islamaumaroc

أبو الحجاج يوسف الثالث ملك غرناطة -1-

  دعوة الحق

العددان 147 و148

كنا قد نشرنا للأستاذ عبد القادر زمامة بمجلة دعوة الحق  عرضا عن مخطوطة أندلسية تحمل اسم مظهر النور الباصر في أمداح أبي الحجاج الناصر لجامعها أحمد بن فركون وتضم هذه المخطوطة بعض أشعار أبي الحجاح يوسف الثالث ملك غرناطة صاحب الديوان الذي حققه الأستاذ عبد الله كنون  بالإضافة إلى أشعار كثيرة قيلت في مدحه وقد حمله الأستاذ أحمد العراقي هذا على أن يقدم للقراء فصلا من بحث قام به عن هذا الملك دار حول عصره وحياته وآثاره وشعره  وذلك رغبة من الأستاذ في أن يطلع القراء على صفحة من الصفحات الأخيرة من الأدب الأندلسي.........

المرحلة الأولى (؟ - 797 هـ)
في كنف والده
1- من هو؟ وما هو أصله؟

هو يوسف الثالث ابن يوسف بن محمد الغني بالله كنيته أبو الحجاج ولقبه الناصر وهو ثاني عشر ملوك بني نصر (4) مؤسسي مملكة غرناطة آخر معقل إسلامي في الأندلس وحاملي لواء الإسلام في ربوعها مدة تنيف على قرنين ونصف من الزمن (635- 897 هـ).
وبنو نصر -هؤلاء- عرب خلص ينتهي نسبهم إلى سعد ابن عبادة سيد أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم وزعيم الخزرج على عهده  (5) وهم يعتدون بهذه النسبة الكريمة ويفتخرون بها، وقلما استغنى مادحوه عن الإشادة بها والوقوف عندها(6) 

2- ميلاده
لا نعلم سنة ميلاده بالتدقيق فالمصادر التاريخية التي بين أيدينا ضنينة من هذه الناحية، فهي قد أغفلت ذكرها ولم تشر إليها بتاتا لكن لا يستبعد أن تكون واقعة في غضون السنوات الأولى من بداية الربع الأخير من القرن الثامن للهجرة.
ولعله لا يجوز لنا أن نمضي بها إلى أبعد من هذا التاريخ لتوفر الإشارة إلى السنة التي احتفل فيها بإعذار والده (السلطان يوسف الثاني) وهي سنة 763 (7)  كما لا يجوز لنا أن نجعلها بعد هذا التاريخ بكثير لكون السلطان يوسف الثاني هذا تولى سنة 793 هـ، وأثناء حكمه القصير الذي لم يدم سوى ثلاث سنوات كان قد اختار لولاية عهده ابنه الأكبر وسميه يوسف صاحبنا الذي كان حسب ما يبدو في سن تؤهله لتحمل المهام.
ومما يدعم هذا القول هو أن أخا يوسف (الأصغر منه) الأمير محمد كان هو الآخر في سن جعلته يتذمر من اختيار أبيه ليوسف فحاول الثورة ضده وتراجع، لكنه لما توفي أبوه استطاع أن يدبر إبعاد أخيه ويتولى الملك مكانه، ولم يكن في هذه الأثناء صغير السن بالدرجة التي تستلفت نظر المؤرخين فيشيروا إلى ذلك على عادتهم.
وإذا صح الذي ذهبنا إليه في تحديد سنة ميلاده جاز لنا القول بأن عمر الأمير يوسف عند وفاة والده كان حوالي  20 سنة أو ينقص عنها قليلا.

3 – نشاته
تفتحت عينا الأمير يوسف على نور الحياة في دار الملك بالحمراء، والمتربع على العرش يومئذ جده الغني بالله، وكانت الحياة التي تدور في القصر آنذاك والتي أحاطت بنشأته وتكوين انطباعاته الحسية والذهنية حياة مرحلة لاهية وصاخبة عنيفة يستلفت نظرنا فيها هذان الوجهان اللذان يمكن اعتبارهما نوعين متميزين من المؤثرات كان لكل منهما أثره البليغ في توجيه شاعرية الأمير وتحديد مجالاتها.
كان لهذه الحياة وجه مرح لاه، فالأمراء يحبون اللهو ويلذ لهم الانغماس فيه، فهم يعقدون المجالس للأنس والطرب ويقيمون النزهات في عرصات وحدائق قصورهم يتعاطون الخمر بين حاشيتهم وجواريهم وغلمانهم ويستمعون إلى الموسيقى والغناء الجميل، تقرض لهم الأشعار ويقرضونها هم أنفسهم إذا تيسر لهم ذلك ليعبروا عن الرغبات والعواطف التي يثيرها محيطهم الحافل بضروب اللهو والمتعة والمرح.
وكان لهذه الحياة وجه آخر عابس وجاد فيه صخب وعنف تمليهما مقتضيات السياسة في الداخل والخارج، فرحاب القصر وأبهاؤه تشهد سلسلة من الخيانات والمؤامرات والاغتيالات، وتتجاوب فيها أصداء الانتصارات أو الاندحارات في المعارك الحربية المستمرة مع العدو، وهذه وتلك تملأ نفوس ساكني القصر بمشاعر لا تقل عمقا عن المشاعر التي يثيرها المرح واللهو وتضرم في القلوب نار الحماسة والشجاعة التي من شأنها أن تلهب شاعرية الشعراء وتلهمهم القول.
ولقد كان لهذه الحياة بوجهيها أثر بليغ في نفس الأمير يوسف، ونحن نلمسه بوضوح في أشعاره، فديوانه يضم غزلا كثيرا، ويضم إلى جانب ذلك شعرا حماسيا وسياسيا كثيرا أيضا.
هذه صورة لوجهي الحياة التي كانت تدور في القصر والتي أحاطت بنشأة الأمير وأثرت في تكوينه وتوجيهه فيما بعد وفي ظلها كان يتلقى تربيته وتعليمه الخاصين به كأمير، فالقصر كان يوفر للأمراء الناشئين أسباب التربية التي من شأنها أن تعدهم لمهام القيادة والرياسة التي ينتظر أن تناط بهم في المستقبل، فيسعى إلى تنشئتهم على الفروسية وحمل السلاح ويوظف لهم المعلمين والمربين الذين يسهرون على تأديبهم وتثقيفهم.

ولقد كان يوسف يحظى برعاية خاصة من طرف والده الذي كان يؤثره بالمحبة والثقة ويعهد فيه رجاحة العقل والشجاعة ويرى فيه الإنسان الجدير بوراثة العرش من بعده، ولم ينس يوسف صنيع أبيه الجميل إزاءه، فقد رثاه بعد وفاته رثاء ملتاعا أشار فيه إلى أياديه الكريمة عليه وعنايته واهتمامه البالغين بشؤونه يقول(8) : 
على ظلال من عناية يوسف          ودوني حسام للخلافة مرهف
تباركني تترى عوارفه ضحى        وينتابني تسآله والتعرف
فلا همة للقلب فيها تهمهم             ولا كلفة للنفس فيها تكـلف
وحاجات نفس لم أراقب مكانها       فكان له منه الرضا والتعطف

4- ثقافته
انصرف الأمير يوسف إلى الدرس والتحصيل وقد تخرج على جماعة ممتازة من العلماء أشار إلى بعضهم في مقدمة كتابه الذي جمع فيه أشعار الوزير الشاعر ابن زمرك (9)، فقد أخذ عن القاضي أبي محمد عبد الله بن جزي وهو- على قول المقري- أديب حافظ قائم على فن العربية مشارك في فنون لسانية.. جيد النظم مطواع القريحة وشعره نبيل الأغراض حسن المقاصــــــــد(10) .
وأخذ كذلك عن "معلمه الثقة المجتهد" أبي عبد الله الشريسي، وهو من تلامذة ابن الخطيب ومن مساعديه الأقربين، أمره بنقل كتابه الإحاطة من مسوداته، وقد مؤدبا لأبناء السلطان ومعلمهم القرآن والسنة(11). 
وأخذ أيضا عن قاضي غرناطة الخطيب الأستاذ أبي عبد الله محمد بن على بن علاق المتوفى سنة 806 هـ (12) وكذا عن أبي المهدي أخي أبي جعفر بن الزيات شيخ الفرقة الصوفية.
هؤلاء زمرة من أساتذة الأمير نلاحظ فيهم وجود الأديب والفقيه والمربي، وتحملنا هذه الملاحظة على القول بأنه قد تهيأت له ثقافة دينية وأدبية وأنه سار في تحصيله وتعلمه على الطريقة الأندلسية في التعليم التي كانت توفر للنشء تعلم القرآن والسنة إلى جانب تعلم العربية والشعر وتجويد الخط(13).
وما أن شب الأمير حتى تمكنت منه أريحية الأدب فأخذ يطالع ويستوعب ويؤلف ويقرض، وكفى به شهيدا على نفسه إذ يقول: "ولقد وقفنا من النثر والنظم للعرب ومن جاء بعدهم على موضوعات لا تكاد تحصى، واستوعبنا على الإجمال والتفصيل من ذلك تأويلا ونصا، وصدرت (14)عنا ناشئات في حجور العناية.. "

ب- المرحلة الثانية (797-811 هـ)
الأمير يوسف سجينا

اختير الأمير يوسف لولاية العهد من طرف والده السلطان يوسف الثاني، وقد أثار هذا الاختيار حفيظة أخيه الأصغر منه الأمير محمد الذي حاول أن يثور ضد أبيه لكنه تراجع وأسرها في نفسه، فلما توفى الوالد دبر أمره مع الزعماء ورجال الدولة لإقصاء أخيه الأكبر عن العرش فقبض عليه وزج به في قلعة شلوبانية الحصينة، سجن الدولة الرسمي على عهد بني نصــــــــــر(15) .
وظل الأمير يوسف سجينا طوال حكم أخيه الذي دام نحو أربع عشرة سنة وقد كان يعاني من شدة الحجر الذي فرضه عليه حتى يأمن منازعته إياه في الملك.
وطبيعي أن يشعر يوسف بوصفه الابن الأكبر والوارث الشرعي للعرش من قبل والده بأنه قد سلب حقه المشروع، وبالفعل فقد كان يعي ذلك تمام الوعي في قرارة نفسه ويشكو من إبعاده عن الملك وسلبه مدخراته والائتمار عليه بعد اليمين التي أداها جهارا بالوفاء، وهذا ما يستفاد من مقطوعة نظمها بعد خروجه من السجن، وقد عارض بها مقطوعة لأبي العباس المريني قالها في ظرف مشابه لظرفه يقول(16): 
أبعدونا تغلبا أبعدونا                 طردونا من ملكهم طردونا
تركونا لما ركنا إليهم               ضحوة الركن جهرة تركونا
سلبونا بعض الذي قد منحنا        من عطايا جزيلة سلبونا
خلفونا بعد اليمين جهارا            ويحهم ما لهم لما خلفونا
حيث عدنا والعود أحمد لكن       إن أساؤوا فإننا محسوننا
ومن الطبيعي كذلك أن يشعر يوسف بالغربة والوحشة والضيق، ولشد ما كان يؤلمه أن يجد نفسه مقسما عن الحضرة وحمرائها والسبيكة فيها والمصلى: إنها مغاني الماضي الجميلة التي كان ينعم فيها بالحياة الهنيئة السعيدة ويتمتع والده فيها بالرعاية والعطف في كنف والده وبين أهله وأحبابه.
يقول من شعر يغلب أنه قيل في السجن، والضمير فيه لأبيه، وقد كان يرثيه في الأبيات السابقة(17):   
سأشكوه قومي حين راموا تنقصي      فقد قطعوا الحبل الذي كان يمرر
سلوه فإن الدمع أعدل شاهد              وإن خفوق القلب ما ليس ينكر
أيصبر عن نجد فؤاد متيم                وتنسى ليالي بالمصلى وتكفر
فإن غبت عن نجد فليس بغائب           ضمير يناجي أو فؤاد يفكر
ولعله كان يخاطب أخاه محمدا الذي باعده وشدد عليه في الحجر عندما قال من نفس القصيدة مشيرا فيما يبدو إلى الجفاء الذي كان يعامله به(18): 
أأضمرتم غدرا لإظهاري الوفا      وأظهرتم ضدا لما أنا أضمر
ألستم بنا الثكلى إذا حان حيننا       وركنكم المهدوم حين يقدر
أبوكم صريح الأصل لكن إخاؤكم      لعلات سوء ليس فيهن خير
وهناك أشعار أخرى يؤخذ منها أن صاحبنا كان يعاني شعورا بالضياع والوحشة والغربة والجفاء في المعاملة، لكن الإشارة إلى مبعث ذلك غامضة يغلب عليها عدم الوضوح التام، الأمر الذي يحملنا على التزام التحفظ في اعتبار أنها تدل على حالته ونوع المعالمة التي كان يتلقاها خلال إقامته في السجن.
ويجدر أن نشير أنه مما لا شك فيه أن شاعرية الأمير يوسف قد استيقظت في هذه المرحلة من حياته وأنه قد بدأ يقرض الأشعار خلالها. ولعل بعض هذه الأشعار مبثوث في ديوانه، ويغلب أن تكون من هذه القصائد التي ينص على أنها من أوليات نظمه والتي يغلب على مضمونها عدم وضوح دلالته التام، إلى جانب ما فيها من الاضطراب في الصياغة الذي يرافق عادة بداية ممارسة الشعر.
وقد بقي الأمير في السجن إلى سنة 811 هـ، وهي السنة التي توفي فيها أخوه محمد.

 (1) دعوة الحق العدد العاشر السنة الرابعة عشرة.
 (2) - حققه ونشره سنة 1959 وصدر ضمن مطبوعات معهد مولاي الحسن بتطوان وقد أعيد طبعه بمصر سنة 1965 وهو يحمل اسم ديوان ملك غرناطة يوسف الثالث. 
 (3) - انجز البحث خلال السنة الجامعية 70- 1971.
 (4) - وليس ثالث عشر ملوكهم كما يظن الاستاذ عبد الله كنون في مقدمة ديوان ملك غرناطة لان الغني بالله ثامنهم (كما ينص على ذلك ابن الخطيب في اللمحة البدرية  ص 100) ويوسف هو رابع من جاء بعد الغني بالله
 (5) - اللمحة البدرية لابن الخطيب ص 21.
 (6) - راجع أشعار الوزير ابن زمرك التي قالها في مدح بني نصر فهي خير ما يتجلى فيه ذلك (أزهار الرياض ج 2 نفخ الطيب ج 10).
 (7) - نفح الطيب ج 10 ص 44.
 (8) - انظر الأبيات في ديوانه ص 144.
 (9) - وهو كتابه البقية والمدرك من كلام ابن زمرك. انظر نفح الطيب ج 10 وأزدهار الرياض (8)2. وسنبت في نسبة هذا الكتاب إليه عندما نتحدث عن آثاره.
 (10) - نفخ الطيب ج 8 ص 54.
 (11) - نفح الطيب ج 9 ص 314 وج ص 142.
 (12) - درة الحجال لابن القاضي رقم 776 والضوء االلامع للسخاوي ج 8 ص 196.
 (13) - المقدمة لابن خلدون ص 538.
 (14) - مقدمة  ديوان يوسف الثالث ص 2.
 (15) - وشلبونية هذه salobrena من أعمال ولاية غرناطة، تقع في الجنوب على شاطئ البحر  الأبيض المتوسط. يقول ابن الخطيب عنها في اللمحة البدرية ص 19: إقليم شلبونية وفيه المعقل العظيم بشاطئ البحر فيه للسلطان قصور نبيهة وبساتين عظيمة.
 (16) - انظر المقطوعتين في الديوان ص 67 -68.
 (17) - ديوانه ص 67-68.
 (18) - ديوانه ص 69.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here