islamaumaroc

من أئمة الإسلام: الإمام الصادق

  دعوة الحق

150 العدد

 لقد بدأت سير الرجال.. كبار الرجال العرب والمسلمين تنطلق عبر السوق، وتنتصب شواهد على هذه الحقيقة.. ومع ذلك ففي المكتبة العربية الإسلامية مئات من الرجال لم يرفع عنهم غبار النسيان، وفي عبقرياتهم كل لون وكل اختصاص، بينهم الأديب والفقيه والمؤرخ والمهندس والفيلسوف والفلكي والأصولي وغيرهم ممن اشتركوا في رفع بناء الحضارة العربية الإسلامية. هؤلاء كلهم ينتظرون أن يأتي دورهم ليخرجوا إلى الوعي العربي بالثوب القشيب والأسلوب الغريب والعناية البالغة والإخلاص الذي يجب أن يتوفر لكل محقق وباحث.
لذا انتهزها فرصة سعيدة لأتحدث للقارئ الكريم عما تكاد نفسي أن تتفجر عنه، ولم أجد طريقا أقرب إلى المواطن العربي من طريق الكتابة.
أكتب هذه السطور التي تشير إلى رجل اجتمعت فيه فضائل الإنسان ذي الرسالة الحضارية، إنسان ظهر فيه القلق إلى المعرفة والتوق إلى الحقيقة. والقلق عنوان الحياة، عنوان التقدم، وهو الحافز الذي يدفع صاحبه إلى النهوض بمسؤولياته، يحركه عندما يسكن، ويشعله ويشجعه عندما ييأس ويقويه عندما يضعف.
ولا بدع أن يكون الإمام الصادق موضعا لهذا القلق ورمزا له... فقد كان فرعا من شجرة هي أكرم ما عرف النسب العربي... ورث بها الإرادة الفعالة التي لا تعترف بالهزيمة والفشل كما ورث عمق الإدراك والحساسية الشديدة.. والخلاصة أنه ورث الحافز العجيب الذي لم يجد له الدارسون بعد تفسيرا في حدود ما عرفوه من الحقائق الإنسانية وجوانب النفس الخفية. إنه الشخص الذي تظهر به عبقرية الأمة وتتجلى به طبيعتها الكامنة علما، أو نضالا في سبيل الخير، أو قيادة عسكرية، أو نبلا في الخلق والضمير، وقد هيأت له ظروف حياته أن يكون من هذا كله موضعا للعبقريتين العلمية والخلقية.
 عصره ومشاكله:
 يمتد عصر الإمام الصادق من آخر خلافة عبد الملك بن مروان إلى وسط خلافة المنصور، أي من سنة 83 إلى سنة 148. فقد أدرك طرفا كبيرا من العصر الأموي وعاصر كثيرا من ملوكهم وشاهد من حكمهم أعنف أشكاله، وقضى حياته الأولى حتى الحادية عشرة من عمره مع جده زين العابدين، وحتى الثانية والثلاثين مع أبيه الباقر، ونشأ في ظلمها يتغذى تعالميه، وتنمو مواهبه، وتربى تربيته الدينية، وتخرج من تلك المدرسة الجامعة، فاختص بعد وفاة أبيه بالزعامة سنة 114. اتسعت مدرسته بنشاط الحركة العلمية في المدينة ومكة والكوفة وغيرها من الأقطار الإسلامية.
 
كان العصر الذي اختص به الإمام الصادق عصر فتن واضطراب في جميع البلاد الإسلامية وحروب طاحنة، ونزاع بين رجال الدولة، وتجاوبت البلاد بلغة الإنكار على الأمويين.
وكانت ثورة الحسين بن علي رضي الله عنه هي بداية الانطلاق لنشر الوعي الإسلامي ضد الأمويين، ثم تتابعت الثورات في البلاد العربية.
عاش الصادق وسط ذلك الجو المضطرب بالفوضى والعبث والفساد وهو يحس بآلام الناس أكثر من غيره، فماذا يصنع وقد طوقه الأمويون برقابة شديدة وضربوا حوله دائرة ضيقة ليحصروا نفوذه فيها.
ورغم ذلك كله راح يؤدي رسالته ليعالج إصلاح الوضع من طريق الهداية والإرشاد ونشر تعاليم الإسلام.
كانت مدرسة الإمام الصادق ثابتة المبدأ متصلة الكفاح ووجد الناس فيها ثروة علمية وكانوا يحيون فيها حياة فكرية تهذب النفوس وتسمو بالعقول وترتقي بهم إلى أوج المعرفة والكمال. وكان غرضه المباشر هو توجيه الناس إلى أسمى درجة في التفكير وإفهام الأمة نظم الإسلام على الوجه الصحيح وتطبيقه بين أفراد الأمة عن طريق العلم وحرية التفكير ليعالج مشاكل ذلك المجتمع بالحكمة والموعظة الحسنة، ويدعو الناس من طريق الهداية والإرشاد إلى التمسك بتعاليم الدين والحنيف.
وفي عصر الإمام ازدهرت المدينة المنورة وزخرت بطلاب العلم ووفود الأقطار الإسلامية وانتظمت فيها حلقات الدرس، وكان بيته كجامعة إسلامية يزدحم فيه رجال العلم وحملة الحديث من مختلف الطبقات ينتهلون موارد علمه ويقتبسون من ضياء معرفته، وقد اغتنموا تلك الفرصة فازدحموا عليه يسألونه إيضاح ما أشكل عليهم ( فحمل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر ذكره في جميع البلدان) وازدحم على بابه العلماء واقتبس من مشكاة أنواره الأصفياء، وكان متجها إلى العمل بما يرضي الله لا يفتر عن ذكره ولا ينفك عن طاعته.
يحدثنا مالك بن أنس وهو تلميذ الإمام تردد عليه زمانا طويلا قبل أن تفصل بينهما عوامل الدولة وتحول وجهة نظر مالك عن الإمام عندما رفعت من مقامه وأعلت شأنه، ووجهت الأنظار إليه طوعا أو كرها رهبة أو رغبة يقول: " لقد كنت أرى جعفر ابن محمد وكان كثير التبسم فإذا ذكر عنده النبي صلى الله عليه وسلم اصفر لونه، وما رأيته يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا على طهارة، ولقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاثة خصال: إما مصليا، وإما صامتا، وإما يقرأ القرآن. ولا يتكلم بما لا يعنيه، وكان من العلماء والعباد الذين يخشون الله"(1).
وفي رواية الحافظ النيسايوري: ( وكان كثير الحديث طيب المجالسة كثير الفوائد، فإذا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم اخضر مرة واصفر أخرى حتى ينكره من يعرفه، ولقد حججت معه فلما استوت به راحلته عند الإحرام انقطع الصوت في حلقه، وكاد يخر من راحلته"(2).

من تعاليمه:
 كانت الحلقات التي تعقد في مدرسة الإمام الصادق هي الصعيد الذي تنطلق عليه تعاليم الإمام وإرشاداته، فكان يزرع الفضيلة في النفوس ويغرس الخير فيها، وكان حديثه يشمل كل أمور الحياة وجوانبها، فهو يهدف إلى تصفية الغرائز ويرسم طريق الصلاح والهداية ويوضح للناس سبل الخير.
وجعل هدفه الأسمى في توجيه الناس إلى الورع عن محارم الله والخوف منه والامتثال لأوامره والشعور بالمسؤولية أمام الله تعالى وجعل يوم الحساب ماثلا أمام أعينهم مع حثهم على التكسب وطلب الرزق ليرفع من مستوى أخلاقهم والمحافظة على القيم الروحية.
كان رضي الله عنه يدعو إلى الاحتفاظ بالأخوة الإسلامية ويدعو إلى الألفة والتقارب وينهى عن التباغض والتباعد ويحاول تأليف القلوب بمختلف الطرق، لأن الحب أقوى عامل لسعادة بني الإنسان، وبالحب ينتظم العالم، وهو القانون الطبيعي لكيان الحياة، كما أن الكراهة تبعث الشقاء وتثير الشحناء، لأن عين الكراهة لا تبصر المحاسن بل تتطلع إلى العيوب وإن لم تجد فتقلب الحسن قبحا، فلذلك نهى الشارع المقدس عن الأمور التي تثير العداء بين المسلمين وتذهب إلى أبعد حدود القلق، فكان من أسس نظام الدين الإسلامي هي الأخوة، فلذا آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه وأمر المسلمين بالمؤاخاة.
وعلى كل كانت حياة الصادق كلها إشعاعا لا ينقطع يصوغ به العلماء، ويشيع به حب المعرفة ويشارك به في الاستنتاج المنطقي السليم والتأمل الفكري، كما كانت حياته إشعاعا لا ينقطع، يصوغ به الحب، سخاء في اليد، وسعة في الصدر ونبلا في النفس، ونقاء في الضمير.
لقد كان متفوقا في خلقه، متفوقا في حسن معاملته للناس، متفوقا في تصوير المثل الأعلى الأدبي لمن كان يطلب العلم في مجالسه، أو يذهب مذهبه من أتباعه، أو يعجب به من هو على مذهب غيره من العلماء والفقهاء، كما كان متفوقا في سعة إدراكه وغوصه على الحقائق العلمية الفلسفية في عصره، متفوقا في مشاركته التامة العميقة في كل المعارف التي شاعت في عصره الذهبي.
لم يكن الإمام متخصصا في فرع من العلوم، أو ناهجا منهجا فلسفيا خاصا راغبا عن غيره، أو جاهلا له، فلم يكن التخصص يومذاك من مذاهب كبار العلماء، وجهابذتهم.
لقد كان الإمام الصادق مكتبة متنقلة تنطوي في أحشائها على كنوز الإنسانية في كل ما ورثته من علوم الأولين، وما اكتسبته بعد ذلك بتجاربها الخاصة.
إن الإمام الصادق أبا عبد الله هو نموذج لإنسانية المعرفة في العصر الإسلامي الذهبي، بل بداية رائعة له، هيأت له أسباب هذه الإمامة أنه بالإضافة إلى ذكائه الوقاد وجهوده البالغة في البحث والتأمل والدراسة كان من أولئك الملهمين الذين لا يجود التاريخ الإنساني بهم إلا في فترات متباعدة.


(1) ابن تيمية في كتابه التوسل والوسيلة.
(2) الروضة للحافظ.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here