islamaumaroc

إصلاح البيئة الاجتماعية في نظر المربين وعلماء الاجتماع

  دعوة الحق

العددان 147 و148

تخضع شخصية الإنسان لتأثير البيئة التي يعيش فيها منذ حداثته، فتؤثر بيئة الشخص في شخصيته من ناحية ميوله وصفاته الخلقية وعاداته واتجاهاته النفسية... فضلا عن تأثيرها في شخصيته من ناحية عاطفته ومهارته وثقافته، لذلك اتجهت الدول الحديثة إلى إصلاح البيئة الاجتماعية في شتى صورها لتصل بذلك إلى تكوين شعوب ناضجة يتمتع أفرادها بشخصيات معتدلة المزاج متفقة الميول مهذبة العادات، على جانب كبير من المهارة والثقافة وفي مستوى معقول من العاطفة والارتقاء النفساني.
ولقد تبين أن بيئة الإنسان في الدول الحديثة ليست تعني حالة المجتمع الذي يعيش فيه فحسب، لأن أوضاع المجتمع العامة أو بيئة المجتع العام ينبسط تأثيرها على المواطنين جميعا فضلا عن أن الإنسان في المجتمع الحديث يمر بأطوار مختلفة كطور الطفولة... واليفاعة... والشبيبة... وهو في هذه الأطوار لا يتأثر بأوضاع المجتمع العامة بطريقة مباشرة... وإنما الذي يتأثر بهذه الطريقة المنزل الذي يعيش فيه... وبيئة المدرسة التي يتلقى علمه وتربيته فيها.
فالفرد في الدولة الحديثة إذن يعيش في بيئته الصغرى التي تتمثل في البيت والمدرسة منذ حداثته حتى يبدأ حياته العلمية في دور الشبيبة... وهو فضلا عن تأثره بهذه البيئة الصغرى يتأثر كذلك بأوضاع بيئة المجتمع العام بطريقة غير مباشرة في حداثته وبطريق مباشر إذا ما صار عضوا عاملا في الأمة التي ينتمي إليها
ومن هنا اتجه المصلحون التربويون في العصر الحاضر إلى تركيز اهتمامهم في تلك البيئة الصغرى التي يمر فيها المواطن في المرحلة الأولى من حياته والتي تتمثل في البيت والمدرسة والمعهد والجامعة. وتركوا للمصلحين الاجتماعيين والسياسيين أمر إصلاح بيئة المجتمع بوجه عام وتوجيه أوضاعها التوجيه الذي يتفق مع إمكانيات البلاد ومقتضيات الإصلاح التربوي والتعليمي، ليتجه الإصلاح العام إلى خلق شعب ناهض يتمتع بنوه بالشخصية النابضة.
وبيئة البيت هي البيئة الأولى التي يتنسم فيها الإنسان نسمات الحياة، وقد دلت دراسات الباحثين على أن الصفات التي يتسم بها الطفل والطابع الذي يطبع به والشخصية التي تتكون له في أعوامه الأولى في بيئة البيت تظل عالقة ومقترنة به، ومن الصعب بعد ذلك تغييرها أو تعديل أصولها، ومن هنا كانت بيئة البيت جديرة بالفحص والدراسة قبل كل شيء... وتترتب عليها نتائج تكوين شخصية الفرد من شتى النواحي باستثناء ناحية المعرفة والثقافة التي يتلقاها الفرد في بيئته الثانية بيئة المدرسة أو بيئة بيوت العلم والمعرفة على وجه العموم.
وعلى الرغم من أهمية البيئة المدرسية بالنسبة لشخصية المواطن إلا أن بيئة البيت أهم تأثير أو أثرا وذلك لأن الطفل يلتقي في بيته أشخاصا يرتبط بهم بروابط عاطفية كأبيه وأمه وإخوته... وهذه الروابط العاطفية هي المؤثر الأول الذي يعمل في نفسية الطفل وشخصيته ويبني فيها الأصول التي يرتكز على أساسها غيرها من الأصول في مراحل حياته المختلفة!
ويبدو كل هذا واضحا إذا نظرنا إلى الحالة التي يكون هؤلاء الأشخاص الذين يلقاهم الطفل في سنيه الأولى من أب وأم وإخوة وأخوات... فالمفهوم أن الأبوة والأمومة مثلا هما السند الذي يستند عليه الطفل، والملجأ الذي يلجأ إليه... وهما مبعث العطف والحنان ومناط الطمأنينة التي تنبعث في حياة الطفل فإذا ظهر على وجه الحياة وفقد أحد هذين السندين أو كليهما بسبب من الأسباب كالوفاة والطلاق مثلا فالمفهوم أن الطابع الذي يطبع به تكوين مثل هذا الطفل والأساس الذي تبنى عليه شخصيته سوف يكون مغايرا تماما للأساس الذي ترتكز عليه شخصية طفل في كنف والديه وشعر باطمنأنه إلى جوارهما وحسن معاملتهما له.
وقد أوضح الباحثون كذلك أثر الإخوة والأخوات في تكوين الطفل، لأن من شأن وجوده معهم واختلاطه بهم قيام علاقة ورابطة عائلية ترتبطه بهم... ومن هنا تتلون شخصية الطفل وتتأثر بعلاقته بهم... ويتحدد على هذا الأساس أسلوبه في السلوك وطبعه في المزاج وأخلاقه بوجه عام من حيث ميله إلى التعاون معهم أو معاكستهم أو الغيرة منهم أو تقليدهم واقتدائه بهم وانقياده لهم.
وليس الأفراد الذين قابلهم المواطن في حياته الأولى هم وحدهم الذين يؤثرون في تكوينه... بل الواقع أن بيئة المنزل تؤثر فيه من حيث الحالة العامة التي تكون عليها البيئة، فضلا عن أثر المعاملة التي يلقاها من والديه وإخوته في تكوين شخصيته... كما تؤثر فيه أيضا العلاقة القائمة بين والديه من حيث كون الوئام يسود المنزل أو أن المنزل على العكس من ذلك تكثر فيه الخلافات بين الزوجين والشجار بين الإخوة والأخوات...
وتضيف الدراسات الاجتماعية التي أجريت في هذا المجال إلى كل ذلك تأثير الحالة الاقتصادية التي تكون عليها بيئة المنزل من ثراء أو فقر... فقد أثبتت هذه الدراسات أثر التدهور المادي في تكوين شخصية الطفل من ناحية التركيب الجسماني بسبب نقص التغذية ومن ناحية الضعف الصحي لامتيازه في العادة بنقص التغذية وعدم القدرة على العلاج، ومن ناحية عدم حصول الطفل على وسائل الراحة والتسلية... الأمر الذي يدفعه إلى محاولة إرضاء غرائزه في هذا الشأن باللجوء إلى الطرق الملتوية... ومن هنا يبدأ الإجرام عند الطفل...!
ويضاف إلى ذلك أيضا أثر الجو التروي والثقافي الذي يسود بيئة المنزل من حيث اشتمالها على مقومات الثقافة والتوجيه الحديث كالكتب، والصحف، والمجلات، والإذاعة، والتلفزة... ومن حيث اهتمام أصحابها بالرحلات ومشاهدة الأفلام، ومن حيث كثرة تحدثهم ومناقشاتهم وطريقة إجابات الكبار منهم على أسئلة الصغار فيهم.
ويتضح من هنا الأساس الذي يجب أن يبنى عليه إصلاح هذه البيئة الأولى في حياة المواطن... كما يتضح الاتجاه الذي يجب أن يميل إليه هذا الإصلاح.
ويتلخص هذا الأساس وذلك الاتجاه الذي يجب أن يميل إليه المصلحون أنه يهدف فيما يهدف إليه رفع المستوى المعيشي للشعب في المجتمع كما أثبتت التجارب ذلك.. لأن رفع هذا المستوى من شأنه أن يوجد لنا بيئة منزلية مهيأة من الناحية المادية والثقافية والعائلية لاستقبال الطفل... فتعده الإعداد التربوي الحديث الذي يكون أبعد الأثر في بناء شخصيته المستقبلة التي تساهم في نهضة البلاد بسموها، وخلقها، وصحتها، وثقافتها... ولا شك أن إعداد الأمهات وتوجيههن حجر أول في هذا الأساس، لأن بيئة البيت التي تضم الأم الجاهلة الضعيفة لن تستطيع أن تخرج مواطنا يصلح للمساهمة في بناء مجتمع ناهض يريد أن تكون له مكانته وسط سواه من المجتمعات.
وتتأثر الشخصية ببيئة المدرسة التي تعلم فيها المواطن وتربى وبيئة المدرسة في هذا التأثير نوعان:
- فثمة مدارس تقتصر على تعليم الأطفال المعارف والدروس دون اهتمام بالتربية والتوجيه... وهذا الصنف يقتصر دوره على التكوين العلمي في أدمغة الأطفال..
- وثمة مدارس لا تقتصر على تلقين المعرفة وتحفيظ المعلومات بل تتعدى ذلك إلى تربية شخصية الطفل وتهذيب مزاجه وخلقه وتوجيه ميوله... وهذا النوع يخرج للمجتمع شخصيات صالحة.
ومن الجلي أن هذا النوع الثاني من المدارس هو الواجب التطبيق والانتشار لأن الأبحاث الاجتماعية والدراسات التربوية أثبتت أن حشو ذهن المواطن بالعلوم والدروس لا يفيد كثيرا في سني حياته الأولى بقدر ما تفيده التربية الصحيحة والتهذيب الخلقي والاجتماعي...
وهذا هو السبب في أن غالبية الشبان المتعلمين في البلاد المختلفة يعانون مشكلات نفسية خطيرة تعصف في الكثير من الأحيان بحياتهم أو بصحتهم وبمستقبلهم عموما، وتوجيههم توجيها ضارا بالأمن والنظام في المجتمع... وذلك لأن تربيتهم اقتصرت على حشد المعلومات والدروس في أمخاخهم منذ حداثتهم... وحشد الرأس بالمعلومات والمعارف يكون جليل الأثر ولا شك في مجال العمل والحياة العملية... ولكن الحلقة المفقودة في هذا المجال هي أن الرأس ما هو إلا عضو واحد في الجسم إلى جوار سواه من الأعضاء.
إن الشخصية الكاملة في الإنسان هي جماع أمور متعددة منها الجسم ومنها المشاعر ومنها النفسية فضلا عن الرأس المفكر... والإنسان وإن كان في حاجة إلى ملء رأسه بالعلوم كي يفكر.. فهو في أمس الحاجة ولا شك إلى تهذيب نفسه وتربية شخصيته العامة وإصلاح خلقه كي يكون عضوا، عاملا صالحا في الحياة التي تضمه وسواه من المواطنين.. الأمر الذي يقتضيه أن يكون على جانب كبير من الشخصية والخلق المتين ليشق طريقه سهلا بينهم، ويساهم مع كل منهم في بناء مجتمع صالح سعيد. ولا شك أن شخصية المدرس لها كبير الأثر في شخصية المواطن، لأنها تكون في نظره أثناء سنيه الأولى المثال الحي والنموذج الصحيح الذي يحتذيه في حركاته وسكناته وصفاته وعاداته..
لذلك فمن المهم بمكان في سبيل إصلاح البيئة المدرسية إعداد شخصية المدرس الصالح في هذه البيئة بحيث تكون بحق المثال الحي والنموذج الذي يهتدي به المواطن فيطبع بطابعه ويتسم بسمته..
وشخصية المدرس لن تكون بحال صالحة في هذا الشأن إذا اقتصرت على الإلمام بالكثير من العلوم والبراعة في استقصاء الدروس... وإنما تكون كذلك إذا جمعت إلى كثرة العلم خلقا كريما، وروحا مهذبة، ونفسية نابضة... وميلا إلى التربية والإعداد والتكوين والتوجيه والتهذيب والإصلاح!
فإصلاح بيئة البيت الذي يعيش فيه المواطن، وإصلاح بيئة المدرسة التي يتلقى فيها علومه، من العوامل الكبرى التي تكون أسمى وأرقى الأفراد والجماعات والطوائف والشعوب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here