islamaumaroc

سوانح وبوارح في الأدب

  دعوة الحق

العددان 147 و148

عندما أقلتني الطيارة في مسيرها من دمشق الى "فينا" صيف العام الماضي في رحلة انفقت عليها من مالي الذي ادخرته، وكنت ارى الى لذات لي ورفاق، والى انداد بلغوا الامصار الاوروبية والاميريكية ولم ينفقوا من مالهم في سبيل رحلاتهم الا ما اشتروا به هداياهم. فقلت ان عيني لم تريا الديار الغربية، وان كانتا راتها في الكتب والسينما والتلفزيون والصور الكثيرة. وان حياة الوهم والخيال على متعتها تشوق الجد لعله يحيط بها، اللمس والحس والذوق وتسريح النظر وقديما قال شيخنا الجاحظ هذه العبارة الشافية:
- ليس يشفيني الا المعاينة.
كانت الطائرة تجد بنا تحليقا فوق بحر "ايجه" فرأيت جزر الاغريق التي اطلعت عباقرة الدهر القديم في الفكر والحكمة، وترامى ناظري فوق اثينا على (الاكربول) فقلت: يا الله لقد طغت اعمدة الهيكل على وجه الجبل، وكان اهلوه القدامى قد عبروا به آماد السماء، ولا يزال حتى اليوم الفكر الانساني مدينا لهم بالتألق والتصور والتعميق.
ولم تجاوز هاتيك الجبال الشم ذوات الافياء الملتفة حواليها حتى جزنا الى سماء البر الاوروبي فانبثقت تحت نواظرنا واتسقت سجادات الاهية لم تنسج مثلها طهران ولا مرت عليها الايدي اللدن من بنات شيراز واصفهان، بدت حدودها وقدودها، وكانها اسطورة رسمت بريشة مفن سحار، اطاعت بنانه الاصباغ، ولم تكن الا صبغة الله خضراء بياض في مصفرة محمرة من جداول الزرع، في حقول النبات، طافية بالازاهير.
ولقد حار طرفي في اجتلاء محاسنها، فكنت اطل من نافذة الطيارة لا تسقط موضعا ليس فيه نبت او لون او طريق او بناء، فلم اجد ارضا بورا، ولا سهلا مهجورا. ولو كان لي عينان من "زرقاء اليمامة" او نظرة من نظرات "حزام" لتبينت الانسان في الرجل والمرأة، يدب على هاتيك الارضين يغمرها بالنسل ويملؤها بالعمل، ويعيش بفكره وشعوره، وقد مرت على ارضه حربان عوانان منذ استهلاله القرن العشرين حتى اليوم، فدفن أحزانه في الفؤاد وعاش ملء وجوده باسما للحياة.
وهتفت مضيفة الطائرة، بعد ان عطرت الجو بانسها وابتسامها، وسحرت القلب بجمالها وقدها، وقد قربت البعاد، واختصرت بسحرها الآماد:
- اشرفنا على فينا......
فيا عروس الغناء، سابية الرواء، وحاضرة المجد الاوروبي، ما اجمل الصباح فيها وما احلى الماء..
لقد هببت في البكور فانحدرت من الفندق وقرينتي "وداد سكاكيني" لنصابح الحديقة الكبرى التي كانت مكبة من الفندق، وقد جزنا اليها يسر منعطفات الطريق.
ما ابدع ما شاهدت في حديقة لوبرز الفردوس لكان لها في دنيا الفنانين خدينا.
واذا نساء حوافل بالزرع والانبات، شابات فواتن وكهلات حكيمات، مطرقات، يلملمن اوراق الشجر يضعنا بعجل دائر، وانابيب للسقاية تلقاءها تدور لوالبها بفعل الآلة، لا تعمل فيها يد انسان، فهي تسقي الزرع في دائرة مرسومة لها، وعلى عدوة منها آلة مثلها تدور كدورتها تنشر الماء رذاذا وتنعش في اشتات تلاوينه متفتحا لشعاع الصباح مثلما تفتحنا  ونحن ندلف اليه. 
وبين يدي الحديقة وفي بهرتها، بركات تطفو بالماء ينسكب عليها من نوافير طافرات، جلست اتأملها واشبه بها عزيمة الانسان، وهو يقفز، ومهما يعل فلا يد له من ان يعود الى امه الارض. وقد نزلت في خاطري فكرات شعريات من تلك النوافير، ظلت تختمر في خيالي وجسدي حتى جلست مثل هذه الجلسة امام نافورة "جنيف" فصنعت يومئذ قصيدة ارسلت بها الى صديقي اديب الشرق الاستاذ (البير اديب) بيروت.
لكن الذي اختلب شعوري في حديقة "فينا" هو ما شاهدت وقرينتي من جدار لا يحد مداه النظر، قام على جانب الحديقة متخذا من غصون الشجر وتلافيف اللبلاب المزدهر الممراح بيد النسيم، حلته التي كلما بليت جددها الربيع، وعلى بساط الحديقة دوائر من الازهار والريحان ومربعات ومسدسات ابدعتها يد الانسان، وكان امامنا طائفة من الزنبق تمايل على سوقها تمايل الاحباب بالحنو والتوله.
ومن يدري فربما نظرت اليها بعين عمر الخيام او خيال المعري فشاهدت محشرا للمعاميد من بني الانسان طلع في مطالع الزهر وهو يبت الشعر.
وفيما نحن مستغرقان في هذا التأمل يهتف الحس وتسمعه اذن النفس، اذا بنا نرى بين اقدامنا حيوانا صغيرا يتقلب وكانه عرفنا فالفنا. او جاء مسلما علينا.
ما اشد دهشتي مما عاينت، وقد كاد لبي يذهب لبعد الغرابة فيما أرى.
سنجاب نزل من الشجرة التي كانت خلفنا وجاء يجول متهملا بين اقدامنا، يلعب ويبحث عن حب ياكله، وقد انعطف ذنبه المعكوف فوق ظهره منفوش واذناه مرهفتان وانفه متجه بالشميم نحونا. وبرقت عيناه الصغيرتان بالمودة، وكانت حلته سمراء داكنة.
لقد غالبتني الدهشة اذ لم يمكني في حياتي سنجاب ان اراه مليا، فلقد رايت سناجيب تقفز امامي قفزات الجن، وكأنها السهام المنطلقة، فما تمكنت يوما ان اشاهدها حية مكثبة مني. ولو في اعالي الشجر او ابعاد الارض، لكن سنجاب فينا الأليف الحبيب جاءني ملاعبا مداعبا، فتركته يمرح امامي، داخلا تحت المقعد وخارجا، لألقاه بعيني وسمعي وحسي كله.
وحين لم يجد معنا ما نطمعه، اذ لم نتخذ اهبة لتلك المفاجاة - انصرف عنا. ولست اجهل ما كانت خواطره في ضيوفه الشرقيين.
وحل مكانه ما هو أدهش، عصافير دوبريه صغيرة كالعصافير التي في بلادنا، تجئ لتقف على قدمي وهي تسقسق حولي. والعصافير التي نعرفها منذ خلقنا ملأى بالفزع، لا يكاد ظل انسان يقرب منها حتى تطير مرتاعة، وما عرفت احدا استطاع ان يمسك بعصفور امساك اليد. ولعل تلك العصافير النمساوية جاءتنا مسترفدة، كذلك السنجاب، فلم تجد لدينا رفدا.
وظللت اعجب في مسير زوارتي للأمصار الاوروبية بألفة الحمام للناس، يقف على رؤوسهم وعلى اكتافهم ويستريح على ايديهم فيطعم من بذور يشتريه الناس له وقد شاهدت في "لندن" بميدان "الطرف الأغر" الوفا من هذه الطيور الأليفة، ورايت شعبها الهادئ الودود في صحون كنيسة القديس بطرس بروما، وادهش ما عاينت من اسراب الحمام ما ملأ بلاط الفناء امام كنيسة "سان مارك بفينيسا". هناك كنت أذري البذور للطيور فتتجمع حولي حتى سدت على القدمين، لقد كانت أليفة هادئة تدور يمنة ويسرة أمامي وتهفو الى رافعة مناقيرها الحمر لتتلقف حبي وكانت الوان ريشها سماوية، وقل فيها البياض.
وكان معنا شاب شرقي أحب أن يمزح مع واحد من هذه الطيور، فامسك به وعصر جناحيه ولوى عنقه فتملص الحيوان الصغير المسكين من قبضة يديه، وطار، وعيني ترافق طيرانه، وعلا في مطاره حتى حط على الحصان النحاسي الذي ورثته فينيسيا من عاديات روما ووضعته على  جبين كنيستها الكبرى بحذاء السقف الشاهق وهنالك لبثت أشاهد الحمامة الهاربة من الانسان المادي وقد نفضت جناحيها واستعادت امنها وقد تخيلتها تتنفس نفسات الحرية التي كادت ان تسلب منها، ولم تهبط مرة ثانية طول وقفتنا في صحن "سان ماركوس بفينيسيا". والتفت لارى ذلك الفتى الذي ازعج الحمام عن مجاثمه، فرايته يسعى ليمسك بالطيور ويعصرها بين يديه.
لقد عرفت ما دار في خواطر سنجاب فيينا وعصافيره بوهمي، والقى في اعماق سمعي ما كانت تقوله تلك الحمامة وهي على الحصان النحاسي وفوق جبين المعبد الشاهق.
وعدت من رحلتي وانا ذاكر لابي عثمان الجاحظ، فقد كان يهوى مشاهدة الحيوان، وتشوقه الطيور، وكانت له مساجلات مع الحمام. انه درس نفسه وعرف اسرار مرحه وانسابت في مسارب سمعه نغمات هديله. لقد كنت انقل الجاحظ معي في تلك المشاهد، فقد عرف في شؤون العصافير، وكتب الطيور بما يحير الالباب، على مسيرة الاحقاب.
  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here