islamaumaroc

كفاح المسلمين ضد التبشير في القارة الهندية

  دعوة الحق

150 العدد

لقد  كرس المسلمون في الهند جهودهم لجهاد، طوال النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، إنما أعطوا الأولوية لجهاد ضد العدو الداخلي ليتفرغوا فيما بعد لمواجهة المستعمر الخارجي، و قد واصلوا الجهاد ضد العدو  الداخلي أي السيخ المتغلبين على مقاطعة الفنجاب من غير أن ييأسوا أو يهنوا حتى  بعكا تكبدوا من الخسائر القادحة في الأرواح و العتاد في وقعة بالأكوت، إلا أن الظروف سرعان ما اضطرهم إلى الاشتباك مع الإنجليز، الذين كانوا دائما يتربصون بالمرصاد لتدخل في الأمر، فإنهم لم يكونوا ليدعوا المجاهدين يتخذون قاعدة للأعمال الحربية في المنطقة الجبلية من يباشروا و لذلك بادروا إلى القضاء على الشيخ و الاستيلاء على إمارتهم بالفنجاب مع الهجوم على المجاهدين لإضعاف شوكتهم، هكذا أصبح العداء سافرا بين المجاهدين ضد الاستعمار الخارجي من قاعدتهم بالقرب من بيشاور رغم جميع الصعوبات التي اعترضت طريقهم، بينما مضى الإنجليز قدما في سياستهم  لتوسع في الاستعمار، حتى أنهم بدهائهم قبضوا على زمام الحكم في البلاد و استأثروا بجميع مواردها و خيراتها و لما تم لهم ما أرادوا و أصبحت لهم اليد العليا في إدارة الشؤون السياسية و الاقتصادية وفقا لمصالحهم الاستعمارية، بدأوا يطمسون جميع آثار الحكم الإسلامي و يفرقون بين المسلمين و الهندوس حتى يتسنى لهم السيادة على الطائفتين، و لا يخفى أن سياستهم كانت  تتسم بطابع الحذر من المسلمين الذين سبق لهم أن عرفوهم وعجموا عودهم في الشرق الأوسط و في أوروبا ولا سيما أيام الحروب الصليبية، فكان العداء مستحكما قديما بين الإسلام و النصرانية و كانت صدور النصارى الإنجليز موغرة ضد المسلمين قبل أن يلتقوا بهم في صعيد  الهند، و لذلك لم يكن بدعا منهم أن يرسموا سياسة بعيدة المدى لإرغام أنف المسلمين و حرمانهم لا من الحكم و السياسة فحسب، بل من التجارة و الصناعة و جميع أسباب العيش أيضا، و لذلك نراهم من أول  يوم يفضلون الهندوس على المسلمين بصورة وقحة تثير تشويه سمعة المسلمين و التعرض لدورهم في التاريخ بالطعن والتجريح ووصمهم على العموم بالظلم والقسوة والعنف، وإنما كانوا يهدفون من وراء حملتهم تلك إلى أن يجعلون الهندوس يغتنمون فرصة التخلص من ربقة المسلمين على يد الإنجليز، كان الإنجليز لم يكونوا مستعمرين، بل منقذين لهم من الأسر والعبودية، و دعما لخطتهم تلك اهتم الإنجليز بدراسة تاريخ المسلمين في البلاد، و لم يكن همهم من الاستشراق إلا مسخ الحقائق التاريخية و استخدام العلم كأداة للسياسة، و من المعروف إن الدراسات الشرقية في جميع مراكز الاستعمار بأوروبا إنما نشأت من ضروريات بعيدة كل البعد عن الروح العلمية النزيهة، و مع ذلك كان الإنجليز ينظرون إلى جميع أبناء البلد احتقار و ازدراء حتى أصبحت كلمة " بلدي" سبة و عارا و لم يكونوا يخالطون أهل البلد لغطرستهم و شعورهم بالتفوق العنصري، بل كانوا يعيشون في حارات خاصة بهم و ينعمون بخيرات البلاد متباهين بها على السكان الأصليين، فكان كل ذلك في قلوب جميع المواطنين و لا سيما المسلمين منهم، فإنهم حتى بعدما أنفلت زمام الحكم من  أيديهم، ما فتئوا بعلومهم و آدابهم، فكانوا أشد تألما من هذا الدل و الهوان، أما الهندوس فإنهم لم يكونوا إلى ذلك الوقت اقلبوا ضد المسلمين، بل كانوا مستمرين في حسن تآلفهم و تآزرهم معهم كعهدهم بهم أيام حكم المغول، و بالإضافة إلى ذلك فإن الهندوس أيضا كانوا ساخطين على الإنجليز من السياسة التي اتبعوها للاستيلاء على الإمارات التي كان يحكمها الأمراء من الهندوس، فإن عددا منهم كانوا بترا أي لم يكن لهم ولد يخلفهم على العرش و كانت الطريقة المتبعة عندهم و التي أقرتها شريعتهم أن يتبنوا أولادا للآخرين و يعطوهم حقوق أبنائهم كاملة، و لكن الإنجليز قرروا عدم الاعتراف بحقوق الولد المتبنى في ولاية العهد حتى يتسلموا مقاليد الحكم في كل إمارة بقيت بدون وارث شرعي، فكانت النتيجة أن الهندوس أيضا نقموا من الإنجليز جشعهم و سوء معاملتهم و سياستهم الرامية إلى القضاء على جميع مظاهر الاستقلال الذاتي للمسلمين و الهندوس على السواء، و لذلك نراهم لا يحيدون عن ولائهم للعرش المغولي بل يلتفون حوله و يتخذونه رمزا للثورة ضد الإنجليز قبل أن يتم لهم  الأمر و يستفحل شرهم، و من المعروف أن الثورة حدثت تلقائية كانفجار عنيف للحقد الدفين و السخط المكبوت من جراء العوامل المثيرة التي مضى الألماع إلى بعضها آنفا، و قد قام بإطلاق الطلقات الأولى في تلك الثورة جنود مرتزقون موالون  للإنجليز، و لذلك يسميها هؤلاء الغدر و الخيانة بالعهد من وجهة نظرهم هم، إلا أنهم في الحقيقة تكون حلقة من حلقات الجهاد بالسلاح للاحتفاظ بمبادئ الأخلاق و الحرية. 
                                                -*-
من المعروف أن أقوام أوروبا كلها، بما فيها الإنجليز، كانت تضمر الحقد الدفين ضد المسلمين لعوامل تاريخية ترجع إلى عهد الحروب الصليبية، فلما التقى الإنجليز بالمسلمين في الهند و نجحوا في  انتزاع الحكومة و السلطة السياسية من أيديهم بالكيد و الدس بالإضافة إلى التفوق في التنظيم العسكري و الأسلحة النارية الجديدة، عمدوا إلى أعمال استفزازية قصد منها إرغام أنف المسلمين و الانتقام منهم و ذلك بحرمانهم من جميع وسائل العيش و تجريدهم من كافة مظاهر العز و الكرامة، فمنها أنهم قضوا نهائيا على أمساره ( أود) التي كانت  قاعدتها مدينة لكناؤ الشهيرة، و كانت تلك الإمارة أصبحت رمزا لسيادة المسلمين في البلاد بعد زوال أبهة البلاط المغولي بدهلي، و فوق ذلك كانت إمارة لكناؤ محط رحال كثير من الأدباء و الشعراء و الفنانين الذين ضاقت بهم الأحوال في دهلى لما فقد البلاط المغولي موارده فعجز عن رعايتهم و تكفل أرزاقهم فلما اضطروا إلى الهجرة من دهلي أموا رأسا إمارة لكناؤ التي كانت أكبر الإمارات الإسلامية بشمال الهند دامت إمارة لكناؤ مستقلة في الأمر، غنية بالموارد كان المسلمون يعتزون بها من زوال عرش دهلي و يطمئنون إلى حفظ علومهم و سلامة آدابهم و ازدهار ثقافتهم، فإن الشعور باستمرار الحياة العلمية شك مما يهون الحزازات النفسية لانكماش السلطة السياسية، و لا يخفى أن المسلمين في ذلك العهد ما زالوا يتفوقون على الأمم الأخرى برقة شعورهم و نفاسه ذوقهم و رقي آدابهم وحلق لهم الاعتزاز بها حتى أن الهندوس اعترفوا بها و تأثروا منها، أما الإنجليز فإنهم بعدما تم الاستيلاء على مقاليد الحكم بدأوا يتغطرسون مع عنجهية فيهم، فكان ذلك مما يمس كرامة المسلمين و يحز في قلوبهم و يثير فيهم الغيرة و الحمية حتى اتخذ الإنجليز خطوة نهائية بالقضاء على إمارة لكناؤ و ضمها إلى الممتلكات التي يحكمها الإنجليز حكما مباشرا، إذ ذاك أصيب المسلمون بداهية نكراء حيث إنهم تنبهوا إلى ما يتبع زوال السلطة السياسية من فقر و جوع و ذل و هوان، فإن سقوط إمارة لكناؤ كان  إيذانا يضيف سبل العيش في وجوه العلماء و الأدباء و الفنانين الذين كانوا دائما ينعمون في ظل البلاطات و رعاية الملوك، و مما زاد الطين بلة أن الإنجليز اتبعوا سياسة عدم استخدام المسلمين في الجيش و الإدارة و ذلك لعدم ثقتهم بالمسلمين الطامعين إلى استعادة حكمهم و أيضا لإشعار الهندوس بأن الحكم الإنجليز سيتيح لهم فرصة الاستئثار بالوظائف الحكومية، على كل حال ذاق المسلمون حوالي منتصف القرن التاسع عشر الميلادي ألم الفقر و البطالة و حرقة القلب لانقراض العلوم و كساد سوق الآداب و الفنون، تلك كانت حالة الطبقة العليا من الحكام و الأمراء و أصحاب السيف و القلم، إنما بقي المسلمون مسيطرون على التجارة والصناعة كما  كانوا منذ قرون متتالية، ومن المعروف أن  أقوام أوروبا إنما شقت طريقها إلى الهند بروح منافسة  المسلمين في التجارة العالمية التي كانت تجري إذ ذاك من الصين و الهند إلى الشرق الأوسط و أوروبا وكان المسلمون أقوياء يستطيعون أن يردوا مطامع الإنجليز بخبرتهم الفنية و علاقتهم الحسنة المتوارثة مع التجار المحليين في البلاد الواقعة على خط سير التجارة، إلا أن الإنجليز لما فشلوا في المنافسة بطرق معروفة، لجأوا إلى وسائل العنف و الضغط السياسي لطرد المسلمين من الميدان، فسدوا عليهم طرق الملاحة وهاجموا سفنهم المحملة بالأمتعة و بالشائع في سوط البحر، كذلك أنشأوا لهم مصانع و قواعد تجارية محصنة شبه عسكرية في مواقع إستراتيجية من شرق إفريقيا و الخليج الفارسي إلى ميليشيا والبحر الصيني، فكانت هذه السياسة المبنية على القوة والإرهاب والجشع ومخالفة الأخلاق والأساليب المعروفة في التجارة، نكبة على المسلمين في تجارتهم و على جميع الشعوب و البلاد الشرقية في استقلالها و حريتها و رخائها، فإن التجارة بيد الإنجليز كانت وسيلة لاستغلال موارد الآخرين و امتصاص دمهم والتغلب عليهم وغصب حقوقهم كما هو حال الاستعمار في كل مكان ـ فلنتذكر أن الفقر و الجوع و الذل والهوان و الحسرة على ضياع العلوم و الآداب و الفنون هي من أقوى العوامل في الثورة ضد الإنجليز بعد زوال السلطة السياسية.
                                                -*-
في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي تم للإنجليز الاستيلاء على زمام الحكومة في مناطق مختلفة من الهند، إلا أنهم لم يطمئنوا إلى وضعهم لما كانوا يشعرون  به من عدم ثقة أهل البلد بهم و عدم رضاهم بالحكم الأجنبي القائم على الجشع و القسوة و المكر و الدسيسة و انتهاك مبادئ الأخلاق كلها في سبيل الاستعمار، إنما حاول الإنجليز انتهاج سياسة " فرق تسد" و ذلك بتفضيل الهندوس على المسلمين في الخدمات الإدارية مع أنهم لم يحجموا من القضاء على الإمارات الهندوكية كما أنهم قضوا على إمارات المسلمين حتى يستبدوا بالحكم، على كل حال كان القبض على الإمارات المحلية و ضمها إلى الممتلكات التي يحكمها الإنجليز و الهندوس على السواء، إنما بالنسبة إلى المسلمين و الهندوس على السواء، إنما كان شعور المسلمين بالذل و الهوان و أكثر و خزا و إيلاما لأنهم كانوا هم المتوفقين لا في الحكومة فحسب بل في العلم و الفن و الثقافة و الحضارة أيضا، و مع الأسف لم يلبث الإنجليز أن جعلوا العلوم الإسلامية و فنون المسلمين عرضة للإهمال و عدم التقدير، بل الازدراء و الاستهزاء، لما جبل عليه المستعمرون من الغطرسة و سوء الأدب، فقد لاقى معظم العلماء و الأدباء و الفنانين ألم الحرمان و الفقر بعد زوال عرش دهلي و سقوط إمارة لكناؤ ، إذ ذاك  وضح لمسلمين أنهم لم يفقدوا الحكومة فقط بل ربما سيفقدون هزهم وكرامتهم و مقومات ثقافتهم و حضارتهم، فكان ذلك مما أوغر صدرهم ضد الغاشمين، ثم إن الإنجليز لم يتركوا المسلمين ينعمون بثمرات جهدهم و فوائد خبرتهم و براعتهم الشرقية من أقصى الصين إلى مصر و أوروبا منذ قرون عديدة متوالية و كانوا يتمتعون بسمعة حسنة و علاقات طيبة مع جميع البلدان الواقعة على خط سير التجارة، لأن التجارة المسلمين كانوا دائما مصدر خير و بركة لزبنائهم، فلما جاء الأوروبيين و الإنجليز على الأخص لم يكتفوا بالمنافسة بطرق مشروعة، بل عجزوا فعلا  عن إقصاء المسلمين من مراكزهم و الإصرار بهم مكلما بقيت المنافسة حرة، فلم بكن منهم إلا أن عمدوا إلى استعمال الضغط السياسي، بل القوة السافرة، و الظلم و الإرهاب لحرمانهم من لقمة العيش و تضييق الخناق عليهم في ميادين العمل الحر، و ليست حكاية  منسوجات القطن الهندية بغريبة، فإنها اشتهرت في جميع أنحاء العالم لدقتها و متانتها  و صفاقتها و قد شهد المؤرخون العرب و غير العرب بأن القطعة الكبيرة منها كانت تلج حلقة الخاتم، وكان الإقبال عليها شديدا في مماليك أوروبا و منطقة البحر الأبيض المتوسط، و كانت صناعة النسيج هذه بيد المهرة من الصناع المسلمين في منطقة دكا بالباكستان الشرقية الحالية و كان المسلمون هو الذين يتولون تسويق المنتجات و توزيعها على العالم، فلما استولى الإنجليز على الحكم خيل إليهم أنهم امتلكوا جميع موارد البلاد و خيراتها، فراحوا يحصلون على المنسوجات القطنية لا عن طريق البيع و الشراء في السوق الحرة، بل عن طريق استعباد الصناع المهرة وإجبارهم على تزويد الحكام بكميات وافرة من المنسوجات الرفيعة بأثمان زهيدة في أوقات قصيرة محددة، وكان الصناع المهرة مهددين بعقوبات شديدة إذا هم حالفوا أوامر الحكام أو تخلفوا عن  الإجابة إلى طلباتهم التي لا نهاية لها، فكانت النتيجة أن الصناعة القديمة المتوارثة التي كانت مفخرة للبلاد و نعمة للمتنعمين في العالم كله، نعم تلك الصناعة ماتت في مدة قصيرة، و قد ذكر في هذا الصدد أن النساجين كانوا يفضلون  أن يقطعوا أصابعهم ليدخلوا في عداد العاجزين المعذورين للنهب و السلب من الحكام الجشعين، كذلك حال صناعة السفن التي امتاز المسلمون بها في منطقة الدكن أي جنوب الهند، فيما أن سواحل الهند غنية بالأخشاب و جميع ما يحتاج إليه في صناعة السفن، ازدهرت تلك الصناعة في المناطق الساحلية الجنوبية و استطاعت أن تثبت أمام المنافسة العالمية، فغن السفن المصنوعة في الهند كانت أمتن و أرخص بحيث أن البرتغاليين و أقوام أوروبا الأخرى كانت تقدرها و تفضلها على مصنوعات بلادها هي ـ أما الإنجليز فلم يمنعهم شيء من المبادرة إلى إصدار أوامرهم يمنع دخول السفن الهندية في موانئ إنجلترا مما يستلزم تصدير البضائع الهندية  في السفن الإنجليزية لا غير، فكان من الطبيعي أن قل الطلب فماتت صناعة السفن أيضا، فتلك هي العوامل  الاقتصادية التي هي بذاتها تكفي لتحريض أهل الهند على الثورة ضد الإنجليز كلما واتت لهم الفرصة.
                                                -*-
بعدما تم للإنجليز الاستيلاء على زمام الحكم في مطلع القرن التاسع  عشر الميلادي بأدوار إلى اتخاذ خطوات ترمي إلى الاستئثار بخيرات البلاد بطرق غير مشروعة، منها القضاء على الإمارات المحلية و ضمها إلى الممتلكات التي يحكمها الإنجليز حكما مباشرا، و عدم الاعتناء بالعلوم و الفنون الإسلامية و الآداب العربية و الفارسية، و حرمان المسلمين من لقمة العيش بإقصائهم عن مراكزهم في التجارة والصناعة عن طريق القسر و الإرهاب، إذن لم يبق لأهل البلد، ولا سيما المسلمين منهم، إلا الاعتماد على الزراعة، و قد كانت الهند إلى ذلك العهد معروفة بثروتها  الزراعية بحيث كانت جميع حاجاتها بمواردها المحلية، و كانت الزراعة المصدر الأول للرخاء المادي تضمن لجميع الأهالي السعة في الرزق و تدر  على الفلاحين أرباحا طائلة، و إنما كان ذلك نتيجة لنظام محكم لجباية قائم على الرفق و التسيير من قبل الأمراء المغول، و من أبز خصائص ذلك النظام أن الأراضي الزراعية كانت تعتبر ملكا للزراع و لم تكن الدولة تطمع إلا في نصيب معين من الغلة السنوية مراعية في ذلك جميع الأحوال الطبيعية و الظروف الطارئة على الإنتاج الفعلي من سنة إلى سنة، و لم يكن هناك وسطاء يرهقون الزراعيين و يكفلون فوق ما في وسعهم، فلما آل الأمر إلى الإنجليز رأوا أن نظام الجباية ذلك لا يصلح لهم و لا يرضى مطامعهم الاستعمارية وقد ألفوا النظام الإقطاعي في بلادهم، فعمدوا إلى خلق طبقة من الإقطاعيين يضمنون لهم الحصول على مبالغ باهظة من الخراج كما أنهم يأتمرون بأمرهم و يخدمون أغراضهم السياسية، فجاءت الإصلاحات الزراعية في بنغالة و المناطق الشمالية وسيلة فعالة لامتصاص دم العاملين الكادحين بدون هوادة و لا رحمة، هذا و قد دبر الإنجليز أيضا أن  ينتهزوا فرصة الإصلاحات الزراعية ليسلطوا الهندوس على رقاب المسلمين، فغمرت القرى و الأرياف موجة الاستياء من تدهور الأحوال الاقتصادية و ازداد العوام حنقا على الإنجليز، وزاد الطين بلة أن نظام النقد الذي كان معولا به عند المسلمين منذ أجيال تعرض للاختلال و الفساد كنتيجة للنهب و السلب و الرشوة من قبل الولاة الإنجليز، فمن المعروف أن الإسلام خص الذهب و الفضة بقصر استعماله كوسيلة للتعامل بين الناس في البضائع و الأجور، و لذلك استمر المسلمون منذ فجر تاريخيهم يتخذون من المعدنين النقد على قاعدة الذهب، و كانوا دائما يعملون بالأمانة في صك النقود بما أن القيمة الاسمية للعملة  كانت مساوية لقيمته الذاتية، و كلما لم يكن معدن الذهب و الفضة خالصا أو نقض وزنهما انحطت قيمة العملة في السوق الحرة، فهذه القاعدة أي قاعدة العملة الذهبية كانت بمثابة حجر الأساس في بناء صرح الاقتصاد القومي، و هي التي كانت تضمن الصدق و الأمانة و الاستقرار في الأحوال الاقتصادية كما أنها كانت علامة لرخاء المادي و سمعة البلاد في الخارج، و جد الإنجليز هذا النظام معمولا به في الهند، فحرصوا على ابتراز الأموال و اقتناء الذهب و الفضة عن طريق السلب و الرشوة، و لا يخفى أن عددا من الموظفين الإنجليز في الشركة الهندية الشرقية اتهموا بالخيانة و الرشوة، على كل حال اختل نظام العملة الذهبية حتى اضطرت الحكومة إلى إلغائها والاقتصار على الفضة مقام الذهب، إلا أن الفضة أيضا تسربت إلى الخارج و قلت في البلاد مما سبب 
الضيق للعوام و ارتفعت شكواهم ضد الإنجليز ـ فقد كان الناس على حق في اتهام الإنجليز و اعتبارهم مسؤولين عن جميع مشاكلهم اليومية، هكذا نرى أن الثورة ضد الإنجليز التي وقعت بعد منتصف القرن التاسع عشر الميلادي لم تكن وليد ساعة، بل كانت نتيجة حتمية لسياسة التي اتبعها الإنجليز في حكمهم على البلاد و معاملتهم مع الناس، فإن سياستهم تلك انتزعت التجارة من أيدي الأهالي و خربت  الصناعات المحلية و عرضت الفلاحين لحرمان من ثمرات جهدهم و كدهم، و هربت الأموال و النقود إلى الخارج حتى اختل نظام النقد ـ  فالغرض أن الأحوال الاقتصادية ساءت و تدهورت إلى حد أن رجل الشارع لم يعد يحتملها بأي وجه، إذن لم يكن غريبا منه أن ينتهز كل فرصة سنحت له للثورة.
                                                -*-
لقد اتبع الإنجليز، بعد أن تسلموا زمام الحكم في الهند في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، سياسة الاستعمار و الاستعباد علنا،فإنهم لجأوا إلى وسائل غير مشروعة للاستئثار بموارد البلاد وخيراتها حتى حرموا أهل البلد من التجارة و قضوا على الصناعة و انتزعوا الأراضي الزراعية من أيديهم فسدوا جميع سبل العيش في وجوههم، ما أدى بهم إلى  الفقر و الجوع، ثم أن الانجليز أذاقوا أهل البلد أنواعا من الذل و الهوان، فمثلا أنهم لم يفتأوا ينظرون إلى الآداب الإسلامية و الفنون الشرقية و الثقافة المحلية بنظر الازدراء و التحقير، و فعلا ألقوا بالعلماء و الفنانين إلى الشوارع من غير و لي و لا نصير بعد أن كانوا ينالون الحظوة عند الملوك، و ينعمون بجوائز مالية من الأمراء و الحكام، و يتمتعون بالتقدير و الإجلاء من عامة التبشير بالقوة، إلا أن أهم العوامل المثيرة ضد الإنجليز هو التبشير بالقوة، فإنهم لم يلبثوا أن أعلنوا بالصراحة أنهم جاءوا إلى الهند لا ليحكموها و ينهبوا ثروتها فحسب بل ليزحزحوا المسلمين و الهندوس على السواء عن دينهم و عقيدتهم و ينشروا النصرانية بينهم، فقد جاء في بيان رسمي ألقي في البرلمان إذ ذاك أن الهند لم تدخل في حوزة الإنجليز إلا لأن المشيئة الإلهية قدرت أن تدري كلمة المسيح في أرجائها و أن تكون النصرانية هي الديانة العليا فيها، إذن يجب على جميع المندوبين و الموظفين في الحكومة الإنجليزية أن يسعوا جاهدين لأداء واجبهم في هذا الصدد إلى أن تتحول المستعمرة الهندية إلى بلاد نصرانية بكل معنى الكلمة، و حتى التبشير لم يأملون أن التبشير لا يتعدى تبليغ الدعوة فقط، إلا أنهم فوجئوا و أصيبوا بصدمة عنيفة حينما اتضح للعيان أن الإنجليز لا يتقدمون بالمبادئ الشريفة التي يلتزمها المسلمون في تبليغ الدعوة، بل إن الإنجليز لا يتورعون من استعمال جميع وسائل القسر و الإرهاب والثلب والقدح في الأديان الأخرى في سبيل ترويح النصرانية، فراح الإنجليز يستخدمون نظام التعليم الجديد كأداة لنشر العقائد الخاصة بهم، كما صرح بذلك الورد ميكالي الذي تولى إنشاء النظام الجديد و رعايته، و فضلا عن ذلك لم تكن  الحكومة الإنجليزية علمانية قط، فإنها كانت تضم و ترعى بصفة رسمية مصلحة الدين المسيحي وتستخدم الأساقفة و رجال الدين المسيحي و تنفق عليهم أمولا طائلة من موارد الدولة، و لم يكن الموظفون المدنيون و العسكريون أقل حماسا من رجال الدين، فإنهم كانوا وقحين للغاية، و كان من دأبهم أن يهاجموا المجالس التي يعقدها المسلمون و الهندوس في مناسبات دينية شتى و ذلك بدون أن يدعوا إليها، و هناك ينهضون ليكيلوا ألتهم و ينالوا من الشخصيات المحترمة و يستهزئوا من المعتقدات الدينية للآخرين، كذلك كانوا يجترون على  الحط من قدر الرسول عليه الصلاة و السلام في الشوارع على نمط ما كان النصارى الغلاة يفعلونه من سب الرسول أمام المسلمين في المساجد و الأندية في الأندلس، و قد تجلت روح التعصب الديني هذه في طرق التعذيب التي ابتدعوها للانتقام من الذين يثورون ضدهم، فغنهم قرروا أن يسوموا الثوار من الهندوس أكل لحم البقر و تطليه أجسامهم بشحم البقر قبل تقدمهم إلى المشنقة، و ذلك نظرا إلى أن الهندوس يقدسون البقر و يعبدونه، أما المسلمون فكانوا يتركون ليموتوا خنقا في جلود الخنزير، نعم من المقرر أن كل حكومة تلجأ إلى التنكيل بالثوار  إلا أن التعمد لجرح المشاعر الدينية أمر لا يرضاه غير الضالين المتكبرين، كذلك أنبرى أمر الحكام الإنجليز لاستغلال أحوال القحط و الجوع لصالح التبشير، فقد ساءت الأحوال في منتصف القرن التاسع عشر إلى حد أن اضطر الناس إلى بيع أو هبة أولادهم من إملاق، فكان المبشرون النصارى يتلقون هؤلاء الأطفال تحت إشراف الولاة الجشعين و يدخلونهم في ملاجئهم التي أنشأوها على نطاق واسع لذلك الغرض  بالذات فيربونهم على دين النصرانية، ثم أن هؤلاء الشبان  المنصرين كانوا دائما موضع حفاوة و عناية من الولاة حيث كانوا يرقون إلى مناصب عالية في الحكومة، كذلك كان قواد الجيش يجعلون نصب أعينهم إغراء العساكر تحت قيادتهم بالمال و الجاه و الترقيات في المناصب و إجبارهم على ترك دينهم و اعتناق النصرانية بدل الإسلام و الوثنية على السواء، هكذا نرى أن العامل الديني أنضاف إلى العامل الاقتصادي لتهيئة الجو للثورة الكبرى ضد الإنجليز في منتصف القرن الماضي.
                                                -*-
لم يبالي الإنجليز بعد استيلائهم على الحكم في الهند، بالإنذار علنا بأنهم وضعوا التبشير لدين المسيحي نصب أعينهم، و فعلا استخدموا جميع وسائل الترغيب و الترهيب لتحقيق غرضهم، و أدهى و أنكد من ذلك أنهم لم يكتفوا بالدعوة بطرق سليمة مشروعة، بل اجترأوا على الطعن في الأديان الأخرى بوقاحة مؤيدة، فهم استقدموا عددا كبيرا من رجال الدين و المبشرين المسيحيين و وخصوصهم برعايتهم و بثوهم في جميع أنحاء العالم، و شجعوهم  على الاستهزاء بمعتقدات و عوائد المسلمين و الهندوس على السواء، فمثلا اتخذوا من قاعات الدرس في معاهد التعليم الجديدة منبرا لإظهار تفوق الأوروبيين و المسيحيين على المسلمين و الشرقيين في العلوم و المخترعات الجديدة حتى وصموا الإسلام و الشرق بالجمود و التخلف، و تلك إحدى العلل في تنفير المسلمين على الأخص من العلوم الجديدة، ثم إن القواد العسكريين استغلوا كل فرصة لإهانة الجنود المرتزقين  من أبناء البلد و سب الشخصيات الدينية المحترمة لديهم مع العلم بأن هؤلاء المستضعفين غير مسموح لهم أن ينبسوا بكلمة للرد على المستعمرين الطغاة أو الدفاع عن دنيهم و معتقداتهم، بحيث لم يكن لهم يد من كبت غيظهم و معاناة سخطهم، و أردف الإنجليز حملتهم التبشيرية المدعمة بالقوة السياسية و العسكرية ـ أردفوها بسن قوانين تحمي المنتصرين من الأهالي ضد الحرمان من نصيبهم في التراث العائلي كما أنهم حرضوا الشبان الطامحين على التنصر بالترقية غير العادية في مناصب الجيش و الإدارة، و من المؤسف أيضا أنهم شوهوا نيتهم، فمثلا أنهم حظروا على  الهندوس أن يجبروا نساءهم على الانتحار عقب وفاة أزواجهن و ذلك بإلقاء أنفسهن في النيران المندلعة من جثث أزواجهن الموتى على حسب عادة الهندوس في إحراق الموتى بدل الدفن في القبور، ـ نعم ألغوا تلك العادة الشنيعة الشائعة بين الهندوس المعروفة باسم " ستى" إلا أنهم لم يتكلفوا أقناع الهندوس بأن الإصلاح الاجتماعي سيعود بالفائدة عليهم، و أن الإجراءات القانونية في هذا الصدد ليست تعسفية ـ لم يتكلفوا ذلك، بل العكس تظاهروا بأنهم يرمون من وراء ذلك إلى تغيير الهندوس بعوائدهم المألوفة و التدخل في شؤونهم الدينية إشعارا لهم بأنهم لا يستحقون الكرامة حتى يتبرأوا مما هم فيه، كذلك فعلوا بشأن إباحة زواج الأرامل فإنه كان محرما عند الهندوس، و كثيرا ما كان المسلمون أيضا لا ينظرون إلى  زواج الأرامل ينظر الاستحسان ، و إنما ذلك لتأثرهم من جوار  الهندوس مع العلم بأن الإسلام  لا يحرم ذلك بل يحبذه، إلا أن من حسن حظ المسلمين أنهم لم يعدموا علماء تزعموا حركة الإصلاح الاجتماعي يدافع من أنفسهم، أما الهندوس فلم تكن لهم شريعة الهبة غير العوائد المتوارثة فكانوا أشد تعلقا بها و تعصبا  من غير تفكير في صلاحيتها أو اكتراث بعواقبها، على كل حال آثر الإنجليز أن يظهروا بمظهر المتغطرس المتكبر الذي لا يريد إصلاحا و لا يقصد خيرا، بل يلذ له أن يجرح مشاعر المحكومين و يذيقهم عذاب الذل و الهوان، حتى إنهم لم يلمعوا إلى المخترعات  الحديثة مثل القطار و الباخرة كوسائل لتحسين أحوال المواصلات وتنمية التجارة و توفير الرخاء المادي، بل أكدوا أنها ستعمل لإجبار الهندوس على التخلي عن ديانتهم القائمة على  نظام الطبقات و إقامة الفوارق بين الناس ـ هكذا تضافرت العوامل كلها لخلق داء دفين من الحقد في نفوس المواطنين المسلمين كلما أمكنتهم  تلك أخذا للثأر من المستعمر  الغاشم لدينهم ووطنهم و كرامتهم،وقد تجلى ذلك بوضوح في الثورة الكبرى في منتصف القرن التاسع عشر، فإنها لم تكن ثورة الجنود المرتزقة فقط كما يصورها بعض الكتاب و المؤرخين، بل كانت  ثورة شعبية عامة، اشترك فيها جميع طبقات العوام و الفرق الدينية التي تجمعت تحت راية الملك المغولي للدفاع عن عزة النفس و حرية الدين و كرامة الوطن، كما صرح به قواد الثورة في النداءات التي وجهوها إلى أتباعهم من وقت لآخر.

       

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here