islamaumaroc

الفصيح المهجور في اللسان المغربي الدارج -5-

  دعوة الحق

العددان 147 و148

.. وطرف الحذاء. الطراف في اللسان المغربي الدارج ليس هو الاسكاف صانع الأحذية والخفاف، وانما هو عامل بسيط يعالج الأحذية ويصلح ما تمزق منها بجلود أخرى يستعملها لهذه الغاية، فمن أين جاءت هذه الكلمة وما مكانها في العربية؟ أوردت المعاجم الكلمة هكذا : طرف بعينه أطبق أحد جفنيه على الآخر.
وطرف الخيل بتضعيف الراء رد أوائلها على أواخرها، وأطراف طابق بين جفنيه، والذي يعرف مهنة الطراف عندنا وكيف يطابق بين جلد قديم وآخر جديد كما يطابق الانسان بين جفنيه، وكيف يجمع بين سابق ولاحق ليعيد الحياة الى الحذاء من جديد كما ترد صدور الخيل على اعجازها. لا يسعه الا أن يعترف بسلامة هذا الاستعمال العامي المعبر عن معناه أدق تعبير.
وأكاد أعتقد أن كلمة الطراف هذه متولدة من لفظ الطراف على وزن كتاب وهو البيت يصنع من الجلود وصانعه الطراف كالحداد والبناء وليس ما يمنع من مجاورته من نطاق اختصاصه ليتولى اصلاح الأحذية وترقيعها ما دامت الجلود المادة الأولى في عمله.
وضمس? أكثر ما تدور هذه الكلمة على ألسنة لاعبي الورق عند افتتاح كل دور اذ يقوم اللاعب باخفاء الأوراق وتغطية بعضها ببعض قبل توزيعها على اللاعبين، والكلمة من الفصيح الذي ما زال يعيش على ألسنة العوام وردت في المعاجم هكذا: ضمسه مضغه مضغا خفيا وعملية اللاعب وهو يخفي الأوراق ويخلطها بين أصابعه أشبه بالمضغ الخفي الذي لا يستلفت الأنظار، وما أظن اخواننا في الشرق يعرفون هذه الكلمة أو يستعملونها بهذا المعنى.
والضامة: هي أيضا لعبة أخرى يقبل عليها الكثير من الناس والضامة فيها هي بيدق اللاعب الذي يستطيع أن يقتحم خطوط صاحبه ليحتل حصنا من حصونه فيصبح ضامة بعد أن كان بيدقا أي أنه يصير حاجة مهمة يعتز بها اللاعب ويعتمد عليها.
كلمة نسمعها كثيرا من هواة هذه اللعبة فنحسبها عامية ولدت يوم ميلادها، ولكنها عربية سليمة كما تنطق بذلك كتب اللغة. فالضامة لغة هي الحاجة، أي حاجة للانسان يهمه الاحتفاظ بها والحرص عليها. ولسنا نعرف بالضبط التاريخ الذي اقترنت بها والحرص عليها. ولسنا نعرف بالضبط التاريخ الذي اقترنت فيه الكلمة باللعبة الشائعة. ولا أعرف أحدا تساءل عن هويتها ومنبتها.
ومغط من أكثر الكلمات شيوعا ودورانا في عاميتنا لو أن كاتبا معاصرا استعملها لأثار من حوله ضجة تجعله موضع الهزء والاستخفاف، وعذر الخاصة في هذا فساد الرؤية عندهم لهذه الكلمات العامية وترفعهم عنها حتى لو صحت عندهم عربيتها والكلمة عربية معناها: مدد الشيء وطوله والمطاوع منه تمغط أي تمدد وهذا ما تستعمل فيه عند عامتنا. ومن صفته عليه السلام لم يكن بالطويل الممغط: أي المتناهي في الطول.
وكرفسه? كلمة أخرى ظلت العامية محتفظة بها عبر القرون التي عاشتها الفصحى قد يرتفع عن استعمالها أحيانا متأدبو العوام لأنها أكثر ما تستعمل في وصف مواقف العنف والمشاجرات، فعندما يتغلب شخص على غريمه فيصرعه ويدله يقال عنه أنه كرفسه: أي بلغ في اهانته وتحقيره أقصى منال، أما عند اخبارهم عن فساد صورة الشيء وتشوهها فالمستعمل عندهم تكرفس ونفس المعنى تثبته المعاجم لهذه الكلمة اذ يقول :
كرفس البعير : ضيق عليه وبالغ في تقييده، وتكرفس : انضم ودخل بعضه في بعض.. ولا شيء أنكى للبعير وأبلغ في إذلاله من تقييده والتضييق عليه من حريته فإذا أذللت انسانا وضيقت عليه فقد كرفسته !
هود بالتي... التهويد عربية معناه التدني والتقرب كما في الآية الكريمة : ( انا هدنا اليك ) وفي قول زهير:
سوى ربع لم يات فيها مخافة
                      ولا رهقا من عابد متهود
وورد اللفظ أيضا في معنى السير الرفيق المتباطئ كما في حديث عمران بن مصين اذا مت فخرجتم بي فأسرعوا المشي ولا تهودوا كما تهود اليهود والنصارى أي لا تسيروا سيرا وئيدا متثاقلا.. وأكثر ما تستعمل العامة هذه الكلمة لمن كان في مكان عال وطلب منه النزول برفق وبالتي هي أحسن فينادى عليه أن هود بالتي...
درم وزاد : أكثر عاميتنا تستعمل هذه الكلمة لمن يمشي في عجلة لا يبالي بمن يصيبهم في سيره همه أن يمضي الى غايته، والاستعمال عربي صميم هجره الناس واختفى الا من ألسنة عامتنا، ورد اللفظ في المعاجم هكذا : درم الشيخ والصبي مشيا في عجلة وخطى متقاربة.. والدرام من كان مشيه سيئا رديئا. فهل تستطيع أنت وأنا بعد الآن أن نصف ذلك الرجل الذي يسير سادرا في الشارع لا يحترم الناس ولا قوانين السير مع الناس بأنه درام !؟
خمج  : خمجت الفاكهة من باب طرب فهي خامجة اذا انتنت وفسدت.
وخمجت اخلاقه ساءت فهي أخلاق خامجة ! ويلتقي الاستعمال العامي هنا بالعربي فلا يختلفان في شيء.
ولهوج : لم يفت العامي وهو وصاف بفطرته أن يصف ذلك الأكول الذي يبتلع طعامه في شره وعلى عجل من غير أن يحكم مضغه كأنما هو في سباق مع الزمن فهو يلهوج ما يلتقمه في غير أناة ولا مهل، هذه الكلمة التي ينطقها العامي في الريف والمدينة على السواء فتحسبها دارجة ودخيلة على العربية هي منها في السويداء والصميم، فلهوج الطعام لم يحكم مضغه، ولهوج الأمر لم يبرمه. ولهوج الشواء لم يحكم شيه، وحديث أو رأي ملهوج غير محكم. وتبحث عن هذه الكلمة وأمثالها فيما تقرأه من كتب اليوم فلا نجد لها ظلا لأن ميل الكتاب الى تبسيط اللغة وتناول السهل والناعم منها ضرب حجابا كثيفا على كثير من الكلمات التي كان لها في عهدها الزاهر إشراق وأي إشراق!
وسرطه  سرط اللقمة أو زرطها ابتلعها يتفق الاستعمال العامي والفصيح في قلب السين زايا كما انقلبت الصاد في الصراط سينا وزايا.
ترع الباب : من النادر أن تجد في العامية كلمات عربية حولت عن معناها الى ضده فالتحويل قد يحدث للكلمة عن الحقيقة الى المجاز وقد يحدث في صيغة الكلمة بزيادة فيها أو نقص من بنيتها.
وترع الباب بالتشديد معناه عربية أغلقه ولكن العامة اذ تستعمل هذا اللفظ تقصد به الفتح لا الاغلاق
- فالباب المترع عندهم المفتوح وليس المغلق.
وتفتى: تفتى الرجل اذا تصابى وفعل فعل الأحداث والفتيان وهذا المعنى العربي هو ما تقصده العامة باستعمالها لهذه الكلمة تقولها عن الرجل بعمد الى الأشياء الفتية في تصيدها وينعم بها وليس هو في حدودها أو مستواها.
يتفتى وليس أسخف من شي
                       خ تولت أيامه يتفتى!
وحشم منه: قد يظن أن هذا التركيب العامي غير فصيح فخواص الناس لا يعرفون إلا احتشم منه ثم هم لا يستسيغون مجاراة العامة في ما تلوكه ألسنتهم لأنهم يعتقدون مسبقا أن العامة لا تنطق الا ملحونا أو محرفا.. وحشم منه العامية معناها العربي انقبض واستحيا فاذا أخجل انسان آخر قالوا حشمه، ويقع المعنى العامي تماما على ما ورد فيه اللفظان عربية.
( التقمشش): ما هذا التقمشيش؟ فهذه الكلمة التي نحسبها عامية بنحو الناس عندنا باللائمة على من يقتر على نفسه شر تقتير ويهين نفسه ولا يكرمها فيتعيش بالدون ويقنع بكل حقير حرصا منه وبخلا بالمال فمن أين جاءت هذه الكلمة وكيف تحدثت عنها معاجم اللغة؟
جاء في هذه الكلمة: تقمش الرجل أكل ما وجد وان كان دونا، وقماش الناس أرذالهم، والقمش الرديء من كل شيء، واذا كان اللفظ العامي محولا بعض الشيء عن التقمش فلان ذلك هو الأصل في العامية التي تحتفظ أحيانا بصيغة الكلمة وقد تحولها أحيانا لتخضعها الى لهجاتها وطرائف نطقها.
المفشوشة ! فش القربة فتح فاها تخرج ما فيها من هواء هذا الاستعمال الفصيح هو نفس ما تستعمله العامة في وصف مثل هذه الحالة وتزيد فتصف الشخص الذي كان في حالة هيجان وغضب ثم فارقه غضبه وهدأت ثورته أنه الآن مفشوش كأنما كان من قبل في حالة انتفاخ.. ولست أدري لماذا لا نرى بين الاعلانات لافتة لإصلاح العجلات المفشوشة!
والفشوش!  أما الفشوش ويغلب دورانه على ألسنة النساء فتقصد به العامة تدليل الطفل والمبالغة في ترضيته الى حد افساده واضعاف شخصيته، واللفظ وان لم يرد بهذا المعنى في الفصيح الا أنه موجود في معنى لا يبتعد كثيرا عما استعمله فيه عامتنا. فقد جاءت كلمة الفشوش عربية للأحمق الضعيف الرأي. ولما كان تدليل الطفل سلوكا تربويا غير صحيح لا يتكون فيه الا طفل أحمق ضعيف الرأي جامح الأهواء استعمل الكلمة فيما يؤول اليه الأمر على نحو: أني أراني أعصر خمرا. أي عنبا يؤول الى خمر. ولمن يستكثر على العامة هذه التصرفات البلاغية أقول أن قواعد البلاغة على تشعبها انما جاءت لتخدم المشاعر الانسانية وتحلل المواهب البيانية عند الناس على اختلاف طبقاتهم واستعداداتهم. ولن ينكر أحد ما يتوفر عليه العوام من طاقات بيانية تضيق عنها قواعد البلغاء والبيانيين أحيانا..
السفط  بفتح الفاء وعاء كالقفة أو الجوالق يصنع عادة مما تصنع منه القفة لحفظ الزجاج وطيب النساء وأظن أن هذه الكلمة لا وجود لها في غير فاس حيث كان بها صناع يعملون هذه الاسفاط.
  وما ألطف شاعرا أندلسيا يقول:
 كيف الحياة مع الحيات في سفط؟

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here