islamaumaroc

نشأة التصوف

  دعوة الحق

العددان 147 و148

التصوف قديم
يتصور أكثر الناس في العلمي الإسلامي المعاصر أن ( التصوف) مرتبة من مراتب الايمان بالإسلام. كما أنهم يرون أن التصوف لم يكن معروفا قبل ظهور الإسلام، وعلى ذلك فليس يخطر ببالهم أن التصوف مما تعرفه الملل والعقائد التي ينتحلها غير المسلمين.
ولقد كان مثل هذا المعنى شائعا بين المسلمين حتى في القرن الثامن الهجري حيث يقول ابن خلدون في مقدمته : « التصوف من ( العلوم الشرعية) الحادثة في الملة». وبذلك نراه قد نزعه من أي أصل له خارج الإسلام. وقد شاع هذا المعنى كذلك بسوء القصد بين بعض المستشرقين الذين اعتبروا ( التصوف) من أصل إسلامي، وأنه أفضل درجات هذا الدين. ونظروا في التمييز بينه وبين الإسلام كما لو كانوا ينظرون إلى الفروع المزدهرة – وهي التصوف – ممتدة فوق الأصل الخشن الصلب – وهو الشريعة الإسلامية. غير أنهم لا يتركون التحدث بعد ذلك عن هذه الوشائج القوية التي تجمع بين التصوف والمعتقدات الأخرى غير الاسلامية. فالمستشرقان ( نيكلسون ) و( ماسينيون ) يقرران أن المتصوفة ( الاسلاميين ) أخذوا بعض نظرياتهم وطقوسهم وتعاليمهم من النصرانية، مثل لباس الصوف وحلقات الذكر، ونظرية ( الحب الالهي).
كما أخذوا من الثقافة اليونانية ( الأفلوطينية ) نظريات : الاشراق والمعرفة والحبور. ويرى ( برون ) و(جولد زيهر ) وغيرهما أن الصوفية تأثروا بالبوذية والهندية تأثرا كبيرا في مثل استعمال ( المسابح ) واقامة الأضرحة، وفي مثل نظرية ( الفناء) بل لقد تعاظم الصوفية عندهم في الاقتباس من البوذية، والتمثل بها، حتى خلعوا على بعض شخوصهم، وهو ( ابراهيم بن أدهم ) قصة بوذا نفسه، وغير ذلك كثير.
والحقيقة أن التصوف قديم حتى من اليهودية والنصرانية، وقد نشأ في العقل والعقائد بنشأة الإنسان. واذا كانت التسمية التي صاغها سكان البلاد الإسلامية لحالة ( التصوف ) تختلف عما صاغته البلاد الأخرى لهذه الحالة نفسها، فان الاشتراك في المعنى والدوافع والظواهر، تضع هذه التسميات كلها تحت عنوان واحد، هو من وجهة نظرنا عنوان ( التصوف ).

روافد التصوف :
وعندما نحاول البحث في نظائر التصوف وأشباهه عند الأمم الأخرى خلال الأزمان الغابرة والحاضرة، ندخل في سلسلة غامضة لا آخر لها من التعقيدات اللفظية، والتصورية والمذهبية، سواء في الشرق أم في الغرب، ولكننا على الدوام نجد في هذه السلسلة تلك الدوافع والمظاهر الواحدة التي تشترك فيها هذه المذاهب الصوفية كلها. والتي تجعلها قوانين علم الأحياء والطبيعيات تحت قانون الأسرة الواحدة في علم العقائد والمذاهب.
ففي تاريخ الشرق القديم والحديث نجد هذه العقائد التي أنشأها رجال خرجوا بكثير من التعاليم والتوجيهات الصوفية من أمثال ( كونفوشيوس، وبراهما وبوذا) وغيرهم، في الصين واليابان هذه الديانات القديمة المتشاكلة اللون والطريقة والوجه والأسرار مثل البوذية والكونفوشيوسية في الصين، والشنتوية في اليابان، وهي عبادة الطبيعة، والبراهيمية واليوجية في الهند، والزرادشتية والمانوية والمزدكية في فارس.
ولقد تجمع من شتى هذه العقائد مذهب غامض محوط بالأسرار الهيكلية، والأغراض الهادمة هو المذهب ( الغنوصي) الذي تولى بعض فلاسفة اليونان وهم ( بزليدس)، ( فلنتينوس) و( مرقيسون)، تجديده في الصيغ الفلسفية اللازمة لرواجه، ومزجوا فيه بين الكثير من المذاهب الفارسية والسريانية، والأفلاطونية الفيثاغورية والرواقية وبين النصرانية واليهودية. والمذهب الغنوصي هذا، وهو أشبه برواسب البحر الطامي للعقائد الغربية والشرقية، تتجه غايته الظاهرة الى محاولة ادراك المعارف العليا والتمتع بها من طريق ( الكشف ) مستخدما في ذلك كثيرا من الطلاسم والسحر، وهذا هو المحيط الوهمي الذي تصب فيه كافة روافد  التصوف.

التصوف في الغرب :
وفي تاريخ الغرب المتوسط والحديث، وهو بالطبع متأثر بتاريخ الشرق، نجد سلسلة من المذاهب الصوفية التي صبغتها ظروف الحياة الأوروبية بصيغتها، فأخرجتها على نسق الهيئات والجمعيات السرية، التي تعمل في الظاهر لتحسين أحوال الشعوب المهضومة، ثم تستتر وراء ذلك لتحقيق نزواتها المكبوتة في التدمير وبذر المخاوف والانتفاع من كل ذلك.
ونبدأ بذكر مجموعة " فرسان المعبد" التي تمخضت عنها الحروب الصليبية في أوائل القرن السادس الهجري والتي انتهى أمرها بالخروج من النصرانية إلى مبادئ وثنية سافرة، وقرر أعضاؤها أن يعيشوا من الصدقات، وقد افتضح أمر تهتكهم وكبائرهم بعد ذلك بقرن، ولقد قيل في ذلك أنه بينما كان ( الاسماعيلية ) في الشرق يجتهدون في تدمير الدولة الاسلامية بأكاذيبهم، كان ( فرسان المعبد ) في جهة الغرب يعملون على محو التعاليم النصرانية وتحقير طقوسها. ثم نشأت من جمعية المعبد هذه جمعية أخرى باسم ( الصليب الوردي ) وتوصف في تاريخها بأنها ذات نزعة ( روحية ) وغاية ( هدامة ) وكذلك جمعية ( الشعلة البافارية) التي أقامها مؤسسها ( فيسهاويت) على نظم ( الباطنية ) في المراتب السرية واخضاع كافة طبقات الشعب المتعادية لغرض واحد مجهول من وراء أغراض متعددة متناقضة.
و( الماسونية ) تلك الجمعية التي لا تزال موجودة، وهي من أشد الجمعيات تعقيدا بحسب ما أحيطت به من الأساطير، وتعتمد في نشاطها على تعاليم ( الكابالا ) وهي كلمة عبرية بمعنى ( التقاليد ) وهي عبارة عن الموروثات اليهودية التي لا يعلنها اليهود في معتقد سافر لأنها خليط من الفلسفة والتعاليم الروحية والشعوذة والسحر والايحاء الثوري وفي رأيي أن ( الماسونية ) أو( البناء الحر ) وأمثالها أشبه بالغدد المرضية التي تعمل في العالم وتسكن بحسب المؤثرات الخارجية عليها. وهي ذات افرازات تحمل دائما مادة واحدة لا تتغير، وان تغيرت ألوانها وصفاتها الظاهرة للحواس، وهي قريبة الشبه في الغرب بمذهب ( الغنوصي ) في الشرق.

هذه الجمعيات وخطرها :

ومعظم هذه الجمعيات الصوفية العتيقة التي تنبعث منها الآراء والحركات والجماعات الخفية لها هذه الخصائص ( الحربائية ) في التلون التلقائي الظاهري، مع ثبات المادة والغرض وهي بذلك تمد عصور الانحلال في أمم العالم شرقا وغربا، بأفكار وخواطر وتحركات صوفية، تشغل بال الناس طويلا، وتهد كيانهم، حتى يوافيهم عصر البعث والنشور...
لم تنته هذه المذاهب الصوفية القديمة في الغرب، بل تحدرت من مسارب القرون الوسطى حتى شغلت ساحة العصر الحديث، ودخلت في كل تلافيق الحياة الأوروبية، وكان لأدوات السرعة في نشر الأفكار والإيحاءات، وفي تطاير الناس من مكان إلى آخر أثر كبير في تحكم نزعات هذه المذاهب في أوقات قصيرة. وأصبح في استطاعتها الحصول على تأييد المجموعات الكبيرة من الناس علانية، من داخل ذلك الخفاء الذي تلوذ به، وتدبر تدابيرها فيه. واذا كنا ندع الآن هذا  الأثر الصوفي في تدعيم الجمعيات والأحزاب السياسية الكبيرة، فان في الاستطاعة تمييز موجات ذات ألوان صوفية غامرة تموج من فوق هذه الأغوار المظلمة السحيقة في بحر الحياة الأوروبية، وتتلاعب بها الرياح ذات اليمين وذات الشمال، فتتلهى بها الجماهير وهي واقفة على الشواطئ. تلك هي موجات الصوفية الأدبية والفنية، التي تحفل الصحف والكتب برسومها ورموزها، وتعاليمها السهلة الجذابة، وأمانيها المبهمة البعيدة المسكرة، من غير تكاليف باهظة، أو مجهودات فعلية. فهذه الشبكة من الصحف والكتب تؤلف مراكز عصبية لهذه المذاهب الصوفية السطحية التي يتم أثرها بالمراسلة، والرؤية، والارشاد البسيط، فتؤلف جمهورا صوفيا معقد التكوين، متعزز الحواس، مستور الأطماع، قابلا للحركة في مختلف الاتجاهات المتعارضة بحسب نوع الايحاء وقوته، وهذا هو ما يسمونه بقوة ( الرأي العام )

مسميات جديدة لحركة التصوف:

وتنحصر المذاهب الصوفية الجمهورية هذه في بعض كلمات سهلة معنصرة بعناية من بقايا المعتقدات الشرقية والفلسفات القديمة، وينتهي معظمها بالمقطع ( ايزم ) و( ايزم في  اللغة اللاثينية ) بمعنى ( يتبع ) ومن أشهر بنات ( ايزم ) هذه في الصوفية الأخلاقية ( الايدياليزم ) أي المثالية. وفي الصوفية العقلية ( الراشونالزم ) أي المعقولية، وفي  صوفية التربية ( البراجماتزم ) مثلا، وهو أحدث آرائهم لتعليم الصبيان، وفي الصوفية الجنسية ( السادزم ) وهو حالة تعذيب المرأة المعشوقة وكذلك ( النودزم ) وهو مذهب العري يزعمون به قتل الشهوة وتصحيح البدن. وفي صوفية الأدب والفن ( الناتورالزم ) وغايته الاقترات من الطبيعة كما يتصورونها، ثم ( الريالزم ) وهو في توهمهم محاولة التزام الواقع كما هو. واشهر هذه ( الايزمات ) المستحدثة في هذا العصر ( السريالزم ) وهو ذو تعريف معقد، يزعم فيه أصحابه أنه حالة الأداء المباشر لمحتويات العقل الباطن، ويفسرون بذلك مظاهر التشويه والتعقيد والخلط التي تلابس ( السيريالزميين) في رسومهم القبيحة، وكتاباتهم الرمزية.
والحقيقة التي أراها أن ( السريالزم ) ليس مستحدثا الا في التسمية، وأنه ليس مذهبا قائما بذاته، وانما هو حالة صوفية تسبق فيمن اشتد الضغط عليهم، وساء توزيع التعويض الشهري فيهم -  حالة انتظامهم في حركات سياسية منظمة للتدمير والتخريب والسيطرة.
ومسألة العقل الباطن ليست الا المجال المناسب للسريالزميين، لوضع شفرة السرياليزم موضعها من الأداء البصري أو الصوتي أو العصبي،  حتى يتبادلوا بها رسائلهم الخاصة خلال فجوات المجتمع الذي يعيشون فيه، والذي يعتقدون أنه قد تهيأ بالظلم البالغ وعدم التوازن الاقتصادي، لضرورة الانقلاب الكلي، أو للتململ والتقلب – على أقل تقدير من أحد جنبيه الى الجنب الآخر. ويلاحظ في كتابات السريالزميين نفس الانصهار الذي يلاحظ في كتابات الرهبان والأحبار القدماء. غير أن الفارق هو أن هؤلاء الرهبان السريالزميين الاحداث قد ترهبوا مكرهين في دير المصانع والآلات، والحياة السريعة الطاغية، وضاعت أصواتهم المشقوقة الخاثرة في طوفان هذا الذوي المرعد، فأمسكوا ببقايا أقلامهم في جوف الظلمات التي لعنوا بها، وهي متاهات الاقبية والسراديب الرطبة، ورسموا برؤوسها بدمائهم تمائم وطلسمات وشعوذات وتألمات الصوفية السريالزمية.
والآن فلننظر الى الزمن القديم والحديث، في الشرق والغرب، وفي الدنيا الجديدة نفسها التي فاضت فيها هذه المعتقدات في طوفان الأجناس، فسنجد حركة صوفية هائلة تشمل طرفي الأرض. وفي هذه الحركة يلوح أولئك الألوف أو الملايين من جنودها الذين ينخرطون فيها من تلقاء أنفسهم، وقد اتفقت أهوائهم، وان اختلفت أزيائهم ولهجاتهم واتجاهاتهم، فهذا ( الشوذي ) العابد الطبيعية في الشرق الأقصى، هو بعينه ( الدرويش ) الغريب الأطوار في الشرقيين الخائرين الاوسط والأدنى وهو( البوهيمي ) الأفاقي المتربص، المنطوي على أدق الأسرار، مجتازا سهول أوروبا المثلوجة، متدثرا بظلامها فمن هؤلاء الهائمين الذين لا يتلاشون، ولا يستقرون في خضم الحياة البشرية المتدفقة تنبعث آلاف الصور في السلوك الصوفي  عبر الأزمان والأمكنة، حاملة نفس الأطوار والغايات وان اختلفت الألوان والأسماء والتصورات. على أنه ثمة مكان واحد في الأرض، لم يخرج منه صوفي  قط، هو الجزيرة العربية، وإذا أمكن أن نقارن بين هذا الأعرابي المتجمع الذي تنشق عنه مفاوز الصحراء المحرقة، وبين ذلك الدرويش المتواجد الذي ترمي به ظلال الأراضي اللينة الخصيبة، أو ذلك الحكيم الصيني الوقور الذي استعاض عن ضرورة الحركة بضرورة السكون، أو ذلك الرجل البوهيمي الآخر، القوي الالتفات للذائذ الحياة المحمل بأسرار الألم والمرح، الذي يتشمم المغامرات الخفية الفوضية ليقهر بها متاعب حياته – لأمكنا أن نميز بجلاء بين طريق هذا الأعرابي البسيط المجاهد المعتدل، وبين مذاهب هؤلاء الآخرين، بتعقيداتها – وظلماتها، وكثرة توالدها، وعدم وفائها بشيء مما انساقت في الظاهر اليه.

تعريف التصوف:
التصوف العالمي تعريفه بحسب الزمان والمكان والضرورة، واذا كان التصوف في حقيقته شيئا واحدا، فان الفوارق الوحيدة بين شتى مذاهبه وطرائقه ومسالكه تنحصر في العنوان والزي، وأسماء المراتب، ومصطلحات الطريقة، ويتحدد ذلك كله بدافع كل حركة صوفية على حدة. ومن الممكن حصر هذه الخلافات جميعها مع شدة تباينها في كلمتين اثنتين جوفاوين هما " المعرفة " و"الحب" فمن المعرفة خرجت الفلسفات الذهنية واللاهوتية والميتافيزيقية التي لا آخر لها، ولا رجاء فيها.
ومن "الحب" خرجت عناوين المبادئ ( الانسانية ) العامة، ومناهج الاصلاحات والانقلابات البشرية، وطقوس التدهور الجسدي، ومبررات تحلل الفطرة في السلوك وفقدان القصد في التمتع بطيبات الحياة.
على أن هذه النظرة الشاملة للتصوف – على أنه " سلوك عالمي" لا تحده حدود الرق والمذاهب المتنوعة التي يتألف منها – لم تكل قبل اليوم من ممكنات أولئك الذين بحثوا التصوف وألقوا فيه أو أرخوا له، ذلك لأن جميع من كتبوا في التصوف قد فعلوا ذلك وهم بعض ربائبه، سواء كان ذلك بتبعيتهم لطريقة أخرى تختلف شكلا ومصدرا وتعريفا، وان كانت لا تختلف غاية وأخيلة وموضوعا. وأما أولئك الناجون الذين لم يعرفوا التصوف بحكم المكان الذي نشأوا فيه فكانوا باستكمالهم شرائط صحة الحياة منصرفين الى أداء الحياة نفسها وإلى تعريفها بأعمالها وأعبائها وثمراتها.
 وقد ظهر في أوقات قليلة أن التفت بعض دعاة الاصلاح بين المسلمين الى أن التصوف الذي تسرب الى العالم الاسلامي قد نخر بناء الاسلام الظاهر ليدخل اليه بعناصر العقلية الوثنية، مستمدا اياها من مصادرها الخارجية الكثيرة، ومهمتنا اليوم أن نتمم هذا المجهود الصادق، فالعالم المعاصر الذي استطاعت أدواته ووسائله أن تمكن للعين الأوروبية المتلصصة من الاستطلاع في خفايا تاريخنا وأحوالنا، وأسرار نهضاتنا، هو بنفسه الذي يعيننا بهذه الأدوات نحن المسلمين – على رد هذه الزيارة الاستطلاعية للشرق والغرب معا، فتحت يدنا الآن من وسائل الاطلاع على شتى حوادث التاريخ، وتموجات العقل، وتقلبات المذاهب، واصطراع الرغبات، ما يجعلنا بالمقارنة وبالتجربة نستخلص الرأي الذي نراه في قوانين السلوك والاعتقاد التي تدور عليها رحى النضال الحي في حياة الأمم التي نراها، والتي يرتبط مصير مجهودنا الحيوي بها.
ونحن نعيش مع هذه الأمم عيشة التبادل والتجارب والتعاقب، في داخل هذا الجسم البشري الواحد، الذي لا فكاك لنا من حدوده وقوانينه وارتباطاته، أو من المقدور لنا في آخرته وغايته ومستقبله.
وعندما نبدأ في تعريف هذا التصوف العالمي – لا الاسلامي فقط – نستهل النظر في حدود هذا التعريف بالنظر في حياة الانسان الأول. فآدم عندما ظهر في الأرض، وقدرت عليه الحياة بها كان انفعاله بعناصر هذه الحياة كاشفا له عن طريقه فيها، وعن استوائه في سلوكه.
وكانت علامة الاستواء عنده أن تنطبق النهاية في طريقه على البداية فيه. أي أن يبدأ على الفطرة وينتهي عندها. وبذلك تتحقق له بالموت على فطرته بداية جديدة صحيحة في عالم الآخرة الزاخر، فلا الأرض تستهلكه في هذه الرحلة باخلاده اليها، ولا السماء تستخفه بنحيره فيها بعيدا عن معترك الأرض وحقيقة الحياة، عاجزا عن استكمال نماء الحواس، وافتضاض خواتيم النعم.

حقيقة الفطرة:
 واما الفطرة في الانسان فهي الخير، وأما الخير فهو العدل، وأما العدل فهو وضع الشيء في موضعه بلا زيادة ولا نقص. ولما كان وضع الشيء في موضعه بالنسبة لكافة تصرفات الانسان هو الحالة الصحيحة الواحدة في الحياة، وما عداها من شتى الأوضاع مخالف للخير والعدل والفطرة، فان اقتدار الانسان على هذه الحالة الصحيحة يأتي في حالة واحدة نادرة من بين ما لا آخر له من الحالات الأخرى. وذلك لأن هذه الحالة الكمالية الخيرة تتطلب أقصى القوة على العقل. ولما كان العقل نتيجة عمل الحواس فان القوة عليه تتطلب تمام اليقظة والضبط فيها، حتى يتم بذلك انطباق عمل الانسان على ادراكه، وانطباق ادراكه على حاجته، وبهذا وحده يتم له العدل، أو يتم له الخير، أو تتم له الاستقامة على نهج الفطرة وسلوكها.
ويقابل هذا أن كل التصرفات  التي يعجز فيها الانسان عن وضع الشيء في موضعه، في مختلف حاجات جسمه ونفسه، وأولاه وآخرته لا تحتاج منه الى نفاذ البصر، ووضوح الهدف، وقوة التوجه.
والمجهود الايجابي الوحيد انما هو هذا الذي يتوجه به انسان يقظ الفطرة لإدراك درجة العدل في حياته. وفي هذه الحالة وحدها يكون للعقل والارادة مجالها الواسع في حياة الانسان، وعندما يحقق الانسان بعقله وارادته غرض حياته، يكون بذلك قد بلغ بالعقل لا بالتوهم منطقة الإحساس بنعم الله التي لا تحصى، وبحكمة الحياة التي تحصر، وهذا الاحساس الواقعي لا الوهمي هو وحده المؤهل الوحيد للايمان بالله، وهو الدافع المعقول الطبيعي غير المتكلف لالتزام الواجبات والحدود التي يتقيد بها المؤمن نحو الله ويتعبد بها اليه.
ولقد يتضح بذلك أن في مقابل العدل – وهو الحالة الواحدة المؤهلة للايمان الفعلي، والتحقيق الفطري – أوضاعا كثيرة لا آخر لها، يظلم الانسان فيها نفسه، أي يعجز عن وضع نفسه ومطالبها وفطرتها في الوضع المناسب لها في هذه الدنيا.
وتضيع صورة العدل في وزن الأشياء واستعمالها واستثمارها، ومثل هؤلاء الناس وهم كثرة كثيرة لا يستطيعون كذلك الانفلات من نواميس الفطرة التي نشأوا عليها، ومن الحاحها أن تردهم الى أفلاكها ومداراتها ومناهجها.
والنتيجة أنهم يتصورون حدوث ما لم يحدث من هذا العدل الواجب في حياتهم، ويتغافلون عما حدث من هذا الظلم الفعلي لأنفسهم.
وأخيرا في ضوء الحقيقة البسيطة نستطيع أن نقدم تعريف الحالات الصوفية التي تتدافع بها هذه الجموع البشرية الغفيرة المتحللة عن فطرتها، مع شدة التشوق الى هذه الفطرة، والحسرة عليها في العبارة السهلة الفاصلة الآتية:
" التصوف في مختلف حالاته هو انقطاع أسباب الوصول الى الله، ثم توهم الوصول اليه بلا وصول"

التوحيد والتصوف:
قامت رسالات الرسل على التوحيد، وكانت دعوتهم اليه بسيطة ظاهرة، استمع الناس اليها، أو اجتمعوا عليها تحت ضوء الشمس، وفي وضح النهار، بلا طقوس ولا أسرار. وكان أساس هذا التوحيد : العمل والكسب، لا التأمل والاستغراق في الفكر، والإقبال على أعباء الحياة لا الفرار منها، ولم تكن هذه الدعوة لكسب الحياة لا الفرار منها، ولم تكن هذه الدعوة لكسب الحياة مطلقة السراح بلا ضابط، فكانت توجيهات الرسل تنصب دائما على هدف واحد هو: "العدل في الحياة" أي كسب المستطاع من حقائقها بلا تقتير ولا اسراف، وهذا هو الطريق الفطري المستقيم.
والأصل في الانسان الاهتداء بفطرته الى الطريق السوي، طريق الخير والعدل، وأن امتحان الانسان في هذه الحياة يقوم على تعرضه في كل لحظة للانحراف عن هذه الطريق المستقيم، أو الى التوقف دون السير فيه. أي أن حالة التوحيد في النفس تكون دائما جوابا عمليا على ما تتصدى به الحياة للإنسان من طرق زائفة فاتنة، أو عقبات براقة تغريه بالتوقف أو الانحراف. وهذا الجواب يكون دائما بالنفي، أي أن الحياة تنفرج في مسالكها عن طريق العدل الواحد بين ألوف الألوف من طرق الظلم ومنعرجاته، فتكون معرفة النفس لطريقها الفطري في هذه المتاهات، أنها تنفي جميع الطرق الظالمة لتثبت بذلك معرفتها وإهداءها للطريق الواحد للعدل، فهي تقول مثلا : ( لا طريق للعدل من بين جميع الطرق الا هذا ) وكما تقول : ( ولا طريق ولا طريق للحق الا هذا) وكما تقول : ( لا طريق للحياة الصحيحة الا هذا ). ومن هنا نعرف أهم أسرار النفي في اثبات التوحيد في شعار الاسلام الجامع وهو : « لا اله الا الله» أي أن المسلم لا يشعر باسلامه الا حين ينفي جميع الطرق والتصرفات المؤيدة الى الآلهة الزائفة والمعبودات الوهمية، ليندفع بفطرته السليمة اليقظة الى الله الواحد الحق، الذي لا اله غيره.
وقد أشرقت دعوات التوحيد على أفق الحياة البشرية من مكان واحد هو الصحراء، فلما ظهر محمد خاتم الرسل كانت غرة رسالته هذه العبارة المشتملة على الحقيقة التوحيدية النهائية وهي : ( أشهد أن لا اله الا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله ) ثم بقيت هذه الشهادة من بعده الى اليوم، مسموعة بين ملايين المسلمين في شتى بقاع الأرض، فهل كان استمرار هذه الألفاظ في مئات الملايين من الناس دليلا على استمرار معانيها فيهم، وبقاء مسؤوليتها وأعمالها بينهم ؟ كلا ببداهة النظر.
اذن فما الذي حدث ؟ وما الذي يقوم به هؤلاء الناس من الأعمال بجوار هذه الشهادة التوحيدية التي أصبحوا وهم يقدسونها ويدورون حولها فلا يقربونها.
قطعت رسالات الرسل في حياة البشر مرحلة طويلة قبل أن تستكمل صورتها وشريعتها وغايتها في الاسلام، وقبل أن تظهر في حركة التوحيد العملية  العالمية الايجابية التي نهض بها العرب المسلمون.
وفي هذه المراحل التي ظهر فيها الرسل والأنبياء من آدم الى محمد، كانت رسالات الرسل لا تكاد تنتهي حتى تبدأ دعوات المتصوفين، فالتصوف في جميع مذاهبه خرج من الدعوات الدينية بعد انتهاء طورها العملي. وبذلك لا يمكن أن ننفي أن التوحيد الذي هو محور دعوات الرسل هو بعينه المحور الذي تدور من حوله المذاهب والنحل والمعتقدات الصوفية. ولكن الفرق هو أن رسالات الرسل تدور حول( حقيقة التوحيد ) وان مذاهب المتصوفة  ونحلهم تدور حول ( صورته ) ويبدو ذلك واضحا في المقارنة بين الدعوة التوحيدية الاسلامية في طورها العملي في عهد الرسول ومن بعده،  وبين هذه الدعوة نفسها في طورها الصوفي الذي بدأ في البلاد المفتوحة بابتداء القرن الثاني للهجرة.
ففي الطور العملي بتطبيق الشعور الصحيح بالتوحيد على أفكار وألفاظ وأعمال توحيدية صحيحة.
وفي الطور الصوفي بتطبيق الشعور الوهمي بالتوحيد على ألفاظ وأعمال لا تؤدي اليه. وهذا الفرق الهائل بين العمل بالتوحيد وعدم العمل به هو مشكلة الاعتقاد في هذه الحياة، وهو الذي يحدد بين الناس حدود الصواب، والخطأ والحق والباطل، والعدل والظلم، والايمان والوثنية.
فما لم يكن الشعور بالتوحيد شعورا صحيحا لم يكن العمل به عملا صحيحا. وهكذا تحكم أعمال الناس بجلاء على صحة شعورهم بالتوحيد أو خطئه، وعلى قوة يقينهم بالله أو قوة توهمهم له.
ونحن من ذلك نفسر هذا الاسراف في مظاهر العبادة عند المتصوفة، وتعلل كثرة اشتغالهم بالألفاظ التوحيدية، والمعاني الالهية، وذلك يقطع أيضا بأنهم يتوهمون التوحيد، ويحكم بعدم قيام حقيقته في أنفسهم، وان قامت صورها الكثيرة تتراءى لهم في أحلام فطرتهم النائمة.
وترى أن التوحيد عند المتصوفة هو الاثبات المباشر، فهم يتجهون الى الله كأنما هو في مكان معين، ويسبحون بخواطرهم نحوه كأنما سيقطعون الطريق على ظهور الخواطر والتأملات حتى يبلغوا مقامه سبحانه، وعند ذلك يحطون رحالهم ويستريحون. وهذا هو عين البعد عن الله.
فقول القائلين من المتصوفة : ( هو الله ) وانكارهم النفي في ثبات وحدانيته، يفيد الزعم بتمام معرفتهم له على وجه التحديد في الزمان والمكان، من غير عمل عادل مستمر يحدد طريق هذه المعرفة، وهذا هو أصل التجسيم، وأصل البعد، وأصل الخمول، وهذه الأصول وأمثالها بعيدة بنتائجها عن مجال التوحيد الصادق.
والاثبات في معرفة الله هو الخلاف الأول بين أهل التصوف وبين أهل التوحيد، الذين يعرفون ربهم فقط بنفي ما لا يبلغ بهم اليه.
وأما الخلاف الثاني فهو في وجود الظاهر والباطن عند أهل التصوف، ووجود الظاهر فقط عند أهل التوحيد، فالموحدون يستمدون ايمانهم مما يقع تحت حواسهم من نعم الله، وحقائق الكون، ونواميس الحياة. وهم بعد هذا الايمان يتعاملون بحواسهم الظاهرة في هذا العالم الظاهر لهم، على النهج الواحد الذي اطمأنت اليه نفوسهم. فليس التوحيد عندهم اذن غير هذا (المجال الظاهر) سواء في البرهان عليه أوفي العمل به.
وأما المتصوفة فلا يتجاوز التوحيد فيهم منطقة التفكير والتأمل والتخيل، وذلك يجري في باطن الإنسان لا في خارجه، وفي هذا العالم الخاص من الفكر الباطني يصنع المتصوف صورة اليه، ويتخيلها على هواه بلا ضابط، ولكنه بحواسه الظاهرة يعيش في عالم خارجي مع الناس، ولا يستطيع الانفصال الكلي عنه.
وهنا تضطره ضرورة التعامل في حياته الى الفصل بين عالميه، ليحتفظ بهما كليهما، ما دام غير مستطيع أن يوحد بينهما، ومن هنا كان لابد من (الرموز) في الحياة الصوفية. بينما لا نجد رمزا واحدا في حياة أهل التوحيد أوفي معقولاتهم، ولماذا يكون؟.
وأما الخلاف الثالث بين أهل التوحيد وأهل التصوف، فهو في أن الموحدين يشعرون بتوحيدهم عند الأعمال التي يقومون بها، بينما المتصوفة يعملون الأعمال غير التوحيدية، ثم يشعرون بعد ذلك بالتوحيد، فالموحد حين يعترضه المال والحق ينفعل بتوحيده الصحيح فينفي المال ويختار الحق، وكذلك يفعل حين ينفي الذل والبقاء ويختار الحرية والموت، وحين ينفي أرض الهوان والملق والخصب ويهاجر الى أرض الشظف والعز والإباء.
أما المنفعل بتصوفه فهو يقبل المال من غير وجهه ( أولا) ثم يتذكر الحق بعد ذلك ويتكلم فيه. وهو يستمسك بحياة الذل ويعض عليها أولا، ثم يبكي بعد ذلك زهدا فيها ويتمنى الموت في سبيل الله، وهو يرسب في أرض الهوان يلتقط فتات العيش خائفا من الموت والاستشهاد.
وواضح من هذا أن الكلام في التوحيد بعد الوقوع في العمل المعارض له لا يفيد شيئا سوى استمرار هذا العمل، والاسترسال في هذا الكلام. وهما نقيضان متعارضان، لا يجتمعان في غير أهل التصوف اجتماع الظاهر والباطن عندهم في وقت واحد، فيكون الظاهر هو التوحيد، والباطن هو هذا العمل غير الصالح.
وعلى ذلك فالتصوف بهذا المعنى أساسه الخوف من الحياة ومن الموت، وتعاليمه متجهة دائما الى ايجاد حالة من النسيان من طريق تركيز الذهن في التفاهات، أو احاطة الادراك بلفائف وعوائق من الأوراد والمحفوظات التي لا يعيها العقل، وانما يصنع من تكرارها على الدوام غلافا سميكا من اللاوعي والذهول يتقي به  (المريد ) مخاوف زمنه، كما تتقي القوقعة – بلا وفاء – تحت غطائها الواهي من الكلس الهش.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here