islamaumaroc

المقامة الإسلامية

  دعوة الحق

العددان 147 و148

حدثنا أبو الفتح المراكشي فقال : دعاني قريب إلى زيارة كريمة : لجار أديب تربطه وإياه صداقة حميمة . وقال : هيا أبا الفتح إلى وليمة فكرية وصحاف وصحف قديمة وجديدة عصرية , في دار صديق حصيف العقل سديد النظر, ناقب الفكر حديد البصر, ذي قريحة خصيبة الرباع , ومخيلة رحيبة الباع , أنيسة وجاساؤه كتبه , فهي رفاقه وزملاؤه وصحبه , قد إتخذ من دراسة الأسفار شرعة , ومن إرتياض رياض الأفكار نجعة إستقرى طرق المذاهب ومضايقها , واستقرى غلف الفلسفات ومغالقها . وعندما تعاينه تخاله كشباب هدا الزمان , إنسلخ عن ماضيه وفقد الإيمان , وعصفت به تيارات الشك والإلحاد , فأسلم لها رأسه وأمر أسه وإنقاد , ولكن عندما تحادثه وتناقشه، تكتشف أن له حصاة، ورزانة وأناة ، من أمال الفتيان قامته، ونور الجديدان هامته، قد جاب كل فج وتنوفة، وولج كل ولج ومخوفة، واغترف من كل حوض، واقنطف من كل روض، إذا نطق أصاب، وإذا إستمطر صاب، وهو إلى ذلك لصديقه صفي، وبضيفه حفي، خل ودود، وخدن مردود، وجعل طول الطريق يثني على صديقه ومكتبته، ويفديهما بروحه ومهجته، ويقول : خزانته خزان، يروي واحة الفكر بما يسيل من أوراقه، وخزين ملآن، بأشهى مايهيا من موائد الفكر وأطباقه، وحديقة فيحاء كثيفة الأغصان، رائقة الفنون وريقة الأفنان، وبعض مؤلفاته تعمل في فكر عمل النحلة،
نثري في أوراقه هذه الفلسفات والعقائد، وتروح مع رائعة تلك الملة، تسرب في حقول الأفكار والمذاهب، تمتص من الياحيين وأقاح تلك النحلة، وتميل الخليط عسلا مصفى  ينتر في الصحاف نثرا مسجوعا وطليقا منه مصفى، أو يقيد في زجاجات التفعيلات ويوضع في رفوف (البيت) موزونا ومقفى. وبعض المعاني كالفراشاة المرفرفة، في حدائق ورياض المعرفة، أوخرد حسان، يخطرن في جنان، يرتدين الكلمات غلائل وحبر (1)  وفساتين، موشاة بألوان غلال وزهر البساتين، والعناوين الذهبية قلائد وأساور والحبررضاب، يفتح في شهية الفكر ويسيل ما له من لعاب، فيا سعادة من فاز بهذه الدرر المكنونة، وحال هذه الجواري،والجواهر المصونة، وصدعني بصفات صديقه ومكتبته، إلى أن إنتهينا إلى با ب شقته، ولم يطل بنا الوقوف، فقد إنفرج وخرج الشخص الموصوف، كان شابا طويل القامة جسيما، طلق المحيا أنيقا وسيما، بشره يشف، ونضرته ترف، فقلت في نفي حسن والله عياله، فكيف يكون كيانه، وهل يطابق حبره وسبره خبره وسبره  (2)؟ ورغم أننا إقتحمنا خاوته، وكدرنا عليه صفوته، فقد إستقبلنا إستقبال الأكارم الأخبار، وقادنا بصدر رحب وترحاب إلى داخل الدار، وطلب الصديق أن نقضي الزيارة داخل المكتبة، فقبل إقتراحه ولبى مطلبه، وكانت كما ذكر ووصف، جنة وارفة الظلال، وافرة الغلال، فروعها خالية، وقطوفها دانية، صفقت كتبها بذوق رفيع أحسن تصفيف، وغلفت بألوان زاهية أجمل تغليف، فالمؤلفات القديمة الصفراء الفاقعة والشقراء، تبدو كسبالك ذهبية ملفوفة في مطارف مطرزة خضراء، والكتب الجديدة البيضاء، كقطع فضية لامعة في مناديل حريرية موشاة حمراء.. كان هناك ثلاث خزانات، الأولى خاصة بالقرآن الحكيم، وحديث الرسول الكريم، والفقه والتغير والأصول والقراءات، وكتب التراجم والتواريخ والسير والطبقات، وعلى اليمين مؤلفات حديثة في الفكر الإسلامي وإعلامه ورجاله، أما اليسرى فخاصة بالفكر الغربي وقادته وأبطاله، وقد حصرنا اجتماع علماء الإسلام، القدماء منهم والمحدثين،وتعانق الفلاسفة والمؤرخين والفقهاء والمحدثين، فكنت ترى مالكا والشافعي والعقاد وإبن تيمية وأنور وجدي، في أحاديث ودية مع إبن حنبل وأبي حنيفة وقطب والمودودي، ومسلما والبخاري والترمذي والمسعودي، يناقشون قضايا إسلامية مع الغزاليين وابن عربي وأبي حيان التوحيدي، وعلال الفاسي وشيت خطاب وابن الخطيب وبثت الشاطئ وابن الشاطييء، في جلسة عائلية مع الأفغاني ومحمد عبده الكندي وابن رشد والفرابي، وعمرقروخ ويوسف القرضاوي ومحمود الصواف وعبد الله كنون، يساقون كؤوس الفكر الإسلامي مع عبد الله السمان ومحمد البهي ومالك بن تبي وإبن خلدون، والإمام شلتوث والغمام وعبد الفتاح طبارة والطبري، في ضيافة القاضي عياض وابن حزم والفقيه العبدوسي والزمخثري، كل هذه الأسماء القارعة للاستماع، كانت تنادي من خلف الزجاج اللماع، تطالب بقراءتها ودرسها، وتغري بالقطاف من غرسها، وعلى مكتبه الأخضر الأنيق مجموعة أخرى قرات منها هذه العناوين: الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا، الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالإستعمار الغربي، أباطيل وأسمار، ما يقال عن الإسلام، شبهات الحلول الإسلام، النكسة والخطأ، الإستعمار أطماع وأحقاد، التبشير والإستعمار، المخططات الإستعمارية لمكافحة الإسلام، الأفعى اليهودية في معاقل الإسلام، كارثة القرم الإسلامية، الهلال الشهيد، بروتوكولات حكماء صهيون، مدفعية إسرائيل النفسية، الدنيا لعبة إسرائيل، لعبة الأمم، لعبة اليمين واليسار.. وقال الراوي : إزداد شوقي إلى أن يتحدت الأديب، ذو الغصن الرطيب، وبرد الشباب القشيب، ويذيقنا من غاب رياضه، وعذب حياضه لارى هل توافق فصاحته صباحته، وبهجته لهجته،أم أن طعامه طبخ على نار الحباحب، وشرابه سراب السباسب. فأوعزت إلى الصديق أن يفتح معه باب الحوار، ويطلب منه أن يحدثنا من بعض ما لديه من الأفكار، لنعرف هل أثرت في نفسه هذه الكتب والأسفار، أم أنها مجرد حلية وحيلة بارعة لجلب الأنظار، والفوز بإعجاب الزوار، فرد الصديق: لقد أعطيت القوس باريها، وأسكنت الدار بانيها ثه سأله:
كيف حالك أبا نصر، وقال الله العي والحصر.
اتقلب في حالين بؤس ورخاء، وانقلب مع الريحين زعزع ورخاء، والحمد لله على كل حال، للكبير المتعال،على ما أسبغ من عطاء، وأسبل من غطاء.
ليس عن هذا سؤالي، ولاهو ما يشغل بالي، أقصد كيف حالك مع الفكرة التي تملأ أقطار نفسك وتقلقك، أعني القضية الإسلامية التي تشغل ذهنك وتؤرقك.
أود أيها الصديق، ما كنت أريد أن تنكأ ما بقلبي من جراح وتحيل فرحي بزيارتكما إلى أتراح، ومعنا ضيف كريم لا يسمح المقام أن نسقيه هما قرحا بدل القراح.
أنه يرغب في سماع مثل هذه الأخبار، والتعرف على ما يحدق بالمسلمين من مهالك وأخطار.
إذن لا بد مما ليس منه بد، قالها وقد بدت عليه الصراحة والجد، وبعد أن أطرق قليلا رفع رأسه وقال: 
لن أحدتكما عن مصائب المسلمين ولكباتهم في باكستان وفلسطين، ولا عما ينتظرهم في الهند وقبرس والعليين، ولا عما أصاب وحدتنا من التصدع وانشقاق وانقسام، بعد الإخوة والوفاق والانسجام، ولا عما اعترى مجتمعاتنا من إنحلال، ولا كيف سلط الله علينا أحقر جنس وأنسجه، فمات في مسرى رسولنا ودنسه- وما كانوا يقاتلون أجدادنا إلا كنساء الخدور، في قرى محصنة أو من وراء جدر، وهاهم اليوم يصولون ويجولون باسم الدين والتوراة، بينما يدخل بعضنا القرآن والإسلام في باب التراث- ولا كيف غرر بالشباب، وخليت له الألباب، فطوحت بريحه الإعصاران، وجرفت.        
مجراه التيارات،ففر حماسه وانطفأ توقده، وحلت روابطه بربه وعقده، وابتلى بمعاقرة العقار، وخلع رداء الوقار، واستبدل غشيان المساجد وقراء المثاني، بإتيان الحانات ونشد الأغاني، ولا كيف طرقت بناتنا أوكار الموبقات وولجن بابها ، وتنصلن من العفة وشققن جلباها، ولا كيف نشأ فينا الخبث والمخادعة، والفحش والمقاذعة، وافرمنا بالهتار، وهتك الأستار،وكلفنا بالحدد واللدد، وتنكبنا عن الجدد والسدد، وتمزقنا يمينا ووسطا ويسارا، يكيد هذا الجناح لذلك سرا وجهارا، ويمكر بعضنا ببعض مكرا كبارا، ولا كيف أن الإستعمار، قبل أن يقادر الديار، ويرفع كلكله ويسحب ذلاذله، زرع في الساحة الإسلامية أفراخه وأراذله، ونصبهم كالشراك والفخاخ، يتابعون عملية غسل المخاخ، ولا كيف أقصي فريق الفكرة الإسلامية، ووصم بالرجعية والجمود والالهزامية، ولم يترك له من الوظائف إلا العلالة، ومن الامتيازات إلا البلالة، لينشغل بتدبير حالته، ويدبر عن رسالته، ولا كيف أجذب فكرنا بعد الاخصاب، وأمحل بعد الأزهار والأعشاب- وهو الذي أثرى المشرقين، وأناء نوره الخافقين- ولا كيف فعل الغزو الفكري والإعلامي فينا فعله، فأعلى رؤوسنا حذاء الجهل ونعله، فاستوت لدينا الأنوار والظلم، واستسمنا ذا ورم، واستدفئنا بغير ذي ضرم، واعتقدنا أن في يد الأجنبي مهماز يقظتنا بعد الرقود،وفي تقليده تحريك دواليب نهضتنا بعد الركود، وفي الاقتباس منه تأجيج نارنا بعد الخمود، وهديتنا وإرشادنا بعد الحيرة والسمود- وهل يسلم السجان سجينه مفتاحه، ويهديه خيره وصلاحه؟- ولا كيف أصبح المسلمون على الغرب عالة، يستوردون يركضون، وإلى سناه يرفضون- وما لوامعه إلا يلامع 3 القاع، ويرامع 4 البقاع- على الموائد فلسفته مضبون 5، وإلى دعوة كؤوس فكرة ملبون،- وما فلسفته إلا نظرة مبرقشة ملفقة، وخمرة سامة منقعة معنقة، نهلها بحران 6 وعللها خسران- إلى آخره، فما يغشانا من ليالي نجومها مغمومة، وغيومها مركومة، وما نمتصه من حلويات حضارة مسمومة، ونعمل به من أفكار ومذاهب ملغومة، هذا الواقع كله، ولم يحضرني إلا أقله، ليس الإنتاج شجرة شمخت في تشريعاتنا وأحكامنا فروعها، بعدما درت في نفوسنا وفكرنا بذورها، وأينعت في تصوراتنا ونظرتنا زهورها، فصارت لنا غلالها لنا قيودا وأغلالا، وظلالها ظلاما لنا وعمى وضلالا، تسمم فكرنا ونفوسنا تمارها، وتحرق قيمنا وأصالتنا جمارها، فوالذي فطر السماء، وعلم آدم السماء،وأنزل المطر من الغمام، وأخرج الثمر من الأكمام، أن المسليمين لن ينبط حفرهم، ويعشوشب ففرهم، وتنوع حياضهم، وتمرع رياضهم، وتعمر دورهم، ويعم نورهم، إلا إذا استيقظوا من سباتهم، ووعوا مخططات عداتهم، وافشلوها بهجران ما هييء لهم من مسارب ملتوية سوداء، والعودة إلى الصراط المستقيم والمحجة البيضاء، التي رسمها القرآن وعبدتها السنة للسالك والتي لا يزيغ عنها إلا غاو وضال وهالك، انظر إلى هذه الكتب، فإنها تميط النقاب، وتنقب وتزيح أكواب الترات، عن بدور خطة جهنمية، لمحو الإسلام واستعباد الأمم الإسلامية، وتجريدها من ماضيها وتراثها وحضارتها، وسلخها عن دينها ولغتها وأصالتها، ومسخها أذنابا تابعة، وكلابا تحت الموائد قابعة، تقتاب بما بقي على الموائد السيد من لفاظة، وما تساقط من مزاود فكره من نفاضة، ودفعها في ليل دامس، وطريق طامس، والعجيب أن الخطة تنفذ بحذافيرها، والشراك تنطبق على عصافيرها، ونحن في غفلتنا سادرون، وفي المسارب التي رسومها لنا سائرون، لا ننحرف عنها ولا نعيد، كان على جانبينا أسوارا من حديد، أو كأننا لا نقرأ ما جد في عالم المطبوعات من جديد، لن أثقل عليكما بذكر الصفحات وأرقامها، ولا بعودة إلى مراجعها أعلامها، وأنما سأصب لكما عصير الأوراق في كأس قصة، يشي بلورها الشفاف بما يعتصر قلبي من حسرة وغصة، فاستعما وعيا واستعينا بما لكما من إحساس مرهق وفكر سديد، ففي ما أحكيه تذكرة لمن كان له قلب أو القي السمع وهو شهيد.
في بداية القرن العشرين، ضمت جلسة ثلاثة خبثاء ماكرين، التقوا حول مائدة سوداء، تلفهم العداوة والبغضاء، علق الأول على صدره  صليبا نحاسيا، ووضع أمامه علما وسيفا صليبيا، وكان أمام الثاني نموذج مجسم لخريطة البلاد الإسلامية، أما الثالث فقد رسم على صدره وذراعه نجمة سوداء سداسية، ووضع أمامه كلرة أرضية،

صاحب الصليب:
أن النار في قلبي مضطرمة، وأحاسيس الانتقام في نفسي محتدمة، فلا يزال خيال الحروب الصليبية يخفق في وجداني، ولا زالت ذكرها تنبض وتهز ذاتي وكياني، فكلما ذكر الإسلام وجف قلبي، وارتج جسمي وإطار لبي، وتفرقت نفسي شعاعا، وأرعدت فرائضي ارتياعا، فلا زالت قذائفهم المحرقة، وجحافلهم الزاحفة المطبقة، وصياحتهم المجلجلة المصعقة(الله أكبر، فتح ربي ونصر، وخذل من اكفر)، لا زالت هذه الأصوات والصور تغلي في قلبي وثنور، وتطالب بالانتقام وشفاء ما بالصدور، ولن يشفي عليلي، ويروي غليلي، ويسلي قلبي، ويسري كربي، غير هدم الإسلام، وقبره في الظلام، فلن تنطفئ ناري المبرح بنفسي استعارها والمفلح وجهي شعارها، حتى يخلو مراحه، ويخبو مصباحه، ويحل الفناء بفنائه، والنوب بيتا له، وتصبح بيوت المسلمين قفرا، وتخولهم صفرا، وراشدهم حائرا ومرشدهم بائرا.

صاحب الخريطة الإسلامية

عندما جرعني المسلمون النهلة المرة، ودرحوني وأخرجوني أول مرة من التركستان والقوقاز  والقزم، بعد فلسطين ومصر والشام، عكفت على نفسي أفكر في هؤلاء الأقوام، كيف استطاعت هذه القبائل المتفرقة أن تصبح قوة غالبة، فتهزم جيوش الرومان وتقهر التتر والصقالبة، وهي التي كانت في صحرائها مغمورة، وحروبها تكاد تكون بينها محصورة؟ وأدركت أن سر نجاحهم، وسبب فلاحهم، لا يرجع إلى فروسيتهم الحربية، أو إلى أرومتهم العربية، وإنما يمكن أولا و أخيرا، في دينهم الذي بعد لهم نصيرا وظهيرا، فهو جذوتهم في الظلمات، ونجدتهم في المدلهمات، وركنهم الركين، وحصنهم الحصين، واستنتجت أنني لن أفلح فلاحهم، إلا إذا استعملت سلاحهم، فاتخذت أوغر على الإسلام الصدور، وادعوا بالويل والثبور، وعظائم الأمور، أشوه سيرة رسولهم في عين إتباعي، وتعاليم دينهم في بقاعي ورباعي، أبالغ في تصوير همجية خلفا لهم، ووحشية حكامهم وأمرائهم أخطب في الجموع الجاهلة، التي كانت عن خطتي غافلة، أدعو إلى القيام بحرب مقدسة دينية، تسترجع مسقط رأس المسيح في الأراضي الفلسطينية، فنجحت دعوتي، وترددت اصداء صوتي، في فرنسا والتمسا، وبولونيا واسبانيا، وانجلترا وايطاليا، وبروسيا وروسيا، ولبست مسوح الرهبان، وعلقت على صدري الصلبان، واغتنمت تنازع المسلمين وتقاتلهم، وتهاونهم وتخاذلهم، فنجحت إحدى دهماني، وأثمرت بعض هجماتي، فركزت أقدامي في الشواطئ، ومهدت فيها الواطئ، وحصنت القلاع والمعاقل والمستعمرات وشرعت في دس الدسائس وحبك المؤامرات، ليزداد المسلمون تنازعا وتخاذلا وركودا، وازداد نحو غايتي سرعة وركوضا، إلى أن يرسخ قدمي ويستد ساعدي ويتوارد عددي ومددي، وبعدما أقوم بجولة تالية، تقرب المسلمين من صحرائهم الخالية، إلا أنه بدا في الأفق شيئ خطير، أنذر مخططاتي بشر مستطير، فقد ظهر المدعو صلاح الدين، وعمل على توحيد المسلمين، ودعا إلى الجهاد وحروب مقدسة، تطهر ما اسماه بالأراضي المدنسة، وللمرة الثانية دمرني المسلمون، وكان من نتائج حطين ما تعلمون، فعدت إلى بلادي، وقد طال أرقى وسهادي، أفكر في هؤلاء الأعادي، ثم دارت الأيام دورها، وتقلبت الأهلة حورها وكورها، وشهدت أراضي قفزة علمية هائلة، ونهضة صناعية شاملة، نتجت عما كان بيني وبين المسلمين والإسلام، من إيصال والتحام سواء في ميادين الحرب والصدام، أو في مجالات التعايش والسلام، في جنوبي فرنسا وايطاليا، وقبرس وصقلية، والمجر وبلغاريا، في جامعات الأزهر والزيتونة والقرويين، وفي آستارا (3) واشخباد (4) وسواحل قزوين، في معارك القدس، ومعاهد الأندلس، كما أفادني ما اختطفت وتهبت من مكتباتهم، وما قطفت وترجمت من مؤلفات، فاستغللت علومي، في تحقيق حلمي، وتفريج همومي، واخترعت أدوات الخراب والدمار، وشحنت الأساطيل بالحديد والنار، وزيادة في أخذ الحيطة والحذر، ولكي لاتتعرض خطتي للخطر، ولكي أستفيد من تجارب الدرس السابق، أمرت ألا ينفخ في النفير، ولا ينعق أو ينهق ناعق أو ناهق، وأعطيت أوامر مشددة، وتعاليم محددة، بالا ترفع الشارات الصليبية، حتى لا تثار الحمية الهلالية، وأن يكون هجومي على شكل دفعات متفارقة، ودفقات متلاحقة، تكتسي طابع النزاعات الدولية،ورداء البحت عن المواد الأولية، وتصريف الحاصلات، وتأمين المواصلات، ثم خرجت أساطيلي تروع البحار، وكلي ثقة في تحقيق الانتصار، فانطلت خدعني على القوم، وغشيتهم الغفلة و النوم، فبعد أن طهرت منهم جزيرة أبيريا، طاردتهم في آسيا وإفريقيا، والتركستان والقوقاز وسبيريا، وبعدما أصليت أسوار طنجة وتطوان، وخرجت عروس قزوين استراخان، طارت أحلامي إلى مسجد إبن طولون وطبرية وصفد، وخامرت مخيلتي خمائل بخاري وسمر قند، أسقطت راية الإسلام في كراتشي ودهلي وداكا، وتعلقت عيناي بآعلامه في كركوك ودمشق وعكا، زعزعته في الخرطوم وباماكو، وزحزحته عن باطوم (5) وباكو (6) ، غرست علمي فوق جبال الأوراس وغسلت قدمي في مصبي الاورال واراس (7)، أغلقت المساجد الوهرانية، وأغرمت بالصوامع الطهرانية،غير أن نجاحي لم يكن كاملا واحتلالي لم يكن شاملا، فقد أطلع على جلية خطبي، وتنبه إلى خبيثة خبي، ونفر مرة أخرى في النفير، وارتفع ذلك النداء النكير، (يا مسلمي العالم اتخذوا، ولا عادة مجدكم استعدوا، وبأسلافكم اقتدوا، بنبراسهم اهتدوا) تلك الصرخة التي أثار جمال الدين غبارها، وأضرم محمد عبده نارها، وأضاءت السلفية في الخافقين منارها، ففعلت فعل النار في الهشيم، والترباق في الملوع السقيم، فلا يقلقني أيها السادة ويرهبني، ويقض مضجعي ويرعبني، غير أن أرى الشعور الإسلامي قد بعث وعاد، وأصبحت له السيطرة على البلاد والعباد، فعندما تشيل كفتي. ويزل قدمي، ويشتد تحسري وندمي، على ما انفلت من يدي من خير وضاع، واندثر من أحلام وأطماع، وما حضرت جلستكما وقعدت هذه العقدة، إلا من أجل الحيلولة دون بروز تلك الصخرة الصلدة، التي يسمونها الإتحاد الإسلامي والوحدة، وإحالة توافقهم تشانقا، وتعانقهم تخانقا، وتحابيهم تخاببا، وتمادحهم تساببا.

صاحب النجمة السداسية
انصتا أيها الإخوان واسمعا، أنني أجمع رغبتيكما معا، غير أن ما يغلي بقلبي الحقود، من كراهية وأطماع ليس لها حدود، فلائحة حساباتي مع الإسلام والمسلمين طويلة عريضة، ترجع إلى واقع بني قنيقاع والنضير وقريظة، وما نتج عن ذلك من تقتيل وتشريد لنا، واستيلاء محمد وأصحابه على قلاعنا وأموالنا، ورغم أنهم أكرموني في الشام، وعاملوني بكل تسامح واحترام، ورعوا لي حرمة وذمما، فإن مراجلي لا تقذف إلا حمما، وسعادتهم لا تملأ نفسي إلا غما وهما، فما يزيدهم قوة ويقظة واتحاد، لايزيد نلري إلا أذكاء وإضراما واتقادا، وقد وضعت خططا منظمة، تنفذ بأساليب محكمة، تستهدف أولا الاستيلاء على فلسطين، كبداية لاذلال المسلمين، ودق في عزتهم آسفين، ثم التمدد إلى الممرات المالية والخلجان والقنوات، تمهيدا لاحتلال بلاد العرب واستغلال ما فيها من خيرات وثرواث،فما شعارنا من النيل إلى الفرات، إلا خطوة ستتلوها أخريات، فهناك خريطة من العراق إلى حضر الموت، ومن البحرين إلى بيروت، فلن ينطفئ ما في قلبي من ضرام، حتى أخرب المسجدين الأقصى والحرام، وأغفر ألوفهم في الرغام، وأسلهم رمادا، وأشربهم سوادا، وأحيل عيشهم مرا، وسرهم ضرا، وغراءهم محلا، وغلباءهم قحلا.. ولن أحدثكم عن تفاصيل هذه المخططات ولا كيفية تحقيقها، ولا عما سيصيب المسلمين من عذابهما وحريتها، إلا إذا خرجت الخطوة الأولى إلى النور، ونفست عن بعض ما في الصدور، وأنا لن أستطيع تحقيق كل هذا وحدي، فكونا عضدي وساعدي، أشدادا أزري أشرككما في أمري، كونا لي جناحين أكن لكما رأسا مخلبا، لنكون ثالوثا يصيب العذاب على المسلمين صبا، ويحقنهم سما وصبا، أغرسا قدمي في القدس والناصرة وعكا، لابد في ديد حنون دينهم ووحدتهم دكا، والآن أريد أن أعرف ماذا أعددتما ورسمتما، لأنسق مخططاتي مع مخططاتكما، حتى لا يكون في وسائلنا تعارض، وفي أهدافنا تناقض.

صاحب الصليب
لقد التحمت مع المسلمين في المعارك ضروس، خرجت منها بتجارب مرة ودروس، أن إسلامهم، يسلحهم بتماريس نفيسة وتروس، لا تنال من مناعتها المجانيق والفؤوس، فقد باءت كل حملاتي بالخيبة والخسران، ورجعت أجر أذيال والحسرة والهوان، وبقي الإسلام كالعلود الراسخ، والجبل الأشم الشامخ، لذلك هجرت سيوفي وسهامي ورماحين واتخذت من التبشير والتعليم أنجع سلاحي، وليس هدفي نشر المسيحية بينهم كالعقيدة، وهدايتهم إلى ديانتنا العقيدة، فالمسلمون أجناس أوغاد، لايستحقون الهداية والإرشاد، وكيف أرجو لهم الخير وقلبي تأكله الأحقاد؟ وإنما مرماي ومقصدي، ومغزاي ومنشدي، زعزعة عقيدة المؤمن وبث الشكوك في فكره وكيانه، وزحزحته عن الإسلام وفهم روابطه بربه وإيمانه، لتستحكم في نفسه أوصابها، ويشتد تمزقها وعذابها، والموصول إلى هذه الغاية السعيدة، سلكت سلبلا متنوعة عديدة كتوزيع الصدقات على الفقراء والمعوزين، والإحسان إلى المتشردين والمنبوذين، والظهور بمظهر الزاهد المتقشف، ومغيت المحروم المتلهف، وفتح المستشفيات للعلاج والتوزيع الأدوية، كوسائل لتحطيم ما لهم من عقيدة صلبة قوية، ومن وسائلي البعيدة الآثار، إنشاء مدارس لتعليم الصغار، وغايتها تخريج أجيال شبيهة بالأمم النصرانية، مفصومة الصلة بالملل والنحل القرآنية، لا هي بالمسيحية ولا هي بالمسلمة، وإنما أشتات متمزقة منحطمة، وبهذا تنطفئ ناري المضطرمة، إلا تريان أيها الإخوان العزيزان، أنني أمكر من الأباليس، وأكتر ذكاء ودهاء ودسائس؟

صاحب الخريطة الإسلامية  
يا لك من ثعلب ماكر، تنفذ خطتي أولا بآخر، كأننا متفقان في الباطن والظاهر، أنا أيضا استعمل التبشير والتعليم، كوسيلة للتخريب والتحطيم، لكن لا لمجرد الغنتقام من الإسلام، وإنما لتحقيق الأماني والأحلام، فقد هدتني تجاربي المرة، وأخفاقي مرة بعد مرة، أنني لم أتمكن منهم وأبلغ غايتي، إلا إذا غرست في قلوبهم لا في أرضهم رايني، ولكي افتح ذلك الركن الركين، والكن الكنين، أطرد منه سلطان الإسلام المكين، رأيت أن الطريقة المثلى،والوسيلة الفضلى، هي أن أختبر المسلمين وأعجمهم، واستبطنهم واحل مترجمهم، فدرست دينهم ولغتهم، وأدبهم وحضارتهم، وسبرت سرائرهم وقرائحهم، وخبرت شائلهم وراجعهم، وماتحهم ومائعهم(8) ، وسائحهم وبارحهم (9) وسابحهم وسارحهم، وناشبهم ورامحهم، ومعصومهم وموصومهم، ومظلومهم ومنصوفهم، فوصلت إلى رأي قاطع، أبانه لي قبس ساطع، أن المؤمن الحق، والمسلم الصدق، يتمتع بإرادة قوية نضالية، وثقة في النفس ومعنوية عالية، فهو ماضي العزيمة، قوي الشكيمة، صعب مراسه، خشية أمراسه، صلب العريكة، صلد الفريكة، عزيز النفس أبي، يرفض الذل والخضوع للأجنبي، فلكي أحطم ما للمسلمين من قوة رافضة صامدة، واجعلهم أمة سلبية خاملة سامدة، ضالعها ظليع، وصالحا خليع، وفائقها مائق، وخالصها مماذق، وظفت مرتزقة من المبشرين، وبعتثهم إلى ديار المسلمين، لنشر صوفية ومذاهب الفلسفة المسيحية، الداعية إلى الإيخاء ةالمحبة والاريحية، حتى إذا صفعتهم على خدهم الأغر، منحوني الآخر الآيسر، وأنشأت مدارس للتعليم آه للتجهيل والتعقيم قناعها التنصير والتبصير والتحرير، ووجهها التخسير والتسخير والتغرير، وإلا كيف أضيع مالي ووقتي، وفكري وطاقتي، في نشر دين أثخنته العلوم وكفنته العلمانية، ونخرته المادية والوثنية الرومانية، فلو بعث المسيح لوجد نفسه في الغرب غريبا، لا يجد مؤمنا حقا ولا صديقا أو قريبا، فلهذا أتظاهر بالتدين وأحمى الكنائس وأتباعها خارج بلادي، وأظهر على حقيقتي كافرا ملحدا داخل أرض أجدادي. فما التبشير بالنسبة لي في مراميه البعيدة وغاياته، إلا وسيلة لاستئصال الإسلام واجتثاثه، وهدم عقيدة المسلم وإرادته الصلبة وإذلاله، واحتلال العالم الإسلامي واستغلاله، أما التعليم فغايتي من نشره ومطلبي، تخريج جيل يتجاوب مع فلسفتي ومشاعري ومشربي، إتخذه أداة لنشر أفكاري ونظرياتي، وتنفيذ مخططاتي ومشروعاتي، فما رأيكما في عبقريتي والمعيتي؟

صاحب النجمة السداسية
إنكما تحومان حول الموضوع، ولاتميزان بين الأصول والفروع، ولا تفرقان بين الأشكال والظواهر، وبين المضامين والجواهر، فعملكما أيها الإخوان، كعمل صاحب حقل به أفعى وأفعوان، يخرجان له كل سنة أفاعي صغيرة عديدة، ينشغل بقتلها ومطاردتها أياما مديدة، ولو كان بعيد النظر ثاقب الفكر، لاتجه رأسا إلى الوكر، وعدوانا اللدودان هما الخلافة والقرآن، فمهما خططتما ونفذتما، وبقي هذا التنائي قويا سليما، فإن عملكما سيكون عقيما سقيما، فمهما علمت أنت (علمت أنت) وبشرت، وحرفت من الإسلام وزورت،وبقي القرآن حيا، فإن عملك سيكون واهيا، لأنه بالنسبة للمسلمين كالمرآة الصقلية، فيه يرون وجههم الحقيقي وأصالتهم الأصلية، وبواسطتها يكتشفون ما شاب دينهم وقيمهم من شوالب دخيلة، ومهما فتنت أنت وحدتهم، وكسرت صلدتهم، ومزقتهم بددا، وطرائق قددا، فإن الخلافة التي تكتسي قداسة الدين، قادرة في كل وقت وحين، على أن تحيل تخالفهم تحالفا، وتقاذفهم تآلفا، وتدابرهم تضافرا، وتناحرهم تناصرا، ولأترك الكلام عن الأفعوان إلى جلسة تالية، وأحدتكما عما خططته للأفعى في اللحظة الحالية، وليكون لمخططاتي في نفسيكما أثر وقيمة، أذكر كما ببعض ما قامت الخلافة من أعمال جسيمة، حديثة وقديمة، أذكر أن ظهور العثمانيين كان لريحكما أعصار، فعندما جاء الأتراك أثارت خليهم بالأناضول غبارا، كانت الجيوش الإسلامية بها تعاني تراجعا وإنكسارا، وموجاتها تعاصي جزرا وانحسار، فحقنوها بدماء فتية قوية، بعثت فيها نشاطا وحركة وحيوية،وكانت لهم معارك فاصلة مع الروس والروم، في جبال طورس وأنقرة والقرم وكوروم، وتواجوا انتصاراتهم العظيمة، بفتح عاصمة الإمبراطورية الرومانية القديمة، وحولوا كنائسها كتاتيب للقرآن، ومساجد يسمع فوق صوامعها الآذان، وأسكتوا النواقيس وأنكسوا الصلبان، وساعدوا على نشر ديانتهم وتعاليمها، في بقاع أروبا و اقاليمها، وإمتد نفوذهم من كابول إلى إستنبول، ومن كرمان، إلى أم درمان، ومن جبال بنطس (10)،  إلىسلسلة الأطلس، وحولوا بحار مرمرا والأسود، والأحمر والأبيض، إلى بحيرات إسلامية، ووصلت مدافعهم إلى الديار النمساوية، وهددوا مواصلاتكم في البحار، وضيقوا على أوروبا خناق الحصار، والخلافة هي التي وقفت في سبيل تحقيق ما لك من أغراض ومرامي، وافشلت مخططاتك في إتمام إحتلال العالم الإسلامي، فعندما كنت تخطو نحو الخرطوم، كانت جيوشها تتحرك في ارضوم، وعندما كنت تقترب من الصويرة وأزمور، كانت أساطيلها تبحر من أزمير وصور، وعندما كنت تقبل أقاليم القوقاز، كانت ترفع (الله أكبر) في منطة الأهواز.. لن أطيل في حديثي عن مصائبكما أكثر، مع هذا العدو الذي لا يقهر، والجيش الذي لايدحر، فلقد أذاقكما من العلاقم، ووقف لكما عظم شجا في الحلاقيم، ومامواقفه من مراكزكما التبشيرية بخافية، فلكما في هذا الموضوع معلومات ضافية، أما بالنسبة لي فلن أفتح ما لي مع الخلافة من حسابات ماضية، وماتبادلناه من الضربات التي ستكون أواخرها لها قاضية، فلن أحدثكما عن تدبيرنا لإغتيال محمد الفاتح، وكيف أصاب الخلافة بفقده خسران ذادح، ولا عن إغتيال أبناء سليمان القانوني وأحفاده الصغار، من طرف (نوربانو) سليلة الشعب المختار، فهذه صفحة طولها أربعمائة عام، فلنطوها ونفتح ما جد في هذه الأيام، فقد ذهب إلى الإستانة وفد متكون من ثلاثة أقطاب عظام، هرتسل وقره صو وموشي ليوي الحاخام، وسأموا الخلافة عن فلسطين، بقناطر مقنطرة من المعدن الثمين، لكنهم وجدوا لدى الخليفة عبد الحميد، إرادة رافضة أصلب من الحديد، فردهم خالبين وقال لهم، أن فلسطين ملك للمسلمين جميعهم، ولن أستطيع أن أفرط في أماناتهم وودائعهم، لم يشتريها أبو عبيدة وشر حبيل وخالد، ومن تحت أمرتهم من الأبطال  إلا ماجد، وإنما دخلوها مقاتلين، وفي سبيل الله مجاهدين، وتركوا دماءهم على صخورها ورمالها، فكيف أبيعها لكم بمتاع الدنيا ومالها، ولهذا خططنا لهدم الخلافة وزلزلة أقدامها، والتكلس رايتها وأعلامها، وتحطيم هذه القوة العنيدة، التي تقف في سبيل أحلامي وأحلامكما السعيدة، ففي كيانها يجب أن ينزل الخراب، وإلى صدرها يجب أن توجه الخراب، فلماذا تبددان جهودكما أيها الإخوان وتعميان عن وكر الفعى والأفعوان؟

صاحب الصليب
لا أسمعح لك بوصفي بقصر النظر، والعجز عن رؤية مكمن الخطر، فمنذ عقود وعهود، أدركت ما للخلافة من سلطة ونفوذ، وأدركت أنها مركز الدائرة الإسلامية وقطرها، والقبلة التي يولي المسلمون وجوههم شطرها، والمنبع الذي يمتد شعاعه وغدرانه إلى باقي الأقطار، وأيقنت أن نيل المنى وقضاء الوطار، يكمن في تسميم هذا النبع بالتبشير وتعريضه للخطار، لأنها كالمصباح الجاذب للفراشات الباحثة عن النور والظهور، والراغبين في السلطة وحياة البلاطات والقصور، فأدخلت أبناء هؤلاء مدارسي، وجعلنهم طرائدي وفرائسي، وكفلتهم مذ دبوا، ألى أن شبوا، وأرضعتهم ما شوه من تعاليم المسيح عليه السلام، والبان الحقد والكراهية ضد الإسلام، وأبعدتهم عن شوبه (11) ، وروبه وصوبه، وصورته لهم طعاما غثما، وثوبا رثا، وقلما رديثا، وسيفا صديتا، فخمدت في أنفسهم جذوته، وصدلت في أعينهم جلوته، ولما أرسلوا إلى بعض الأقاليم حكاما وسادة، نصبوا أنفسهم عن المسيحية المزودة ذاذة، وشوهوا الإسلام وما له من دعاة وقادة، وضيقوا على العلماء وأسكنوهم قفصا، وتوزعوا مناصبهم العليا حصصا، لم يتركوا لهم من وظائف القيادة، ومراكز السيادة، إلا حثالة المآكل، وثمالة المناهل، وكموا أفواههم ووضعوا أقلامهم في الأسار، فتربوا بعد الأتراب وأعسروا بعد الأيسار، فكيف تغمز من قناتي، وتغض من حصاتي، وقد رأيت صنائعي تقضي لبالتي، فتفرج غمتي، وتروي غلتي، وتزحزح أقدام الخلامة، تحت قناع نشر الدين والثقافة؟

صاحب الخريطة الإسلامية
وأنا أيضا أدركت أن الخلافة قلب الإسلام النابض، والمصدر الذي يتخرج منه الرافع والخافض، والباسط والقابض، والمربض أبناء الأعيان والأمراء، وذوي الشأن والوزراء، وكعبة الراغبين في تذوق حلاوة الحلم والرياسة، والمغرمين بجاه النفوذ وسلطة السياسة، وأدركت أن بذوري لا يمكن أن تثمر، وليل خوفي من يقظتهم لا يمكن أن يقمر، ما لم يخضع هذه النخبة لازمتي وأحبولتي، وأدللها وأربطها بعجلتي، وأقلدها سيفي ونبلي، وأسخرها حاطبة، في حبلي، فنصبت حولها شراكي،وأدرتها في جاذبية أفلاكي، واتخذت من أدمغتها وقلوبها أراضي للبذار، وزرع العواطف والأفكار، وعندما عادت إلى بلادها وشاركت في تصريف أمورها، تصرفت بما غرس ووقر في فكرها وصدورها، فكانت أدواتي الطبعة وصوتي ولساني، تسر لسروري وتحز فيها أحزاني، لأنني جعلت مصالحي مع مصالحها متشابكة، وخيوطي مع خيوطها متحابكة، وكم قامت بتدبير الفنن والقلاقل والإضطربات، لأجد مبررا للتدخل بدعوى حماية الأقليات والديانات، وكانت أداة الخراب والدمار، في جسم الخلافة حامية الذمام والذمار، وفي قلبها جرحا داميا، وكنت عنها مدافعا ومحاميا، فكيف تتهمني بالخلط والغباوة، وفكري يتصف بهذه الصفاوة؟ وقد اتخذت من صنائعي سلما للإرتقاء، وسببا للاستسقاء، فاستعانت بدينها وذكائها ومعارفها، على أذكاء النار في أطراف الخلافة ومطارفها.

صاحب النجمة السداسية
لقد حملتما كلامي على غير محمله، ووقفتما عند عمومه ومجمله، أنني لا أجهل جهود مراكزكما العظيمة، وما قامت به من تخريبات جسيمة، فلقد جرعت الخلافة من السم قطرات أدخلتها في حالة من الإغماءات والسكرات، أذهبت نفوس الخلفاء عليها حسرات، وهيجت ما كان من بحرها رهوا، وكدرت ما كان من عيشها صفوا، وغيمت ما كان من جوها صحوا، ومع هذا وأنتما تجريان نحو تحقيق الحلم السعيد، تأكدا أنه لن يكون لكما في الدى البعيد، في أرض الخلافة مرتع، ولا في أهلها مطمع، ما دام قلبها يخفق، وأجراسها تدق، فقد تتماثل للشفاء، وتعمر ما أصابه العفاء، وتسري القوة في أوصالها، وتصلح ما فسد من أحوالها، فيضيع عمل وكد عقود، ويلاحق خطتكما النحس بعد السعود، وتنتكس أعلامكما بعد الصعود، وبتحرر ما استعمرتما من أقاليم وولايات، وتتجرعان طعم الفشل والويلات، يجب أن يكون لكما رأي حاسم، ويقين جازم، أن أعمالكما لن تكون جدبة، وأساليبكما أن تكون مجدية، ما لم نشحد كل ما لنا من طاقات وجهود، وسلطة ونفوذ، ونوجه الكل في معركة مع الخلافة فاصلة، وضربة لعنقها قاصلة، وبعدما تتجمع الشركة، الشركة وتقتسم التركة، وقد مهدت لعملكما كل التمهيد، وعبدت طريقكما كل التعبيد، فبجانب مراكزكما التعليمية والتبشيرية، أنشأت خلايا لجمعياتي الماسونية السرية، إتخذتها أداتي في هدم ما للنفوس من صياصي 16، والمسك بما لها من نواصي، وتليين قناة العاصي، وتقريب الهارب والمدبر والقاصي، وكونت فيها فرقا من الأشداء العتاة،وأسست ما يسمى بحزبي(الإتحاد والترقي) و(تركيا الفتاة) وكلفتها بالإتصال بطبقات الشعب والضباط والجنود، وتهييئهم للثورة التي ستنطلق في يوم موعود، وبث وروح السخط والتذمر والمرارة، إستعدادا للمشاركة في إضرام الشررارة، كما اخترت من جمعياتي فرقة من الجرمين الأشرار، ودستهم بين من سيعرفون بالضباط الأحرار، واصطفيت(كمالا) البطل الهمام وهو يهودي تظاهر بالإسلام، وجعلته على رأس قيادتها، وسبنعت باب تركيا ورمز سيادتها، وعهدت إليه باجتثاث دوحة الخلافة العثمانية، وغرس مكانها الدولة العلمانية، والعمل على فصل الدولة عن الدين، ونزع ما للإسلام من سلطان مكين، وتغريب تركيا تغريبا كاملا، ليصبح شعبها النشيط كسولا خاملا، وستقوم صحافتي بتضخيم أعماله، وإطراء محاسنه وخصاله، والتشهير بعبد الحميد والصاق به الشنعة، وتلطيخ مله من سيرة وسمعة، ونعته بأخس النعوت وأقبح التهم، وتشويه الخلافة والخلفاء، ويعتبروهم جميعا للشر والتعفن حلفاء، وحتى يكون مصير عبد الحميد، عبرة لكل مخالف لأوامرنا عنيد،(وأضاف في نفسه: كما فعلنا مع لويس السادس عشر منذ عهود، وكما سنفعل قريبا مع قيصر روسيا عدونا اللدود) ولا يلبث عمل كامل أن يصبح طريقة تقتدي، وسنة تحتدي، تنتشر في بقاع الخلافة وأقطارها، وتكتوي كل الأنظمة بشرارتها ونارها، والمطلوب منكما أن تسخرا مراكزكما في خدمتي، وتجعلاها تحت تصرفي وإمرتي، لأنني أريد إستخدامها في تنفيذ مخطط رهيب، ستقطفان ثماره الحلوة عما قريب، ستقوم صنائعي بالدعوة إلى القومية التركية الطورانية، وترد صنائعكما بالدعوة إلى القومية العدنانية القحطانية، وسيدفعها حقدها الدفين على الإسلام، إلى التفالي في تنفيذ هذا المخطط الهدام، وسيتناطح الثور القوميتين، ويهدمان مجد الأمتين، وبعدها لن تقوم للمسلمين قائمة، ويصبحون تحت رحمتنا كالسائمة، فبعد كسر الوحدة الإسلامية وطمرها، وهدم الخلافة وقبرها، سنتمكن من قهر جيوشهم ودحرها، لأن حروبهم ستفقد قداسة الجهاد الإسلامية، وتدخل في نطاق الحروب الإقليمية، فلا يعود قتالهم جهادا، ولا موتهم إستشهادا، ونستريح من ذلك الصوت المنكر (الله أكبر، الله أكبر) فتستفيدان أنتما من تحطيم إرادة الجهاد، ويكون نصيبي أرض الميعاد، وبعدما ألين لكما قناة القاهرة وبغداد والرياض وحلب، وأقدم لكما دينهم وثرواتهم على طبق من ذهب، فتتمتعان وتنتقمان، وينطفئ ما بقلبيكما من غضب ولهب، ورغم أن هدف هذا الشوط بطين 17، فإنني في هذا الميدان شيطان إبن شوطين، وخطتي لا يمكن أن يرقى إلى إمكانية فشلها الشك والتخمين، لأن في جرابي تجارب أربعة آلاف من السنين، أنني لن أقول لكما ما رأيكما فيما اتمتع به من مزايا تخريبية وشيطنة التي ستقضي على آخر ما للمسلمين من خلافة وعز وسلطنة، ولكنني أقول: لنضع اليد في اليد، ونبدأ العمل من الغد، فالزمان لا يرحم، ومن تهاون بندم، لنسرع بتجريع الخلافة السم الزعاف، ونجعل بليلة الزفاف فلي فلسطين أجمل الغوادي الإسلاميات، ولكما الأخريات والخبرات والتراث، على الطريقة الكاثوليكية طول الحياة، فلا نزاع ولا شقاق ولا نشاز ولا فراق.

صاحب الصليب
إنك أكثر مني خبرة وإطلاعا، أجدر بمحاربة الإسلام إضطلاعا، لأنك أكتر حقدا وقلبك أشد التباعا، فلن أملك إزاء إرداتك إلا خضوعا وانصياعا، فلك الأمر والرسم والتخطيط، وعلينا التنفيذ والسمع والطاعة.

صاحب الخريطة الإسلامية
إنك أعظم مني أحلاما وأطماعا، وإنك في هذا الميدان لأطول باعا، وبما أن في أرضاء رغباتك لرغبتك أشباعا، فلن تجد فينا إلا أدوات طبعة وخدما وإتباعا، فأمر بما تريده أنفذه لك الساعة.

                                                  - * -
ثم إنهم جمعوا أدواتهم وتصافحوا ووقفوا، وتناسلوا حزازتهم وتعانقوا وتصافوا واتفقوا على عقد جلسة لاحقة، لتقيم نتائج المؤامرة السابقة، ووضع تشريعات لفصل وصولة، وخرج التالوث مشتبك الأيدي من قاعة الإجتماع وقد تأججت النار أكتر، واضطرمت الأحقاد والأطماع.
قال أبوالفتح المراكشي، وهنا تووقف الصديق وقال: أحس بالتعب والإرهاق، فقد حمل الأعداء قلبي ما لا يطاق، ولذلك أستعفيكما من سرد ما دار في الجلسة التانية، وأعدكما بذلك إن شاء الله في فرصة تالية ، والآن ما رأيكما في مشروبات وحلويات تجري في الحلوق، وتسري  في العروق، تفثا ما يحتاج جسومنا من حرارة، وتلطف ما تركته مؤامرات الأعداء في نفوسنا من مرارة.
وبعد أن ودعنا وغادرنا، قلت لقريبي طوبي لمن المهمة الله القراءة مثل هذه الكتب المفيدة، ونور فكره وزود نفسه بمعلومات وأفكار جديدة، عما يبيته أعداء الإسلام، من ودسائس في الظلام، لاذلال المسلمين وأرغامهم على الإستسلام.
ويا حبذا لو إجتمع مفكرونا وقاموا بوضع خطط مضادة، ترد الذين جرفتهم التيارات إلى العبادة، وتقدم للأجيال الصاعدة، ترياقا إسلاميا ضد سموم مكرهم ، وتفتح العيون والعقول على أفاعي وكرهم.
       

  (1) حبر جمع حبرة، الملابس النفيسة.
  (2) السبر بكسر السين الهيأة والحسن، وبفتحها العلم والتجارب.
  (3) آستار، مدينة على ساحل قزوين
  (4)  أشخباد، مدينة على الحدود الروسية الإرانية.
  (5) باطوم، على البحر الأسود، يصدر منها فحم وبترول القرم الشهيدة
  (6) باكو على ساحل قزوين، غنية بالبترول.
  (7) الاورال والاراس: نهران يصبان في بحر قزوين.
  (8) ماح يميح : اغترف الماء بيده، امتاخ : استخرجه بالدلو.
  (9) السانح الذي يأتي من جانب اليمين، والبارح من اليسار.
  (10) سلسلة الجبال قريبة من البحر الأسود.
  (11) الشوب : العسل

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here