islamaumaroc

دراسة حول الحريات العامة والإسلام

  دعوة الحق

العددان 147 و148

لقد رغبت في تخصيص هذه الدراسة للحريات العامة بصفة عامة وفي نظر الإسلام بصفة خاصة أن أسهم بدوري مع المساهمين في الدراسات القانونية وخاصة منها دراسات القانون العام، كما أسهم في التعريف بمبدأ الحريات العامة وكشف النقاب عن مدلول هذه الحريات لاسيما وقد أصبح تعبير الحريات العامة متداولا لدى الخاص والعام دون أن يكون محتواه واضحا في الفكر بقدر ما يجري المصطلح على كل لسان وفي كل منتدى، وقصدي جلاء الريب وانحسار اللبس والغموض.
وسأقتصر في هذه الدراسة الموجزة على موضوعين من موضوعات الحرية العامة العديدة تاركا الموضوعات الأخرى إلى فرصة قابلة بحول الله، والموضوعان هما كما يلي:

أولا : تطور الحريات العامة وأنواعها :
أ – تطور الحريات العامة :
إن الحريات العامة جزء لا يتجزأ من حقوق الإنسان ولم تكن معروفة لدى المجتمعات القديمة كما تعرفها مجتمعاتنا المتمدنة، فقد كان الرق معمولا به ونظام الطبقات شائعا وكان الحق مع القوى في جميع الأحوال – ورغم هذه  الوضعية التي تعتبر في نظر الحضارة الحديثة وضعية مزرية وغير لائقة بكرامة الإنسان فقد كانت تقاليد وأعراف تضمن للإنسان ولو بصورة ضعيفة بعض الحقوق التي يمكن إدماجها نسبيا في إطار الحريات العامة.
وتلو مرحلة التقاليد والأعراف أتت مرحلة القانون والتشريع فقد أقر القانون الروماني تدريجيا حرية التملك وحرية الاتجار وحرية التقاضي بصورة عامة وخفف من القسوة التي كانت منبثقة عن النظر إلى العقوبة على أنها مجرد انتقام وهي أبعد ما تكون عن المدارس الحديثة التي أصبحت تتجه نحو إصلاح المجرم وتطهيره نفسيا قبل التفكير في الانتقام منه وإيقاع العقوبة عليه.
وفي ظلال هاتين المرحلتين اللتين عاشتهما الإنسانية شقية آونة وسعيدة أخرى كانت الأنظمة الاجتماعية تقع تحت تأثير الديانات السماوية التي كانت تنبجس أنوارها من حين لآخر وبين فترة وأخرى فتأتي بقواعد أخلاقية واجتماعية وقانونية لصالح البشرية كلها، وختام هذه الرسالات رسالة الإسلام.
هذه الرسالة السامية التي أسفر انتصارها عن تحرير الفرد من نير العبودية وضمان مختلف الحريات له حتى أصبح يتفيأ ظلالها الوارفة وينتشق من عبقها الطيب وحتى أخذت الدساتير الوضعية تستلهم الحريات العامة من هذه الديانة السمحة.
وهكذا صرنا نلاحظ في العصر الحديث أن أول ما يهتم به المشرع عند وضعه لدستور أمة معينة النص على ضمان الحريات العامة وما ذلك الا لكون مبدأ الحريات العامة أصبح ركيزة لا غنى عنها وأساسا لابد منه في وضع أي دستور.
ب- الحرية والمساواة :
من البديهي أن الطبيعة لا تعترف بمبدأ المساواة المطلقة بين الناس، فالناس لا يولدون متساوين في القوتين الجسمية والعقلية فهناك أقوياء وضعفاء وأذكياء وأغنياء كما أن الفرص المتاحة لهم مختلفة ومتباينة وبالتالي ليست متساوية مما يؤدي إلى اختلافهم في وسائل الكسب والعيش وتفاوتهم في الأرباح. وإذا كانت الحرية هي محور نشاط الأفراد في إطار الأنظمة "الليبرالية" فان كل نشاط حر يؤدي بطبيعته إلى بروز ظاهرة اللامساواة بين الأفراد المنتمين إلى هذا النشاط أو ذاك حيث تختلف مواهبهم واستعداداتهم وتتفاوت بالتالي دخولهم تفاوتا يشبهه علماء الاقتصاد بهرم ذي قاعدة واسعة تمثل قمته دخول الطبقة الفقيرة وقاعدته دخول الطبقة الموسرة. فنجد طبقة غنية وأخرى فقيرة وثالثة متوسطة تقع بين طرفين متباعدين.
وإذا كان من مميزات النظام الليبرالي ضمان الحريات العامة فهذا صحيح إلى حد ما حيث تنعدم أصالة هذه الحريات نظرا لانعدام المساواة الفعلية بين الأفراد ونظرا للضغوط التي تنتج من تملك وسائل الإنتاج ورؤوس الأموال في أيدي طبقة محصورة العدد. وبالمقابل فان النظام " الجماعي" يسير نحو تحقيق المساواة الفعلية بصورة واسعة النطاق، ويلاحظ عليه أنه يقيد الحريات العامة وبالخصوص حريات الشخص الفردية وحرية الرأي والتعبير، ومن هذا يبدو أن بغية تحقيق المساواة تؤدي إلى انتقاص الحريات. وفي هذا الصدد يقول السيد " جاك فيل" إن الشعوب تريد المساواة في الاسترقاق.
وفي اعتقادي أن التطرف في الملاحظة على هذا النظام أو ذاك بعيد عن الواقع والصواب، ومن الخير للكاتب السياسي أن يهدف إلى تحقيق التوازن بين مبدأ الحرية ومبدأ المساواة ويسعى جهده لإنارة الطريق وفتح المجال أمام المجتمعات الإنسانية لكي تنفتح وتزدهر في ظل هذين المبدأين الساميين.
ج- أنواع الحريات العامة :
في هذه  الفقرة نحاول إيضاح أنواع الحريات العامة وعرضها بقليل من الإيجاز حيث أن الهدف من هذه الدراسة ليس هو التعمق في البحث القانوني والتحليل الوافي لطبيعة الحريات العامة وإنما هو كامن في إلقاء بعض الأضواء الكاشفة على مدلول الحريات العامة وترتيبها حتى تأخذ في نفس القارئ وذهنه صورة واضحة، بينة التقاسم والألوان، وعلى ذلك فالحريات العامة مصنفة كالآتي :

1– الحريات الشخصية :
إن الحريات الشخصية تعتبر أساس الحريات الأخرى لأنها مرتبطة بالشخص وحياته وكرامته وهي أصلية وطبيعية عند الإنسان وجعلها الرومان حقا طبيعيا من بين بقية الحقوق الطبيعية الأخرى. وقد احتفظ التاريخ لعمر الفاروق بقوله المأثور في شأن الحريات الشخصية في هذه الصبغة الرائعة « متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا».
وينبثق عن الحريات الشخصية حقان اثنان :
الأول : حق الفرد في التنقل من مكان لآخر دون أن يتعرض لأي عدوان أو مضايقة أو تفتيش إلا في الحدود التي ينص عليها القانون .
والثاني : حق الفرد في الأمن ومحتواه أن يكون للفرد الحق في التمتع بالأمن فيما يخص شخصه وعرضه وأمواله بحيث لا يجوز حبس لإنسان أو توقيفه أو اضطهاده أو تجريمه إلا وفق الإجراءات المنصوص عليها في القانون.
وقد ضمن القانون الحريات الشخصية بإقراره مبدأ عمومية القاعدة القانونية وتجردها ومبدأ استقلال القضاء، فالناس كلهم سواء أمام القانون.
وتعتبر المسطرة الجنائية والقانون الجنائي ضمانتين هامتين للحريات الشخصية إذ ينصان على معاقبة كل من سولت له نفسه التعدي على الغير سواء انصب هذا العدوان على الشخص نفسه أو على عرضه أو ماله.

2- حرية السريرة :
وتتمثل هذه الحرية في حقين : الأول حق حرمة المنزل – فالمنزل هو المسكن الذي يأوي إليه الإنسان ليستريح فيه ويعيش بين أرجائه في جو تسوده الطمأنينة والسكينة بعيدا عن تطفل الغير. وقد نصت القوانين على معاقبة كل من يخرق حرمة منزل غيره ومنع على الشرطة دخوله إلا بإذن من وكيل الدولة ووفقا للإجراءات التي ينص عليها القانون.
والثاني حق حرمة المراسلات – فللمرسلات حرمة وحرية لا يجوز بحال من الأحوال خرقهما ولا الاعتداء عليهما ولا يجوز لغير من توجه إليه الاطلاع عليها وان فعل استحق العقاب، وفي هذا الصدد تنص أغلبية الدساتير على هذا الحق وضمانه لكل الأفراد.

3 – حرية الجمعيات والاجتماع والمظاهرات :
تتخذ هذه الحرية مظاهر ثلاثة : المظهر الأول، حرية إنشاء الجمعيات سواء كان الهدف منها حماية حقوق المهنة لجماعات الممتهنين، وهي ما تسمى بالنقابات أو كانت تهدف إلى تحقيق مصلحة اجتماعية أو ثقافية وهي ما تسمى في العرف بالجمعيات. وإن كانت تتبنى برامج سياسية واقتصادية خاصة بها وتسعى إلى تحقيقها تسمى بالأحزاب. ولتكوين هذه الجمعيات وإنشائها قواعد خاصة ينص عليها القانون ويوجب احترامها كتقديم القوانين الأساسية للجمعية كيفما كان نوعها إلى السلطات المختصة مع لائحة بأسماء أعضاء المكتب إلى غير ذلك من القواعد التي تنظم هذه الحرية.
والمظهر الثاني يتمثل في حرية الاجتماع حيث يكون من حق الأفراد تنظيم اجتماعات خاصة أو عامة كالحفلات والمحاضرات، ويحتم القانون المنظم لهذه الحرية إبلاغ السلطة المحلية بوقت ومكان انعقاد الاجتماع وخصوصا إذا كان عاما، كما لا يمكن انعقاده حتى توافق السلطة المختصة عليه لان القانون يسمح لهذه السلطة برفض السماح بعقد الاجتماعات التي من شأنها أن تمس بالأمن العام وتخل بالطمأنينة الواجبة للأفراد والجماعات.
والمظهر الثالث يبرز في حرية تنظيم المظاهرات وغالبا ما يخضع القانون حق التمتع بهذه الحرية لنظام الإذن السابق من السلطات المختصة وموافاتها بأسماء المنظمين للمظاهرة وكل ما يتعلق بهواياتهم حتى يتسنى لها أن تقوم بالتدابير اللازمة لأمن وحماية المتظاهرين.

4 – حرية العقيدة والرأي والتعليم :
إن الإنسان بحسب هذا النوع من الحريات حر في أن يفكر كيفما يشاء غير أنه لا يحق له أن يفرض تفكيره على الأفراد الآخرين وينتج عن هذه الحرية الفكرية حرية العقيدة على اختلاف أنواعها وحرية ممارسة العقيدة وما تستوجبه من شعائر وطقوس دون الإخلال بالأمن العام.
كما أن الإنسان وفقا لهذه الحرية حر في إبداء رأيه والتعبير عن خلجات نفسه بالتحدث في المجالس وبإلقاء الخطب والمحاضرات في الأندية العامة أو بنشر هذه الآراء على صفحات الجرائد والمجلات والكتب على حد سواء. وعليه فحرية الصحافة والطباعة والنشر تختلف أنواعه هي وليدة حرية الرأي. الا إن القانون الذي منح هذه الحرية للأفراد والمنظمات قيدها أيضا بعدم المس بالأمن العام وعدم الإخلال بكرامة الأفراد – وفي إطار هذه الحرية ضمن القانون الملكية الأدبية والفنية والصناعية والتجارية، وعاقب كل مخالف في هذا الميدان .
وتعتبر الإذاعة والتلفزة من وسائل إبداء الرأي لكن في غالب الأحيان تشرف الدولة على هذا الجهاز وتحتضنه بنفسها.
وفي إطار حرية التعليم تخول الدولة لمواطنيها حق ممارسة التعليم الذي يرتضونه لأنفسهم وهكذا نجدها تسمح للأقليات الدينية والأجنبية بإنشاء مدارس حرة، ونجدها في بعض الأحيان تساهم في تمويل هذه المدارس وتمدها بالمعونة والتوجيه التربوي اللازمين لها. واستوجبت حرية التعليم مجانبته في مختلف أطواره وجعله في متناول الجميع حتى أصبح حقا طبيعيا مثل حقنا في استنشاق الهواء.

5 – حرية العمل والتملك والتجارة والصناعة
وبالإضافة إلى الحريات السابقة التي خولت للأفراد وضمن قانون المساواة في التمتع بها توجد حرية العمل وتتمثل في حق كل فرد في العمل ولضمان ممارسة هذه الحرية توضع على الدولة أعباء ثقيلة فيما يخص توجيه الاقتصاد والتدخل في أغلبية المرافق الاقتصادية وحتى التي يعود اختصاصها لنشاط الأفراد – وإذا كان تدخل الدولة قويا في هذا الميدان فان ذلك يمس بحرية التجارة والصناعة كما يمس بحق الملكية الفردية – وهذا ما يشاهد بصورة طبيعية في البلدان الاشتراكية حيث تفهم حرية العمل فهما خاصا إذ ليس من حق الفرد أن يختار نوع العمل الذي يريده ولا من حقه أن يرفض نوعا آخر من العمل بل عليه أن يكون رهن إشارة الدولة لتوجهه نحو العمل الذي تراه مفيدا ومجديا للمجتمع، ويؤيد هذه الملاحظة العلامة ابن خلدون.
وبصفة موضوعية فان حرية العمل يراد بها أن لا يحصر العمل في قلة معينة من المجتمع كما كان عليه الحال في نظام الطوائف المهنية، ويوضع في متناول الجميع وحسب استعداد الأفراد وميولهم وتوفرهم على الشروط الكفيلة بانتمائهم لإحدى المهن الحرة كمهن المحاماة والطب والصيدلة والهندسة مثلا. ويبقى من واجب الدولة منع الاحتكار في هذه الميادين – وعلاوة على ذلك فقد ضمنت قوانين العمل بأغلبية الأقطار حرية العمل كما ضمنت للعمال عدم استغلالهم وإرهاقهم من طرف مستخدميهم، كما ضمنت هذه القوانين حق الإضراب للعمال حفاظا على مصالحهم حتى يعيشوا في مستوى يليق بكرامة الإنسان.
وإذا كان الإنسان يتمتع بحرية العمل وضمانات العمل فهو حر كذلك في أن يتملك ما يشاء بالطرق المشروعة وبصورة لا يضر بها الآخرين – كما أن له الحرية في ممارسة التجارة التي يرغب فيها مجانبا الاحتكار ومحافظا على الأسعار التي يحددها القانون – وله الحرية أيضا في صناعة بضائع ينتفع بها الغير ملتزما بنصوص القانون.

ثانيا : الحريات العامة والإسلام :

هناك كثير من المغالاة والبعد عن الحقيقة والواقع التاريخي فيما يذهب إليه  فقهاء الغرب من أن الحريات العامة  لم يكن لها وجود قبل الثورات التي قامت في أوربا وأن حقوق الإنسان لم تكن سوى ثمرة للائحة الحقوق التي أعلنت في بريطانيا يوم 13 فبراير 1689 وأول إعلان فرنسي للحقوق بعد ثورة 1789 ثم نص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أعلنته وأقرته الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1948. فالإسلام كعقيدة وتشريع سبق هذه الثورات والإعلانات كلها. فتعاليمه السامية أتت لتهذيب النفوس وطبعها على العدل والحرية والمساواة – ولا يمكن لفقهاء الغرب طمس هذه الحقيقة المتلألئة نورا وإشعاعا مهما كانت محاولاتهم، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم والله  متم نوره ومرشد إلى المثل السامية التي كانت مصدر إلهام وإيحاء لكثير من المفكرين الغربيين. ويرى الغربيون خطأ أيضا أن ظهور الدولة بمفهومها الحديث مقترن بعصور نهضتهم وهم يجهلون أو يتجاهلون تاريخ الأمة الإسلامية. فمن البديهي أن هذه الأمة عرفت نظام الدولة منذ نشأتها وكان النموذج الأصيل لها في عهد النبي وعهد الخلفاء الراشدين حيث كان محمد عليه السلام نبيا ورئيس دولة في آن واحد.
وإذا كان الإسلام لم يأت بقانون الحريات مفصلا كما نعرفه في عصورنا الحديثة فقد جاء بالرغم من ذلك بمبادئ عامة أخلاقية واجتماعية واقتصادية وقضائية لتنظيم المجتمع تنظيما تسوده الحرية والمساواة والإخاء والعدل بين الناس في سائر الميادين.
فقد جاء في حماية الشخص وحماية حرياته في القرآن الكريم « ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق» ولآيات «ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون» «وإذا حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين»، وأقوال الرسول عليه السلام : «لا يومن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه » «كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله».
وفي حرمة السكن أتى الآي الكريم ( ولا تجسسوا) وقول الكتاب المبين : « يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون، فان لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم».
وفي القصة التالية الطريفة نرى مدى أصالة الحريات الإسلامية وطابعها الأسنى : روى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، مر في إحدى جولاته الليلية ببيت سمع فيه صوت رجل وامرأة رابه، فتسور الحائط لينظر فإذا رجل وامرأة ومعهما زق خمر. فقال عمر يا عدو الله أكنت ترى الله يسترك وأنت على معصية؟ فقال الرجل يا أمير المؤمنين أنا عصيت الله في واحدة وأنت في ثلاث فالله يقول : « ولا تجسسوا» وأنت تجسست علينا. والله يقول «وآتوا البيوت من أبوابها» وأنت صعدت من الجدار ونزلت منه، والله يقول : « لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم » وأنت لم تفعل – وهكذا لم يجد عمر سبيلا لعقابه فاستتابه.
وفيما يخص حرية العقيدة والرأي أتت الآية الكريمة « لا إكراه في الدين » والآية الداعية إلى المجادلة وتبادل الرأي بالحسنى : « ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن».
وفيما يخص المساواة فقد جعل منها الإسلام مبدأ من مبادئه الأساسية فحض على تحقيق هذه المساواة بين أفراد البشرية في كثير من المواضيع فلتحقيق المساواة الفعلية من الناحية الاقتصادية حض على توزيع المال واستثماره في مختلف المشاريع حتى لا يبقى دولة بين الأغنياء، وفي هذا الصدد يقول الرسول عليه السلام «أيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائعا فقد برئت ذمة الله منهم».
وكان الخليفة الإسلامي الأول أبو بكر الصديق يسوي بين الناس في العطايا . وكان بعض المسلمين في عهده يريدون مزيدا من العطاء نظرا لمنزلته في الإسلام فيجيبه أبو بكر «أما ما ذكرتم من السوابق والقدم والفضل فما اعرفني بذلك . وإنما ذلك شيء ثوابه على الله جل ثناؤه وهذا معاش فالأسوة فيه خير من الآثرة».
وفي هذا الصدد احتفظ التاريخ لعمر بن الخطاب بقول مأثور « لو استقبلت من أمري ما استدبرت لأخذت من الأغنياء فضول أموالهم فرددتها على الفقراء».
نستخلص من هذا أن التعاليم الإسلامية والمبادئ التي سارت على نهجها السوي مختلف الأنظمة الإسلامية الأصيلة دعت إلى حريات أوسع مما تعرفه الآن من حريات عامة، وعملت على تحقيق هذه الحريات في إطار مجتمع إسلامي له أصالته الخاصة به تلك الأصالة التي نراها في السعي إلى التوازن بين الحرية والمساواة والتوازن من خصائص النظام الإسلامي ومميزاته الرئيسية وصدق الله الكريم: « ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت» .
هذه لمحة خاطفة وارتسامة سريعة عن الحريات العامة والإسلام ابتغيت بها الإسهام في بعث التعاليم السمحة والإشارة إلى إشراقاتها التي لا تعرف النفاذ ونفحاتها العطرة على مر العصور ومختلف الحقب .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here