islamaumaroc

نظرية العصبية بين ابن خلدون ومعاصره ابن الأزرق

  دعوة الحق

العددان 147 و148

عندما نضع ابن خلدون بين الكتاب والمسلمين، فنحن لا نعني بذلك انتماءه الى عالم الاسلام جغرافيا او تربية، بقدر ما نعني ان ثقافته مستمدة من الاسلام وانها ترديد لكثير من الآراء والمفاهيم الاسلامية وانها ترديد لكثير من الآراء والمفاهيم الاسلامية التي اعتمد عليها فأصاب حينا واخطأ حينا آخر.. ولهذا فنظرية العصبية "وهي اهم ركيزة في التفكير الخلدوني" لها اصولها الاسلامية، فقد استعملها ابن خلدون بمفهومه الاجتماعي بعد ان انتزعها من الآية القرآنية. (ونحن عصبة) وعصبة منكم ولم يكتف بالنقل اللغوي بقدر ما استفاد من مفهومها الاجتماعي وما توحي من ابعاد نفسية واجتماعية لانها تعني التلاحم وكأنها عصابة الرأس، او عصب الجسم..
ولنقارن بين مفهوم العصبية عند ابن خلدون ومفهومها عند ابن الازرق الذي شرح نظريات ابن خلدون واصبغ عليها فهمه الخاص لا بد ان نرجع الى الباب الثاني من مقدمة ابن خلدون الخاصة بالعمران البدوي والامم الوحشية والقبائل وما يعرض في ذلك من الأحوال..
ويتكلم ابن خلدون في الفصل الأول عن أجيال البدو والحضر حيث يرى انها طبيعية. لأن اجتماع الأجيال إنما هو للتعاون على تحصيل المعاش والابتداء بما هو ضروري قبل الكمالي ويقرر ابن الازرق نفس النظرية في كتابه بدائع السلك حيث يقول في السابقة الأولى من المقدمة الأولى: "ان الاجتماع الانساني الذي هو عمران العالم ضروري، فالإنسان لابد له من الاجتماع الذي هو المدنية ليحفظ وجوده وبقاء نوعه". ويقرر ابن الازرق ان من العوارض الطبيعية لهذا الاجتماع امورا خمسة وهي البدو، والتغلب، والحضر، والمعاش، واكتساب العلوم. ويحلل ابن الازرق في السابقة الثالثة موجب انقسام العمران الى بدو وحضر "لأن التعاون مقصدين الأول يتقرر حسب الضروري، وهو البدو والثاني يتجاوزه الى التكميلي وهو الحضر، غير ان البدو سابق زمنيا على الحضر ومادة له ايضا".
وليس هناك من خلاف بين ابن خلدون وابن الازرق إلا عمل الثاني في التقسيم والاختصار. اما في تحليل طبيعة البدو والحضر فان ابن خلدون يرى ان اهل البدو الى الخير من اهل الحضر بينما يرى ابن الازرق ان في تحليل ابن خلدون شيئا من المبالغة في اتهام أهل الحضر بمعاناة فنون الملاذ، وعوائد الترف والعكوف على الشهوات "فتلونت انفسهم بكثير من مذمومات الخلق" ولهذا فان ابن الازرق يرد عليه بقوله : ومع ذلك فللحضري من الفضل على البدوي ما لا يخفى.. وانما هذا باعتبار ما يعرض من الشر بالقصد الثاني..
ويتفق ابن الازرق مع ابن خلدون في ان اهل البدو اقرب الى الشجاعة من اهل الحضر، لانهم تعودوا الاعتماد في المدافعة عن النفس على الولاة والحماة وصار لهم ذلك خلقا طبيعيا، لان الانسان ابن عوائده ومألوفه لا ابن طبيعته ومزاجه.. بينما يلخص ابن الازرق في السابقة السابعة الفصل السادس المتعلق بمعاناة اهل الحضر للاحكام حيث انها مفسدة للناس وذاهبة بالمنفعة ويرى ابن الازرق ان الغالب ان الانسان انما هو في ملكة غيره وحينئذ فأحكام هذه الملكة أنواع: (الأولى): عادلة وهي لا تغير ما في النفس من شجاعة و(الثانية): قاهرة، وهذه كاسرة وذاهبة بقوة المنعة. و(الثالثة): جائرة، وهي بلا شك مذهبة لليأس. و(الرابعة): تعليمية، وهي تؤثر بعض الشيء لما في التربية من تاثير، ويخص ابن الازرق اشارة ابن خلدون لتربية الصحابة (باعتذار) بان ذلك لم ينقص من يأس الصحابة لان وازعهم من انفسهم لا بتعليم صناعة ولا تأديب تعليمي.. والواقع ان ابن خلدون يمتاز عرضه بقوة الاسلوب والجدل العلمي وتقصي العلل والاسباب والاعتماد على سرد المظان بينما ابن الازرق يمتاز عرضه بالسهولة والوضوح وحسن التقسيم وبساطة التركيب ولا غرابة في هذا الاختلاف بين الكاتبين لان الأول كان رائدا معلما والثاني كان أستاذا شارحا ومعقبا.
وعندما يذكر ابن خلدون في الفصل السابع ان سكنى البدو لا تكون الا للقبائل اهل العصبية ويرى في الفصل الثامن ان العصبية انما تكون من الالتحام بالنسب او ما في معناه، فان ابن الازرق يذكر في السابقة الثامنة ان سكنى البدو لا تتم الا للقبائل ذوي العصبية أيضا لان الظلم واقع من النفوس البشرية بالطبع، الا ان يصد عنه وازع، ولذلك لا بد للبدو من عصبية مشتبكة لتشتد شوكتهم لما جبل في القلوب من الشفقة على ذوي الرحم والقرابة. ويشرح ابن الازرق معنى الالتحام بالنسب بصلة الرحم الطبيعية، وما في (معنى النسب) بالولاء والحلف..
ويذكر ابن الازرق في السابقة العاشرة ان الرياسة على اهل العصبية لا تكون في غير نسبهم، ويساير ابن خلدون في الفصل الثاني عشر بنفس الموضوعية غير انه عندما يعرض ابن خلدون تورط بعض الرؤساء في انساب ينزعون اليها لفضلها لا يعلمون ما يوقعون فيه انفسهم من القدح في رياستهم كادعاء زناتة بني زيان فيزيد ابن الازرق في السابقة العاشرة قوله (قلت، والى الآن ما زال ذلك يدعى لهم، ثم يقول (انصاف) ولقد بلغني عن يغمراسن بني زيان مؤثل سلطانهم انه لما قيل له ذلك انكره وقال بلغته الزناتية: اما الملك فنلناه بسيوفنا لا بهذا النسب، واما نفعه في الآخرة فمردود الى الله، واعرض عن المتقرب له بذلك..
وهكذا فإن ابن الازرق يلخص دائما ابن خلدون ويوضح عبارته ومقصده ويعلق عليه فكان بحق تلميذه وشارحه..

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here