islamaumaroc

كلمة العدد

  دعوة الحق

20 العدد

لا يمكن لهذه المجلة أن تمر مغمضة العينين بظاهرتين ثقافيتين تعد كل منهما من الأهمية بمكان كبير، وقد تمت كل منهما في بحر الشهر المنصرم، وفي المغرب نفسه، في هذا البلد الذي يأخذ كل شيء من اهتمامه بقدر معين، ما عدا ما يتعلق بالثقافة، أو يتصل بها من قريب أو بعيد.
هاتان الظاهرتان الثقافيتان هما: الموسم الثقافي الذي نظمه قسم الشبيبة والرياضة التابع لوزارة التهذيب الوطني، وأسبوع (برجسون) الذي نظمته كلية الآداب والعلوم الإجتماعية التابعة للجامعة المغربية.
نعم لقد ظلت هذه المجلة وحدها منذ نشأتها تصرخ مبشرة بأن الدنيا شيئا آخر غير الخصومات السياسية، وغير الأعمال الإدارية، وغير تفاهات الحياة اليومية ورتابتها؛ شيئا آخر لا يقل أهمية عن كل ما نحتفل به ونختصم فيه، هذا الشيء إسمه الثقافة، اسمه الفكر الذي يهدي ويضيء ويرشد ويعلم ويسن القوانين، ويطرح الحلول للمشاكل في تمهل وأناة وصبر، وفي غير إرتجال، وفي بعد كل البعد عن الضوضاء والتهريج، وعن يحيى ويسقط، وعن هتف الأنصار وتهديد الخصوم.
لقد ظلت هذه المجلة وحدها تبشر بذلك منذ نحو سنتين، دون أن تبدو في الجو بارقة أمل تبشر بخير أو تدعو إلى التفاؤل. نقول هذا ونحن لا نتجاهل العمل الجليل الذي تقوم به الدولة في بناء المدارس وفتح الأقسام وتكثير عدد التلاميذ والطلبة، ولكننا لا نعني بالثقافة التي نبشر بها، الثقافة الرسمية ثقافة المناهج والبرامج والشهادات التي لا تفضي بصاحبها في الغالب إلا إلى الإرتخاء على كرسي مريح وثير في وزارة أو إدارة أو غير ذلك.
وإذا كانت هذه الثقافة التي نبشر بها وندعو إليها لا تقل شيئا في الأهمية، إن لم تفقها في أهميتها.
الثقافة التي ندعو إليها ونبشر بها هي ثقافة الفكر الحر النشيط، الطليق من القيود، الطموح الذي لا يعرف القناعة ولا يشعر بالارتواء؛ الفكر المتفاعل الذي يستوحي مادته من كل شيء؛ من الحياة ومن التأمل، ومن بطون الكتب، ومن الأحداث الصغيرة والكبيرة؛ الفكر الإيجابي الذي لا يقف بمعزل من حياة الناس، بل يتأثر بها ويؤثر فيها، يستوحيها ويوحي إليها، وهذا النوع من الثقافة لا توجد في المدرسة، وإنما توجد في الشارع والسوق والحقل والمعمل والمكتبة وقاعة المحاضرات، وفي الهواء الطلق حيث يجتمع الناس للأخذ والعطاء وتبادل الآراء والنكات والملاحظات، والكلام الفارغ أحيانا.
هذا النوع من الثقافة تمثل كل واحدة من الظاهرتين المتحدث عنهما جانبا منه، لذلك كان من واجبنا الأكيد أن نقف عندهما ولو قليلا، وأن نخصهما بكلمة قصيرة، في حين كان الواجب يقتضي أن نقف عند كل واحدة منهما كثيرا، وأن نطيل حولها الكلام، لكن اجتماعهما معا في شهر واحد، وضيق المجال المخصص لهذه الكلمة، كل ذلك لا يسمح بالوقوف الطويل أو الكلام الكثير.
الأسبوع الثقافي، أو الموسم الثقافي كما يجب أن يدعى بحق، لأنه ليس أسبوعا واحدا، بل خمسة عشر يوما تمتد من منتصف شهر ابريل المنصرم إلى الثلاثين منه؛ يمكن اخذ فكرة مجملة عنه، من هذه الإحصائيات البسيطة: لقد ألقيت خلال هذا الموسم في مختلف أنحاء المغرب 375 محاضرة وأقيمت 197 حفلة سينمائية و100 حفلة تمثيلية، و79 حفلة موسيقية، و79 معرضا للرسوم، و59 سهرة ثقافية، كما نظمت خلاله لبعض الجمعيات وهيآت الشباب 29 جولة في مختلف الإدارات لتكوين فكرة عن سير العمل بها.
واهم ما في هذه الظاهرة الثقافية الكبيرة –فيما نرى- أنها أخرجت المتعلمين والمثقفين من بيوتهم ومن الشوارع المرصوفة الجميلة التي تتخلل المدن التي يقطنونها، وألقيت بهم في أحضان البادية والصحراء ليتصلوا بمواطنيهم عن كثب، وليتحدثوا غليهم ويسمعوا منهم، وليأخذوا بأيديهم، وليحاولوا أن يفتحوا عيونهم على عوالم مجهولة لديهم، وليتناولوا معهم مواضيع في الدين، ومشاكل تتعلق بالمجتمع والاقتصاد والتعليم والقانون، والصحة وغير ذلك كثير.
وأخرى، وهي أن المرأة المغربية قامت بدور يحمد لها في هذا الموسم، فقد غادرت المدينة هي الأخرى لتتصل بأختها في البادية وتحاضرها وتتحدث غليها وترشدها فيما يتعلق بمسكنها وملبسها وعاداتها وصحة أولادها ونظافتهم وتعليمهم.
وقد قدر هذا الموسم في الحقيقة حق قدره، فنال من اهتمام صاحب الجلالة الملك سيدي محمد الخامس وولي عهده الأمير مولاي الحسن ومن الدوائر المسؤولة ما هو جدير من العناية والاهتمام. وسيجد القارئ الكريم في أول هذا العدد نص الكلمة التوجيهية التي بارك بها جلالة الملك هذا الموسم، والكلمة التي دشنه بها صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، كما يجد في نفس العدد المحاضرة التي ألقاها في الموسم معالي وزير التهذيب الوطني الأستاذ عبد الكريم بن جلون.
اما الشعب المغربي فقد برهن مرة أخرى على مدى استعداده وقابليته، وذلك بالحفاوة التي قابل بها الموسم، والتي تمثلت في إقباله على سماع المحاضرات ومناقشتها وحضور الحفلات والندوات والسهرات والمشاركة فيها بصفة إيجابية تدل على مدى وعيه وتبصره وتعطشه للمزيد.
إننا لا نملك إلا  أن نهنئ  من صميم قلوبنا وزارة التهذيب الوطني وقسم الشبيبة والرياضة التابع لها على نجاح هذا المهرجان الثقافي الكبير. وموعدنا معها في السنة المقبلة حيث نرجو أن تتسع دائرة نشاط الموسم أكثر، على أننا نرجو ألا ينقطع هذا النشاط، وألا يكون موسميا فقط، بل أن يعتمد على مدى الأيام في صورة أو في أخرى.
هذا عن الموسم الثقافي، أما أسبوع برجسون الذي نظمته كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بالجامعة المغربية من العشرين إلى السادس والعشرين ابريل المنصرم، فقد كان ذا طابع آخر يتلاءم والمكانة العلمية لصاحب الموسم (هنري برجسون) الحائز على جائزة (نوبل) للسلم، وكان تنظيم هذا الأسبوع مشاركة من الجامعة المغربية في الاحتفال العالمي الذي سيقام لهذا الفيلسوف في شهر ماي الجاري.
وإذا كانت المحاضرات العامة المبسطة يتوجه بها إلى الجماهير الكثيرة على اختلاف مستوياتها الثقافية، فإن من العبث التوجه بالمحاضرات ذات الطابع العلمي الفلسفي، لغير المستعدين لسماعها وتتبعها بمستوى ثقافي مناسب، لذلك فضل المشرفون على أسبوع (برجسون) أن تلقى جميع الكلمات بقاعة المحاضرات بكلية الآداب والعلوم الاجتماعية.
وقد شارك في هذه المحاضرات التي ألقى بعضها باللغة العربية وبعضها باللغة الفرنسية مجموعة من خيرة الأساتذة نذكر من بينهم السيدين محمد المغنى وفؤاد نجم أستاذي الفلسفة بالمعهد الثانوي المصري بالرباط، والمسيو دولاطر، والأستاذ جابرييل جيرمان من جامعة رين، والأستاذ مجيد مزيان خريج معهد الدروس العليا ..إلخ.
وقد افتتح سلسلة هذه المحاضرات عميد الجامعة المغربية الأستاذ محمد الفاسي بكلمة قيمة يجد القارئ نصها في نفس هذا العدد، ونحن نعتذر عن كوننا لم نتمكن في هذا العدد من إدراج بعض المحاضرات التي ألقيت في هذا الأسبوع، وسننشر بعضا منها في العدد المقبل إن شاء الله؛ كما نظمت للمشاركين في هذا الأسبوع حفلة استقبال بنادي الموظفين تحت الرئاسة الشرفية للأستاذ عبد العزيز بن عبد الله مدير التعليم العالي بوزارة التهذيب الوطني، وعضو لجنة الإشراف على الأسبوع إلى جانب الأستاذ عبد الكريم بن جلون والأستاذ محمد الفاسي، كما نظمت لهم أيضا حفلة استقبال أخرى بكلية الآداب.
هكذا عاش المغرب شهرا فريدا من نوعه، استأثر فيه الفكر ببعض حظه من العناية والاهتمام.
وإذا كان لنا ما نرجوه بهذه المناسبة، فهو ألا يكون ذلك سحابة صيف، وأن تظل صلتنا بالفكر مستمرة دائمة لا في ميدان المواسم والمناسبات العلمية فقد، ولكن في كل ميدان، وخصوصا في ميدان الكتابة والتأليف والنشر.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here