islamaumaroc

من أجل الراية

  دعوة الحق

153 العدد

كان اليوم يوم عيد الثورة الفرنسية ، عيد الحرية و العدالة ، و المساواة .
و الفرنسيون ، حينما كانوا ، يحتفلون بهذا العيد احتفالا فاخرا صاخبا ، و الاحتفال يكون اكثر بهجة و صخبا و روعة عندما يكونون مقيمين في المستعمرات ، خصوصا اذا كان ( الاهالي) على درجة من الوعي و الوطنية ، ومتصفين بالعزة و العناد .
لقد عرضوا اللافتات مكتوبة بخط فرنسي انيق ، فيها تمجيدات للوطن الام ، و اشادة بمبادئ الثورة الفرنسية ، كما ركز العمال اعمدة عالية  و اثبتوا عليها الرايات الفرنسية الطويلة ، طرفها اشبه ما يكون بذيل سمكة ، و علقوا على الجدران حاملات الرايات ، ومن المعتاد ان تحمل هذه الخشبة ثلاث رايات ، رايتان فرنسيتان عن اليمين و عن اليسلر ، و في الوسط راية مغربية واحدة ، رمز الى انها محمية و غير متفردة .
     ومتى ما مر يوم الاحتفال فان الصباح يطلع على الازقة ، بالاحياء الاوربية ، وهي مليئة ببقايا الاشياء الممتعة ، التي استطابها المحتفلون طيلة نهار و ليل يوم الاحتفال : اوراق ملونة و علب سجائر فارغة ، و قنينات رماها المعربدون ، بعدما افرغوا  محتوياتها في بطونهم ، ثم بقايا اشياء و اشياء ... و تنشيط القطط و الكلاب في تلك الصبيحة ، فتقوم بطواف واسع النطاق ، عبر الازقة ، تتشمم فيه كل  ما هو ملقى على الارض ، فتزدرد ما يروق لها و تتخطى البافي .
 الا ان صباح يوم 15 يوليوز سنة 1954 لم يكن مثل الاصباح الاخرى ، اذ لا اثر للاشياء الجميلة ، و انما ركام اخشاب محروقة ، وكراسي محطمة و زجاج مكسر ، ورماد اشياء كثيرة تبقت من بعد الاحراق ... فلكان طائرة مهاجمة مرت من هنا و افرغت ذخيرتها الجهنمية ، ترى، ماذا جرى ؟
          الواقع ان جروح المغاربة  ـ بعد حوادث 20 غشت من النة الماضية ما تزال دامية ، وهي اعمق و اشد الما عند الاحرار الواعين ... لقد هالهم ان هؤلاء الفرنسيين ، اخذوا يمعنون في اظهار معالم الابتهاج و السرور . بمناسبة كل عيد وطني او ديني يخصهم ، و يبيحون للسفلة من الجنود ان يمروا بالازقة و الشوارع المغربية معربدين ، يغنون و يهتفون و يعاكسون كل شابة او فتاة ، و يتحدون كل شاب او فتى ...
     و لذلك انسل احد الشبان الفدائيين ، و لا يعرف احد كيف انسل ، ووضع قنبلة زمنية داخل المقهى ،مقهى ( مرس السلطان ) الفاخرة ، العامرة في جميع انحائها بالمحتفلين و المحتفلات ، لقد وضع قنبلته و مضى ، و ترك من بعد ذهابه بقليل انفجارا هائلا اسفر عن ساقطين و ساقطات، من جرح او موت !
         هاج الفرنسيون و فقدوا كل سيطرة لهم على انفسهم ، و نظموا للفور عصابات للهجوم ، و ساروا توا الى اقرب حي يعمره المغاربة ، الى طريق ( مديونة ) ، للشارع التجاري المغربي الكبير ، و شرعوا في تحطيم الابواب الخشبية و الابواب الحديدية شر تحطيم ، و دخل الاقوياء من المهاجمين الى داخل المتاجر و اخرجوا اليضائع الى الخارج و اشعلوا فيها النار ، و الاثقال من الرزم و اللفائف و اشعلوا فيها النار حيق هي ، و بذلك اظلم الجو  من كثرة الدخان ، و تراءى اللهيب من بعيد مستعرا ، و تهددت المدينة بحريق عظيم يذهب بعمرانها كله .
         وعمل منظر اللهيب الاحمر عمله في النفوس فاشتد الهيجان و تعاظم الضجيج ، وتوثرت الاعصاب  وذهب من الاشخاص الحاضرين كل ما هو معتاد فيهم من اتران و تعقل ، و تبارى النساء و الرجال في ميدان الغوغائية و الهيجان ...
     لم يكتفوا بالبضائع احاراقا و اتلافا ، و انما تقدموا الى من صادفوا امامهم من العاملات السا خرات و العمال المسخرين ، ومن الطفلات الصغيرات و الاطفال الصغار المتشردين ، وجروهم الى اللهيب المستعر ورموا بهم فيه ...
     منظر يبعث على الالم الممزق للقلوب ، ان ترى الجثث البشرية وهي تحترق ، بوجوهها المشوهة و اطرافها البثورة ، ان يسمع للبطون وهي تتفق من شدة الاحتراق ، و ان يفوح دخان الشواء ،من جراء احتراق اللحوم و الشحوم البشرية ... انه  لهول ما بعده من هول .
      ومر اليوم بشروره العظمى ، و طلع صباح اليوم الثاني كثيبا ، اثقل الهم في الصدور ... ومع ذلك لفت نظر المارة و ونظر الواقفين و الواقفات بالشرفات خروج سيارة امريكية الصنع ، فخمة ناذرة في شكلها و لونها و سارت خيلاء و تيه ، لكانها تشعر بانها فريدة وممتازة بين ما يمر بها من السيارات في هذا الشارع الكبير شارع الماريشال. اما الراكبان فهما جديران الترفع و التعالي بسبب وجودهما في هذه السيارة اولا ، و بسبب ثان هو انهما كانا بالامس بطلي المظاهرة ... لقد تزعما عمليات احراق المتاجر ، مع تقتيل ما تيسر من المواطنين المغاربة و تشويه اطرافهم ... وكانت منهما المبادرة الى نزع الرايات المغربية من الحاملات ، ورميها عرض الطريق و دوسها  بالاقدام ... ان من الحق ان تسير الطبول و الابواق من ورائهما و يهتف لهما كما يهتف للابطال الفاتحين .
       الا ان المفاجاة جاءت بعكس هذا ، فمجرد ما ابتعدت السيارة بضع مئات من الامتار انفجرت انفجارا مريعا هائلا ، فترددت اصداؤه في اطراف المدينة الجبارة ...
     ورؤي اللهيب وهو يتصاعد عاليا الى السماء ، تغذيه دفقات البنزين المخزون في السيارة و اغشية السيارة اللدينية و اجزاؤها المصنوعة من المطاط ، كما ان جثتي الضحيتين زادنا اللهيب تسعرا لما تراكم فيهما من الشحم ...
      و في عزلة عن الجموع التي تسابقت الى مكان الحادث المريع اختلى رجلان من جنسية سويسرية احدهما سكن البيضاء منذ اربعين سنة ، و الثاني جاءها منذ عشر سنوات ، و لم يبخل الشيخ الخبير يطبيعة الحال ـ على زميله بكل المعلومات عن ( مدام لوزكا ) و ( مسيو بيير ) . وقال :
 
      كان مسيو بيير وزوجنه السابقة مدام بيير يعيشان بقريتهما ( توفى) / وهذه القرية شحيحة في ارزاقها ، كئيبة في طبيعتها تغطيها الثلوج شهورا طويلة من السنة ، و لا تتوفر الا القليل من البيوت و السكان ، و لذلك كان مدخولههما من المقهى التي يسيرانها بسيطا لا يسد كل الحاجيات، ومع ذلك كانا يتوفران على طيبوبة اصيلة ، جعلت الكثير من  اهل القرية يشجعونهما بين الحين و الاخر بتعاطي كؤوس من الشراب ، او بتناول عشاء خفيف بمطعمهما الصغير ، لقد كان ذلك منهم مجرد تشجيع .
        يوما من ايام الصيف ، دخل عليهما احد ابناء القرية المغتربين ، دخل في غاية القوة و النشاط و الرفاهية ، و تناول عندهما عشاءه ، متلذذا مغتبطا ـ ودفع لهما ـ في الاخير ـ بدل الاجر المطلوب اجرين ، و خلال تناوله الطعام ـ و كالمعتاد ـ حدثهما عن ( الماروك ) ، الماروك بلاد الشمس الساطعة في اكثر شهور السنة ، و الذي لا تعرف اكثر مدنه شيئا يسمى الثلج ، و الذي ترخص فيه الاسعار الى درجة خيالية ، و الذي يصير الرجال فيه ـ اذا لم يتقيدوا بنظام الحمية ـ ثيرانا من ثيران المصارعة ... وزاد في تلطفه فعرض عليهما عدة صور شمسية لمدن الدار البيضاء و الرباط ومراشك ومكناس ووجدة و اكدير...
      وبسط ـ زيادة في التوضيح ـ خريطة البلاد ، وتناول قلم الرصاص و اخذ يحدد المواقع . الامر الذي ملك به كامل اعجابهما . و لم ينس ان يثني الثناء العاطر على افراد الجالية الفرنسية ومن احتمى بحماها ، ذاكرا انهم جادون و رابحون  ، و يعيشون متعاطفين متوادين ، ممارسين لطقوسهم الدينية بكامل الاطمئنان و الحرية ... و اكدت عليه السيدة بيير في مسالة الحرية الدينية على الخصوص فطمأنها تمام الطمأنة على حرية بني قومها الدينية ... غادرهما الرجل و تركهما في حالة من التفكير العميق مقارنين بين حالتهما ، هما التعيسان ، و بين احوال أولئك الجريئين الذين جسروا ففازوا...
       وتقدم مسيو بيير خطوة نحو زوجنه و يداه على  على خاصرته ووقف امامها عملاقا ، فسد عليها كل المنافذ ، و استطاع ان يملي عليها ارادته بان يسافر الى المغرب في اقرب فرصة، و ان يستعدا الى ذلك بكامل العزم و القوة ، و لو ادى بهما الامر الى التضحية بكل عزيز وغال ...

وزاد السويسي الشيخ يقول :
     ـ اظن ان وصولهما كان عام سنة 1935 ، بل اني متاكد من ذلك ، و بمجرد ما فارقنا الباخرة ووطئت اقدامهما ارض المغرب لاول مرة شعرا بانتعاش عظيم ، يمازجه شيء من الاضطراب من المجهول الذي هما مقدمان عليه ، و راعهما اول ما راعهما الشمس الدافئة . الشمس الدافئة كأجمل ما يكون الدفء ثم النسائم  الرخية التي تهب ، و تلامس رؤؤس النخل المتراص على طول الشارع ، فيميل بعضه على بعض و يتغمر في الرقص ،، وتحت إقدامه الزهيرات اللطيفة من مختلف الأشكال و الالوان ترنو الى اعلى معجبة جذلى .. ومن بين اخلاط الناس ميزو بني قومهم ببزاتهم الانيقة و صحتهم الوافرة و نشاطهم الحاد و سيطرتهم الظاهرة على كل شيء ... ومن العجيب ان ابناء عمومتهم لم بكونوا مرتدين حينذاك سوى الاقمصة القطنية البيضاء الناصعة بنصف اكمام ، وترف على صدورهم اربطة العنق البراقة ، اما النساء ففي اناقة اشد ، فشعورهم مقصوصة عند الرقبة بعناية في جاذبية تخطف الابصار !
       وكانما كانا على موعد مع السيدة لوزكا ، فقد تقدمت تستقبلهم بحرارة كبيرة مبالغ فيها و ترحب بهم باسم ( النزل الفرنسي للمغتربين ) الذي تسيره هي نفيها و تنفق عليه هيئة التعمير و الهجرة ... كانت مدام لوزكت غير متحفظة في الترحيب و تكرار عباراته ، وكادت تخص الرجل باكثر هذه العبارات . وظلت تدور حوله وتتلطف معه ، و تجتهد في ان تنفرد به . بشكل اثار عجبا و شيئا من اشئمزاز مدام بيير ، و لكن المستقبلة احست بهذا التضايق فابت الا ان تضفي على الجو شيئا من المرح بقولها :
       ان هذه الجنة الضاحكة التي اخرجناها للوجود ترحب بكم ، و لكن حراسها الامناء يرحبون بكم من لصوصها الادنياء ، و احترس يا سيدي على محفظتك و لو كانت في جيبك الداخلي ، و تيقظي من اجل خواتمك و لو كانت على اصابعك ، و على المراة الجميلة ان تحرس نفسها من الخطف ، ان هؤلاء الاهالي ذو جراة و خبث فتمسكوا بمبدا الاحتقار لهم في كل الاحوال ، الانسانية فيما بيننا ، و الاحتقار التام لهم ، رجالا و نساء صغارا و كبارا ... ! ما حيلتنا ايها الاعزاء ، انهم يكدرون صفونا ، و لكنهم كالنواة بالنسبة للبلحة لا تستحق الا النبذ ـ اليس كذلك سيدي سيدتي ـ ها ها ها ها...
         لكن الغريبين لم يفهما المقصود جيدا من كل هذا الكلام ، فهما لم يتعرفا على شيء او اناس يسمون ( الاهالي) ، فاكتفيا بالموافقة و الضحكة الفارغة مجاملة لها ، و لكي تبرهن لهما عما قالت ، استدعت شابين في لباس مهلهل ، و امرتهما ان يحملا الحقائب ، و ان يقفا محملين في الانتظار بعيدا عنها ، و عادت تثرثر لفترة غير قصيرة ...
وساقت ضيوفها الى النزل ، وحطت الاحمال بالحجرة رقم 13 ، وقامت بنفسها على خدمة ضيوفها بنشاط و حمية ، بحيث جندت كل منهن تحت امرتها من المغريات ، و راحت تصدر الاوامر لهن بصرامة ، ممعنة في الاحتقار ما امكنها ، مبرهنة لضيفيها ، ان هناك اناس يخضعون لها و يرهبون سطوتها ، ما دامت معيشتهم متوقفة عليها وحدها ، فلو خرجوا من عندها ، لما استطاع احد ان يستخدمهم من جديد ، نظرا لاتفاق معقود بين الاطراف المعنية من المغتربين في هذا البلد ، ذلك الاتفاق الذي يحدد ايضا الاجر الادنى لكل مستخدم او مستخدمة.
          و لم يغب عن السيدة بيير ان ذبك الموقف الذي و قفته مدام لوزكا امامهما انما القصد منه ايضا التاثير على معنويتهما ، و ايقاعهما تحت سيطرتها ، لتستطيع ان تملي عليهما الاتجاه الذي عليهما ان يسيرا فيه ابتداء من ذلك اليوم ، و اكد السيد السويسري لزميله ان هذا ذكرته له السيدة بيير نفسها عندما تعرف عليها عند باب الكاتدرائية ، سنة 1936 ، و العلاقة يومئذ بين مدام بيير ومدام لوزكا على اسوا ما يكون ...
        لقد استحوذت على السيد بيير ، و جعلته مساعدا لها بمكتب النزل ، و جعلت من السيدة بيير مراقبة عامة على الأعمال ، و بذلك حشرتها في جملة الخدم و الطباخات و اعوان السوق غير ان مدام بيير ، صبرت ، و تلقت صدمتها بشجاعة ، و تحملت ان ترى وجاها يختلي بمدام لوزكا  الساعات الطويلة ، وقد يحمل اليهما الطعام و الخمر في الحجرة المخصصة لهما ، وكثيرا ما يسمع لضحكهما صدى يقطع قلب المسكينة و يزيد في عذابها ، و عندئد لا تجد انيسا في الشابات المغربيات العاملات في النزل ، و خصوصا من بينهن شابة تدعى ( فاطمة بلانض )كما كانت تدعوها لوزكا بسخرية و احتقار ... وخارج اوقات الأعمال  كانت السيدة بيير تتفرغ الى كتبها الدينية تطالعها باستغراق طويل و استمر هذا الدور العصيب اربع سنوات كاملة لم بنفذ لها صبر فيها ... و لما اشتعلت نيران الحرب العالمية الثانية ، بادرت السيدة بيير بموافقة من زوجها ، و اثبتت اسمها في قائمة المتطوعات في الصليب الاحمر لمعالجة الجرحى و تخفيف الام المنكوبين في الواجهة الحربية ،وخلا الجو بصفة نهائية لمدام لوزكا و مسيو بيير المعفى من الجندية بسبب عيب بذراعه .
         افلت من الجندية ، و لكن وجد انطلاقا مع حبيبته بحيث كان يعاشرها جهارا و يرافقها الى المجتمعات ، حيث يتعرفون الى الشخصيات السامية في مكاتب الناحية ، و ليس يعجز لوزكا الذكية المعروفة في جميع الاوساط الاستيلاء على بعض النشاطات التجارية التي تزدهر ازدهارا عظيما رائعا خلال كل حرب ، فالحرب خير عميم للبعض بقدر ما هي شر و بلاء وفناء للبعض الاخر ، وهكذا تدفقت الاموال عليهما تدفق مياه عين ثرة ، لقد كانت ارباحهما تتحقق بالنهار و الليل وفي البر و البحر و في الداخل و الخارج وفي المباح وما ليس بمباح ، يكفي انهما تكفلا في فترة من فتراة الحرب بتجنيد الفتيات في أعراضهن مع الضباط الأمريكيين والانكليز و الكنديين الذين كانوا يمرون بالبلاد في طريقهم الى جحيم الواجهات الحامية .
        و هذه الدارة التي على مقربة منا ـ السويسري يشير الى زميله ـ وهي كما تعلم انشاها خلال تلك الحرب ، لا اظن ان لها حتى في بلادنا الخالدة سويسرة ، ان صالونها وحده استورد له بساط نادر من بلاد الفرس بما يقدر بنصف مليون فرنك ، اما الارائك و الخزائن و الموائد التي توجد بكل مكان في  المنزل فهي من صنع الايطاليين اخفوا في القصر طيلة الحرب و بقوا منهمكين في العمل دون فتور ، وخرجوا من عملهم ذلك باموال طائلة لا تتصور و كلهم الحقوا بعد الحرب بوطنهمو لهم الان فيه منشات صناعية عظيمة ، الاصل في راس مالها العظيم من مصنوعات هذا القصر النادر .
         وان تعجب يا صديقي ـ شارل ـ فاعجب لهذا القصر الفخم النادر الذي لا يعمره الا الخادمة المقتدرة ، الملقبة ب ( فاطمة بلانض) ، حقا ان جمالها نادر ، فلو رايتها تتجول في الرياض لحسبتها حورية من حور الجنان تتهادى في ديار الخلود ، هكذا كتب لها الحظ السعيد ان تعيش مطمئنة في هذا القصر ، وام تكن تلاقي الا صعوبة وحيدة ، هي اعتداء بيير عليها بالضرب عندما يكون سكرانا ، انه كان يعرف  بصداقتها مع مدام بيير الغائبة ، و لذلك كان يقوم بتلك التصرفات شفاء لما يجد نفسه من الغضب ... اما لوزكا فلقد كانت تسلقها بلسان حاد خبيث، كله شتائم و لعن و سباب ، لقد تحتمل العمى يصيب عينيها و لا تحتمل ان ترى فاطمة مسوية لشعرها او مرتبة لملابسها او معتنية بزينتها ، انها تود ان تقتلها لو رات شيئا من ذلك ، و لذلك كانت فاطمة لا تظهر امامها الا كما تريد ، اما ما عدا ذلك فالقصر كانه ملك لها ، خصوصا اذا كان الموعد مع ( ابريك ) حيث يوافيها اليه ، و يقضيان اسعد ساعات العمر في انتظار يوم الزواج الملائم ، أي بعد انكشاف غمة الوطن ، الذي يعاني النكبات الواحدة بعد الاخرى ، خصوصا هذه السنوات الاخيرة كما تعلم با شارل بعد قدوم جوان و تهديداته ، ومجيء كيوم و دسائسه ووقاحته ، انها ازمات حبس الوطنيين و النقابيين... و الضغط على الملك باصطناع المؤامرات من حوله ثم نفيه ، اشياء مؤسفة يا شارل ...
        خلال ازمات المغرب الذي ذكرت ، لعلكك لم تكن تعرف ان مدام لوزكا لقد كانت من المؤسسين لجمعية  (الوجود الفرنسي ) ، كانت تقيم الاجتماعات في بيتها ، و تستقبل الصحفيين الاجانب الذي كانوا يستدعون ـ سفرا ومقاما و أجورا ـ على نفقة الجمعية ، و سعت سعيا حثيثا حتى جرت خليلها الى الاشتراك في الجمعية ، انما كان قد المهم ـ على ما بلغني ـ بان بكتفوا منه بحمل المناشير و المطبوعات الدعائية الى كل البلدان التي يزورها ، و فعلا كان يزور كثيرا من السواحل الفرنسية الباذخة و يتصل بشهيرات الممثلات الامريكيات و الايطاليات و الفرنسيات و ينثر الأموال في أحضانهن بسخاء ، على ان يوثق العقود مع عظماء المخرجين لاستيراد اكبر الاقلام لقاعته السينمائية الشهيرة بالبيضاء .
      ولم يخف على لوزكا نفور حبيبها منها، و اتثقاله لظلها المنفر، بعدما راى النماذج الناذرة للجمال النسوي ب( نيس وموناكو و باريز وروما و امستردام و فيينا ) و غيرها ، كما شعرت بقوة شخصيته المالية بسبب الصفقات الخاصة التي اصبح بعقد باسمه وحده ... و لذلك اصبحت تعيش في ياس مرير ، و نقمة على نفسها التي لم تستطع ان تحتفظ بهذا الرجل لمدة اطول ، و قلة حنكتها بالنسبة له هو الذي استطاع ان يجذب انضر زهرات المجتمع الاوربي اليه ، و ان يكسب ثقة الصحفيين العالميين ، بحيث لا تكاد مجلة مشهورة تخلو من التحدث عنه كشخصية عالمية ديناميكية ذات مشاريع مربحة قيمة ، بينما هي لم تستطع إغراء ادنى صعلوك أجنبي بها ، رغم ما أقامت من الحفلات في قصرها ، لافراد الفرق الرياضية ، و الأجواق الموسيقية و الرقص ، لقد كان جميع الشباب في تلك التجمعات يعاملونها على اساس انها امراة وقور ذلت مبادئ متطرفة مضى و قتها ـ لا تضحك يا شارل هذا هو الواقع ـ انني بحكم علاقتي بقنصليتنا كنت اتتبع هذه الاحوال عن كثب ،
     اندري ـ يا شارل ـ كيف جاء بيير من نيس منذ يومين ؟ لقد أرسلت له خليلته برقية تستعجله القدوم لتصفية نصيبها في شركة الملاحة ، لقد اشتاقت في الواقع الى ليلة من لياليه فلم تجد بدا من وضع طعم لاصطياده ، عازمة فيما يظهر على إغرائه بين الحين و الحين بمثل هذه الصفقات، و لما تنتهي الأملاك تكون حياتها ، قد انتهت و لكن الأحوال سارت كما رايت ...
    بالأمس لما انفجرت قنبلة مقهى ( مرس السلطان ) ذلك الانفجار الهائل ، شاهدت بعيني لوزكا نفسها  تتقدم المظاهرات بحماس و عنف ، وكانت في اشد حالات عصبيتها و غضبها ، حرضت الجند على التقتيل بل أزهقت بعض الأرواح بنفسها بواسطة مسدسها ثم مسدس بيير ، وكانت تبصق على كل جثة سقطت ، وهي نفسها التي ساقت الجموع نحو طريق مديونة وأشارت بتحطيم المتاجر و إحراقها ، انما اظن ان ما وقع  بها الان جاء من تلك الفعلة النكراء ، حين امرت بعض الشباب ان يرفعوها على اكتافهم لتتمكن من نزع الرايات المغربية من بين الرايات الفرنسية ، و رميها الى الارض ودوسها و تمزيقها ، انه عمل شنيع فعلا يا شارل ، وقد كانت عواقبه ، كما رايت ، فظيعة ، ان للتطرف حدا ، هل نذهب ام أنت باق ؟!
                                                  - * -
     دخلت الشرطة و الجند الى قصر بيير ليفتشوا فوجدوا (فاطمة) منهمكة  في اشغالها كالعادة كان لم يكن قد بلغها ما وقع بالفعل ، و عرف الخبراء من هدوئها انها لم تعلم بوقوع شيء ، واكتفوا بالقاء بعض الأسئلة العابرة عليها ، و انصرفوا يبحثون بعناية لكنهم لم يتأكدوا من شيء ، فلا اثر و لا دليل يدلهم على ان هناك فاعلين ، و اذا كانوا فمن هم ؟ ومن اين دخلوا ؟ ومن اين خرجوا ؟ و قال لهم قائل انه قد يكون الامر متعلقا بقنبلة يدوية رميت من احد السطوح ، و لذلك خرج الجميع من الدار يائسين من الوصول الى نتيجة وهم بها ، و انطلقوا يبحثون في سطوح العمارات المجاورة كلها ...
        و بخروجهم تنفست فاطمة الصعداء كأعمق ما يكون التنفس ، ووضعت يدها على صدرها تبحث عن قلبها فاذا به يضرب ضربات متتابعة من الخوف و الاضطراب الشديدين على سلامة حبيبها (( ابريك )) الذي قام بهذا العمل الجريء في الصباح ومضى الى التي اعطتها له فاطمة ، و اختبأ في مستودع السيارات ، و اخرج القنبلة من جيبه ، و اعد الأسلاك وما يلزم لتعليق القنبلة بأحد أنابيب المحرك ، و بقي ينتظر إشارة فاطمة بقرب خروج منتهكي حرمة راية المغرب المقدسة .
     لقد كانت بالامس بطل من بين ستائر النافذة على  المظاهر التي قامت اثر انفجار قنبلة مقهى مرس  السلطان ، و شاهد الدور الكبير الذي لعبته لوزكا و لعبه تبعا لها بيير ، وهز مشاعره الفعل الشنيع الذي فعل بالراية ، لقد رآها تحط من عليائها ، و رآها تداس ، و رآها تمزق ، و رآها تهان ، فتقطع قلبه وكاد يرمي بنفسه من الجموع و ينتقم بالقدر الذي يستطيع ، و لكن فاطمة صبرته و أجلسته الى الارض وراحت تدر معه خطة لسحق بيير و خليلته وها هو على وشك إتمام العملية ، و في انتظار إشارة فاطمة ، طال انتظاره بعض الوقت ، و بعد ان سمع ثلاث طرقات متوالية ثم ثلاثا اخرى سريعة فلم يسعه الا ان يشعل الفتيل و ينسحب .
     هنا بعيدا تسلق شجرة تين كثيفة الأوراق، وجلس ينتظر واجفا فزعا ، خشية ان تكتشف المكيدة ، او يتأخر العدوان في ركوب السيارة ، فتنفجر القنبلة داخل السيارة و يتدمر القصر على من فيه وهناك حبيبة القلب فاطمة.
 لكن بيير خرج مستعجلا يتأبط ذراع لوكزا في الطريق الى شركة الملاحة ، ودار المحرك فترة، ثم خرجت السيارة الفخمة النادرة ، وما امن ابتعدت بضع مئات من الأمتار حتى انفجرت انفجارا مريعا هائلا ، بحيث سمع الدوري  العظيم في أنحاء المدينة كلها ، ورؤي اللهيب وهو يتصاعد عاليا في السماء ، تغذيه دفقات البنزين الغزيرة وأغشية السيارة أللدينية و القطع المطاطية الملتهبة بالاظافة الى جسدي الضحيتين اللذين تمزقا شر ممزق كان لم يكونا منذ قليل ملء الأبصار .

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here