islamaumaroc

إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم

  دعوة الحق

العددان 147 و148

الوطن في عرف الاسلام اوسع افقا، وابعد مدى من ان ينحصر في دائرة البقاع التي ولد فيها المسلم، فنشا وترعرع على خيراتها، ودرج على ترابها، وانطبعت في خياله وذاكرته معالمها ومشاهدها..
فهذا شعور فطري، واحساس بدائي، يتولد مع الطفولة، ثم لا يلبث ان يتسع افقه، وينفسح مداه كلما نضج العقل، وزاد الوعي..
فاذا اكتمل عقل المؤمن، وتبصر قوله تعالى: "انما المومنون اخوة" تطلع الى هذه الاخوة، التي تبعث فيه القوة والغبطة، وتملا نفسه عزة وكرامة، لانها تجمع المسلمين في اطار من المحبة والتعاون، والعطف والحنان، مهما نأت ديارهم، وتباينت جنسياتهم...
فالوطن الاسلامي هو الدنيا باسرها ما دام فيها مسلمون، هو كل ارض يعيش عليها جماعة تعتنق الاسلام، وتحيى امجاده، وفضائله، لا فرق في ذلك بين شمال وجنوب، ولا بين شرق وغرب، ومن هذا الشعور ينبثق الفداء، وتقوى التضحية بالنفس والنفيس...
وفي زمن المعتصم، اغار الروم على عمورية، ودخلوا بلدة تسمى "زبطرة" ولما ارادوا ان ياسروا امراة مسلمة فيها نادت "وامعتصماه" وبلغه هذا النداء، وكان في يده كاس فلم يشربها، وامر من فوره بتجنيد الجيش وغزو عمورية، وقام بجيش جرار استجابة لهذا النداء الذي هز اريحته، وحرك فيه شعور الاخوة الصادقة..
وقد اشار عليه المنجمون بان هذه الفترة من الزمن غير صالحة للخروج، الى الحرب لانه ظهر نجم يشير الى النحس والهزيمة، فلم يأبه لزعمهم، ولم يذعن لحسابهم، بل خرج للقتال قائلا: "سيغلب سعدي نحسكم" ولم يهدا له بال حتى اجلى الغاصبين، وفك قيود تلك المراة بنفسه قائلا لها قولته المشهورة: "ها هو المعتصم قد لبى نداءك ايتها الشريفة".
وهكذا تم له النصر والظفر على الاعداء، لأنه يسير على هدى القرآن وتعاليمه، وشرح الله صدره للغزو وهو يقرا قوله تعالى: "فاذا عزمت فتوكل على الله"...
وقد حكى ذلك ابو تمام في قصيدته التي مطلعها:
السيف أصدق انباء من الكتب
في حده الحد بين الجد واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في
متونهن جلاء الشك والريب
الى أن قال :
لبيت صوتا "زبطريا" هرقلت له
كاس الكرى ورضاب الخرد العرب
لقد بعث الرسول العظيم محمد صلى الله عليه وسلم في امة هامدة جامدة، ومجتمع فاسد، بين قوم غلاظ الاكباد قساة القلوب، فاخذ يعالج مشكلات هذا المجتمع، ويحل عقده، حتى صفى الامة العربية من شوائب الجاهلية واوضارها، وهذب اخلاقها، وقوم اعوجاجها، ونقي طباعها، من الادناس والارجاس، ونفخ فيهم من تعاليمه وآدابه ما ملأ قلوبهم شفقة ورحمة، بعد غلظة وقسوة، فظهرت طباعهم، ورقت قلوبهم، فكانوا يبكون لما يصيب احدهم من أحداث الدهر وشدائده، ويتعاونون على الخيرات، ويتسابقون الى الحسنات والمبرات "اشداء على الكفار رحماء بينهم".
وسرعان ما دخل الناس في هذا الدين افواجا افواجا، وخفقت راياته في المشرق والمغرب، فكون هذا الرسول العظيم امة بهرت العالم، ولفتت انظار المشرقين والمغربين بعلومها وبطولاتها وسعادة مجتمعها، وبلغت هذه الامة من المجد والعزة، والجلال والكمال منتهى ما تصبو اليه الانسانية من عدالة ورحمة، وشرف وسؤدد، وكانت حياتهم في تلك العصور مضرب الامثال عبر الاجيال، حيث سلكوا السبيل الذي رسمه لهم الله تعالى على لسان نبيه الامين صلى الله عليه وسلم، وتمسكوا بتعاليمه الرشيدة فتجنبوا المشكلات، ولم يتعثروا في سيرهم، بل استطاعوا ان يعبروا قنطرة الحياة في يسر وسهولة، حتى اذا وجدوا في طريقهم مشكلات عالجوها عن طريق هذا الدين الذي فتح لهم آفاقا جديدة من العلم، ففتق عقولهم وأنار بصائرهم...
والبشرية الآن تتخبط في اودية من الحيرة، وتعيش في ظلمات من القلق والاضطراب، حيث انهارت قواعدها، وتهدمت نظمها التي بنتها على ما انتجته العقول، وما هياته لهم المادة، فتنكبوا طرق العدالة الاجتماعية، واطلت الدكتاتورية برأسها ومبادئها الشاذة، فشقيت الانسانية، وتعقدت المشكلات وفشلت المؤتمرات، وانحلت الروابط، واندلعت الثورات، وتمزقت المعاهدات، واصبح العالم الان في حاجة ملحة الى قيادة حكيمة، وسياسة رشيدة ونظم ثابتة، تاخذه بيده الى حياة قارة، وعيشة مطمئنة، تسودها العدالة والمساواة، ويرفرف على ربوعها علم الحرية والمحبة والاخاء...
لقد سئم في سبيل العالم حياة التناحر على المادة، والتنافس في سبيل الحصول عليها، ظنا منهم انها الوسيلة الى السعادة والسيادة والهناء، فاذا بهم يرونها "كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى اذا جاءهم لم يجده شيئا" فاخذوا يعضون أناملهم، ويقرعون السن من ندم، ويقولون هل الى خروج من سبيل، لأنهم ما جنوا بعد طول عناء الا الشقاء...
ان هذا العالم المعذب الذي شقي بنتائج علمه، اصبح في فراغ روحي، ووجد نفسه امام مشكلات اجتماعية، واقتصادية، وسياسية معقدة، وقف علماؤها ورؤساؤه ومفكروه حيالها موقف العجز واليأس، حيث لا يعرفون لها حلا، ولا يجدون لها علاجا..
وسياتي اليوم الذي يعترفون فيه - ان قريبا او بعيدا - بأن هذه المشكلات وتلك العقد لا تحل الا عن طريق الدين الاسلامي الحنيف، وكتابه الشريف، "الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" لانه اوضح الحلول، ووضع القواعد الثابتة لكل ناحية من نواحي الحياة...
وحسبنا ان كثيرا من العلماء والفلاسفة - الذين لم يعتنقوه بعد - قد شهدوا بصلاحية هذا الدين لكل زمان ولكل جيل، وان في تعاليمه ما يسعد البشرية جمعاء، وما يرشدها الى طريق السلام، ويصونها من التردي في مهاوي الهلاك والضلال، لو طبقت تلك التعاليم على اصولها من غير  انحراف عنها، ولا تبديل فيها...
يقول شيدر "عميد كلية الحقوق بفينيا":
ان البشرية لتفخر بانتساب رجل "كمحمد" اليها.
وقال برنارشو:
ما اشد حاجة العالم في عصره الحديث الى رجل "كمحمد" يحل مشكلته القائمة بينما يتناول فنجانا من القهوة"...
وان في القرآن ما يبعث العزة والامل الفسيح في نفس المؤمن، وما يدفعه الى المجد والشرف، فالمؤمن اذا قرأ قوله تعالى "كنتم خير امة اخرجت للناس"، شعر بمكانته في هذا الوجود، وغرس هذا الشعور في نفسه السيادة الكلية، فيسعى جهده للمحافظة عليها، والتأهل لحمل اعبائها فيفتديها بدمه وروحه، لانها سيادة ربانية، كتبت لهذه الامة في عالم الازلية، وتلك منقبة لا تنالها امة من الامم مهما بلغت من الرقي والنهوض.
وقد وضع الاسلام منهاجا كاملا شاملا يكفل للناس افضل النظم للحياة العامة، فاذا ساروا على هديه استطاعوا ان يتجنبوا المشكلات، وان يحلوا كثيرا من الامور المعقدة التي عجزت عن حلها النظم الوضعية، بل وكانت سببا في شقاء الانسانية وعذابها.
واننا معشر المسلمين لو سلكنا الطريق الذي سلكه اسلافنا، وتمسكنا بتعاليم ديننا، لسارت الامم في ركابنا، وافتدوا بنا، ونهجوا نهجنا، وطلبوا الينا ان نعالج مشكلاتهم، ونضع القوانين والنظم لحياتهم، وصدق الله العظيم "ان هذا القرآن يهدي للتي هي اقوم".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here