islamaumaroc

الإمام محمد بن إدريس الشافعي

  دعوة الحق

العددان 147 و148

امتاز القرن الثاني للهجرة النبوية باستقرار الامر للدولة العباسية فاتجهت هذه الدولة الى تنشيط الحركة العلمية والفنية، وكثر العمران، وتجلت مظاهر الحضارة والتمدن وتنافس العلماء على اختلاف طبقاتهم لتدوين معلوماتهم وضبطها وإتقان شأنها.
وهكذا رأينا الفقهاء الاعلام يحررون المسائل الفقهية، ويؤصلون الاصول للأحكام ورأينا المحدثين يعطون العناية الكاملة لتدوين الأحاديث وترتيبها وتمييز غثها من سمينها، ورأينا الفلكيين والرياضيين والمتعاطين للعلوم الفلسفية يترجمون ويدرسون ويبحثون، ورأينا العلماء والأدباء يتناظرون ويتناقشون، ورأينا الباحثين والنقاد اللغويين يرحلون في طلب المعرفة ويتصلون بمختلف الرجالات الذين أنجبتهم التربة الإسلامية، والذين أصبحوا مقصد المستفيدين والمتعلمين، كما رأينا الدولة مهتمة كل الاهتمام بتشييد مظاهر العمران مشجعة كل التشجيع جميع أنواع المعرفة مولية أصحابها الحظوة والتقدير.
لقد ازدهرت الحياة الفكرية، وأقبل العلماء يقتبسون ممن فلسفة اليونان وآداب الفرس وحكمة الهند، ما يتلاءم مع القيم التي جاء بها الإسلام وما يزيد في تراثهم الحضاري.
وفي هذا العصر بالذات، صارت تظهر بعض الحركات الهدامة التي أرادت أن تكبد الإسلام، وتبين للقضاء على قيمه المثلى، فبرز الزنادقة بأفكار ترمي لإفساد الجماعة الإسلامية، وأدخلت بعض الآراء والأفكار على بساطة الفكرة الإسلامية، وكثر الجدل والنقاش بين ارباب الراي والمحدثين من العلماء الفقهاء واختلفت اوجه النظر في استنباط الاحكام من الاصول المعتبرة، وتجلى هذا الاختلاف خصوصا بامتداد رقعة الدولة الاسلامية، من الحجاز والعراق والشام الى الفسطاط والأندلس والمغرب.
في هذا العصر بالذات برزت شخصية الامام محمد بن ادريس الشافعي فمن يكون الامام الشافعي هذا؟

نسبـــــــه
هو الإمام ابو عبد الله محمد بن ادريس الشافعي، يمتد نسبه الى عبد مناف بن عبد المطلب، ويجتمع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه.
لقي احد أجداده شافع بن السائب.. رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مترعرع وكان أبوه – السائب - صاحب راية بني هاشم يوم بدر(1).

مولـــــــــده
ازداد الامام الشافعي بمدينة غزة على اصح الاقوال وذلك سنة 150 للهجرة النبوية. وقيل ان ولادته كانت في اليوم الذي توفي فيه الامام ابو حنيفة النعمان.

نشأته
نشا يتيما في اسرة فقيرة فحمل الى مكة المكرمة وهو ابن سنتين حيث تربى تربية سليمة في منزل الوحي وموطن ولادة الرسول عليه السلام، وما ان بلغ سن التمييز حتى دفع به الى التعليم فحفظ القران وهو ابن سبع سنين، وحفظ الموطا وهو ابن عشر سنين.
حدث اسماعيل بن يحيى قال: سمعت الشافعي يقول حفظت القران وانا ابن سبع سنين وحفظت الموطأ وانا ابن عشر سنين. وروى عنه انه قال لما اتى علي سنتان حملتني امي الى مكة وكانت نعمتي في شيئين: في الرمي، وطلب العلم، فنلت من الرمي حتى كنت أصيب من عشرة، عشرة.
قال عمر بن سواد: وسكت عن العلم. فقلت له: انت والله في العلم اكثر منك في الرمي.
ولقد ارتأى المشرفون على تربيته وتكوينه ان ينقلوه الى البادية العربية حيث يكتسب سليقة عربية ويتقن العربية الفصحى الخالية من كل اعجمي أو دخيل. فرحل الى قبيلة هذيل وهي ما هي في مكانة اللغة وفصاحة الألفاظ فصار يتعلم كلامها ويأخذ عن رواتها ما يحفظونه من الشعر ويرونه من ايام العرب وانسابهم.
قال الشافعي: اقمت في بطون العرب عشرين سنة، آخذ أشعارها ولغاتها وحفظت القران، فما علمت انه مر بي حرف الا وقد علمت المعنى فيه والرماد، ما خلا حرفين: قال الراوي حفظت احدهما ونسيت الآخر احدهما: دساها.
ومقامه بالبادية العربية، وفي قبيلة (هذيل) بالذات، جعله يتعمق في ادراك اسرار اللغة العربية ويتذوق بلاغة أساليبها ثم جعله يتفهم معاني القرآن الكريم الذي نزل بلغة عربية فصيحة سجد له بسببها حتى غير المعترفين بنبوة الرسول الكريم عليه السلام. واتقانه للغة العربية وتعرفه لأسرارها ومعرفته بشعرائها وبلغاتها جعل الأصمعي وهو الإمام الثبت الحجة في ميدان البلاغة، يصحح على الإمام الشافعي شعر الشنفري.

ثقافتــــــه
درس الشافعي جميع العلوم التي كانت تدرس في عصره وتعرف الى مختلف المذاهب الإسلامية فدرس أصولها دراسة فاحصة، وكان أول حياته مختصا في دراسة  مذهب مالك رضي الله عنه متبعا له حافظا للموطأ.
روي عنه انه قال: قدمت على مالك وقد حفظت الموطأ فقال لي: احضر من يقرأ لك فقلت أنا قارئ فقرأت عليه الموطأ حفظا فقال إن يك احد يفلح فهذا الغلام(2). 
ثم بعد تمكنه من الاطلاع على اسرار المذهب المالكي تاقت نفسه الى التعرف على مختلف الاتجاهات المذهبية الموجودة في وقته فتتلمذ على محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة وصاحبه وتعرف على مذهب الإمام احمد بن حنبل رضي الله عنهم أجمعين.
ومن المعلوم ان العلماء انقسموا في ذلك العهد الى طائفتين كبيرتين طائفة اهل الحديث وكان مركزها بالمدينة المنورة ويمثلها الإمام مالك ابن انس إمام دار الهجرة والمغرب وطائفة أهل الرأي بالكوفة، ويرأسها الإمام ابو حنيفة النعمان، صاحب اكبر مذهب من المذاهب الاسلامية في العالم الاسلامي.
اما الطائفة الحديثية الاولى فاشتهرت بتمسكها بنصوص الكتاب والسنة وأتباعها لعمل اهل المدينة واقوال الصحابة، بعيدة عن القول بالرأي والتوسع في الاجتهاد، الا اذا انعدم النص القرآني أو الحديث حيث تقول بالقياس المستمد من الأصلين المذكورين حسبما هو مبين في اصول مذهبـــــها(3).   
وأما الطائفة الثانية فلقد دفعها بعدها عن مهد السنة من اهل الحجاز الى التشدد في أخذ الحديث فعملت ائمتها بالرأي وأخذت تتعمق في الاجتهاد في الجزئيات التي تحدث وتتوسع في الإجماع والقياس والاستحسان(4). 

مذهبـــه
لقد كان الإمام الشافعي متبعا أول عهده مذهب شيخه الإمام مالك بن انس ولكن اتصاله بغيره من العلماء والأئمة، وسماعه عليهم جعله يكون لنفسه مذهبا جديدا لا يبتعد عن راي اهل الحديث ولكنه لا ينبذ أهل الرأي كذلك فهو مذهب وسط بينهما.
ولقد ضبط الإمام الشافعي الأصول التي جرى عليها في اجتهاده، فهو يقول في كتابه الام: العلم طبقات شتى: الأولى الكتاب والسنة اذا ثبتت، ثم الثانية الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة، والثالثة ان يقول بعض أصحاب النبي التي صلى الله عليه وسلم قولا ولا نعلم له مخالفا منهم والرابعة اختلاف النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك والخامسة القياس ولا يصار الى شيء غير الكتاب والسنة، وهما موجودان، وانما يوجد العلم من أعلى(5).  
فمذهب الشافعي يرجع أولا إلى القران الكريم، ولا يتزحزح عنه الا اذا ثبت لدى ارباب المذهب ثبوتا قطعا ما يصرفهم عن اتباع ظاهر آياته.
والاصل الثاني من أصول المذهب الشافعي هو سنة الرسول عليه السلام، ولو كان راويها واحدا شريطة ان يكون راويها ثقة في دينه معروفا بالصدق في حديثه، حافظا عالما بما يحدث به، بريئا من التدليس في روايته ثم ان يكون الحديث متصلا بسنده الى الرسول (6). والأصل الثالث الإجماع.
ثم القياس بشرط ان يكون له اصل من الكتاب والسنة.
والشافعي يرى أن القياس هو الاجتهاد ذاته، ولا يقول بالاستحسان والمصالح المرسلة مثل الاحناف في الاول والمالكية في الثاني(7). 

الشافعي يضع أصول الفقه:
اشرنا فيما سبق الى ان الشافعي كان يتمذهب بالمذهب المالكي ثم بعد سماعه من أئمة آخرين امثال الشيباني صاحب ابي حنيفة والامام احمد بن حنبل، صار يتكون عنده مذهب ليس بالحديثي الصرف وليس من ذوي الرأي المحض بل يعتبر مذهبا وسطا بينهما والذي دفعه لتكوين هذا المذهب ما عاشه وعاينه من الجدل بين أصحاب الاتجاهات المختلفة في المسائل الفقهية.
فكان نظرا لما آتاه الله من توقد في الذهن، واطلاع على الآراء، ومعرفة بأسرار التشريع يتطلع إلى إيجاد قواعد وأصولا يرجع إليها الباحث فتهديه أصوب الطرق التي يسلكها وتعصمه من الخطأ الذي ربما يدفع إليه الجدل والحوار.
وهناك أسباب أخرى دفعت بالإمام الشافعي إلى وضع أصول للفقه الإسلامي هي: ضعف اللسان العربي بسبب اختلاط العرب بالعجم وبعد العهد بين عصره والعصر النبوي، وكثرة الوضع في أحاديث الرسول عليه السلام، وتجدد حوادث ووقائع لا يستطاع الوقوف على أحكامها مباشرة من القرآن والسنة(8).   
لقد وضع الإمام الشافعي أصولا للفقه الإسلامي لم يسبق اليها، قال الشرازي اتفق الناس على أن أول من صنف في هذا العلم: "علم أصول الفقه" الشافعي وهو الذي رتب أبوابها، وميز بعض اقسامها عن بعض، وشرح مراتبها في القوة والضعف..
لقد دون الشافعي اصول الفقه في رسالته التي ألفها ببغداد ثم راجعها بمصر وتكلم فيها عما يحتاج اليه المجتهد ازاء القرآن من العام والخاص، والناسخ والمنسوخ، وما يقبل منه ولا يقبل، وتكلم عن الإجماع وعن إثبات القياس والقياس، ومتى يجب القياس ومتى لا يجوز ومن له ان يقيس ومن ليس له ذلك، ونقد الاستحسان ورد على القائلين به، وتكلم عن الاوامر وانها تفيد الوجوب الا ان دلت القرينة على غيره، وعن علل الحديث، والاحتجاج بخبر الواحد وما يجوز الاختلاف فيه وما لا يجوز(9).
ان ابتكار علم اصول الفقه يعد بحق من أعظم ما ابتكره فكر قانوني سليم ولقد ذكر صاحبا كتاب "أصول القانون"  ان ابتكار هذا العلم يبرهن على مقدرة فقهية مستقلة ويؤكد ما امتازت به مدرسة الفقه الإسلامي على الرومان وغيرهم من الأمم التي تفوقت في القانون بوضع علم اقترب ما يكون لعلم أصول القانون(10) وهو علم أصول الفقه بحث علماء الفقه فيه مصادر الشريعة الإسلامية وكيفية استنباط الأحكام التفصيلية من هذه المصادر. وهذا العلم يميز الفقه الإسلامي عن أي فقه آخر.
هل يوجد توافق بين أصول الفقه وأصول القانون؟
وما دمنا تكلمنا عن أصول القانون وأصول الفقه فانتشر الى انه توجد بين الأصولين مواضع اتفاق كما توجد مواضع اختلاف (11). فهما يتفقان في ان كلا منهما يبحث في قواعد عامة كما ان هذه القواعد مشتركة بين فروع مختلفة فقواعد أصول الفقه مشتركة بين جميع مذاهب الفقهاء والمجتهدين، وقواعد اصول القوانين مشتركة بين جميع القوانين الوضعية في الأمم المختلفة، وبالإضافة الى ذلك فان كلا من أصول الفقه وأصول القانون يبحث في القواعد الإجمالية دون التعرض للادلة التفصيلية.
وهما يختلفان ويفترقان على ان المبادئ العامة والاصول الكلية في الشريعة الاسلامية مستنبطة من نصوصها، وأحكامها ترجع الى اصول اربعة هي الكتاب والسنة والاجماع والقياس ولا تتعدى هذه الاصول فلا يجوز انشاء قاعدة شرعية، او ابتداع اصل في الشريعة لا يرجع الى هذه الاصول بما يستنبط منها(12) .
اما اصول القوانين فهي مبادئ لا ترجع الى أصول محصورة، بل يجوز انشاء مبدأ في القانون وابتداع قاعدة بمحض العقل دون ان يكونا راجعين الى المبادئ القانونية السابقة فليس لها اصول تشريعية بمعنى مبادئ وكليات تكون ضوابط لكل ما يشرع منها وان كان لها اصول بمعنى مصادر تاريخية.
وتفترق اصول الفقه عن أصول القانون كذلك في ان المبادئ الكلية في الشريعة الاسلامية تتسع لكل زمان ومكان ولا تضيق بالحوادث والازمان. اما المبادئ القانونية فضيقة الدائرة، يراعى في وضعها زمان خاص واحوال معينة، لأنها وليدة زمانها، ونتيجة الارتقاء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي.
لقد تجلت عبقرية الامام الشافعي وسعة اطلاعه، وادراكه لسمو التشريع الإسلامي بابتكاره لهذا العلم الذي يبقى صفحة بيضاء في المدرسة الشافعية.

تآليفـــه:
واذا كان الامام الشافعي رحمه الله ورضي عنه، أضفى على الفقه الاسلامي حلة جديدة باطلاعه الواسع على المدرسة الحديثية ومعرفته الجادة بوجهات نظر اهل الرأي والاجتهاد، فان تآليفه المتعددة سواء منها ما كتبه في بغداد، عندما كان يرتوي بلبان معرفة اصحاب ابي حنيفة، او ما كتبه بمصر عند ما استقر به المقام بارض الكنانة، فاختمرت افكاره واجتهاداته وطلع على العالم الاسلامي بمذهبه الجديد الذي دونه في رسالته في أصول الفقه وكتابه: الام، وهما من أعمق وأصفى ما كتبه من مؤلفات قيل انها كانت كثيرة.

الشافعي المناظر :
لقد امتاز العصر الذي برز فيه الشافعي بكثرة العلماء وقوة شكيمتهم العلمية، كما امتاز باقبال هؤلاء العلماء على البحث عن الحقيقة والانتصار للشريعة الاسلامية والذوذ عنها.
ولقد تفتحت اذهان هؤلاء العلماء عن اجتهادات كانت في منتهى الاستجابة للمقاصد الشرعية، وكانت هذه الاجتهادات تدفعهم الى المناظرة والحوار انتصارا للحق وخدمة الفكر الاسلامي.
ولقد امتاز الامام الشافعي بانه كان من ابرع المناظرين الامناء يتكلم بذلاقة لسان ويبرهن على آرائه بأدلة معقولة، تساعده عربية متينة، رضع لبانها في بادية قبيلة هذيل واطلاع واسع على مدرسة اهل الحديث اكتسبه في المدينة المنورة، ان استعمال الفكر والرأي اخذه عن علماء العراق ومناظرته مع محمد بن الحسن نالت إعجاب الرشيد كما ان كتبه مملوءة بهذه المناظرات وبالرغم عن هذا الباع الطويل، والنفس العالي، فانه رحمه الله لم يكن ينشد الا اظهار الحق والصواب، سواء على يده او على يد مناظره، ولقد اثر انه قال :
ما ناظرت احدا قط، الا احببت ان يوفق ويسدد ويعان وتكون عليه رعاية من الله وحفظه، وما ناظرت احدا إلا ولم ابال بين الله الحق على لساني او لسانه.
قال هرون بن سعيد الايلي: لو ان الشافعي ناظر على هذه العمود التي من حجارة، انها من خشب لغلب، لاقتداره على المناظرة. وعن ابن الوليد بن ابي الجارود قال: ما رايت احدا الا وكتبه اكثر من مشاهدته، الا الشافعي، فان لسانه كان اكثر من كتابه.

الشافعي الشاعر:
لقد كانت مشاركة الشافعي في العلوم مشاركة قوية، فكان يصول ويجول في مختلف الميادين، وان دراسته للغة العربية، شعرها وآدابها واطلاعه على ايامها واخبارها. جعل شيخ اللغويين الأصمعي يصحح عنه شعر الشنفري، ويرجع اليه في تثبيت ابياتها والفاظها وذاك يدل على تمكنه من ناصية الشعر، مثل تملكه لناصية النثر. ومن يدري فلو لم تتجه به الاقدار الى التخصص الفقهي والاجتهادات التشريعية لكان من الشعراء المفلقين والادباء المجيدين.
وان الباحث في ترجمته يعثر له على ابيات شعرية مختلفة، تدل على باع طويل وشاعرية قوية.
فمن شعره
ان الذى رزق اليسار ولم يصب
حمدا ولا اجرا لغير موفق
الجد يدني كل أمر شاسع
والجد يفتح كل باب مغلق
واذا سمعت بان مجدودا حوى
عودا فأثمر في يديه فصدق
وينسب اليه قوله:
كلما ادبني الدهـ
ـر اراني نقص عقلي
واذا ما ازددت علما
زادني علما بجهلي
ومن شعره كذلك:
ماذا يخبر ضيف بيتك اهله
ان سيل كيف معاده ومعاجه
ايقول جاورت الفرات ولم انل
ربا لديه وقد طغت امواجه
ورقيت في درج العلا فتضايقت
عما اريد شعابه وفجاجه
ولتخبرن خصاصتي بتملقي
 والماء يخبر عن قذاه زجاجه
عندي يواقيت القريض ودره
وعلي اكليل الكلام وتاجه
ومن شعره ايضا:
امطري لؤلؤا سماء سرنديـ
ـب وقبضي ابار تكرور تبرا
انا ما عشت لست اعدم قوتا
واذا مت لست اعدم قبرا
همتي همة الملوك ونفسي 
نفس حر ترى المذلة كفرا
وينسب اليه:
ولولا الشعر بالعلماء يزري
 لكنت اليوم اشعر من لبيد
وقال:
لقد اصبحت نفسي تتوق الى مصر
ومن دونها ارض المهامة والقفر
فوالله ما ادري اللفوز والغنى
أساق إليها ام أساق الى قبري

تدين الشافعي وتقواه وتهجده:
نشأ الامام الشافعي نشأة اسلامية قويمة، فكان من القوامين التالين لكتاب الله آناء الليل واطراف النهار، يتلو قول ذي العزة والجلال: "واتقوا الله، ويعلمكم الله" فيجتهد كل الاجتهاد ليرضي ربه، ويتبع ما امره به باذلا جهده في الطاعة والامتثال.
روى عن حسين بن علي الكرابيسي قال: بت مع الشافعي غير ليلة، فكان يصلي نحو ثلث الليل، فما رايته يزيد على خمسين آية، فاذا اكثر فمائة، وكان لا يمر بآية رحمة، الا سأل الله لنفسه وللمومنين اجمعين، ولا يمر بآية عذاب إلا تعوذ منها وسأل النجاة لنفسه ولجميع المسلمين قال: فكأنما جمع له الرجاء والرهبة معا. وقال الشيخ ابو بكر قد كان الشافعي بآخره يديم التلاوة، ويدرج القراءة. واخبرنا علي ابن محسن القاضي في روايته عن الرفيع ابن سليمان قال: كان الشافعي يختم في كل ليلة ختمة، فاذا كان شهر رمضان، ختم في كل ليلة منه ختمة، وفي كل يوم ختمة، فكان يختم في شهر رمضان ستين ختمة.
وعن بحر بن نصر قال: كنا اذا اردنا ان نبكي قلنا، بعضنا لبعض، قوموا بنا الى هذا الفتى المطلبي، نقرأ القرآن، فاذا اتيناه استفتح القران حتى تتساقط الناس بين يديه ويكثر عجيجهم بالبكاء، فاذا راى ذلك امسك عن القراءة، بحسن صوته.

شيوخ الشافعي:
سمع الشافعي من الامام مالك امام دار الهجرة والمغرب ومن سفيان بن عينية شيخ محدثي مكة ومن مسلم بن خالد الزنجي مفتي الحرم المكي ومن محمد ابن الحسن الشيباني فقيه العراق وناشر مذهب ابي حنيفة وغيرهم من العلماء والفقهاء كثير، وروى انه اخذ عن ابن الحسن بصفة خاصة وكتب عنه حمل بعير من الكتب.

ثناء العلماء عليه:
كان الحميدي اذا جرى عنده ذكر الشافعي يقول: حدثنا سيد الفقهاء. وسئل ابو ثور، ايهما افقه الشافعي او محمد بن الحسن؟ فقال ابو ثور: الشافعي افقه من محمد وابي يوسف وابي حنيفة وحماد وابراهيم.
وعن وهب بن كيسان عن ابي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: اللهم اهد قريشا، فان عالمها يملا طباق الارض علما، اللهم كما اذقتهم عذابا فاذقهم نوالا، دعا بها ثلاث مرات.
قال عبد الملك بن محمد في قوله صلى الله عليه وسلم فان عالمها يملا الارض علما، ويملا طباق الارض، علامة بينة الميزان ان المراد بذلك رجل من علماء هذه الامة من قريش، قد ظهر علمه وانتشر في البلاد وكتبوا تآليفه كما تكتب المصاحف، واستظهروا اقواله فهذه صفة لا نعلمها قد احاطت الا بالشافعي.
وعن ابي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ان الله يبعث الى هذه الامة على راس كل مائة سنة، من يجدد لها دينها. قال احمد بن حنبل: ان الله تعالى يقبض للناس في كل راس مائة سنة من يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله الكذب، فنظرنا فاذا في راس المائة عمر بن عبد العزيز وفي رأس المائتين الشافعي. وقال احمد بن حنبل ايضا: ما عرفت ناسخ الحديث من منسوخه حتى جالست الشافعي.
وقال ابو عبيد القاسم بن سلام: ما رايت رجلا قط اكمل من الشافعي.
وقال عبد الله بن احمد بن حنبل: قلت لابي: أي رجل كان الشافعي؟ فاني سمعتك تكثر من الدعاء له. فقال يا بني: كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن هل لهذين من خلف؟ او عنهما من عوض؟

 

 (1) - وفيات الاعيان.
 (2) -الوفيات
 (3) - محمصاني وغيره.
 (4) -  محمصاني.
 (5) -  الاجتهاد والتجديد.
 (6) - الفقه الاسلامي.
 (7) - المصدر نفسه.
 (8) - اصول الفقه للاستاذ بدران ابو العينين.
 (9) -  المصدر نفسه.
 (10) -  اصول القانون لدكتور السنهوري والدكتور حشمت ابو ستيت.
 (11) - اصول الفقه لبدران ابو العينين بدران.
 (12) -  المصدر نفسه.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here