islamaumaroc

سحر القافية

  محمد بن تاويت

20 العدد

لا شك أن الموسيقى في الشعر العربي، من أهم العناصر التي يعتمد عليها؛ فالوزن والتقفية كانا ومازالا "فصولا " في تعريف الشعر العربي، بل أن كلمة "شعر" مأخوذة في الأصل من "سير" العبرانية، بمعنى الترنيمة التي لا غنى لها عن الانسجام الموسيقي وقد التزم العرب في ذلك التزامات دقيقة، نجدها قد سجلت في علم العروض مع قوافيه، صلة وثيقة لا يمكن أن يغض عنها الطرف مهما حاول بعضهم ذلك.
ثم أن وزن الشعر العربي أوزان قد لوحظ فيها أنها وضعت حسب انفعالات نفسية، لتعبر –كالموسيقى- عن خوالج خاصة بهذه الأوزان في عروضها مع قوافيها. فالطويل والمديد مثلا، لا يصب فيهما من المعاني ما يصب في المتقارب أو المنسوج مثلا، وكذلك القوافي الرائية أو القافية لا يمكن أن تستبدل بالنونية أو السينية مثلا..
والشاعر نفسه ليس له الخيار بين هذا وذاك –من الأوزان- من غير ما يرعي فيها ما يناسب حالته النفسية التي هو عليها، من هدوء أو قلق، ومن مرح أو انقباض، وسرور أو كآبه وأمل أو يأس ..
ومن لم يراعي هذا التجانس بين الأوزان وبين هذا كله، فإن ذوقه ينقصه حس مرهف لو كان له لأدرك ما لموسيقى الأوزان مع قوافيها من تعبيرات مختلفة كذلك..
ومن الطريف أن نجد من بين نصوص النقاد القدامى نصا لابن عباد يتحدث فيه عن صاحبه ابن العميد فيقول: (انه كان يتجاوز نقد الأبيات إلى نقد الحروف والكلمات، ولا يرضى بتهذيب المعنى، حتى يطالب بتخير القافية والوزن) ويقول أيضا: (وسمعته –أيده الله- يقول: إن أكثر الشعراء ليس يدرون كيف يجب أن يوضع الشعر ويبتدأ النسج لان حق الشاعر أن يتأمل الغرض الذي قصده، والمعنى الذي اعتمده، وينظر في أي الأوزان يكون أحسن استمرارا، ومع أي القوافي يحصل أجمل اطرادا، فيركب مركبا لا يخشى انقطاعه والتيائه عليه).
وقد كان من الشعر مهيار الديلمي آخذا نفسه بهذه الملاحظة القيمة في أوزان شعره وقوافيه، ملائما بينها وبين أغراضه المختلفة. كما وجدنا فيما بعد –بكثير- شاعرنا الحسن اليوسي لا تفوته هذه الملاحظة خصوصا في قوافي قصائده ...
والذي يهمنا في موضوعنا الآن، إنما هو القافية بالخصوص، فعلى القافية تنبني أهمية كبرى في هذه الموسيقى الشعرية؛ فإذا ما أحسن اختيارها، فان الرنين الموسيقي ينتهي أجمل ما يكون أو افعل مطلوبا في النفوس .. اما أن أسيئ الاختيار في ذلك، فان القافية –حينئذ- تعكر صفو هذا الصدى الذي كان منسجما في إنبائه من باقي الموسيقى في الوزن الشعري ..
إن الأصداء التي تنتهي بها الأوزان الموسيقية في مكنتها أن تطيل في هذا النفس أو تكتبه نهائيا؛ ولهذا كانت القوافي بمثابة تلك النقرات النهائية التي تنتهي عنده الأصداء برنتها أو دويها، على أجمل الحالات أن كانت جميلة أو أقبحها أن كانت على العكس من ذلك ...
وما أكثر ما نصادف المعنى الواحد يتناوله عدة شعراء، فلا يكتب له البقاء إلا عند أحدهم، ولا يروح إلا في بينت أو أبيات من شعره؛ وربما لا يكون في ذلك من سبب إلا القافية وحدها.
ومن العجيب – أو لا عجب – أن نجد الشاعر واحدا يصوغ في شعره معنى واحدا من المعاني، ويكرره في ذلك الشعر فيطير صيته بين الناس؛ ولكن هذا الصيت يستبد به بيت واحد من أبياته العديدة. والشاعر -كما قلنا-  واحد والمعنى واحد: صاغه الشاعر في عدة أبيات، وكرره فيما بعد صيغ، بل بنفس الصيغة وبنفس الألفاظ في بعض الأحيان .. وهذا مناط العجب –إن كان هناك عجب- : راج بيت ولم يرج آخر. والسبب -يا سيدي- هو القافية؛ نعم القافية وحدها ...
قال علماء الاجتماع وعلى رأسهم "جوستاف ليون": "الأمم الأخلاق" : فلم يأبه به الناس لهذه القولة بقدر ما أبهوا لها، وقد صاغها الشاعر شوقي في قوله:
   وإنمـا الأمـم الأخـلاق مـا بقيـت           فـان هـم ذهبـت أخلاقهم ذهبـوا
لقد فعل هذا البيت في أنفس الناس وعقولهم ما لا تفعله الخمر في ألبابهم –كما يقول الشاعر- وتنبه شوقي السحر الذي يبثه بيته في الناس، ولابد أنهم صفقوا له كثيرا واستعادوه إنشاده، وصاحوا بملء أفواههم: "الله اكبر" فانفعل الشاعر شوقي بانفعالهم، وأخذته سكرة الاستحواذ على الجماهير، فرجع إلى المعنى نفسه فصاغه في عدة صياغات، ويكرره في عدة مناسبات، ولكن المستمعين جامدون في مكانهم، وصامتون بأفواههم، وهادئون في انفعالاتهم، وإذا به يكرره بنفس الصياغة، ولا يخالف فيها إلا بالقافية؛ وإذا بالموقف هو الموقف لا يتبدل وال يتغير. سبحان الله!
قال شوقي:
    كذاك الناس بالأخلاق يبقى صلاحهم              ويذهـب عنهـم أمرهـم حيـن تذب
فلم يقل شيئا هؤلاء الجماهير ولم يحرك منهم ساكنا ...
وقال:
            ومـا السـلاح لقوم كـل عدتهـم            حتـى يكون مـن الأخلاق في أهـب
            ولا المصائب إذ يرمي الرجال بهـا      بقاتـلات إذا الأخـلاق لـم تصــب
وقال:
           وليـس بعامـر بنـيــان قــوم                إذا أخلاقهـــم كانـــت خرابــا
وقال:
           تغنــي قــوى الأخـلاق مــا                تغنـــي القـــوى المفكــــره
           ويرفــــع اللــــه بهـــا                     مــن شــاء حتــى الحشـــره
وقال:
          وإذا أصيــب القـوم فـي أخلاقهم           فأقــم عليهــم مأتمــا وعويــلا
وقال:
          ولقـد يقـام مـن السيوف وليس من         عثـرات أخـلاق الشعــوب قيــام
وقال:
          ملـك مـن الأخـلاق كـان بنـاؤه             مـن نحـت أولكـم ومـن صونــه
وقال:
         وأيـن مـن الربـح قسـط الرجـال            إذا كـان فــي الخلــق خسرانهــا
وقال:
         بنيــت مـن خلــــق دولتــه                   قـد يشيـد الــدول الشــم الخلـق
اجل هكذا نجده يحوم حول المعنى ويفنن في صياغته، ويكرره في نحو ثلاثين بيتا، ولكنه كما قلنا لم يقل – أو كأنه لم يقل شيئا- للجمهور الذي طرب أيما طرب بالأمس وقد سمع بيته:
        إنمـا الأمـم الأخـلاق مـا بقيــت            فـان هـم ذهبـت أخلاقهـم ذهبـوا
طرب لذلك وسرعان ما تمكن من حفظه، وردده لسانه وقلمه، في مناسبات شتى ... ولم يطرب لغيره ولم يردده لا لسانه ولا قلمه ولا علق بذاكرته بالمرة ... وعجب شوقي ورجع إلى بيته الساحر، وقال: أنها الصياغة، فلنعد إليها مرة أخرى ولا نغير منها شيئا إلا هذه القافية التي تسبغ عليها شيئا من الجدة فليكن هذا البيت:
      وإنمــا الأخـــلاق مــا بقيــت                 فـان تولـت مضـوا فـي أثرها قدمـا
ولكن شوقي كان واهما في ظنه: "فان تولت مضوا في أثرها قدما" غير "فان هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا"
ولو أن الصياغة واحدة لكنه هذا الانسجام الآخذ بآسرة الألفاظ والمنتهى "يذهبوا" المنسجمة تمام الانسجام ب "فان هم ذهبت". وقدما قال ابن شهيد – بعد ابن العميد - : (إن للحروف انسابا وقرابات تبدو في الكلام فإذا جاور النسيب النسيب، ومازج القريب القريب طابت الألفة وحسنت الصحبة).
ولهذا لم يكن حظ شوقي في توفيقه بهذا البيت أكثر من حظه في الأبيات الأخرى؛ فلعله -رحمه الله- أدرك هذا السبب أخيرا بعد هذه المحاولة الفاشلة ..
وبعد فإننا لسنا نقول أن هذه القافية مجردة، كان لها هذا التأثير الساحر بها الساخر من غيرها؛ وإنما نقول: إن ذلك بفعل انسجامها مع شرطها السالف الذي اشرنا إليه. فالقافية أتمت تلك النغمة وانتهت بها إلى الآذان المرهفة الحس، فتقبلتها قبولا حسنا، على حين أنها رفضت غيرها في مثل "يذهب عنهم أمرهم حين تذهب "وفي مثل "فان تولت مضوا في أثرها قدما" ...


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here