islamaumaroc

دور الإعلام المعاصر في حركة البعث الإسلامي

  دعوة الحق

العددان 147 و148

اجتهدت قدر الإمكان في العدد السابق لإبراز نظرية إعلامية وفق الفكرة الإسلامية، وعلى ضوء رسالة هذا الدين في قيادة البشرية، وكنت أنوي مواصلة الحديث في خصائص هذه النظرية ومميزاتها ومقوماتها، إلا أن انشغال البلاد بموضوع البعث الإسلامي - على المستويين الرسمي والشعبي - ألجأني إلى الخوض في علاقة الإعلام بالبعث الإسلامي ودوره الخطير والهام فلي التمهيد لهذه الحركة.
ويجمل بي قبل تناول دور الإعلام المعاصر في حركة البعث الإسلامي المنتظر ظهوره في المغرب بإذن الله، أن أسوق تحديدا موضوعيا لمفهوم البعث الإسلامي.

العودة إلى الإسلام:
هناك مفهوم واحد للبعث الإسلامي، هو العودة إلى الإسلام من جديد، واستئناف حياة إسلامية، ووصل ما انقطع من حضارة أمة الإسلام. وبعبارة أخرى: إقامة منهج الإسلام في الأرض على نحو يرضي الله ورسوله والمؤمنين. وآراء المفكرين الإسلاميين في تحديد مفهوم البعث الإسلامي لا تختلف إلا في الجزيئات، أما بخصوص الكليات العامة وجوهر هذا البعث، فهناك إجماع عام على اعتبار العودة إلى الإسلام سبيلا إلى تحقيق الوجود الحضاري للشعوب الإسلامية، واعتباره أيضا المخرج الوحيد من هذه الأزمات الخانقة الضاغطة التي تفتك بهذه الشعوب وتتركها مرتبطة إلى عجلة الموكب الجاهلي الزاحف بالإنسانية إلى الهاوية. وكل محاولات الاستعمار - بشقيه - منصبة على إعاقة العالم الإسلامي عن الأخذ بالإسلام، وصرفه بأسلوب أو بآخر عن إقالة نظام الإسلام في جميع مجالات الحياة، وتتضافر من أجل هذه الغاية جهود الثالوث الخبيث (الصليبية - الصهيونية - الشيوعية) فتتعاون جميعها للإبقاء على انحراف - بل ردة - المسلمين عن دينهم. وليس غريبا أن نجد الاستعمار - بالمفهوم السابق - كثير الاهتمام بالحركات الإسلامية، يترصدها بأجهزته، ويتعقب دعاتها بأنكر أساليب الاضطهاد، مما يخلق جوا من الإرهاب في كثير من المناطق الإسلامية، أدى إلى إحجام كثير من المؤمنين الصادقين عن العمل والدعوة إلى بعث إسلامي. وتستوقفنا قضية هامة في هذا الصدد، ذلك أن القوى الاستعمارية استخدمت كثيرا أجهزة الإعلام لتشويه مفهوم البعث الإسلامي في الأذهان، وإقامة جدار من الجهل يمنع المسلمين من عودة صادقة إلى إسلامهم، ففي كثير من المناطق الإسلامية اقتنع عامة المسلمين وخاصتهم بضرورة الاعتراف بالأمر الواقع- على جاهليته وانحرافه عن الخط الإسلامي - وأنه ليس في الإمكان أبدع مما كان، وأن العمل من أجل خلق مجتمع إسلامي يتناقض ويتعارض مع المناداة بالاشتراكية، ومادامت الجهود المخلصة تبذل من أجل بناء الاشتراكية - مثلا - فلماذا كل هذا الاهتمام بالبعث الإسلامي؟ وكان هذا الفهم من نتائج الإعلام المنحرف الذي روج للأفكار المناهضة للإسلام تحت عناوين متعددة، ومن ثم كانت الدعوة إلى البعث الإسلامي لا تلقى دائما آذانا صاغية ولا قلوبا واعية ولا إرادات مصممة على العمل لوجه الله، لا لوجه الطاغوت، شرقيا كان أم غربيا.
وجملة القول، فإن البعث الإسلامي، ضرورة الساعة، ومناط فلاح هذه الأمة، ومنطلق انبعاثها من جديد لتحتل مكانها الطبيعي في الحياة.

الإعلام : وسيلة وأداة:
  إن العودة إلى الإسلام هي الغاية التي تلتقي عندها كل جهود الدعاة المخلصين. وبطبيعة الحال هناك جملة وسائل تؤدي جميعها - بدرجة أو بأخرى- إلى تحقيق البعث الإسلامي المنتظر، وهناك من جانب آخر أنواع من الأدوات تستخدم جميعها أيضا لبلوغ المراد، ولست أعتقد أن هناك وسيلة أو أداة تضاهي الإعلام أو تقوم مقامه في عصرنا الراهن، ذلك أن البعث الإسلامي يأتي نتيجة تغيير جذري وتحويل عميق في أنماط السلوك وأساليب التفكير وطرائق تدبير شؤون الحياة والنظر إلى جوهر وهدف وغاية ونهاية مطاف هذه الحياة، والإعلام بإمكانياته التأثيرية الضخمة هو وحده الذي نملك بواسطته إحداث هذا التغيير المرغوب والتحويل المطلوب، وحتى التعليم بجميع أنواعه وبمختلف أساليبه وعبر كل مستوياته لا يؤدي ذلك التأثير الذي من شأنه أنه يحدث تغييرا جذريا ينعطف بالإنسان من حياة جاهلية أو مستهترة غير منضبطة بقواعد من دين إلى حياة الإسلام في سعتها ورحمتها وواقعيتها، ومرجع ذلك إلى الحالة التي تتلبس المرء وهو يتلقى مواد في نطاق تعليم ما في مرحلة ما. وهي حالة الضباط والتزام واستحضار الذهن وتحفز الأعصاب والخوف من الغد والتهيب من المجهول، وهذه حالة تتلبس ولا شك جل المتعلمين إن لم يكن الكل، وبديهي أن النفس لا تكون مستعدة لتقبل منهج جديد مخالف، لما اعتادت عليه وتكيفت به. ولذلك نجد كثيرا من مناهج التربية لا تفلح في خلق الفرد المسلم، وبالتالي لا تبلغ شأوا بعيدا في تعميق ذلك التغيير المنتظر في النفس والعقل والقلب. وفي مقابل ذلك كله نجد تأثيرا مضادا لأجهزة الإعلام جميعها في تكوين الفرد والجماعة على السواء، ينطبق هذا على المجتمعات المتخلفة والنامية والمتقدمة، ويصدق أيضا على الإنسان في المجتمعات الإسلامية (أو من المفروض أن تكون إسلامية؟) وعلى صنوه في المجتمعات الشيوعية الاشتراكية والرأسمالية المسيحية، حيث نجد صورة واحدة متكررة للإنسان المعاصر في المشرق والمغرب "من نتاج" الإعلام الجاهلي المعاصر، تعكس الحيرة والضياع والتفسخ والانفلات من قيود الدين والأخلاق وعادات المجتمع حسنها وسيئها، والانغمار في متاهات سحيقة من الوهم الذي يزكيه الثالوث الخبيث (الصليبية - الصهيونية - الشيوعية). وعلى هذا الأساس يكون نجاح مناهج التربية وبرامج التعليم في بلد ما مرهونا ومرتبطا بمدى التزام سياسة الإعلام في هذا البلد بعقيدة ومقومات الأمة، فنحن وإن ألغينا كل مواد التعليم، وأبقينا فقط على مادة التربية الإسلامية (بالمفهوم الشامل للتربية الإسلامية) ودرجنا على تلقينها للنشء تلقينا مركزا مدعما بالقدوة الحسنة فلن نستطيع أن نفلح في خلق الطالب المسلم إن كان  هناك جهاز إعلامي واحد - فقط- يدأب على إشاعة مفاهيم وآراء وأفكار وتقاليد غريبة متناقضة مع ما نلقنه للنشء على مقاعد الدرس تكون النتيجة في حالتنا هذه عكسية تماما.
من هنا- إذن- تبرز أهمية الإعلام في مجال تغيير المفاهيم السائدة بأخرى إسلامية تمهيدا لهداية الناس إلى الدين والتعاون جميعا على النهوض بأعباء بعث إسلامي حقيقي. فالإعلام هو الوسيلة الكفيلة بإحداث ذلك التغيير الجذري المنتظر، وهو الأداة التي يصبح الاعتماد عليها واستخدامها على نطاق واسع اختصار لكثير من المسافة التي تفصل الناس اليوم عن البعث الإسلامي.

إعلام إسلامي أولا:
 من المسلم به أن إعلاما فاسدا منحرفا لن ينشئ إلا فردا فاسدا منحرفا، ولذلك ينبغي أن نعول على إعلام لا هوية له، ولا هدف محدد له، ولا مميزات تعكس صورة أصالة الأمة الإسلامية ونصاعة عقيدتها. ومن هنا تنبع ضرورة إنشاء إعلام إسلامي يخدم الإسلام حقا.
والإعلام الإسلامي في بلد ما يعني وجود:
1- إذاعة إسلامية.
2- تلفزة إسلامية
3- صحافة إسلامية
4- مسرح إسلامي
5- سينما إسلامية.
ومن عجب أننا نجد إعلاما شيوعيا في البلدان الشيوعية وإعلاما رأسماليا في الدول الرأسمالية المسيحية، بل ونجد أيضا إعلاما يهوديا إسرائيليا في فلسطين المسلمة المحتلة، وفي مقابل ذلك لا نكاد نعثر على نفوذ يذكر للإعلام الإسلامي في البلدان الإسلامية على افتراض أن هناك إعلاما إسلاميا له نفوذ على الرأي العام في هذه البلدان.
قد يتصور المرء أن "إذاعة إسلامية" هي تلك التي تقتصر برامجها على إذاعة القرآن الكريم طيلة ساعات الإرسال، وهذا خطأ في التصور، وقصور في الفهم، فمن حق "الإذاعة الإسلامية" أن تخوض في كل الميادين مع مراعاة مقتضيات الأخلاق والتزام حدود الدين والتركيز على هداية الناس إلى طريق الحق بالكلمة الطيبة سواء أكانت في أغنية أو حديث أو مسرحية أو تعليق أو خبر.. إلخ. ونحن نجد مثالا لهذا الالتزام الكامل في صورة عكسية عند الدول الشيوعية حيث يغلب طابع النظام العام على سياسة الإعلام وعلى الإذاعة والتلفزة والصحافة بوجه عام. فدائما هناك حرص شديد على التزام خط عام لا انحراف عنه.
فإنشاء أجهزة إعلامية ملتزمة بالخط الإسلامي وسائرة وفق مفاهيمه هو الشرط الأساسي لوجود إعلام إسلامي يصح الاعتماد عليه في الجهاد الأكبر من أجل توطيد دعائم البعث الإسلامي المنتظر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here