى من الإعلام
ومن الشباب المنتضى من سطره                       في طرسها ما فل حد حسام
نهض الشباب به فأفحم خصمه                          بجريدة ومجلتين بعام
وهي:
هذا (لسان الشعب) يقصف صوته                     لاقى من الأضداد جد خصام
هذي «مجلة مغرب» قد صرحت                      في يقظة بروائع الأحلام
قد أعطت لقب "السلام" لذا غدت                      فرضا تحيتها على الأنام
فإذا أردنا أن نتعرض للجانب الشكلي لما لدينا من إنتاج هذه الطائفة، فإننا دون ريب نحس بتفاوت شعرائها واختلافهم في عمق الأصالة الشعرية، فبينما نراك تنساق مع بعضهم في نغم جميل، وبينما نقف عند بعضهم على محاولات التجديد، أن في المعنى أو المبنى، إذ بك تحس عند بعضهم شيئا من الجفاف والتعثر ولعل الدكتور أبو شادي "كان يقصد أمثال هؤلاء عندما قال: "وشتان ما بين ما كنا نقرأه من نظم مرصوف كان ينعت ظلما بالشعر، وبين ما ننعم به الآن من روائع جذابة في الشعر المغربي".
ولعلنا مطالبون بالوقوف طويلا عند قطاعة مهمة، لعلها تمثل أنشط فترة عرفها الشعر المغربي الحديث من الفترات التي حددناها سابقا وذلك لعاملين مهمين، أولهما تنظيم الحركة الوطنية، وسنها لاجتماعيات وحفلات دينية ووطنية كعيد الهجرة، وعيد المولد النبوي، وعيد العرش، وقد ساعدت هذه الحفلات وأمثالها على ظهور شعراء ناشئين اطلعوا على الإنتاج الأدبي الذي تحفل به مجلات الشرق الواردة على المغرب، كالهلال، والحديقة، والرسالة، والثقافة، والامالي، والمجلة الشعرية "ابولو".
والواقع أن هذه الحفلات وأمثالها كانت تمثل مظهرا أدبيا نشيطا ووطنيا في نفس الوقت، واليها كذلك يعود الفضل في إذكاء الحماس الوطني في نفوس كثير من المواطنين، وبث الوعي الأدبي في الناشئة المغربية.
اما العمل الثاني فيتمثل في ظهور صحف ومجلات أخرى ساعدت هي الأخرى على ظهور هذه الناشئة بما كانت تنشره لهم من قصائد في مختلف المناسبات الدينية والوطنية وغيرها، فبعد مجلة السلام التي احتجبت بعد صدور عددها الثامن حوالي مايو 1934 ظهرت مجلات كالثقافة المغربية التي أصدرها المرحوم سعيد حجي حوالي غشت 1941، ورسالة المغرب التي أصدرها الفقيه محمد غازي سنة 1942، وجريدة العلم، والمعرفة، والأنيس، والعلوم والفنون، بالشمال وغيرها مما غاب عني منها أو لم اطلع عليه؛ وفي هذه  المجلات عرفنا شعراء كالحلوى، وعبد الكريم التواتي، وعبد القادر حسن، وإدريس الكتاني، وحماد العراقي، والمرحوم احمد لحلو، وعبد الغني سكيرج، وأبو بكر اللمتوني، وعبد الواحد السلمي، واحمد البقالي، وعبد المجيد بن جلون، وعبد الكريم ابن ثابت، وعلال الهاشمي الفيلالي وغيرهم.
لكن هذه القطاعة لم تسلم من المثبطات والعوائق، فكثيرا ما كان يجن جنون الاستعمار فيشدد الخناق على الوطنيين الأحرار ويلقي بهم في السجون أو أقصى المنافي، وضمنهم القائمون بتلك الصحف والمجلات، ففي سنة 1944 بعد تقديم عريضة الاستقلال التاريخية توقفت مجلتنا "رسالة المغرب" و "الثقافة المغربية" إلى أن عادتا إلى الظهور في سنة 1947 بعد الإفراج عن الزعماء الوطنيين بما يقرب من سنة، ولم تحتجب "رسالة المغرب" نهائيا إلا بعد العيد الفضي للعرش المغربي، اما "الثقافة" فقد احتجبت قبل ذلك بأعوام.
ولنتساءل الآن عن مميزات هذه القطاعة النشيطة أن ابرز الظواهر التي تثير انتباهنا فيها: 1) حوليات عيد العرش 2) التأثر بالمدرسة الابتداعية بالشرق 3) ظهور النزعة الذاتية أو مسحة الضياع كما يسميها الأستاذ محمود أمين العالم 4) ظهور نقاد يعنون بدراسة الإنتاج المغربي والتعليق عليه. 5) ظهور الرواية الشعرية لأول مرة في الشعر المغربي. وسيسعنا أن نحلل كل ظاهرة على حدة.
لقد كان عيد العرش –وما يزال- مظاهرة وطنية كبرى تجسم ذلك التجاوب العميق بين الشعب وملكه، وتتيح للشعب أن يعبر عن تعلقه بالعرش العلوي ورغبته في التخلص من ربقة الاستعمار، كما تتيح للملك أن يحدث شعبه ويجدد له التعبير عن اهتمامه بالشؤون الوطنية الكبرى وعلى رأسها الاستقلال الوطني، وكان المفروض أن يتخذ الشعراء من هذا التعبير تعبير الملك، وتلك الرغبة والتعلق من جانب الشعب، مادة حيوية لحولياتهم التي تلقى بهذه المناسبة، لقد وقف جلالة الملك من كل القضايا الوطنية موقف الأبطال الصامدين، وكان المدافع الأول عن حقوق شعبه المغتصبة غير عابئ بأنواع التهديد والوعيد، فكان من المنتظر أن يوجه الشعراء اهتمامهم لهذه النقطة وان يعبروا تعبيرا صادقا عن تجاوب الملك والشعب، وإجماع الأمة ملكا وشعبا على الرغبة في التحرر والانطلاق والعمل لذلك بكل الوسائل، غير أننا نحس بخيبة أمل عندما نجد أن حوليات عيد العرش لم تكن كما ذكرنا، بل كانت على صورة تذكر كثيرا بمدائح المتنبي وأبي تمام والبحتري وغيرهم من المداحين المشهورين في الشعر العربي، كما تذكر بصفة خاصة ببعض مدائح شعراء الأندلس كابن هانئ وابن زيدون وابن عمار.
ولا نستطيع أن نعد تعرضهم في حولياتهم لاهتمام الملك بالدين، وحرصه على بناء المدارس واحتفاءه بالعلم والعلماء، شيئا جديدا اختصوا به دون من قبلهم من الشعراء المشارقة والأندلسيين، ذلك لأننا لا نعدم مثل ذلك في جل المدائح الموجهة للخلفاء والسلاطين والملوك والأمراء، فالاهتمام بالعلم والدين من جملة الأوصاف التي كان يوصف بها أولئك فكل واحد منهم في رأي شاعره جميل الطلعة، مهيب الجانب، قوى الجنان، سخي اليد، لين العريكة، ورع يحمي الدين، وعالم يرعى العلماء، بماذا بقي لشعرائنا في حولياتهم؟ الواقع أن ما تبقى لهم لم يتعرضوا إليه كثيرا للأسف الشديد.

  (1)الأدب العربي في المغرب الأقصى ج 2 ص : 5 و 51 من قصيدة "ما لقومي".
 (2)  تراجع القصيدة الأولى في مجلة السلام العدد 3 دجنبر 1933 والثانية في نفس المجلة العدد السابع ابريل من نفس السنة، أما النماذج الأخرى السابقة فتراجع في الأدب العربي بالمغرب الأقصى ج.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here