islamaumaroc

ما أحسن المحراب في المحراب

  دعوة الحق

155 العدد

« لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم..
ولكن الله ألف بينهم ...
إنه عزيز حكيم ...»
تجلى إعجاز هذه الآية الكريمة، وتألق سناها ومعناها ومبناها في شهر رمضان المعظم الذي كان انعطافة واضحة المعالم في حاضر عالمنا الإسلامي، وتحولا خطيرا في حياة الأمة العربية، وانفتاحا متفائلا في مسيرة الشعوب المستضعفة المنكوبة المكروبة التي باتت تنتشد أغاني الشرف، وأناشيد الحمية .. وسيظل يوم العاشر من شهر رمضان المعظم لهذا العام يوما مشهودا في تاريخ نضالنا، ودليلا على كفاحنا الواصب، واستشهادنا المروع، ونموذجا فذا للعسكرية الرفيعة، وتصون الحق من عبث العابثين به ...
وإذا كانت أمتنا العربية قد تلكا بها حظها العاثر طوال ست سنوات، فظلت متعثرة الخطى، منفصمة العرى، مفككة الأوصال،تسير في ساقة الركب، وتمشي كما يمشي الوجى الوجل، وتخطو ببطء باهظ كالمقيد في الوحل، وتنزو – أحيانا – بين أفرادها دواعي الشتات، ونوازي الخلاف المتضمن حفاظا ينتهي إلى السلم، وحمية تعود إلى السلامة، وغيرة تفضي إلى طريق واضح سليم، فإن معركة يوم لعاشر من رمضان المعظم ابرزت الوجه النضالي البطولي للعرب في كل أقطارهم، وكشفت عناصر الصمود في بنيتهم الفكرية، وأظهرت استماتتهم في سبيل الحق والكرامة، والعزة والمروءة والشهامة فانطلقوا كالأسود الضارية يقفون في أول الصفوف، ويصافحون الحتوف، ويلقون أنفسهم على الموت، ويطلبون عز الحياة بشرف التضحية وعز الممات . .
 
                                    ــ * ــ
لقد فجرت الحرب الضروس – بين حق امتنا العربية، وباطل العدوان الإسرائيلي الذي يتسلح بالكذب والغدر ويحتمي بالحديد والنار – الكثير من الإمكانيات وفتحت الكثير من الآفاق، وأخمدت العديد من التناقضات، وعرفت الأمة العربية من جديد بأصدقائها والد أعدائها وتحققت وحدتهم المنشودة، وضالتهم المرصودة التي أنكرها عليها الأعداء، فامتزجت بالدم، وثوتقت أخوة النسب بدماء التضحية والجهاد حتى أصبحت قواهم في موازين القوى الدولية قوة فاعلة مؤثرة لها حسابها في صفوف المناضلين الأحرار، المنافحين عن القيم الإنسانية، المحبين للحرية والسلام ..
إن هذه المعركة الغالية جعلت العرب ينتصرون على كل الشكوك التي احتلت عقولهم وضمائرهم، ويتغلبون على كل الأوهام الواهية، والأراجيف المصطنعة، ويقضون على أسطورة أن عدوهم لا يقهر، لأنهم لا يستطيعون أن يواجهوه بالكفاية اللازمة، والتقنية الحديثة، ولأنهم، أيضا، في نظره فقدوا مقومات الحياة، ففقدوا مقومات الدفاع عن وحدتهم وحياتهم وأدبرت أيام دولتهم وصولتهم، فانهارت بهذه المعركة الضارية تلك الأسطورة، وإنجاب القتم، وانهد السد المنيع ...
                                        ــ * ــ
إن النزعة العدوانية الإسرائيلية التي تفور بالسفه والحقد، وتطفح بالأفك والضغينة، والتي تعود إلى مشاعر الامتلاء الذاتي لدى حكام إسرائيل، والمسؤولين عن مصيرها، والتي لا تحمل من رسالتهم القديمة إلا دعوة الاختيار الالاهي، ومجموعة من المشاعر المشبوية المحمومة بالحقد على أهل الأرض أجمعين بأنهم أبناء الله وأحباؤه، اجتباهم دون بقية الخلق .. مع أنهم اخلدوا إلى الأرض، واتبعوا نزواتهم، وتدلت أخلاقهم، وتألبت عليهم جهالة الوثنية، ورعونة العصبية، وسفاهة الهوى، ففقدوا صلاحيتهم لحمل رسالات السماء فقدانا أبديا، فكيف يقدرون على تهذيب غيرهم، وينهضون بتوجيه الجماعة الإنسانية ..
إن فاقد الشيء لا يعطيه .. وأن مريض الوهم .. المصاب بلوثة في عقله وسلوكه .. لا يقوى على معالجة نفسه وعلته فكيف يقوم بمعالجة الناس..!! وإن ذا القلب القاسي يستعصى عليه أن يحمل عناصر المحبة والرحمة والرأفة !! .. وصاحب الفكر المغلق، والذهن المنحرف ليس أهلا لإرشاد الناس وتوعية الآخرين !! .. وحامل الكتاب الذي لا يدري ما يحويه من عظات وحكم وثقافة لا يصلح تلميذا فكيف يكون أستاذا!! .. فلهذا صرف الله قلوب أئمة الكفر بأنهم قوم لا يفقهون، ونقل رسالته الهادية إلى العرب الذين اختارهم الله من الناس، وصفاهم من الأمم كما تصفى الفضة البيضاء من أخلاطها لعل الآخرين يحسنون الوصاية عليها والسير على هداها .. فعزلوا عن مركز القيادة، وسكرت أبصارهم، وبقوا في ضلالهم يعمهون ..
ومن يرد الله فتنته .. فلن تملك له من الله شيئا ..
                                    ــ * ــ
 

لقد تنكر بنو إسرائيل لأنبيائهم، وغاضبوا ربهم، وبددوا أمجادهم، وحرفوا كتابهم، وركبهم غرور الأمان، وبطر الغنى، واعتقاد السلامة، فعرفوا بالجبن، واتسموا باللف، وركنوا إلى عدم المواجهة ... فلا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر.. فقلوبهم ترجف من هول الغد، ومفاجآت المستقبل، وانتقام الفاتح ..
                                    ــ * ــ

إن دولة تظل يدها ممدودة تستجدي الأمم والشعوب، ونذرف في مكر وخبث الدموع والعبرات ويقوم اعتمادها على الغير، وتتأسس قواعدها على شفا جرف هار، ويعتمد كيانها على كن واه ليس له من مقومات الدولة وعناصرها قد لوجدتها مصالح خاصة، وظروف معينة، وأسباب زائلة لخليقة بأن تنتفي، بانتفاء تلك المصالح، وتزول تلك الظروف والأسباب ... كما رأينا ذلك في تحول دولة انهارت قواعدها الواهية في الشهور الأخيرة بعد ما قامت حولها حروب طاحنة دامت عشرين سنة انضمت ف الأخير إلى ما تستلزمه طبيعة الأشياء التي تستند إلى الحق والعدالة.
وقد استقر في قلوب خصومنا – ضحايا بغيهم وانحرافهم – إنه ينبغي أن تقوم لهم دولة، ويكون لهم كيان، ويصان لهم حمى، ويصبح لهم مجال ف الأفق الدولي، وتستوي لهم الأجنحة للطيران الذي يتضمن عذابا مهينا يأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم. وصدق رب العزة والجلال حيث قال : وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم العذاب ...
                                    ــ * ــ
إن شبا الحرب خير من قبول المظالم، وأن الموت يبعث ضارع النفوس إلى الحياة العزيزة، وإن أمة تعيش حياة الجهاد بكل مشاقها وأبعادها، لا تحارب إلا في الله، ولا تسالم إلى في الحق، وتعطر تاريخها بدم الشهداء، وتضمخ تربة بلادها بأنفاس الأبطال، وتنكشف أصالتها العربية المأثورة عن غضية مفزعة، ويقظة مروعة، وتتحرر إرادتها التي كانت مشلولة مغلولة، لخليقة بأن يكتب لها الفوز، ويعقد على لوائها الظفر لأنها تثبت وجودها في دنيا الواقع، وتخط تاريخها في أرض المعركة، وتسير في طريق معبد حافظ محفوف بعناية الله، ورعاية المخلصين الأوفياء الذين اذهب الله عنهم رجز الشيطان، وربط على قلوبهم، وثبت بهم الأقدام ...
                                    ــ * ــ
لقد استفحل الداء الدوي من خطر الصهاينة في الناس، واستشرى فسادهم في الكون مما سبب شرا مستطيرا كاد أن يوقد نارا للحرب لا تذر من شيء آتت عليه جعلته كالرميم ... وتنبه لهذا الأمر الجلل والقوم رقود، وهدى إلى الحق وإلى صراط مستقيم، والبعض في ضلال بعيد، رائد الوحدة، وداعية السلام، ومعقد الأمل، ومناط الرجاء صاحب الجلالة وسيد البلاد مولانا الحسن الثاني  الذي يقطع بعزمه الجبار كل معضل، ويحسم برأيه الثاقب وعقله الراجح كل خلاف ومشكل، ويقوم في وجه الخطوب إذا استكلب الطمع، وانفجر البغي، ويسد الطريق على الزمان، ويبسم الأمل بين يديه في قطوب اليأس بما أطلق الله على لسانه من الخير،وبسط يده من البذل، فاجتمع له، من أسباب التوفيق والطموح، ووسائل النهوض والصعود ما يكفل النجاح والفلاح ... جمع القلب الذكي، والأنف الحمي، والقدرة الفاعلة، والشجاعة النادرة، والألمعية المتقدة، والفراسة الصائبة التي تفتح فرجة في الأفق القاتم المطبق، وفسحة من الغد المجهول... فكان ملهما صادق العزم إذ بعث – أيد الله خطاه – التجريدة المغربية الأولى من قواتنا الملكية إلى مشارف الجولان تضم جيشا باسلا، وشبابا ميامين خاضوا غمرة الهول للقضاء على طغيان الغاصب، والإجهاز على بقايا العهد الذليل، وأراقوا دماءهم الزكية التي ضمخت تلك التربة الغالية كفدية العطاء لأجل البقاء، لا يبالون العدد، ولا يرهبون اللقاء، ولا يعرفون الخطر، ولا يخشون السلاح، فكانت المعية وفراسة ادعى إلى الفخر وأبقى على الدهر من ملك بطل شارك في تصريف الأقدار، وأملى إرادته على سجل الزمن.
                                    ــ * ــ
لقد استحر القتال في شهر رمضان المعظم المشهور بوقائعه الفاصلة في حياة الإسلام، ومواقفه الحاسمة في تاريخ الفتوح، وقام الصراع بين حق العرب وباطل اليهود، ودوت أصوات المدافع بين أمة تعتمد في نضالها وكفاحها على الله وحقها في الحياة، وأخرى لقيطة وأغلة مقتحمة روعت قلوب الناس، وزعزعت سلام العالم، وبسطت نفوذها الظالم على مواقع إسلامية عربية لا تلائمها جغرافيا واقتصاديا واجتماعيا غير أنها ضمت حولها ذؤبان الأمم، وشذاذ الآفاق ومن رمتهم الشعوب رمي النواة، وطرحتهم الأمم كما يطرح الغثاء، ولفظتهم كما يلفظ القشر !! ...
حيا الله  شهر رمضان فقد كان حافلا بمزايا، زاهرا بالصوم والذكر وأنواع الطاعات، زاخرا بمظاهر البطولات والاستبسال حيث أظهر فيه الفتى العربي عزيمة دائبة الوثوب، وهمة رفيعة المرتقى، استماتة عالية الذرى فاندفع كالسيل الآتي يفتح قلبه لرصاص العملة، ويجعل صدره مسالك للقنا، ويطلب الممات بعز الحياة، وأذاق العدو الكافر مس صقر حتى أمكن منه .. !
وكان الالاه قال لهم في الحر
                 ب، كونوا حجارة أو حديدا..
فلا غرو إذا كانت معركة شهر رمضان المعظم في حياة الأمة الإسلامية والعربية منعطفا في تاريخ نضالهم والبطولي، ومكانتهم الإنسانية، ودورهم القيادي الخطير في دنيا الناس حيث اثبتوا، عند اللقاء، وجودهم، وأكدوا، لما التقت المجامع، حضورهم لا بالنسبة إليهم، ولكن بالنسبة إلى الأمم كلها وإلى العالم أجمع لأنهم أصحاب الرسالة الخاتمة، والحضارة اليانعة، والتاريخ الحافل، والجد والمروءة والنجدة والشهامة وكل معاني الصفات الكريمة  التي تفي – حتما – بأصحابها وحمالها إلى ربيع نهضة ناصرة تخطر معها العروبة في مطارف العزو الفخار ..
كانت قافلة الحياة – قبل معركة شهر رمضان – تتخبط في مبهمات الطرق جائرة السبيل، حائرة الدليل، موزعة الأهواء، متباينة الأغراض، تسير في مهامه فيح، تحار فيها القطا، وتقصر دونها الخطى، فأراد ربك، وفي شهر الفرقان، وعن طريق الأمة العربية ذات الرسالة الخاتمة، أن يضع حدا لجبروت دولة البغي ومن آزرها، ويستأصل شافة هذا الأخطبوط الجرثومي الذي فتن الدنيا، وروع الناس، وانهك القوى، وتسلط على الآمنين وتطاير شرره في كل الآفاق ليحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.
                                    ــ * ــ
«إن شهر رمضان (1)، الشهر الذي أنزل فيه القرآن، وكان شهرا حافلا، شعبي العزيز، بالنسبة للأمة العربية وبالنسبة لك خاصة، وبالنسبة لتاريخ العالم.
كان مهما بالنسبة لتاريخ العالم، لأن الجغرافية الفكرية التي يكونها الناس اليوم على مائة مليون من العرب، وبالتالي على ما يزيد على ستمائة مليون من المسلمين قد تغيرت بكيفية جديدة، فأصبحت مفاهيم اليوم ليست مفاهيم الأمس.
وبالتالي سار لزاما على كل مفتر ومخطط على صعيد وطني أو إقليمي أن يفكر جديدا في التطورات وما يستتبع التطورات التي طرأت على العالم حيث أنها طرأت على أسرة وهي أسرة العرب وأسرة المسلمين عرفت دائما بجيوشها ونشاطها فكان لها الباع الطويل، وسوف لا يزال باعها طويلا إن شاء الله في بناء الحضارات وفي تشييد صرح التقدم البشري.
كان شهرا مهما بالنسبة للأمة العربية، ذلك أنها نفضت عنها قشار خرافات وأوهام كانت تخيم عليها وتثقل كاهلها حتى سارت الأمة العربية اليوم تتعجب من نفسها وتتساءل كيف أنها أزيد من عشرين عاما، وهي سابحة إن لم أقل غارقة في أوهام وتخوفات سهل عليها أن تمحوها نهائيا وأن تجعل نفسها والغير يعتقد عكس ما كانت تعتقد.
وكان هذا الشهر، شهر رمضان، مهما بالنسبة إليك، شعبي العزيز، ذلك أنك حققت ما كنا نظنه جميعا».
                                     ــ * ــ
لقد تنفس الصبح عن فجر صادق، وأسفر عن صفاء مشرق وضاح، وضحى رائق جميل، ونهار صحو، وأماطت الأمة العربية القناع عن وجهها الصريح، ونفضت الغبار والقتم عن معدنها الكريم، وحطت عن كاهلها أعباء الهزائم النفسية والمادية التي كانت تعاني منها الشداد النكدات وتشل نشاطها، وتعوق حركاتها، وتقعد لها كل مرصد ، فتجعلها هوامش على صفحة الحياة ..!!
فاجتمع، في القطر الجزائري الشقيق، رؤساء الأمة العربية في مؤتمر القمة السادس لتنسيق الجهد، وتوحيد الرأي، وضم الصف، وتجميع القوى، والنهوض بالعبء ... وقد عمل لهذا المؤتمر، ودعا إليه، وأعلن على ضرورته سيد البلاد مولانا الحسن الثاني في خطابه الكريم الذي وجهه بمناسبة عيد الفطر السعيد إلى الشعب المغربي والأمة الإسلامية جمعاء، فكان مؤتمرا جادا متعائلا، منعشا للآمال، موقظا للنفوس راسما لخطة سليمة في درب نضالنا المشروع، وكفاحنا في طريق الانطلاق والانعتاق، دل على أن الأمة العربية تخوض، في صدق واستماتة وفي ظروفها الحالية، عباب حرب ضروس محمودة العقبى، مضمونة المغبة، لأنه إذا ما اطمأن القلب بالنفع بالحيا، فقد لا يروع الليل والرعد والبرق ..!!
وقد أجمل تلك الآمال، وبلور تلك الأماني جلالة ملكنا المحبوب الملهم بالصواب الذي أثر عنه الرأي الرجيح، واللب الحصيف، والبصر النفاذ حيث قال حفظه الله في الكلمة السامية التي تحدث فيها باسم ملوك ورؤساء الدول العربية، لدى اختتام مؤتمر القمة حيث عبر جلالته عن عظيم شكرهم وتقديرهم لمضيفهم رئيسا وحكومة وشعبا :
«سوف نصلي في القدس، وسوف نحيي علم فلسطين، وسوف نحضر استعراضات النصر في كل من دمشق والقاهرة ... أما المسافة، فعلينا أن نعلم أنها مسافة طويلة شاقة!! ولكن، من سار على الدرب وصل ... »
- توفيق بين أشواق الروح وتطلعاتها، وبين الحياة ومقتضياتها المادية ..
- وجمع بين الدين الصحيح، وبين مستلزمات الدنيا ومنطقها الحياتي ..
- وإعلان صريح عن الشجاعة والبطولة وارهاب العدو، مقرونة بقوة الإيمان والتواضع والشكر لله رب العالمين ..
جمـع الشجاعـة والخضـوع لربـه
                   ما أحسن المحـراب في المحـراب !!..

1) من خطاب الجلالة في عيد الفطر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here