islamaumaroc

الأسرة في الشريعة الإسلامية -4-: أصول الزواج في الإسلام

  دعوة الحق

العددان 147 و148

قد فصلت آيات القران وبيانها في السنة النبوية الطاهرة، الاحكام الخاصة بالزواج واصوله وقواعده، باعتباره قوام الاسرة، واساس سعادتها، واصل طهارتها.
وقد اسلفت القول في الحديث السابق عن الزواج، وبينت ان الشريعة الاسلامية افرغت على عقده صيغة الميثاق الغليظ، وانها صورت امتزاج الطرفين فيه بقوله تعالى: "هن لباس لكم وانتم لباس لهن". كما ركزته على عناصر المودة والرحمة والسكن، وجعلته الخلية الاولى التي تتكون منها الاسرة، وتتفرع عنها غصون الانسانية شعوبا وقبائل تتعارف وتتعاون. واريد ان ابين هنا بان الشريعة الاسلامية اعتنت بجملة من الوسائل هي - اصول الزواج - التي من شأنها اذا روعيت وحوفظ عليها، كانت قوة في الحياة الزوجية، وقوة في استمرارها، ووقايتها من التعرض للتدهور والانحلال، ومنها: الخطبة والتعارف، والاختيار والرضى، والكفاءة والمهر.

الخطبة والتعارف :
الخطبة سبيل الى الزواج في نظر الشرع، والتعارف خبر عمن يقاسمه العيش حلوه ومره، ليكون كل من الزوجين على بينة من امر صاحبه. ويقف الناس من خطبة العروس والتعرف عليها مواقف شتى، فمنهم الذي يحظر على الشباب رؤية العروس او على الفتاة رؤية خاطبها زاعما انه ادرى بالمصلحة فيمنع ابنته من ان يراها مريد الزواج بها، ولا يقنع بحال من الاحوال اذا حاول امرؤ اقناعه، بان رؤية المخطوبة والتعرف عليها، حكم الشرع وامر الله وانه ما احل ذلك الا لفائدة وخير كثير، ولكنه يرفض ذلك في اباء، معتقدا ان في هذا عرضا لابنته كما تعرض السلعة على مشتريها، ان هذا الراي فيه كثير من الاجحاف بحق الزوجين، فان في مفاجاة كل منهما لصاحبه دون ان يسبق بينهما تعارف ما او رؤية ما تعريض الحياة الزوجية للانحلال اذا قدر للقلوب ان تتنافر، وللضمائر الا تسكن، فمن الانصاف لكليهما ان يرى صاحبه حتى يكون على بينة من امره لئلا يشعر بغبن فيما بعد اذا ظهر له ما يرضيه من صاحبه وتجاذب الارواح وائتلاف النفوس، واتفاق الميول. كل هذا اساسه الرؤية وتبادل الراي، ومبعثه تعرف هذه الميول واتجاه تلك الرغبات. ولو وضعنا امام اعيننا دائما ان الزواج شركة روحية دائمة، لادركنا الى حد ما قيمة هذه الرؤية وأثرها في الخطبة وان ذلك رفع لشان المراة فلا بد من رضاها، فهي اذن مختارة غير مكرهة ومن حق المختار ان يستبين ما هو سائر فيه من طريق، ولأدركنا كذلك ان التهاون في هذا تهاون بالرباط المقدس الذي جعله الله عماد الكون وأساس العمران.
ومن الناس من يرى ان مجرد الرؤية لا يكفي في اختيار المرأة المتمناة، وتعرف اخبارها وصفاتها، وانما لا بد لمعرفة ذلك في رايه من الخلطة الطويلة، والعشرة السافرة، مهما احاط بها من اخطار. واذا كانت الطريقة الاولى فيها من الغلظة مما يقضي على الاسرة في مبدا امرها، فإن في هاته شرا مستطيرا، فان ما نقراه او نسمعه بين اليوم والآخر، او ما نراه من الصور في البيت والشارع والمنازه الشيء الكثير من حوادث الخاطبين والمخطوبات التي كثيرا ما تؤذي بالشرف والكرامة، وكثيرا ما تسبب اعراض الخاطبين عن المخطوبة فان الشباب يقبل على فتاة ويعدها بالزواج ثم يكاد يعاشرها معاشرة الازواج ويستحل منها ما حرم الله، ولا يخفى ما في هذا من انتكاس خلقي وضيع وارتكاس اجتماعي فاشل، تكون نتيجته ان الشاب ينال من الفتاة في غفلة الرقيب وميتة الضمير ما تبقى بعده حزينة الابد، لانه سيدعها بعد ذلك وقد انف منها محتقرا لها، واخذ يعد العدة للايقاع بفريسة اخرى.
ومن الناس من يدين بنظام (الخاطبة) فطالما راينا ضحايا هذا اللون من التفكير الذي ينتج عنه غالبا غير المطلوب، فياتي للزوج بفتاة لا تتصف بشيء عما يريد، وبالفتاة بزوج ليس فيه مما تنتمي قليل ولا كثير والسبب في ذلك ان اساس هذا اللون، المبالغة والتهويل فلا يصح الاخذ به والاعتماد عليه بل لا بد معه من الرؤية الواضحة. على ان الاسلام لا يمنع ان يرسل الشاب من النسوة من يخطب له، اذا كان يثق بهن ثقته بنفسه، فان من يرسلها حينئذ ستكون وكيلة عنه في كل ما يحب من المرأة، وقد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم ام سليم الى امراة لتخطبها له.
وما دام الامر في الخطبة والتعارف على هذا الوضع الشاذ من الخوف والمبالغة والمغالاة، فقد شقت الشريعة الاسلامية حفاظا على بناء الاسرة طريقا يرضي الشرف والكرامة ولا يهمل الغرائز والطبائع والميول، بل ينظر الى كل اولئك في عدل وانصاف فقد اباح الشارع الحكيم للرجل ان ينظر الى المرأة ويكرر النظر اليها اذا كان يريد الزواج بها، بل حثه على ذلك لما فيه من التاكد مما يدعوه الى طلب يدها. روي عن المغيرة بن شعبة انه خطب امراة فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "انظر اليها فانه احرى ان يؤدم بينكما" أي تخصيل الموافقة والملاءمة. وعن جابر رضي الله عنه، ان النبي صلى الله عليه وسلم قال "اذا خطب احدكم المراة فإن استطاع ان ينظر منها الى ما يدعوه الى نكاحها فليفعل". قال جابر "فخطبت جارية فكنت اتخبا لها حتى رايت ما دعاني الى نكاحها فتزوجتها". وعن ابي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل اراد ان يتزوج امراة: "نظرت اليها؟ قال لا، قال اذهب فانظر اليها". ولما قدم المهاجرون الى المدينة قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: "ان في اعين نساء الانصار حببا فلا تتزوجوهن حتى تنظروا اليهن". وقد قصد الشارع بهذا الاحتياط لبناء الاسرة على اسس مستقرة وعلى رضى احد الطرفين بالآخر، وبقسطه من الحسن.
وقد جوزت الشريعة الاسلامية النظر الى معظم جسد المراة ولا يحتاج ذلك الى اذنها، فقد اختبا جابر حتى راى المراة التي يرغب في زواجها، وقد كشف سدنا عمر بن الخطاب عن ساق ام كلثوم بنت علي كرم الله وجهه لما بعث بها سيدنا علي لينظرها، لانه ان كرهها قبل الخطبة تركها من غير ايذاء، وعلى العكس من ذلك بعد الخطبة أي ان يرتبط معها بذلك الرباط الوثيق وهو عقد الزواج.
هذا هو ما اباحته الشريعة الاسلامية وجوزته، والذي منعته وحظرته، المعاشرة المطلقة والخلوة بالمراة مع عدم حضور ذي محرم من اقاربها، ولا يضير الاجتماع بمحضر اسرتها والحديث اليها لمعرفة اخلاقها وحسن سلوكها والبحث عن حالتها الاجتماعية، لانه لا حجر على حرية الاختيار التي هي اساس في الخطبة، ثم أي سمو اعظم من هذا السمو، وبخاصة وقد احل للمراة ان ترى من خاطبها ما تحب مثل ما يرى منها، فمن اراد ان يتزوج زواجا شرعيا قائما على رغبته في الاحصان والعفاف وبناء الاسرة الدائمة المطمئنة، فعليه ان يحطم التقاليد ويكسر الاغلال، والا يستمع الى ذلك الهراء الذي اتخذه الناس دينا، وعليه الا يخرج عن تعاليم الدين الاسلامي، ولا تطغى عليه شهوته فيقع في المحظور.
والخطبة لها قيمتها الكبرى في الاسلام، ولا ادل على ذلك من تحريمه لخطبة المرأة المتزوجة، لان معنى ذلك دعوتها الى مفارقة زوجها وتشتيت الاسرة التي بنيناها معا، واذا خطب احد امراة ولم يعقد عليها بعد فلا تجوز خطبتها كذلك لغيره، الا اذا كان قد عدل عنها، يدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة بن عامر الذي رواه احمد ومسلم: "المومن اخو المومن فلا يحل للمومن ان يبتاع على بيع اخيه، ولا يخطب على خطبة اخيه حتى يذر".
واخرج البخاري والنسائي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يخطب الرجل على خطبة اخيه حتى ينكح او يترك". والنهي هنا للتحريم. وهذا تشريع في أرقى درجات السمو، واعلى منازل الادب فيه رعاية الحرمات، وما يجب على المراة نحو غيره من المسلمين.
ولا يغيب على البال ان هذه الفترة التي تسبق الزواج هي اسعد فترة في حياة الانسان لانها تعتمد على الخيال كثيرا، وتغمرها الاماني والاحلام، ومن الخير ان يطيل المرء هذه الفترة التي بين الخطبة وبين يوم الزفاف، وذلك لأن للزوج آمالا كبارا فهو يريد لزوجته الصفات التي تحتل تفكيره حين يفكر في الزواج وهو في الغالب لا يجد تلك الاوصاف التي يرجوها متحققة فعليه ان يتنازل عن بعضها ومن السهل ان يجد بديلا منها، وكذلك تامل المراة في الرجل صفات شبيهة بتلك الصفات التي تودها الا انها قد لا تجدها كلها، فيجب والحالة هذه الاستغناء عما يمكن الاستغناء عنه فلا بد اذن لكل من الرجل والمراة من التحقق بنفسه من هذه الصفات، وخير وسيلة الى ذلك اطالة مدة الخطبة حتى يكونا على يقين من اخلاق كل منهما عند ارادة البناء والدخول في الحياة الزوجية، وبذلك تذهب فورة العاطفة ويجد العقل مجاله الطبيعي في التفكير والاختيار. ولا شك ان فسخ الخطبة ان لم يرض كل عن صاحبه اهون من المشاحنات المنزلية التي لا تلبث ان تنقلب الى نوع من الحرب العائلي المقيت مما يجعل الاسرة تعيش في جحيم وسعير، وخير من الطلاق آخر الأمر. ومن الخير للزوج الا يكون لينا سهلا في هذه الفترة، بل من الانصاف الا يكتم ما يريد من نهج وما يبغي من خطة، وعليه لن يظهر على حقيقته صرارا على ما ينبغي، وحرصا على ما يريد.

الاختيار    
والدين الاسلامي يضع اصولا لاختيار الزوجة المرجوة والمرأة المبتغاة، لانه يعلم ما في الطبائع البشرية من مغالاة في مطالبها ومجافاة للحق، اساسه اختلاف المشارب، اختلافا يجعل بينها احيانا هوة سحيقة وبونا شاسعا فهذا رجل يريد ان يجعل زوجته اسيرة ارادته، تبقى رهينة البيت، اسيرة العادة والتقاليد اذا قال اجابت واذا دعا لبت، وهذا آخر يرى مطامعه في زوجة طليقة من كل قيد، حرة الى ابعد مدى، لا تقف في مدنيتها عند حد، ولا تنتهي في آمالها الى غاية، تجالس هذا وتجادل ذاك. ثم لا يبالي بعد هذا المطلب بشيء، كما ان الناس تفاوتوا ايضا منذ القديم في دواعي اختيارهم لزوجاتهم، فمنهم من يختارها لجمالها، ومنهم من يختارها لمالها ومنهم من يختارها لحسبها ومنهم من يختارها لدينها وخلقها فكيف اذن تجتمع هذه الامال وتلتقي تلكم الرغبات والمطامع وتهذب وتشذب حتى يكون منها القانون الذي يضمن السعادة للاسرة او بالاحرى الاصول الواضحة النهج البيئة المعالم فيستفيد بها من يبغي الزواج؟ انه لا بد من مراعاة هذه الرغبات دون شك حتى تستقيم للبيت سعادته، وتتوافر له رفاهيته فكيف السبيل الى ذلك؟ لقد تكلفت الشريعة الاسلامية بذلك حيث اذ لاءمت بين تلك المطامع او الفت بين تلك الرغبات. وجمعت من كل ناحية خيرها، فاذا بارشادها في هذه النواحي جميعها اقوم ارشاد، واذا بنصحها اجمل نصح واحسنه، فعن ابي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال: "تنكح المراة لمالها وحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك". فهذا اخبار من الرسول الكريم، الذي يدعو الرجال الى التزوج احد هذه الاربع. وقد دل الحديث على ان المراة المتدينة يعتبر الحصول عليها مغنما وكنزا يستحق ان يوصي النبي بالظفر به بقوله: "فاظفر بذات الدين" وذلك لان المرأة الصالحة تعرف واجب ربها وواجب زوجها وواجب اولادها، ثم هي متاع الدنيا ولذاذة الحياة، وما اروع قوله صلى الله عليه وسلم في ذلك: "انما متاع الدنيا المراة الصالحة اذا نظر اليها الرجل سرته، وان غاب عنها حفظته" كما نبه الى خطورة ترك الدين بقوله: "تربت يداك" أي ان لم تظفر بذات الدين تربت يداك وهذه اما كناية عن الفقر، او عن تلوث الشخص ان تزوجها غير متدنية، لانه اما ان تحمله بطيشها على التبذير فيفتقر، او ان تتمرغ في الرذيلة لضعف دينها وخلقها فتدنس عرضه.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم اختيارها لغناها او لجمالها وحده اذ يقول: " لا تزوجوا النساء لحسنهن، فعسى حسنهن ان يرديهن، ولا تزوجوهن لاموالهن فعسى اموالهن ان تطغيهن على الدين ولامة سوداء ذات دين افضل". فاختيار المراة لجمالها او مالها من غير نظر الى عفة ودين امر محفوف بالخطر، كما ان اختيارها للحسب وحده، او مع أي غرض اخر سوى الدين والخلق قد يكون سببا في التفاخر على الزوج وتنغيص عيشه، فعلى الشباب ان يجعل الدين والخلق اساس الاختيار فاذا ضم اليه الجمال او العلم او الحسب، فقد زاد خيرا، وان جمع ذلك كله في شريكة حياته فقد اختار امراة مثالية اجتمعت فيها مباهج الحياة واسباب السعادة وراحة النفس. والحسب هو الفعل الجميل للمرء وآبائه، وهو احد مفاخر المراة منذ القديم، ولا يزال له القوة الدافعة والسحر الغالب، فاذا كانت المرأة من آل بيت عرفوا بالمكارم فان ذلك امارة على انها كأصلها. قال صلى الله عليه وسلم "تخيروا لنطفكم فان العرق  دساس". وقال: "اياكم وخضراء الدمن، قالوا وما خضراء الدمن يا رسول الله، قال: "المرأة الحسناء في المنبت السوء". ولا شك ان اصلها يفيدها فانها تترفع عن مخالفته في سلوكها، وتربي اولادها على سنة اهل بيتها.
وينبغي كذلك اختيار المراة من اسرة غريبة، أي ليست قريبة للزوج فان ابن الأخيرة يخلق في الغالب نحيلا، وذلك لضعف اشتهائها بسبب الالف، بخلاف الاولى فان اشتهائها والرغبة فيها اقوم لعدم الالف، ولعدم الاشتراك القريب في الدم، قال صلى الله عليه وسلم ك "اغتربوا ولا تضووا". ولقد اثبت الاطباء بابحاثهم العلمية تلك الحقيقة التي قالها النبي صلى الله عليه وسلم منذ اربعة عشر قرنا.
وتفضل البكر الثيب لخلو قلبها من رجل آخر، وقد حض النبي صلى الله عليه وسلم جابرا رضي الله عنه على الزواج من البكر بقوله: "هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك". وذلك حين اخبره انه تزوج ثيبا، فاذا وجدت اسباب ترجحها على البكر كانت اولى منها، فقد اقر النبي جابرا لما اخبره انه تزوجها لترعى اخوته الصغيرات لوفاة امهن.
فهذه هي الاصول الواضحة لاختيار الزوجة الصالحة، فمتى راعى الشباب هذه الاصول عند ما يريد الزواج فانه سيقدم للاسرة الابن البار، وللمجتمع الجندي المخلص.
وكما ان الدين الاسلامي يحض الرجل على ان يختار زوجته من ذات الدين والخلق، فانه قد اعطى هذا الحق ايضا لولي المرأة وحضه على ان يختار لها الزوج الصالح المتدين ليعيش الزوجان متجانسين سعيدين ويشب اولادهما في جو من الوفاق الروحي وتقوى الله تعالى فيكونوا في مستقبلهم على منهجهما خلقا ودينا، فان اختاره لها فاسقا فقد أخطأ في حقها وقطع رحمها، قال صلى الله عليه وسلم: "من زوج كريمة من فاسق فقد قطع رحمها". وقال "النكاح رق فلينظر احدكم ابن يضع كريمته". وقال رجل للحسن: "خطب ابنتي جماعة فمن ازوجها؟ قال: من يتقي الله فانه ان احبها اكرمها وان ابغضها لم يظلمها" فان زوجها وليها من فاسق كان آثما.
وينبغي ان يختاره مستقيما، فكم من شاب يمتاز بالغنى والثراء والمنصب والجاه، ولكنه عندما يجد الجد لا يكون له في مجال الحياة نصيب، وانما يعنيه من الحياة لذائذه ومتعه، وينصرف الى هذا تاركا وراءه بيتا في حاجة الى بعض هذا المال، ولكن لا نجد مجيبا ولا سميعا، فعلى الولي ان يختار الشاب الذي يومن بالبيت ايمانا عميقا، ويجعله في مقدمة ما يعنى به، وان يوفر له جهده باذلا في سبيل ذلك كل ما يستطيع من صرف النظر عن مقدرته المالية ما دامت هذه المقدرة تعينه على تكوين بيت سليم، لا مبالغة في مطالبه، ولا مغالاة في نفقاته.
وينبغي ان يختاره ذا نسب، فكما ان العرق دساس في الزوجة، فهو كذلك في الزوج، فان صفات الوالدين ترنها الذرية عنهما، وهذا مبدأ مقرر عند علماء النفس كما انه معروف في طبائع البشر، قال تعالى حكاية عن قوم مريم حين جاءتهم بعيسى من غير زوج: "يا اخت هارون ما كان ابوك امرا سوء وما كانت امك بغيا". يعنون انها عليها السلام من نسب عريق في الصلاح فكيف تاتيهم بعيسى وهي غير متزوجة يريدون بذلك رميها بالسوء.
وينبغي كذلك ان يختاره وليها ذا حسن ووسامة ان امكن، فكما ان الرجل يختار زوجته ذات حسن فكذلك العكس، فان قسم الله لها زوجها ذميما، فعليها ان ترضى به ما دام صاحب دين وخلق كريم كما يرضى بها الزوج ان كانت كذلك. قال الاصمعي: "دخلت البادية فاذا انا بامراة من احسن الناس متزوجة رجلا من اقبحهم وجها، فقلت لها أترضين أن تكوني زوجة لمثله، فقالت يا هذا: يا هذا لقد أسأت في قولك لعله احسن فيما بينه وبين خالقه فجعلني ثوابه، او لعلي اسات فيما بيني وبين خالقي فجعله عقوبتي، افلا ترضى بما رضي الله لي فاسكنتني".
فهذه هي اهم الاسباب التي يتلمسها الناس في اختيار الزوجات والازواج، والتي اقرتها الشريعة الاسلامية، فعلى كل من الرجل والمرأة الا يغتر بالمظهر يبرق فيغشى البصر، ويكذب الواقع، ويصرف عن الحقيقة، بل ينظر قبل كل شيء الى اللباب والجوهر الذي هو الاساس في طول العشرة وبقاء الحياة الزوجية.

الرضى:
لم تكتف الشريعة الاسلامية في وسائل تكوين الاسرة وبناء الحياة الزوجية على التعرف والاختيار، وانما اوجبت بعد ذلك تمام الرضى من الطرفين، لان في ذلك تجاذب الارواح، وائتلاف النفوس واتفاق الميول، فلا بد اذن من الرضى لان كلا من الزوجين مختار غير مكره، ومن حق المختار ان يستبين ما هو سائر فيه من طريق، لا ان تعصب عيناه ثم يقال له سر فانت مختار، وليست الموافقة في نظر الشريعة الاسلامية خاصة بالرجل فقط، وانما هي من حق المراة ايضا، فلها ان توافق او لا توافق ما دامت تغلب حكم العقل في الحالين، اذ لا يكلفها الاسلام عسرا من امرها، ولا شططا في حياتها، ولا يأخذها في هذا الامر الخاص بها بالعنف فليس فيه اكراه لها على زوج لا ترضى عنه، ولا قهر على رجل لا تحبه ولا توافق عليه لان طباعها لا تتفق وطباعه واخلاقها لا تتناسب واخلاقه، ورضاها يحصل بالقول والاشارة او غيرهما مما يدل على قبولها وقد اجاب النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لما قيل له، ان البكر تستامر  فتستحي "سكوتها اذنها". فكيف يجوز للاب ان يزوج ابنته بغير رضاها الى من يريد هو، وهي اكره الناس فيه وهو ابغض شيء اليها ومع هذا ينكها اياه قهرا ويجعلها اسيرة عنده.
وكما امرت الشريعة الاسلامية بان ياخذ الولي راي المخطوبة في شريك حياتها، امراته كذلك ان ياخذ راي امها التي هي ادرى الناس باحوالها، فعن ابن عمر رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "آمروا النساء في بناتهن". كما صح عنه: "ايما امراة تزوجت بغير اذن وليها فزواجها باطل وكررها ثلاثا". وهذا ما يتفق مع قوله تعالى في شؤون الاسرة: "وائتمروا بينكم بمعروف". وقوله: "عن تراض منهما وتشاور". فلا شك ان الشارع يرغب في قيام رباط الاسرة على اساس من رضى الزوجين واقربائهما ما امكن.
وبهذا الوضع تحفظ الشريعة الاسلامية للاب سلطته الابوية، وتصون للبنت ادبها مع تمكينها من الاعراب عن رغبتها. وبهذا الوضع ايضا لا نرى ابا يستبد بسلطان الابوة في تزويج بنته دون تعرف رضاها ولا رضى امها، ولا نرى فتاة تخرج عن سلطان ابيها وامها وترتبط بزوج لا يعرف اهلها شيئا عنه، وكلا الامرين قد يؤدي الى فتن لا تقف عند حد: تتمرد الفتاة على الزوج الذي اكرهت عليه، فتقيم امها حربا شعواء على الاب والزوج معا، فيفسد البيتان وتشقى الاسرتان، وربما يتملك الاب الغضب لكرامته فيفتك بابنته، او بمن اختارته زوجا لها دون امره. فحفظا على كرامة المراة وسلامة سمعة الاسرة رغبت الشريعة الاسلامية في ان يكون زواج الرجل والمراة عن تشاور كل منهما مع ابويه وحتى مع اقربائه، وذلك ادعى للسلام العائلي، واطيب لحسن العلاقات بين ذوي الارحام وذلك ما يدخل في تقوى الارحام التي حث عليها القرآن الكريم بجانب تقوى الله: قال تعالى: "واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام".

الكفـــــــــــاءة:  
ولم تقف الشريعة الاسلامية عند هذا الوسائل السابقة في بناء الاسرة من التعرف والاختيار والرضى وانما طلبت شيئا آخر، هو في الكثير الغالب ضمان لقوة الالفة وحسن العشرة ويسر تبادل الرأي والاقتناع والموافقة، ذلك هو ان يكون الزوج كفأ للزوجة في الفضائل التي يعتز بها في حياتهم الاجتماعية. كان يكون مناسبا للمراة في دينها وحسبها ونسبها، وحالها، ومالها.
وقد منعت الشريعة الاسلامية زواج الكافر بالمسلمة كتابيا او غيره، وذلك لان القاعدة الشرعية تقتضي اتباع الاولاد لابيهم في الدين والنسب، فلا يمكن السماح بوسيلة تجعل اولاد المسلمة تابعين لاب كافر، والفسق بالجوارح ينبغي اجتناب صاحبه لأنه يؤثر على الحياة الزوجية واخلاق المراة، وقد ثبت في الحديث الشريف السابق: "من زوج كريمته من فاسق وهو يعلم فقد قطع رحمها". والكفاءة في الحال هي سلامة الزوج من العيوب كالبرص والجنون وسائر العيوب التي توجب فسخ النكاح، واما الكفاءة في المال فهي ان يكون قادرا على المهر والنفقة، فالغنى ليس بشرط في الكفاءة، بل مطلق القدرة على الانفاق هو الشرط المعتبر، فإذا كان الرجل عاجزا عن السعي او يسعى من وجهة يدركها منه معرة كالذي يتكفف للناس، فان الاب يمنع من تزويجها له.
فالكفاءة التي هي حق خاص بالمرأة او الولي هي في صالح الزوجة وصالح أسرتها أكثر مما هي في صالح الزوج واسرته، وقد قصدت الشريعة الاسلامية بذلك شيئا ممهما جدا، فما من شك في انحطاط مكانة الزوج من مكانة الزوجة، يجعلها دائما تنظر اليه بعين الاحتقار، وتلتقى في شان من الناس نظرات النقد والتعبير. ومن هنا تابى عليها نفسها ان تخضع لرأيه، او تنزل على مقتضى قوامته وسلطانه، هو زوج في نظر وله حق الازواج وذليل في نظرها فلا تمنحه ذلك الحق فتختلف الحياة، ولاجل ذلك حذرت الشريعة الاسلامية من الوقوع في هذا، واوجبت التنبه والاحتراس منه قبل ان يستفحل الخطب ويدخل الزوج على زوجته.

المهــــــــــر:
لقد اوجبت الشريعة الاسلامية على الرجل عند الزواج ان يبذل للزوجة مهرا سماه الله صدقة، قال تعالى: "وآتوا النساء صدقاتهن نحلة، فان طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا". وهاته الصدقة يتقدم بها الزوج معبرا عنه تقديره اياها وعن رغبته في اتمام الزواج بها، وفي هذا حجة على الذين يعتقدون ان الاسلام لا ينظر الى المادة وانما ينظر الى الروح فقط، وانه لا يكتفي بالصلة الروحية بين الرجل والمراة وانما هو يعزز هذه الصلة بالمهر بالشيء المادي ليرضي الغرائز، ويشبع الى حد ما فهم الاحاسيس، فان في النفس البشرية نزوعا الى المادة، يختلف باختلاف استعدادها للخير وقبولها له، فللمال سلطانه القاهر على النفس الانسانية يمتلك احاسيسها، ويسيطر على عواطفها، واننا لندرك بعد هذا، السر في تشديد الرسول صلى الله عليه وسلم في امر الصداق ايا كان قدره، وذلك حين قال لمريد الزواج وليس ميسورا: "التمس ولو خاتما من حديد". ولا يسيطر على قلب المراة ويخلب لبها مثل المال، فهو وسيلتها للزينة والحلي، وطريقها الى المتعة واختلاب الباب الرجال، واجتذاب قلوبهم وامتلاك افئدتهم.
ان الصداق مشروع لتقوية الرابطة بين الرجل والمراة، وكانه دليل قوي على ان الرجل يهوى المراة، ويريد البناء عليها، وانه لهذا ضحى في سبيلها بالمال حسب الطاقة وجهد الاستطاعة واذا احست المراة ان الرجل ضحى في سبيلها بالمال الذي هو في نظرها في المكان المرموق، اخلصت للرجل واقبلت عليه وكان هذا احرى ان يؤدم بينهما.
وقد صور بعض خصوم الاسلام المراة المسلمة - فيما يتعلق بتشريع المهر - بالمراة القابلة للبيع والشراء، ولم يفهموا الحكمة من المهر بانه نصيب الرجل في بناء الحياة البيتية، وان هذا الالتزام من جانبه وحده لما فرض عليه من قوامته على المراة ولما فرض فيه - بحكم الطبيعة - من انه المكافح في الحياة، فالمراة في اروبا بحكم العرف عليها ان تؤسس لخاطبها بيت الاسرة المقبلة التي ستتكون منها مبدئيا، فكون المراة تتحمل تأسيس الاسرة وهي دون الرجل في القدرة على المكافحة في الحياة قلب للوضع الطبيعي، ذلك ان طبيعة الحياة تقضي ان يدفع الرجل الصداق، لا ان تدفعه المراة، فمن شان الرجل الكد والسعي، والجد والعمل، وتحمل المشاق مهمت تتابعت والاهوال مهما ادلهمت. ومن شان المراة اللين، والعمل في محيط مملكتها الهادئة الوادعة، والاشراف على ذلك المصنع الذي يخرج الاولاد، وتكليفها ان تدفع هي المهر انتكاس لطبيعة الحياة، وانعكاس لقضية الوجود. فالاسلام لا ينظر الى الزواج على انه عملية تجارية فيها بيع وشراء ومزايدة في السعر كما اعتقده خصومه، بل ينظر اليه على انه رابطة تعاونية مقدسة لتاسيس الاسرة السعيدة. وان الرجل بقوامته على المرأة هو الذي يدفع المهر المفروض عليه في الإسلام.
وقد حثت الشريعة الاسلامية بكثير من الارشادات النبوية على يسر الصداق وخفته، قال عليه الصلاة والسلام: "من بركة المرأة سرعة تزويجها ويسر مهرها". وقال: "خير النساء أحسنهن وجوها وارخصهن مهورا". اما العادة السارية الآن عند البعض من اشتراط المهور الفاحشة لبناتهم والتي سببت احجام الشباب عن الزواج لعدم استطاعتهم تلبية تلك النفقات الباهظة التي لا يستطيع تاديتها صاحب الدخل المحدود، فهي مما يخالف روح القرآن الذي ورد فيه: "ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله". وقوله صلى الله عليه وسلم : "اذا جاءكم ممن ترضون دينه وخلقه فزوجوه الا تفعلوا تكن فتنة في الارض وفساد كبير". فقد ذكر (ص) الخلق والدين ولم يذكر المال، ونبهنا الى اننا اذا لم نفعل ذلك، تكن فتنة في الارض وفساد كبير، وهذا ما نشاهده اليوم بين الشباب الذي انغمس في المحرمات، لعدم قدرته تلبية عادات المجتمع المخالفة لروح الاسلام.
والواقع ان التشديد على الازواج بالغلو في المهر كما شاع ذلك بين الناس ليس من مصلحة الفتيات ولا من هناءتهن في حياتهن الزوجية، فالزوج الذي يستدين بسبب زواجه كثيرا ما يصاب بانقباض النفس وضيق الصدر، وكثيرا ما يقترن ذلك بنظرته الى من كان سببا في شقائه بالدين المؤرق، هذا زيادة على ان ارهاق الراغبين في الزواج يجعلهم ينصرفون عنه الى الانحراف، فيبقى الفتيات عوانس او منحرفات، وشر ذلك على المجتمع اشد من شر الحروب والأمراض.
وكما توصي الشريعة الاسلامية اولياء الفتيات الا يبالغوا في صداقهن، توصي الراغبين في الزواج الا يطلبوا اثاثا معينا، والا يسألوا عما جاء به اصهارهم من أثاث، ولا عن شؤون الزوجة المالية، فان ذلك مكروه كسابقة، ومخل بالمروءة والكرامة. قال النوري: "اذا تزوج الرجل وقال أي شيء للمرأة فاعلم انه لص".
فالصداق اليسير والأثاث الخفيف هو من السنة النبوية، وعلى ذلك درج السلف الصالح، قال صلى الله عليه وسلم "اعظم النساء بركة ايسرهن صداقا" وقال: "خير الصداق ايسره". وكان سيدنا عمر بن الخطاب يقول: "ما تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا زوج بناته باكثر من اربعمائة درهم، ولو كانت المغالاة بمهور النساء مكرمة لسبق اليها رسول الله صلى الله عليه وسلم". وزوج سعيد بن المسيب ابنته من ابي وداعة السهمي على درهمين مع انه كان من اغنياء التابعين ثم حملها اليها وادخلها من الباب وانصرف، ثم جاء بعد سبعة ايام فسلم عليها.
ومن هنا كان من الوصايا التي تلحق بالتعرف والاختيار والرضى والكفاءة. يسر المهور وعدم المغالاة فيها، وبه تشرح الصدور وتقوى الالفة وتطيب الحياة.
هذا هو ما تراه الشريعة الاسلامية من الوسائل التي يجب مراعاتها قبل الاقدام على عقد الزواج تركيزا له على الاسس القوية المتينة، وبعدا به عن اللبنات الرطبة التي لا تلبث ان تذوب فينهار البنيان ويتلاشى الامل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here