islamaumaroc

لمحات عن سير الرياضة البدنية في التعليم المغربي القديم

  دعوة الحق

العددان 147 و148

من المعروف ان إدماج الرياضة البدنية ضمن المواد الدراسية، صار تقليدا عالميا في التعليم الحديث، انطلاقا من أوائل القرن العشرين، ويهمنا – الآن – استكشاف معطيات هذه الرياضة في التعليم القديم، وبالضبط في مغرب ما قبل القرن العشرين، وفي هذا الصدد سنتوفر على نصوص وإشارات ولو أنها قليلة، لنكشف عن ماضي المغرب في هذا الميدان، وهذا ما تقدمه هذه الدراسة حسب النقط التالية:
- دمج الرياضة البدنية في التعليم الموحدي.
- الرياضة البدنية لصبيان الكتاتيب المرينية.
- الرياضة البدنية أيام الشرفاء:
- لعب الكرة
- المسابقة على الاقدام.
- لعبة يوم العنصرة.
- أهمية يوم الخميس كفرصة لألعاب التعليم المغربي القديم.
- ثلاث مؤلفات موضوعية.
                                                -*-
وقد كان عبد المومن الموحدي أول من تنبه الى ادراج الرياضة البدنية ضمن المواد الدراسية، ولحسن الحظ فان مؤلف كتاب "الحلل الموشية" (1) ، يحافظ على الملامح الرياضية في المدرسة الموحدية، وهو يذكر تربية عبد المومن لصغار الطلبة الذين يسمون بالحفاظ، ويقول في هذا:
"... وكان يدخلهم في كل يوم جمعة بعد الصلاة في داخل القصر، فيجتمع "الحفاظ" فيه وهم نحو ثلاثة آلاف كأنهم أبناء ليلة واحدة – من المصامدة وغيرهم، قصد بهم سرعة الحفظ والتربية على ما يريده،  فيأخذهم يوما بتعلم الركوب، ويوما بالرمي بالقوس، ويوما بالعوم في بحيرة صنعها خارج بستانه مربعة... ويوما يأخذهم بأن يحدقوا على قوارب وخواريق صنعها لهم في تلك البحيرة، فتأدبوا بهذه الآداب، تارة بالعطاء وتارة بالأدب".
وبعد عصر الموحدين يقع فراغ في المصادر يمتد إلى أواخر العصر السعدي، ولا يستثنى من هذا سوى توجيه يرجع الى الفترات الأولى من المائة الهجرية الثامنة، وهو صادر عن العبـــــدري(2) في صدد التعليم الأولي بالكتاتيب القرآنية حسب الفقرة التالية: " وينبغي أن يوذن له : "الصبي" بعد الفراغ من الكتب أن يلعب لعبا جميلا يستريح اليه من تعب الأدب، بحيث لا يتعب في اللعب، فان منع الصبي من اللعب وارهافه إلى التعليم دائما يميت قلبه، ويبطل فكره وذكاءه، ويبغض اليه ذلك، وينقص عيشه حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسا".
وكما أشير له سلفا فان الغموض سيخيم على سير الرياضة البدنية التعليمية الى أواخر الفترة السعدية، وهنا – فقط – تأخذ المصادر المعنية بالأمر في الظهور، لتتكاثر مع العصر العلوي تأثرا بعوامل القرب الزمني، وستفتح هذه المستندات من جهتها، آفاقا نستطيع معها أن نتعرف على ملامح الرياضة البدنية التي كان الطالب المغربي يمارسها ذلك، وينقص عيشه حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسا.
وكما أشير له سلفا فإن الغموض سيخيم على سير الرياضة البدنية التعليمية الى أواخر الفترة السعدية، وهنا – فقط – تأخذ المصادر المعنية بالأمر في الظهور، لتتكاثر مع العصر العلوي تأثرا بعوامل القرب الزمني، وستفتح هذه المستندات من جهتها، آفاقا نستطيع معها أن نتعرف على ملامح الرياضة البدنية التي كان الطالب المغربي يمارسها خلال عصر الشرفاء، وهي الفترة التي سنتناولها حتى آخر هذه الدراسة.
ومن الجدير بالملاحظة أن الدولة في عصر الشرفاء لم يكن لها إشراف على هذه الرياضة من قريب أومن بعيد، وإنما صارت تستمد نشاطها من التقاليد الطلابية.
ومن جهة أخرى فان هذه الألعاب الرياضية لم تكن تتخلل المواد الدراسية بالشكل المتعارف في التعليم الحديث، وانما تقع في العطلة الأسبوعية : يوم الخميس على الأكثر، وعند المناسبات السنوية : في الشعبانية، وعطلة الربيع، ويوم العنصرة.
وقد تطورت الرياضة في نفس الفترة، وشملت بعض ألعاب القوى، والكرة، والألعاب المائية، والرماية.
                                                -*-
وبالنسبة الى رياضة الكرة، يبدو من الاشارات الباقية ان لعبها كان يتميز بطابع النظام ولو الى حد، فكان بفاس ملعب طلابي خارج باب الجبة (3) ، وصار للعب الكرة أنظمة مدونة عرفت منذ أواخر المائة الهجرية الحادية عشرة على الأقل، فلرياضة الكرة تقاليد الزامية، وأخرى مستحسنة أو قبيحة، وأٍربعة محظورة (4) ، ومن القوانين الالزامية :
- تنظيم اللاعبين وتقسيمهم بالعد أو التقدير الى معسكرين.
- نظافة أرض الملعب.
- تعريتها عن البناء والشجر
- بعدها عن العمارة بالعرف
- تحديد ساحة اللعب دون طول مفرط.
ومن التقاليد المستحسنة:
- توجيه الضربات كأنها للفريق الأيمن والهدف انما هو الفريق الأيسر.
- التصفيق ضد من يرتكب مخالفة، وقد كان التصفيق آنذاك يقوم مقام الصفير في الألعاب الحديثة.
- جلوس المتفرجين خارج وسط الملعب.
ومن المحظور على اللاعبين ":
- التزام قذف الكرة الى طرف الملعب.
-التقاء اللاعبين بالرجلين ساقا لساق.
- استخدام الدفع والوكز.
- (5)حصر اللاعب للكرة برجله ويضرب بالأخرى منافسه.
- خشونة الخطاب في الرد على منافسه 
                                               -*-
وبعد رياضة الكرة نشير الى ألعاب طلابية أخرى، ومنها المسابقة بالجري على الأقدام، وهي تستلزم شروط لعب الكرة، غير أن المتقابلين لا يتعدى عددهم العشرة والعشرين(6)  .
وثالثا : عملية التراشق بالمياه بواسطة أنابيب معدة لهذه الغاية، وكان الطلاب يشتغلون بهذه اللعبة في ساحات المدارس بمناسبة يوم العنصرة(7).
والآن ما هي مناسبات استعمال الطلاب لهذه الألعاب ؟ وقد كانت هذه المناسبات متعددة، ويأتي في طليعتها العطلة الأسبوعية عند يومي الخميس والجمعة، ثم ثلاث عطل سنوية :
- بمناسبة آخر شعبان، وتعرف بالشعبانية أوشعبانة.
- مع استراحة الربيع.
- ويوم العنصرة عند 24 يونيه حسب التقويم الجريجوري.
ونخصص – الآن – كلمة عن اليوم من العطلة الأسبوعية، وكان في التعليم المغربي القديم، بمنزلة يوم الأحد في التعليم الحديث. وحسب المصادر المعروفة فان ذكر يوم الخميس كمناسبة عطلة أسبوعية، يبتدئ من أواخر المائة الهجرية الثامنة ليتسلسل بعد ذلك.
فقد جاء عن العبدوسي : عبد الله بن محمد بن موسى المكناسي ثم الفاسي : انه كان في صغره يشتغل كل يوم خميس بحفظ بضعة أحاديث نبوية، وكانت وفاته عام ثمانية وأربعين وثمانمائــــــة(8) .
وهذا معاصره ابن جابر المكناسي : محمد بن يحيى الغساني وهو يمجد نفس اليوم ويقول فيه : يوم الخميس يوم بشر وفرح(9)
                وحاجة تقضى ونيل وفرح 
وسيأتي بعده ابن غازي: محمد بن أحمد العثماني المكناسي ثم الفاسي، المتوفى عام تسع عشرة وتسعمائة، وكان يجعل يوم الخميس فترة استراحة، ومن غريب شأنه في هذا اليوم، أنه انتدب بعض أصحابه ليسجل له – اسبوعا – أحداث الأسبوع المحلية بما فيها من القيل والقال، حتى يقرأ ذلك يوم الخميس الذي يتفرغ فيه من أعمال التدريس(10).
وقد علمنا أن وفاة ابن غازي كانت أوائل المائة الهجرية العاشرة، وفي نفس القرن يتحدث الحسن الوزان الفاسي: " ليو الإفريقي" عن عطلة القراءة الأسبوعية في فاس، ويذكر عن تلاميذ الكتاتيب وطلاب المدارس: أنهم كانوا يعطلون يومين في الأسبوع (11). ولا شك أنه يقصد بيومي الخميس والجمعة.
وبعد هذا سيأتي ذكر الخميس كيوم لعب ونزهة، فقد كان ابن عرضون: محمد بن الحسن، ورفيقه أحمد بن محمد الشريف الشفشاوني، اعتادا – زمن دراستهما بفاس – أن يخرجا كل يوم خميس الى ضواحي نفس المدينة، رغبة في ترويح النفس، وترجيع الأوتار، والاستماع الى (12)غناء البلابل، وكانت وفاة ابن عرضون عام اثني عشر وألف .
وبعد هذا يتصاعد الحديث عن يوم الخميس، نزوعا الى الاستراحة والمرح، ففي مدينة مراكش : كان محمد بن سعيد المرغبتي في مجلس درسه عشية يوم الثلاثاء فأنشد :
ألا يا نسيم الأربعاء الذي سرى
                عشيتنا أمهل يسائلك طالب
ثم قال لطلبته أجيزوا، فقال ولده محمد: لعلك عن يوم الخميس مخبر
وقال سعيد العميري.
فشوقي اليه حاضر وهو غائب(13)
وفي مدينة فاس يذكر الزياني عن أبي حفص الفاسي أنه كانت له عادة لا تتخلف في زمن الربيع : يذهب مع طلبته للنزهة كل خميس (14) ، وكان قبل أن يخرج معهم يقول لهم : اتركوا هنا التلمذة وأنا اترك المشيخة حتى نعودوا (15) ، ومن شعره في يوم الأربعاء حيث كان مقدمة ليوم الخميس :
ما زال يوم الأربعاء يميل بي
                  نحو الصبا ويهيج لي أفراحا
بيتا الفتى المكدود في أشغاله
                  بالجد يدرس كتبا أو ألواحا
وعوامل الأفكار منه نواصب
                  اذ هب روح نسميه فارتاحا
واهتز روض نشاطه لهبوبه
                 (16) متماديا في ذاك عمت صباحا
وأخيرا : هذا أبو العباس أحمد بن المامون البلغيثي يمجد يوم الأربعاء لما كان بشيرا بيوم الخميس، وهو يقول في هذا:
وما زال يوم الأربعاء يلذ لي
                     وفيه لقصد النفس كل مرام
تتوق اليه النفس من كل طالب
                     (17)كأنه عيد الفطر بعد صيام 
والى هنا سنذيل هذا العرض بتقديم ثلاث مؤلفات تربوية مغربية من موضوعات عصر الشرفاء، وهي تتناول – من بين مواضيعها – تحليلات أو إشارات عن الرياضة الطلابية في التعليم المغربي القديم.
وسيأتي في طليعة هذه المؤلفات : الكتيب الصغير الذي يحمل اسم " مختصر الافاريد"، لمؤلف من مدينة تازا مجهول الاسم، وكان يعيش عام سبعين وألف ه حسب تاريخ الفراغ من التآليف.
والكتاب يهتم – على الخصوص – بحياة فريق الطلاب المجاورين بالمدارس العلمية، ويتناول – حسب الأعراف المرعية بينهم – آداب سلوكهم في الحياة اليومية، ومع الرفقاء، وازاء الأساتذة، وفي معاملات العموم.
والى جانب هذا يهتم الكتاب بالحياة المرحة للطالب، ويخصص لهذه الغاية بعض الأبواب والفصول لتتناول الموضوعات التالية:
- ألعاب طلابية بريئة
- أنظمة لعب الكرة
- نزهة شعبانة
- طريقة اللعب بالشطرنج
- تعريف بأصول الطبوع للطرب الأندلسي.
وهو يحتذى المختصر الخليلي في تعبيره وإيجازه وتلميحاته، وبهذا جاء ضعيف الديباجة، غير أنه – في أسلوبه – يفيض فكاهة ونكثة ومرحا.
وقد تكرر طبع هذا الكتيب بالمطبعة الحجرية الفاسية، وتحمل الطبعة الأولى تاريخ عام 1300 ه، في 11 ص من الحجم المتوسط.
أما المؤلف الثاني : فهو المنظومة الرجزية التي تحمل اسم " سراج طلاب العلوم"، من نظم العربي بن عبد الله بن ابي يحيى المساري، المتوفى أوائل المائة الثالثة عشرة للهجرة، والأرجوزة مرتبة حسب الموضوعات التالية :
- مقدمة فيما يستعان به على طلب العلم.
- ما يبتدأ به من العلوم.
- اعارة الكتب والنساخة.
- آداب يوم الخميس.
- آداب المدارس.
- آداب الرتبة وأحكامها.
- آداب كيفية القراءة.
- آداب كيفية الاقراء.
- آداب التلميذ مع الشيخ.
- خاتمة في آداب الشيخ.
وهذه المنظومة هي التي شرحها القاضي أحمد بن المامون البلغيثي الفاسي، المتوفى عام ثمانية وأربعين وثلاثمائة وألف للهجرة، وجاء الشرح يحمل اسم " الابتهاج بنور السراج"، حيث نشر بمصر من عام 1319 ه في جزءين وهو يمثل المؤلف الثالث والأخير من الكتب التربوية التي نختم بها هذه الدراسة، والله – سبحانه – ولي التوفيق.

  (1)  ط تونس – ص 114.
  (2)  "المدخل" المطبعة المصرية بالأزهر – ج 4 ص 298، و أصله عند الغزالي في الأحياء ، المطبعة العثمانية العصرية – ج 3 ص 63.
  (3) " تحفة الأخوان . ببعض مناقب شرفاء وزان " لحمدون الطاهري ، المطبعة الحجرية الفاسية -  ص 199.
  (4) هذا يؤخذ من " مختصر الأفاريد" ، الطبعة الآتية الذكر – م 1 ، ص 8.
  (5) " المصدر الأخير" عند نفس الصفحة.
  (6) نفس المصدر و الصفحة.
  (7) نفس المصدر – م1 ، ص 6، وورد – أيضا – ذكر لعب الطلبة بهذه المناسبة في " كناشه " الفقيه محمد بن محمد بن علي ابن سودة المدعو النحول بالمكتبة الأحمدية ، و رقة 62 ب ، و فيها يثبت سؤالا و جوابا في نفس النازلة ،و كان السائل هو قاضي فاس ? أحمد بن عبد الملك العساوي، و المجيب هو شيخ علمائها ? بدر الدين الحمومي.
   (8) " كناشة الشيخ زروق" مخطوطة خ . ع . ك 1385، مع " جذوة الاقتباس " ط . ف – عند ترجمة ص 238.
   (9) نظم المراقبة العليا في تعبير الرؤيا – مخطوطة خاصة.
  (10) " التراتيب الادارية" ج 1 ص 364.
  (11) " حياة الوزان الفاسي و آثاره " المطبعة الاقتصادية بالرباط – ص 88.
  (12) " صفوة من انتشر" ط . ف – ص136 – 137.
  (13) " الابتهاج بنور السراج" للقاضي أحمد بن المامون البلغيثي ج 1 ص 262.
  (14) " الترجمانة الكبرى" نشر وزارة الأنباء – ص 57.
  (15) " الابتهاج بنور السراج – ج 1 ص 275.
  (16) " المصدر الأخير " – ج 1 ص 262.
  (17) "نفس المصدر" – ج 1 ص 262.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here