شارك

آراء في الحضارة الحديثة

  دعوة الحق

العددان 147 و148

حدث ازمة الحضارة بلفيف من المفكرين، وعلى راسهم كتاب اروبا الغربية، الى التفطن الى خطورتها المتزايدة واغراضها المستفحلة، وشاع بينهم روح التشاؤم والقلق، واستبد بهم قاتم المخاوف على مصير الجماعة البشرية في ظل حضارة الآلة، فانبروا يحللون جوانب هذه الازمة، ويضعون لها الحلول قلب ان تفضي الي تقويض دعائم الحضارة.
من اولئك الكتاب اسفلد شبتغلر  oswald spengier احد فلاسفة التاريخ الالمان. وهو يرى في كتابه "اضمحلال الغرب" الذي نشر سنة 1922 م ان التاريخ لم يفهم حتى الآن فهما صحيحا تحت تأثير تقسيمه الى قديم ووسيط وحديث، فهذا التقسيم لا يفيد في تحديد وتقييم للمكانة الحقيقية للأحداث التاريخية التي اثرت في أوربا الغربية وطورتها منذ عهد الامبراطورية الرومانية، وذلك في نطاق التاريخ العام للانسانية.
ان انتقاد شبنغلز لهذا التقسيم راجع الى ما يتضمنه من تسليم بان تطور التاريخ عبارة عن اضطراد بسيط في خط مستقيم، ثم ان هذا التقسيم غير متناسب الاجزاء حتى ان فترة التاريخ الحديث لا تفتأ تمتد بما ينضاف اليها من عصور جديدة بلا نهاية محتملة، علاوة على ان من شأن ذلك الا يسمح بتقييم الحضارات الكبرى الاخرى للصين والهند وفارس مثلا كما انه يحدد مساحة التاريخ ويضيق مسرح وقائعه كل ذلك لتكون اروبا الغربية قطبا ثابتا، لا لشيء الا لان المؤرخين الاوربيين يعيشون على ارضها، بينما الحضارات العظمى الأخرى التي عمرت آلاف السنين ما عليها الا ان تكون توابع تدور حول حضارتهم وتنساق عبر تيارها، فإذا جاز هذا لهؤلاء المؤرخين، افلا يحق لاحد الصينيين ان يكتب تاريخا للعالم ويضعه على نسق جديد يلغي من حسابه الحروب الصليبية وعصر النهضة وفريدريك الاكبر؟
ان شبنغلر ينعت موقف اروبا من التاريخ بانه "المذهب البطليموسي" وهو يعارضه ويقترح بدله موقفا آخر هو "الاتجاه الكوبرنيكي" في المجال التاريخي، وهكذا عوضا عن تصور حضارات العالم مجرد ملحقات تسير في فلك اروبا الغربية بوصفها مركز للاحداث العالمية، يتحتم دراسة كل حضارة على حدة على اعتبار ان الحضارات القديمة عوالم مستقلة ذات كيان دينامي وانها حازت احيانا من القوة والعظمة والضخامة ما لم تحزه الحضارة الاوربية ذاتها، وعلى كل، فليكن اتخاذ بعض المفاهيم كالإنسانية، واقصى سعادة لاكبر عدد من الناس، والتقدم الاقتصادي والحرية، معيارا للحكم على حقب التاريخ.
وذلك الخطأ من فهم التاريخ لا يقتصر على مجال التاريخ السياسي وحده، بل يعمم الى المجالات الأخرى، وهنا ينبه شنبلغر الى ان العلوم والفنون والنظم الاجتماعية لا تمضي صعدا في خط بياني، وفقا للقيم والاختيارات المتعارف عليها ليس هناك فن واحد او علم واحد او نظم اجتماعية واحدة بل ان لكل ثقافة فنونها وعلومها ونظمها التي لا صلة لها البتة بمثيلاتها في الحضارات الأخرى وان كان الاسم جامعا فيما بينها.

ان الجنس البشري، ينظر اليه في كافة المجالات الأخرى - عدا التاريخ- بوصفه واحدا الكائنات العضوية الحية على ظهر البسيطة، ويجب ان نفحص بنفس المنظار المجال التاريخي وتبعا لذلك يغدو المؤرخ حرا بلا قيد ولا عنان عبر مدارج لحضارات وبعد ان كان مجبرا على الدراسة وفقا لقوالب محددة قبلا تعسفا، واللازم ان تحل مقولة "المصير" في التاريخ الانساني مكان مقولة "العلية" وان تنعت الحضارة بما تنعت به حياة الكائن الحي فلها بداية ونمو ونضوج فاضمحلال وزوال، ويكون تاريخ العالم بناء على ما يفضي اليه تحليلي شبننغلر عبارة عن مجموعة من الحضارات المتوازية، كل واحدة منها الى جانب الاخرى ومستقلة عنها كظاهرة منفردة مقفلة على ذاتها.
على اساس هذه النظرية يقيم شبنغلر تنبؤه عن الحضارة الغربية المعاصرة، ومحاولته اصلا تنصب على تقدير الوضع في اروبا الغربية وامريكا، في الفترة المترواحة بين سنة 1800 وسنة 2000 م، وهو يروم الوقوف على حالة مشابهة لها في الحضارات الأخرى.
وينتهي الى انها توازي المرحلة الهيلينية في الحضارة اليونانية - الرومانية القديمة، وان ذروة هذه الفترة وهي الحرب العالمية الاولى تناظر الانتقال من العصر الهيليني إلى العصر الروماني. ان العالم الروماني يطابق العالم الغربي من حيث القوة الذاتية التي ترتبط بها اوثق ارتباط النهاية المحتوية للكائن العضوي، على الرغم من اختلاف التفاصيل السطحية بينهما، فثمة تطابق يثير العجب بين حرب طروادة والحرب الصليبية وبين ارسطو وكانط، واثينا وباريس، والاسكندر ونابليون، حتى نصل اخيرا الى المدينة العلمية والاستعمار.
وتتميز هذه الفترة من التاريخ الاوربي الغربي، كما تميزت نظيرتها في التاريخ اليوناني – الروماني، بانها انتقال من مرحلة الحضارة الى مرحلة المدنية، والتمييز بين هذين المفهومين تمييز بين مرحلتين متتاليتين عضويتين: المدنية هي المصير المحتوم للحضارة وتلك خطوة حاسمة نحو النهاية والموت.
وقد تم هذا الانتقال من الحضارة الى المدنية في القرن التاسع عشر للميلاد حيث تركزت التيارات العقلية الهامة في 3 او 4 مدن عالمية استوعبت في ذاتها المضمون الكلي للتاريخ، فبدلا من "العالم" قامت مدينة انطروبول تتجمع فيها روافد الحياة والاشعاع من شتى الاصقاع والبقاع حيث انحسر المد وذوت الحضارة. وظهور المدنية العالمية يحمل في ثناياه خلال النزعة العالمية بدلا من الوطن، واللادينية العلمية عوضا عن العاطفة الدينية، والمجتمع مكان الدولة، والامر الواقع محل التقاليد، والحقوق الطبيعية دون الحقوق التي تكتسب بالمنافسة والصراع، واخيرا جعل النقود بوصفها مقدارا مجردا مقابلا للارض الخصبة والقيم الاقتصادية الأخرى حتى اصبح كل مثل أعلى في الحياة مرتبطا بالنقود. وهذا الوضع يضاهي ما حدث غداة الانتقال من الحضارة اليونانية الى المدنية الرومانية حيث كانت الرواقية الرومانية تشترط دخلا معينا للمشتغل بها.
ان العصر الحاضر عصر مدنية لا حضارة، وبالتالي فان عددا من امكانيات الحياة يصبح في حكم المستحيل، لم يعد هناك مجال امام الشعوب الغربية للفتوح الكبرى في مجال الفن الموسيقي، وقد استنفذت امكانياتها في الفنون المعمارية، ولا سبيل في وجهها الا سبيل التوسع، وعلى الاجيال المقبلة منها ان تتخلى عن تلك الآمال العراض، وتكرس جهودها في الصناعات العملية لا القصائد الغنائية، وان تهتم بالسياسة لا بنظرية المعرفة، وان تتجه صوب البحر بدلا من فرشاة الرسم، وليس لديها ما هو افضل من ذلك، ويعترف شبنغلر ان عصرا تسود فيه النزعة العلمية الخالصة وينعدم فيه الانتاج الفني والفلسفي، وتسيطر عليه النزعة اللادينية المميزة للمدينة العالمية لهو بحق عصر تدهور واضمحلال.
هكذا يتنبأ شبنغلر، بناء على تحليله للتاريخ البشري، بمصير المدنية الغربية، بعد ان بدا له في عشرينيات هذا القرن ان هذه المدنية عاجزة عن حل مشاكلها ومستنفدة لكل طاقاتها وحاملة بين طياتها عوامل اندثارها وزاولها. واهم ما ناخذه على شنبغلر هو ما تنطوي عليه نظريته من دعوة الى اتخاذ موقف سلبي بل موقف تاييد ازاء الاحداث التاريخية، لان الفرد او المجتمع في زعمه لا يملك تغييرا للأوضاع المعاصرة له، فهي مفروضة عليه فرضا، والمحتم اما ان يرغب فيها او لا يرغب في شيء على الاطلاق ! ثم ان القياس بالمماثلة لا يعتد به، واذا صح ما زعمه من وجود منطق خفي عضوي للتاريخ فانه لم يبرر الضرورة التي يقيم عليها هذا المنطق الا المقارنة بين حياة الكائنات العضوية والحضارات بوصفها كائنات عضوية، فكان شنيغلر يجيز ذلك التفكير القديم الذي يتصور العالم كله حيا بل ويدرج ضمنه حتى التاريخ الانساني، ثم هو يغض الطرف عن اهمية الاتصال والاحتكاك بين الحضارات المختلفة التي لم تنفصل ابدا على عكس ما يتوهم وانه ليتمادى في هذا الزعم حتى ادى به المطاف في انكار الاتصال والوحدة بين العلوم والثقافات ودعى ان كل علم فهو يصدر عن حضارة معينة، فخط بين الذاتي والموضوعي، وتنبؤه عن اندثار الفن والفلسفة والآداب لا يتفق وما نشهده الان من ازدهار وتقدم في هذه المجالات ذاتها، وعلى اية حال فان شنبغلر شاهد ممتاز استطاع ان يرصد عن كتب بعض مظاهر الازمة التي تعاني منها المدنية الغربية.
اما المؤرخ الهولندي يوها ويزينغا johan huizinga فقد عرض موقفه من الحضارة الحديثة في كتابه في ظلال الغد سنة 1936 م، وهذا الكتاب يعتبر انعكاسا مباشرا للاوضاع الدولية القلقة ابان هذه الفترة، ففي آسيا كانت اليابان تتأهب لغزو الصين بعد اعتداءاتها على منشوريا، وفي اوربا كان هتلر يعيد كما يشاء صياغة معاهدة فرساي على أساس الأمر الواقع فاحتل اقليم السار ثم بدا يستعد للتوسع في مناطق اخرى، بينما كان موسوليني يباشر الحملة الحبشية، وكانت اسبانيا على شفا الحرب الاهلية هذا من جهة، ومن جهة اخرى تفاقمت الاعراض الاجتماعية للازمة التي استحوذت على اروبا في فترة ما بين الحربين الكونيتين الاولى والثانية، فالم الكساد الاقتصادي بالعالم بأسره واجتازت البطالة جموعا غفيرة من العمال، وتفاحشت الاضطرابات في ميادين العمل والانتاج المختلفة.
يقابل ويزينغا بين الانزلاق السريع نحو الكارثة من جانب، وسيطرة الانسان المتزايدة على الطبيعة ورغبته الواعية في تحسين احوال العالم والبشر من جانب آخر، هذا التعارض بين قدرة الانسان النامية على التحكم في الظروف البيئية المحيطة به، وعلى تحقيق اماله في السعادة الشاملة والسلام العالمي. وبين المجرى الفعلي للاحداث، والتهديدات المتزايدة بالحرب، والتفكك الاجتماعي، هذا التعارض هو نقطة الانطلاق في دراسة ويزينغا لمصير الانسان المعاصر. وويزينغيا غير  فاقد الامل في انتعاش الحضارة الاروبية الحديثة، انه يرى ان البشر لم يسبق لهم ان كانوا على مثل هذا الوعي بواجبهم في التعاون للمحافظة على رفاهية العالم وحضارة الانسان، ولم يسبق ان مجد العمل كما يمجد الآن، والتغلب على مأساة اروبا يستلزم فقط سبر اغوارها وتحديد مداها ووقعها.
ان الازمة الحضارية مفهوم تاريخي يمكن ان يتسم بالموضوعية خلال التقدير التاريخي ومقارنة الحاضر بالماضي. وهناك فترتان تميزتا بتغير شديد الوطاة شبيه بما تعاني منه الحضارة الراهنة هما مرحلتا الانتقال من العصر الوسيط الى العصر الحديث، ومن القرن الثامن عشر الى القرن التاسع عشر.
الفترة الاولى شهدت تغيرات حاسمة، فخلال القرن السادس عشر اكتشفت كافة اجزاء الارض، وعرف تركيب النظام الشمسي، وانقسمت الكنيسة على نفسها، واشتد نفوذ الكلمة المكتوبة واتسع مداه باختراع الطبعة، وارتقت وسائل الحرب الى حد كبير ونما الائتمان وزادت الاموال، وبعث التراث اليوناني وازدهرت الفنون.
والفترة الثانية، وهي واقعة بين عامي 1789 و1815 فيها انصرف الناس عن تعاليم الكنيسة، ودبت الفوضى في اوصال القارة الاوربية ثم تماسكت، وتحركت الالات البخارية بعصر آلى جديد.
وتعاقبت الانتصارات الطبيعية، وزادت الفلسفة والموسيقى الالمانيتان من ثراء الفكر وسحر الحياة، ونمت امريكا في المجالين السياسي والاقتصادي وان ظلت ثقافتها ضحلة.
ويبدو ان الكوارث في هاتين الحقبتين لم تكن اقل حدة منها في عصرنا، ولكنا ان امعنا النظر تبينا ان الامر على خلاف ذلك، ففي كلتا الفترتين: عصر النهضة وعصر الثورة الفرنسية، بقى الامل والايمان اللذان يفتقدهما الآن الرجل الأوربي وفي كلتا الفترتين لم تهتز اسس المجتمع كما اهتزت اليوم وتصدعت، وتغيرات التركيب السياسي في عصر الثورة الفرنسية لا تذكر بالقياس الى التغيرات التي طرأت منذ عام 1914 ويفضي التحليل بالكاتب بعد هذه المقارنة الى الاعتقاد بان العالم يقف على شفا انقلاب اشد وطأة وأعمق أثرا من كل ما عرفته الانسانية عبر مجرى تاريخها الطويل.
ويتعمق ويزينغا في بحث اعراض ازمة الحضارة الحديثة في شتى مجالاتها، في المجال السياسي والاقتصادي يلاحظ ان معدات العالم قد وصلت الى حد من الاتقان والكمال، بما في ذلك وسائل الانتاج والادوات الفنية بوجه عام، ووسائل المواصلات والنقل والدعاية وتعبئة الجماهير، وجهاز التعليم والتنظيم السياسي، بحيث اصبح بامكان القوى الاجتماعية المتسلطة على هذه المعدات، كل في ميدانه، ان تشكل خطرا على تناسق الجماعة ككل وتهدد توازنها، وخصوصا في حالة ما اذا لم تكن موحدة تحت مبدا واحد تنضبط بمقتضاه.
وفي المجال العلمي نجد ان العلم قد حقق تقدما هائلا لا شك فيه، كما نعثر فيه على مظهر اكيد للازمة والاضطرابات الحضارية، فقد تقدم الفكر العلمي والفلسفي تقدما باهرا منذ القرن السادس عشر حتى الآن، حيث لا يفتا العقل الانساني يتعمق المعرفة باساليب من الملاحظة والتعبير تتزايد وتكتسي دقة ونضوجا باستمرار، ولكن التقدم عمقا واتساعا قد أفضى بالفكر الحديث الى ازمة لا يمكن التكهن بنتائجها، فالمعرفة الجديدة لم ترسخ بعد في الكيان الثقافي ولم تندمج وتتكامل ضمن تفسير كوني جديد متناسق، بل يبدو ان النفاذ العلمي المضطرد الى اعماق الظواهر قد زعزع اسس التفكير: الحقائق القديمة يتعين العزوف عنها، والمفاهيم العامة المستعملة في الحياة اليومية لم تعد تتلاءم مع الفهم الصحيح، والعلية لم تعد ذات موضوع، والقوانين الطبيعية تستخدم تجاوزا دون ان يرخص لنا العلم باعتناق فكرة صدقها المطلق والموضوعية في الاحكام تظل واجبنا ومثلنا الأعلى، ولكن تحقيقها الكامل غير ممكن على الاقل في العلوم الاجتماعية والدراسات الانسانية.
ان العلم وقد شرع في تحقيق إمكانياته الهائلة للسيطرة على الطبيعة وتوسيع مدى القدرة الانسانية بفضل تغلغله الى كنه الظواهر، قد تدهورت وظيفته الاجتماعية من حيث هو وسيلة لتوجيه الحياة الإنسانية، فان الاكتشافات العلمية الحديثة المعجزة لا يمكن ان ترفع كثيرا من المستوى الثقافي العام، لاستعصائها على إفهام الناس ما عدا أولئك القلة الذين اكتشفوها، ولذا اصبح الانسان المعاصر لا يلتمس في العلم فلسفة للحياة، وكان اهم اثر لذلك هو انحطاط روح النقد وضعف الاحكام الموضوعية، وانحراف الوظيفة الاجتماعية للعلم، كلها اعراض تشير الى ازمة ثقافية خطيرة وتعتبر نذر سوء، ولكن هذا ليس باصل الداء.
ان ممثلي الحضارة الحديثة يمكن ان يعترضوا على هذا الرأي بحجة انهم لا يرومون معرفة قائمة على الاختيار والنقد تسيطر على تصرفاتهم وتوجه سلوكهم، ان ما يهدفون اليه ليس ان يفكروا، بل ان يعيشوا وان يعملوا، وهنا نضع ايدينا على سر الازمة الراهنة للحضارة، انه الصراع بين المعرفة والوجود على هذا التناقض اقام كبر كجوود في القرن التاسع عشر فلسفته الوجودية التي اعانته على التمسك بايمانه بقوة، ولكنا تلقى بعده بقليل ان هذا الايثار للوجود قد انتهى بكثير من المفكرين الى الاحاد والياس والعدمية، او الى تقديس وتمجيد الحياة الارضية، فامن نيتشه بان المعرفة الحق محجوبة عن الانسان التعس، وقسر ارادة الحياة بانها ارادة القوة والتفوق وقتد المذهب العقلي، هذا وفي الجانب الآخر، جرد اشياع المذهب العملي مفهوم الحقيقة من خاصية الصدق المطلق وفسروها تفسيرا نسبيا بانها ما يفيد معتنقيها.
تلك أزمة الحضارة، ويتعين الا يرجى الخلاص عن طريق تدخل المنظمات الاجتماعية، سواء كانت هي الامة او المدرسة او الحزب او الهيئة الدينية او غيرها، فان اسس الحضارة لا يمكن تقويمها او تدعيمها بهذا التدخل، وانما يحصل الخلاص بفضل تطور داخلي في الفرد نفسه، يجب ان يتغير ويتقوى الكيان الروحي للانسان. وهنا يقترح اورتيغا ان يفرض على الذات نظام جديد يتضمن سيطرة على النفس من جهة، وتحبيذا معقولا للقوة واللذة، انه اذعان لكل ما يؤمن الفرد بسموه هذا هو "التطهر"، وتطهر الافراد الضروري لتأسيس الحضارة المطهرة، هو تلك الحالة النفسية التي يصفها الاغريق القدامى ازاء المأساة بانها سكينة القلب حيث يغالب الرجاء اليأس ويمازج الأمان الخوف، وتسمو الروح عند ادراك معنى عميق للاشياء، مما يعد الفرد للاستجابة الى نداء الواجب والضمير وتقبل المصير، ويحرره من الانفعالات العنيفة، ويقود النفس الى السلام والرضا.
هكذا ينتهي ويزينغا من عرضه لامراض المدنية الحديثة بان يلبس مسوح الوعاظ، ويضع حلالا لا يستند الى النزعة العقلية الانتقادية التي يتباكى على افتقادها في العصر الحاضر، ويدعو صراحة الى بعث انماط عتيقة من السلوك والاعتقاد، والتقايب الذي يضعه بين الفكر والوجود او بين المعرفة والحياة مصطنع وزائف، اما ان العلم فقد وظيفته الاجتماعية التربوية فهو ما لا نوافق عليه، صحيح اننا لا نعرف دقائق بعض النظريات العلمية المعاصرة كنظرية النسبية، ولكن هذا لا ينفي تأثرنا بالعلم، باعتباره النموذج الامثل للمعرفة الانسانية في العلوم الطبيعية والاجتماعية ولا ينال من ايماننا بان المنهج العلمي وحده هو الجدير بالتطبيق في مجالها، اما الاعتراف بقوى ادراك الانسان المحدودة فهذا ادعى الى فخره. وعلى اية حال، فقد كان ويزينغا في آرائه تلك، مرآة صادقة للازمة التي عايشها وواعيا لابعادها كل الوعي.
يشترك شينغلر وويزينغا في خطا أساسي هو أنهما عانيا ازمة الحضارة المعاصرة معاناة سلبية انعكست على موقفهما التشاؤمي من مصير الحضارة الانسانية، صحيح انهما قدما شواهد واعراضا لهذه الأزمة ولكنهما لم يفكرا في عللها، ولم يحاولا ان يضعا حلولا لها مستمدة من الواقع ومن التفسير العلمي لهذه الازمة ويزينغا على الرغم من تفاؤله الظاهري بالدور التاريخي الموكول الى الاجيال المقبلة في عملية التطهر لم يقع على الأسباب الحقيقة لازمة ولم يحدد طريقا واضحا للخروج منها.
وشينغلر يقف منها - كما بينا- موقف المستسلم ويقبلها بوصفها ضرورة تاريخية لا مفر منها وينتهي الى الدعوة الى الرضا بالامر الواقع، وهو بذلك كمن يبرر - عن غير قصد وعلم- قيام الطغيان النازي في المانيا مقدما قبل ظهوره بعدة سنوات، ويصم العناصر الثورية بالنفاق والاحتيال. ونحن نؤمن ان الحضارة الصناعية، بما حققته من سلطان للانسان على الطبيعة، وبما حبته من امكانيات هائلة تعود عليه بالخير والرفاهية لا بد وان تجلب افضل النتائج وأطيبها لو اتيح لها ان تتجه الى خير الجماعة البشرية برمتها، بدلا من ان تكون وفقا على مصالح بعض الافراد والمؤسسات والدول كما هو الحال في عالم اليوم، ان السر الحقيقي للازمة يكمن في الاحتكار والاستعمار، واننا لنعتبر الأزمة الحضارية المعاصرة مرحلة مؤقتة وزائلة، شريطة ان تتحفز الهمم وتعبأ الطاقات لنشر العدل الضروري في الارض وتخليص الحضارة الحديثة في براثن عقد الماضي لتكون مصلحة البشر اجمعين هي العليا.

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here