islamaumaroc

القضية الجزائرية في شهر

  المهدي البرجالي

20 العدد

الوضع السياسي
ظاهرة أساسية لا تزيدها الأيام إلا تأكيدا: تلك هي أن القضية الجزائرية – وفي وضعها الحالي- تبدو وهي تسير سيرا متعاكسا بالنسبة لوجودها كمشكلة دولية من جهة وكمشكلة توسعية فرنسية من جهة أخرى، فبقدر ما تحققه من تطورات هامة في الناحية الأولى بقدر ما تزداد عليه من جمود وتعقد في الناحية الثانية، والواقع أن هذا التعقد وان كان موجودا من قبل فإن نسبته قد تضاعفت تحت ظل الجمهورية الخامسة، وليس لهذا ما يفسره لا ما يبدو من تركز سيطرة الغلاة في فرنسا والجزائر واستئثارهم بتوجيه السياسة الفرنسية وتحديد صورها وأشكالها؛ الأمر الذي لم يكن من شأنه لا أن يفضي إلى الغموض السياسي الذي يجثم على فرنسا اليوم، ويكاد يخلق فيها حالات من الارتباك العام.
وقد بدأت ترتسم في أفق الجمهورية الخامسة بالفعل ملامح هذا الارتباك بشكل واضح وملموس، وان هناك من الإرهاصات ما يوذن  بان الأمر قد يفضي في الأخير إلى حالات رهيبة من الصدام بين القوات السياسية التي تسند النظام الحالي، وليس لذلك –في حالة تأكده- إلا أن يبرر هذه التنبؤات المتشائمة التي يلقى بها الكثيرون حول مستقبل الجمهورية الناشئة والآفاق المكفهرة التي قد تطالعها استقبالا.
ومن البديهي أن "الجزائر" توجد في أساس كل هذه الظواهر القائمة التي تكتنف الجو السياسي الفرنسي منذ أمد بعيد، فقد كان صانعوا مؤامرة 13 مايو 1958 قد استهدفوا في تلك الحركة أن تكون قاعدة لغرض مبدأ الإدماج غير المقيد، وقد تبلور الاتجاه على الأخص داخل حزب "اتحاد الجمهورية الجديدة" الذي يقوده "سوستيل" والذي يسيطر بصورة رئيسية على البرلمان الفرنسي الحالي.
وليس هناك من الأسباب ما يوحي بان "دوكول" يناوئ  - بصورة جدية- شعارات الغلاة من صنف "الجزائر الفرنسية" ولكنه –على الأقل- يبدو مقتنعا بان هذه الشعارات – التي تستهدف الإدماج المطلق- قد تجد سبيلها إلى التطبيق الفعلي بعد أن تتم تصفية الحركة الوطنية الجزائرية على الصعيد السياسي والعسكري.
اما كيف تقع هذه التصفية فيلوح أن الجنرال يفضل التذرع لذلك بمركب من الوسائل الملتوية المعقدة التي تتميز بها سياسة دوكول الجزائرية كما خبرناها من سير الوقائع والأحداث ومن عناصر هذه السياسة:
1) اصطناع أجواء موهومة "للخلاف" داخل الحكومة الجزائرية وجيش التحرير الوطني.
2) محاولة عزل الحكومة الجزائرية دوليا عن طريق المناورات الدولية من جهة والتظاهر بحل المشكلة من جهة أخرى.
3) مضاعفة الاعتماد على أساليب الحرب السيكولوجية لتدمير معنويات الشعب الجزائري وجنود جيش التحرير.
4) الإسراع في تطبيق البرامج الاقتصادية والصناعية واسعة النطاق لخلق جو "للسلام" غير المشروط في نفسية الجماهير الجزائرية من جهة وتركيز الوجود التوسعي من جهة ثانية وإلهاء الرأي العام العالمي من جهة ثالثة.
5) اما العنصر الأساسي في الخطة فهو العمل على شطر وحدة الاتجاه والرأي عند الأوساط الوطنية الجزائرية، وذلك عن طريق العروض التافهة الجزئية التي يخال انه قد يوجد من يتبناها بين قادة الشعب الجزائري.
6) وقد بدأت هذه العروض بقصة "السلام المشرف" و "العم الأبيض" ثم اتخذت طريقها للتطور  فغذت – كما وضح في الأسابيع الأخيرة- تستهدف قبرصة القضية الجزائرية وقد وصلت القصة إلى مراحلها الأخيرة أوائل الشهر الماضي وذلك حينما نشرت "لوموند" تفاصيل عرض "مبتكر" لحل المشكلة الجزائرية وصفت اليومية الباريسية صاحبه مجهول الاسم بأنه "شخصية سياسية تتبع عن كثب تطورات القضية الجزائرية".
ويجيز المشروع إمكانية منح الحكم الذاتي للجزائر بعد أن تأخذ مكانها داخل المجموعة الفرنسية تحت اسم معين كالجمهورية المستقلة الفرنسية الجزائرية (؟) وهكذا – كما يؤكد المشروع – يصبح في الإمكان إرضاء مطامح الجزائريين في الإدارة الذاتية في الوقت الذي يبقى فيه مبدأ الإبقاء على السيادة الفرنسية كامل المدلول (؟).
ومن نافلة القول التدليل على تفاهة الحل وغثائه وعدم إمكانية قبوله وتطبيقه من حيث وجهة النظر الجزائرية ولو معتدلة، ولكنه مع ذلك كان أساسا لمعركة جدلية صاخبة استأثرت طوال نصف الشهر الماضي باهتمام كثير من المحافل الاستعمارية في فرنسا والجزائر على السواء.
وقد كان رد الفعل في الواقع عنيفا وشديدا، فقد أشار ناطق باسم "الديموقراطية المسيحية- في تعليق له على المشروع- إلى "إن الجمهورية المستقلة الفرنسية الجزائرية ليست أسلوبا من أساليب التخلي المستتر وراء قناع الحكم الذاتي تارة والاستقلال داخل التكافل تارة أخرى" (1 ).
كما جاء في ختام تعليق للدكتور "لوفيفر" احد أساطين الغلاة بالجزائر انه "كيفما كان الأمر فقد بدأت نذر الخيانة تلوح سافرة في الأفق ولذا فانه قد غدا من واجب "الجزائريين" أن يدركوا أن وقت الاستعدادات للتحرك الجدي قد حان.
اما جورج بيدو ووزير الخارجية الفرنسية الأسبق فقد كتب قائلا: "أن مما يستفز المشاعر في المشروع هو ما يقتضيه من حل القضية الجزائرية على الطريقة القبرصية، لقد كان اختيارا أعرج وخاطئا.."
تلك صور من رد الفعل العنيف الذي أثاره المشروع، وعلينا أن نتساءل الآن: لماذا كانت له كل هذه الضجة الصاخبة التي استثارها في أوساط الغلاة بفرنسا والجزائر على السواء؟ أكان ذلك لمجرد ظهور اقتراح صحفي قد يجوز إلا أن يكون له اعتبار في  المقالات الرسمية الحاكمة؟ ولكن لماذا لم تحدث –من قبل- ردود فعل مماثلة أمام كثير من الاقتراحات الصحفية السالفة تلك التي كان بعضها يذهب في مجال "التخليات والتنازلات" إلى ابعد من ذلك بكثير ( 2).
فالظاهرة إذن على قسط من الغرابة ولذا كان من الطبيعي أن تثير أكثر من هذه التساؤلات ولكن ما يكتنفها من غموض لم يدم –مع ذلك- إلا قليلا جدا، ثم بدا كل شيء على درجة هامة من الوضوح والجلاء، وكان ذلك غداة أن اكتشفت "الابسيرفاتور" أن دوكول ودلوفربي كانا بنفسيهما صاحبي المشروع أو على الأقل ممن أوحوا بوضعه من قريب أو بعيد، بل انه كان ثمت تدخلا "رسميا" لدى مدير الجريدة لكي ينشرة على الملأ بعد أن تستر واضعوه وراء قناع من المجهولية الاسمية.
لقد كان الصراع حول المشروع إذن له مغزاه ودواعيه، إذ انه لم يكن إلا مظهرا جديدا من مظاهر  المأساة السياسية و"النظامية" التي تعيشها فرنسا والتي هي آتية عن تداخل السلطات بين الجهاز التنفيذي الحاكم وبين الأوساط التوسعية في الجزائر.
ويبدو أن الهدف من المشروع كان –في بعض الجوانب- محاولة اصطناع بعض ظروف البلبلة السياسية والاتجاهية داخل المنظمات الوطنية الجزائرية، إلا أنه لم يسهم – في الواقع-  إلا في مضاعفة عوامل الاضطراب السياسي الذي تعتمد عليه "إستراتيجية" الغلاة في صراعهم الكبير من اجل السيطرة والاحتكار.
على انه ليس مفهوم هذا أن ثمت خلافات جوهرية بين الجنرال دوكول والغلاة في نظرتهم المشتركة إلى مصير الجزائر ومستقبلها السياسي والكياني، أن هناك من الأسباب ما يبيح الاعتقاد بوجود كثير من عوامل الوحدة في هذه النظرة وشيوع الانسجام في كثير من جوانبها.
وقد أكدت هذه الحقيقة صحيفة "ليزيكو" وذلك حينما "اعترفت بان عمل الجنرال دوكول لا يرتكز على أساس من التفاوض مع جبهة التحرير بل يستهدف –على العكس من ذلك- تمزيق الثورة وعزلها.."
كما نصت على ذلك الاوبسيرفاتور في حديثها عن "الروح الاستعمارية الجديدة" وذلك حينما أشارت إلى "أن السياسة الجزائرية للجنرال دوكول لا تتباين كثيرا وطبيعة السياسة التي كانت تنتهجها حكومة الجبهة الجمهورية فالطبقات المسيرة لم تقدر على انجاز كثير من مراميها داخل نطاق
 النظام البرلماني ولذا فهي تجهد الآن في تحقيق ذلك ولكن تحت ظل نظام ذي أساس تحكمي، وهذه المرامي يتركز كثير منها في بسط السلام بالجزائر، على شكل يعيد بوجه من الوجوه صورة النظام الإمبراطوري القديم...
أما "النيويورك التايمز" الأمريكية فقد لمحت –ضمنيا- لهذه الحقيقة منذرة بما يمكن أن ينجز عنها من إخفاق "إذ أن كل تاريخ آسيا وإفريقيا بعد الحرب ليس له إلا أن يؤكد أن برامج وآمال دوكول أنأى ما يمكن أن تكون عن الواقعية والموضوعية ولذا فان المستقبل قد يجوز أن يحطم هذه الآمال ولو أن "المثالية" التي تعبر عنها يمكن أن تعيش بعد ذلك طويلا"...
ومع كل ذلك، ومع توفر عنصر الوحدة في الاتجاه بين دوكول "والغلاة" فان مناهج الرئيس الفرنسي –في هذا المقام- تتباينه في التوائها وتعقدها مع هؤلاء "الغلاة" وتصميمهم على اعتماد وسائل العنف دون غيرها في سبيل التوصل إلى إنهاء المشكل الحالي، وقد كانت الأشهر الماضية كافية لتطور الخلاف وتعقد جوانبه وتضاعف عناصر الأمر الذي لم يكن من شأنه إلا أن يزيد الارتباك السياسي العام في فرنسا والجزائر قوة وتأكيدا وقد كان من النتائج المباشرة لذلك تقلص ظل نفوذ حزب "اتحاد الجمهورية الجديدة" الذي يقوده "سوستيل" وذلك بالنظر إلى الارتباطات المتينة التي تصله بنظام حكم الجنرال دوكول، وقد بدأت هذه الظاهرة تتأكد من ظروف الاستعدادات الانتخابية التي يجريها الأوروبيون في القطر الجزائري، هذا في الوقت الذي يتهيأ  فيه "الغلاة" داخل البرلمان الفرنسي – كما لاحظته بعض الأسبوعيات الباريسية –للإعلان عن الإدماج مستعينين في ذلك بإمكانية اصطناع ظروف فوضوية في الشارع تتيح لهم- كما تؤكده نفس الصحيفة- الضغط السياسي الذي يبتغونه أداة لتحقيق ذلك، وبالإضافة إلى هذا فان هناك من الاحتمالات السيئة التي ينذر بها اقتراب موعد ذكرى 13 مايو 58 ما يستأثر – بصورة مركزة- بأكبر قسط من اهتمامات السلطات الحكومية في فرنسا والجزائر، إذ أن الحكومة تحس بكثير من مشاعر القلق المتوجس أمام إمكانية انفلات زمام الأمور من أيديها في ذلك اليوم لفائدة المنظمات المتطرفة التي تضم عناصر الغلاة، وذلك احتمال غدت تتضح به كثير من التصريحات والبيانات المعبرة عن وجهة نظر هذه المنظمات.
ومما يضاعف من خطورة الوضع تزايد حدة الأزمة الاقتصادية والمالية التي تسهم باستمرار –نتيجة لحرب الجزائر- في خفض مستوى الحياة عند الجماهير الفرنسية، وقد اعترف ميشيل دبري رئيس الحكومة نفسه بوجود هذه الأزمة، وذلك حينما أشار في خطاب له –ألقاه منذ ثلاثة أسابيع في المعرض التاسع والعشرين – إلى ديون فرنسا وقروضها والصعوبات المالية التي تعانيها، وقد أعلن صراحة بان الجزائر توجد في أساس هذه الأوضاع المالية السيئة إذ انه أكد في خطابه بأنه "ليس ثمة من شك في أن القضية الجزائرية تثقل كاهل فرنسا بأعباء مالية باهظة" ليس من سبيل بالطبع- إلى مواجهتها إلا بالقروض المتتابعة والتدابير الجبائية والتقشفية التي لا يتحمل أوزارها إلا ذوو الدخل المحدود من جماهير الشعب الفرنسي.
ومن جانب آخر فقد كان تقرير المجلس الاقتصادي الذي قدمه السيد "مالتير" آية على وجود هذه الأزمة وتأكيدا لاستفحالها واز مائها، فقد اعترف التقرير الذي تم وضعه في الأسابيع الأخيرة بانخفاض مستوى التوسع في الصناعات الكيماوية وتعقد الأزمة في الصناعات الميكانيكية واستحكام المصاعب في المصانع البحرية واشتداد الركود في معامل التجهيز الفلاحي وفي قطاع النشاط البنائي وفي غير ذلك من ألوان الحياة الاقتصادية بمجموع القطر الفرنسي.
ولم يعرب عن بال أعضاء المجلس الاقتصادي أن يؤكدوا في مقرراتهم – على العلاقة الموجودة بين هذه الإرهاصات من التدهور الصناعي وبين انخفاض مستوى العيش عند الجماهير الأمر الذي قد تصبح له – كما يؤكده التقرير- آثار سيئة- من حيث الوجهة السيكولوجية- على مختلف الكتل الشعبية بفرنسا.
على أن إمكانيات البترول الجزائري لا تزال-مع ذلك- تزيح في أذهان المسؤولين الفرنسيين –نظريا- ثقل هذه الحقائق القاسية التي هي –في كثير من جوانبها- آتية من الصراع الحالي وهذا يبدو انه متركز في ذهنية الاستعماريين الذين يسيطرون على أزمة الحكم في الجزائر والذين يخالون أن هذا الإنهاء ممكن عن طريق الأساليب التحكمية المطلقة.
وقد أسرف الغلاة بالفعل في الاعتماد على هذه الأساليب المروعة داخل الجزائر فكان من ذلك تلك المشاهد الرهيبة التي تمثل على الأراضي الجزائرية والتي لا يزال الرأي العام يضج من هولها وخطورتها بشكل متزايد ومتواصل.
وقد كان مؤتمر جمعية الحفاظ على المؤسسات القضائية والحريات الفردية مناسبة هامة لشجب انعدام المشروعية الذي تتميز به الأوضاع داخل البلد الشهيد، فقد أعلن المؤتمر بالإجماع في المقررات الختامية أن الجمعية "تلاحظ – بكل امتعاض استمرار النيل من الحريات الفردية في كثير من المناسبات، كما أنها تستنكر ما يتم في الجزائر من لجوء إلى أقمع أساليب القمع .. تلك تتجسم في أشكال من التعذيب الجسدي أو الحجز الإجباري أو غير ذلك من ألوان التنكيل غير الإنساني...
ولقد كان من المفروض أن ينعقد في باريس مؤتمر مضاد للتعذيب في الجزائر (18 مارس) تحت إشراف جمعية الحفاظ على حقوق الإنسان وجمعية الدفاع عن الحريات والسلام، إلا أنه لم يتم السماح بتأمين من جانب السلطات الأمر الذي أفضى إلى اشتباكات دامية بين جهاز الأمن وأعضاء المؤتمر.
على أن هذه المواقف المتخذة لم يكن من شأنها –بالرغم من ذلك- أن تساعد على إقرار حالات من المشروعية في الوسائل المستغلة في حرب الجزائر إذ أن ازدواجية السلطة التي أضحت تميز كثيرا من جوانب الوضع في فرنسا والجزائر لم يعد معها ممكنا –كما تؤكده كثير من الصحف الفرنسية- اقرارية نسبة الانسجام بين العناصر المختلفة التي تهيمن على مصائر السياسة الفرنسية.
وفيما تسير الأحوال بفرنسا على هذا النحو المثير وبينما تزداد خطورة التنكيل التوسعي في الجزائر شراسة وضراوة تتأكد باستمرار إرادة الجماهير الجزائرية في التحرر والانعتاق وتصميمها على الذهاب في ذلك إلى ابعد الحدود الممكنة، وقد كانت الانتخابات البلدية مناسبة هامة امكن فيها للتوسعيين أن يتأكدوا من قوة هذه الإرادة ومن صلابتها ومتانتها وتزايد قدرتها على الثبات والصمود.
لقد كان الهدف – بالطبع- من إجراء الانتخابات هو منح الوضع الناشئ في الجزائر محتوى ديموقراطي قار ومشروع، وقد جهدوا لذلك في البحث عن الإطار الجزائري الذي يمكنهم من تزييف الإرادة الجزائرية وإعطائها مفهومها المزيف المعكوس.
وقد توسلت السلطات لكل ذلك بمركب من الأساليب التثبيطية والاغرائية والقسرية من كل صنف ولكن تركز الإرادة الجزائرية وصلابتها لم يتح لهذه السلطات أي لون من ألوان التقدم في هذا المجال.
وقد كان من اليومية الباريزية "لوموند" أن اعترفت في التاسع من الشهر الموالي ببعض جوانب هذه الحقيقة الجزائرية الرائعة وذلك حينما أشارت إلى أن "تهيئ" الانتخابات ليس من السهولة بأي مكان، فالعثور على مرشحين مسلمين بالأخص لا يبدو انه سهل ميسور، ومما ضاعف من تعقد الوضع ما يقوم به الضباط الفرنسيون من تدخلات رعناء لإقرار بعض القوائم الانتخابية ... ويلوح انه من النادر الحصول على مساهمة شخصيات ذات نظام محلي .. فقد تم بالفعل بذل كثير من المساعي لحمل الروائي الجزائري مولود فرعون مثلا على المشاركة في الحملة الانتخابية ولكنه مع ذلك لم يكن في وسعة إلا أن يقابل تلك الالحاحات بالرفض التام المطلق.
وقد تحدث الجنرال "فور" الحاكم العسكري والمدني لمنطقة القبائل، وذلك في مقابلة مع مراسل وكالة (الاسوسيبيتيد بريس) فاعترف صراحة بأنه لا يتوفر في منطقة مسؤوليته على مرشح واحد للانتخابات بل انه عدا ذلك إلى حد التأكيد بأن سلطة جيش التحرير في الناحية تفوق في فعاليتها وسريانها سيطرة الجهاز المدني والعسكري الذي يوجد على رأسه.
وبينما تتطور الأوضاع في قلب الجزائر على هذا المنوال توالي الحكومة الجزائرية بذل ألوان من النشاط السياسي والديبلوماسي على نطاق واسع، وقد حققت بالفعل –خلال الشهر الماضي- كثيرا من الخطوات الهامة في هذا المجال.
وقد كان من ابرز هذه الخطوات الرحلة التي قام بها السيد فرحات عباس في أوائل الشهر الماضي وزار فيها كلا من الهند وباكستان.
وعلى الرغم من أن هذه الرحلة لم تستطع أن تمكن الحكومتين الأسيويتين من الاقتناع بضرورة الاعتراف العاجل بالحكومة الجزائرية فإنها – مع ذلك كانت أساسا لتوطيد كثير من الصلات النيرة بين الرئيس الجزائري والمحافل الحكومية والأوساط الشعبية بالقطرين، هذا بالإضافة إلى ما تم خلالها من تعريف الجماهير الأسيوية بحقائق المأساة الجزائرية وما يكتنفها من ظروف وملابسات.
ويعتزم الرئيس الجزائري –بعد نهاية رحلته في أواسط آسيا – القيام بسلسلة من الاتصالات الرسمية بكثير من المسؤولين في الأقطار العربية المختلفة، هذا في الوقت الذي تستقبل فيه حكومة فيتنام الشمالية وفدا جزائريا رسميا سلف له أن قام بزيارة ناجحة للصين الشعبية.
وهكذا تسير القضية الجزائرية قدما في مجال التطور والتقدم سواء على الصعيد الوطني أو ضمن النطاق الدولي.
اما بالنسبة لفرنسا فهي –كما يبدو- لا تزال تتأرجح بين الحكم الذاتي المزدوج وبين الإدماج التام المطلق..
الوضع العسـكـري:
كان من الطبيعي أن يتضاعف باستمرار قلق الاستعماريين من مثانة الوحدة التي تصل بين القوات الحية للشعب الجزائري، ولم يكن من سير الوقائع إلا إن يؤكد تزايد هذه الوحدة واستعصائها على جميع البوادر المضادة وقوتها وتدمير كافة الخطط التوسعية الهادفة إلى تجميد القضية الجزائرية.
وعلى ضوء هذه الاعتبارات يمكننا أن نجد التبرير الكامل لما بدأ على التوسعيين من كلف متهوس بالنيل من تضامن الشعب الجزائري وذلك باصطناع أسباب الشقاق الموهوم داخل الحكومة الجزائرية من جهة وفي قلب جيش التحرير الوطني من جهة ثانية، ومن هنا يمكننا أيضا أن نجد الأصول الحقيقية لما أحاط قصص البطل الخالد "عميروش" والكومندان "عز الدين" و "علي الحنبلي" من ظروف نفسانية مصطنعة اما قصة الأول فقصة بطل قومي كبير استطاع أن يؤدي واجبه كاملا نحو بلاده ثم سقط صريع ذلك الواجب.
وقصة الثاني البطولة النفسية الرفيعة التي ترتفع فوق مستوى الإغراءات ودواعي الضعف والانحلال. اما قصة الثالث فقصة نموذجية لما يصيب بعض النفوس الصغيرة من خور وهوان يتناسبان مع استعدادها الطبيعي الحتمي.
تلك قصص ثلاث متفاوتة الأهمية والمضمون ولكنها تلتقي جميعها عند نقطة الحرب المستعر أوارها في الجزائر، وهي بهذا الاعتبار جزء من الملحمة الكبرى التي يخوضها الشعب العربي الجزائري، من اجل الحرية والعزة والكرامة إلا أنها –مع ذلك- ليست البداية أو النهاية لهذه الملحمة الخالدة كما راق للقيادة الفرنسية أن تعتقده وان تشيعه على الناس بهذه الصورة الواسعة.
ولم يكن الهدف من ترويج الفكرة –على ما يبدو- الحصول على نتائج عسكرية مباشرة، ولكنه كان يتركز حول الرغبة في التوصل إلى تأثيرات سيكولوجية تؤدي بصورة حتمية إلى النتائج العسكرية المنشودة وذلك بالطبع عن طريق شيوع مفترض لروح الهزيمة المعنوية (قصة البطل عميروش) وتركز روح الرغبة في السلام غير المشروط (قضية علي الحنبلي) ونشوء روح الخلافات الاتجاهية داخل القيادة العسكرية الوطنية (قضية الكومندان عز الدين).
غير أن تطور الإحداث –فيما بعد- لم يكن من أمره إلا أن يؤكد تفاهة هذه التخطيطات السيكولوجية الفرنسية بصورة محسوسة، وذلك حينما وضحت سلبية النتائج التي كان يفترض لها سواء على الصعيد السياسي أو العسكري، فقد أمكن للقيادة الفرنسية أن تتأكد –بعد قضية الحنبلي- أن العسكريين الوطنيين مصرون أكثر مما مضى على استهجان الحلول الجزئية وان روحهم المعنوية هي على أعلى نسبة من النبالة والسمو الارتفاع، ومما له دلالة في هذا الصدد ما أوردته بعض اليوميات الفرنسية نقلا عن صحافة الشرق الأوسط من أن رسالة قد تكون وردت إلى القاهرة مؤكدة آراء العسكريين الوطنيين في حل مشكلة الجزائر، وذلك الحل الذي يجب أن يرتكز- كما تشير إليه الرسالة- على اشتراط مبدأ الاستقلال والاعتراف به من جانب فرنسا كمقدمة لكل مبادرة للكف عن إطلاق النار في البلاد.
هذا وقد أضحى من المؤكد للقيادة الفرنسية- انه ليس من الميسور استدراج القادة العسكريين الوطنيين إلى طريق التنكر للمثالية الأساسية التي  يناضلون من اجلها (تصريحات الكومندان عز الدين) هذا بالإضافة إلى ما اتضح أخيرا من سلبية النتائج الانهزامية التي كانت تتوقع من استشهاد البطل عميروش، وذلك بعد أن غدا جليا أن هذا الاستشهاد لم تكن له آثار أساسية على سير العمليات الجهادية في المناطق الشرقية الجزائرية وخاصة منطقة القبائل الكبرى موطن قيادة الزعيم الراحل، فقد تطور على العكس سير الوقائع العسكرية في غضون الأسابيع الأخيرة تطورا هاما وجوهريا الأمر الذي حشدا بالجنرال "لافو" رئيس أركان الحربية الفرنسية إلى الذهاب للجزائر لدراسة الحالة الدقيقة واتخاذ الإجراءات الضرورية لمواجهتها بعد أن تأزمت كثيرا.
ومضمون البلاغ الحربي الصادر في أوائل أبريل عن المراجع الجزائرية هو من بين الأمثلة على هذا التأزم الذي بلغ شأوا كبيرا، فقد أعلن هذا البلاغ أن محصول العمليات الجهادية في مدى الفترة المتراوحة بين 7 إلى 11 أبريل بلغ 172 قتيلا من الجنود الفرنسيين بالإضافة إلى كثير من الخسائر المادية الهامة، كما أن القيادة الفرنسية نفسها لم يكن في مستطاعها إلا أن تعترف بكثير من الضربان العسكرية التي كالتها القوات الجزائرية للجيش الفرنسي في كثير من ميادين العراك.
على أن العمليات الحربية –مع ذلك- لم تكن خلال الأسابيع الأربعة الماضية ذات أهداف عسكرية خالصة فقط، بل كانت ترمي كذلك إلى الغايات الأخرى ذات الأساس المدني والتنظيمي وعلى ضوء هذا الملحظ يمكننا أن نجزئ الأعمال العسكرية التي تميز بها الشهر الماضي إلى ثلاث فصائل أساسية:
عمليات ذات أهداف عسكرية صرفة (الحركات) المضادة لتنقلات القوات الفرنسية وتخطيطاتها الستراتيجية).
عمليات ذات غايات اقتصادية بحتة (الحركات الاتلافية التي تستهدف عرقلة التقدم الاقتصادي داخل النظام الاستعماري الحالي).
عمليات أغراض سياسية خالصة (الحركات المتصلة بعرقلة التنظيمات الانتخابية المزيفة).
وقد كان الكثير من هذه العمليات ذا فعالية باهرة، ومن آيات ذلك ما اخذ يبدو على الأوساط الزراعية الاستعمارية من تدمر بالغ أمام خطورة الوضع العسكري في مجموع البلاد، وقد عقدت أربعة من الجمعيات الزراعية الجهوية اجتماعا طالب فيه أعضاؤها المزيد من الحماية مهددين برفض الاستجابة للأوامر الحكومية إذا لم تتم ترضيتهم في ذلك.
لقد كان المفروض أن يكون استمرار هذه الأوضاع الحربية القاسية وتطورها الخطير أساسا لإقناع المسؤولين الفرنسيين بأن الأساس العسكري لحل المشكلة الجزائرية ليس له –عمليا- أي مفهوم وان هناك من العوامل الجديد ما يجيز الاعتقاد بأن الاستناد إلى هذا الأساس سوف لا يتمخض إلا عن احتمالات عسكرية أكثر اتساعا في نطاقها مما يتمثل حاليا في ميادين العراك الحاضر.
فهل آن للمسؤولين الفرنسيين أن يولوا هذه الاعتبارات ما تستحقه من تقدير؟ ذلك ما نرجوه
آراء أجنبية:
برنار لافيرن:
ليس هناك من ريب في أن الحكومة –إذا أصرت على متابعة سياستها المتعنتة- فسيكون مفهوم ذلك استمرار الحرب في الجزائر إلى غير نهاية، والإغضاء عن هذه الحقيقة شيء غير معقول.
ذلك أن الجيش الفرنسي الذي يتحمل عبء إقرار السلام في الجزائر ليس – في الواقع- إلا شبيه ذلك البئيس الذي حكم عليه أن يرفع دائما فوق قمة  جبل صخرة كبيرة لا يقوى على حملها. ومن المثير أنهم يتناسون حقيقة الأعمال التي يرتكبونها من أجل القيام بهذه المهمة فيسمون الإجبار تآخيا والعنف سلاما.
إن سياسة الإدماج التي يباهون بها ليست إلا امتدادا للسياسات الإلحاقية السابقة التي لم يكن مصيرها دائما إلا الإخفاق الكامل، ومن الغريب أنهم يستندون في خططهم هذه على مظاهر هزيلة مثل تظاهر الآنسة "سيدكارا" بالسفور وتبنيها للزي الأوروبي وتسميتها كاتبة للدولة في الحكومة الفرنسية الحالية، إن الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع أن هذا ليس هو السبيل الطبيعي لحل المشكلة الجزائرية.
جوزيف بيران: لا تزال المعضلة الجزائرية المعضلة الرئيسية لفرنسا، ولكنه ليس في المستطاع القيام بأية خطوة لحلها إلا إذا وقع إقرار السلطة الفرنسية ضد غلاة الجزائر الذين هم ممثلون أحسن تمثيل في الحكومة والبرلمان على السواء.
انه من الواضح أن التظاهرات "الفوروم" "الرائعة" ونتائج تصويت سبتمبر "الباهرة" لم تساعد في شيء القادة العسكريين على إحراز النجاح في صراعهم مع الثوار الوطنيين لقد استباح ماريشال فرنسي لنفسه أ يؤكد أن الحرب قد قاربت فعليا نهايتها ولكن ذلك لم يكن له أي تأثير على تطور المعارك التي لا تزال تدور بشدة وضراوة.
وقد أمكن لناطق رسمي أن يتحدث بدوره عن "ربع ساعة أخير" إلا أن ذلك لم يساهم في تعديل الموقف بأية صورة من الصور.
وهكذا سيضطرون اليوم أو غدا إلى المطالبة –مرة أخرى- بالمزيد من الاعتمادات المالية والنجدات العسكرية الإضافية. ولكي ندرك مدى ما تتحمله البلاد في هذا السبيل علينا أن نتأمل الأرقام الآتية: لقد تجاوزت ميزانية النفقات 6000 مليار أي ثلث الموارد الوطنية العامة كما أن هناك أكثر من 200 مليار من الفرنكات تتدرج ضمن الزيادات الجبائية التي يمس ثلثاها الاستهلاك العام.
وتلك نتائج الحرب الجزائرية.
أحد أعضاء الاتحاد الديموقراطي الاشتراكي للمقاومة: إنني اعتقد أنه في الإمكان أن يتصل الجنرال دوكول بهؤلاء الذين يواجهوننا في الميدان وكذلك الممثلين الأكفاء لجبهة التحرير الوطني.
أما الغلاة والنواب الجزائريين فليس أمامهم –في مثل هذه الحالة- إلا أن  يسلموا بالواقع ثم ينسحبون.
إن دوكول يريد أن ينتهز الفرصة العانة فهو يترك الأسابيع والشهور تنقضي دون أن يلجأ إلى السبيل الوحيد الذي لا يمكن بواسطته تحقيق سلام مرض ومشرف، ذلك أن الحرب لا يجوز أن تستمر إلى غير ما نهاية، ومفهوم هذا أننا سنجبر يوما على الرضوخ للتفاوض وحينذاك يجوز إلا أن تكون الظروف بالغة الخطورة.

   (1) يعني بذلك المراحل الأولى للاستقلال التونسي والمغربي
   (2) من أمثلة ذلك: اقتراحات: بيرنار لافيرن و "جوزيف بيران".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here