islamaumaroc

العرش المغربي كان دائما في مركز الحضارة

  دعوة الحق

150 العدد

الأستاذ محمد عنان صحفي لبناني لامع، مرموق في الأوساط الصحفية  و الإعلامية معروف بموضوعيته الملزمة، و خيراته الواسعة، و نظرياته العميقة، و اطلاعه الشامل على شؤون وأحوال بلدان المغرب العربي....
ولقد زار بلاد المغرب عدة مرات، و ألف عنه كتابا فريدا بعنوان" التجربة المغربية" سجل فيه لانطباعاته  و ارتساماته اللطاف عن بلادنا، كما حضر مندوبا عن صحيفة " الحياة" اللبنانية لتغطية أعمال المؤتمرات التي انعقدت بالرباط منذ عام 1969.
و ندرج في هذا العدد الخاص بذكرى عيد العرش تحليلا تاريخيا لواقع المغرب و لنظامه الملكي كتبه السيد عنان، مع إلقاء بعض الضوء على ما وقع من أحداث خلال السنوات الأخيرة... خاصة و أن الكاتب السيد " عنان" عاش أحداث المغرب التي شهدها سنواته الأخيرة كموقد خاص لجريدة " الحياة".

لقد اتفق جميع المحليين سواء  منهم الذين يعطفون على البلاد المغربية أو  الذين يعملون باستمرار لنيل عنها و التشهير بها على أن ما شهدته الرباط في فتريتن متباعدتين 10 تمور سنة 71و16 أب سنة 72، يعدو أن يكن عملا وحيدا يمكن وصفع فقط بالجموع و الإجرام و العشوائية استنادا إلى فردية المخططين الذين كانوا منفردين في نفس الوقت و انعزالهم و صفاتهم الذاتية المعروفة.
و من الطبيعي  أن يعمد أولئك المحللون إلى تقديم اجتهاداتهم التي قادتهم إلى هذه الحقيقة و التي تعتمد الأسس الآتية:
 أولا: عزلة أولئك العسكريين عن الواقع الشعبي في المغرب، و جهلهم الذي لا يقبل النقاش بما يفكر فيه رجل الشعب، العادي أو المنتمي لواحد من الأحزاب السياسية.
ثانيا: عدم وجود أي فرد دون رتبة عسكرية ضمن المأتمرين حتى في مراحل التنفيذ الأخيرة باستثناء طلبة الكلية الحربية بمكناس الذين عمدوا بمجرد أن انكشفت عنهم الغشاوة و تيقنوا مما يراد بهم إلى البحث عن الملك الحسن الثاني حيث نصبوا أنفسهم مدافعين عنه حتى انجلت الأوضاع.
ثالثا: المفاجأة التامة التي شكلتها المحاولتان بالنسبة للمنظمات السياسية المؤيدة منها و المعارضة والمتطرفة. ثم ردود الفعل الشعبية التلقائية المتحدة سخط شعبي، و الأمل بتجنيب البلاد تجربة ما كان أحد يتصور أبعادها وويلاتها.
رابعا: إن أغلب الضباط الكبار الذين أحيطوا علما بالعملتين، وجدوا أنفسهم بكيفية أو بأخرى مدفوعين للإشراك فيهما، سلبوا عن كل قدرة عن التمييز، و بشكل محير.
 فبعد أن كان الجنرال حمو و هو يلقي مصيره و يصيح:(عاش الملك) سجل صوت المنفد الرئيسي لعملية القصد الجوي وهو يقول أثناء قنبلة الطائرة الملكية:" اللهم إذا كان في هذا الأمر ما لا يرضيك و يخدم البلاد توفقني فيه".
خامسا:إن الذين فكروا فيما سمى(بالتصفية الجسدية) لم يفكروا قط في نظام بديل لما عرفته الدولة المغربية منذ فجر تاريخها.
و ينبغي أن نعمق هذه الفكرة الأخيرة لأنها تحتل أبرز مكانة في هذا التحليل، و تسلط أكبر الأضواء على الخصائص التي يتفرد بها المغاربة من بين شعوب العالم الأخرى.

وضع  المغرب
إن الحديث عن الانقلابات الذي قد يبدو عاديا،و ربما مشوقا في  بعض البلاد ليس من الأمور التي تنسجم مع عقلية الشعب المغربي و لا مع طبيعته و تطلعاته.
فالحكومات التي أطاح بها العسكريون و غير العسكريين، هي في الواقع نظر لم يجد التاريخ  الوقت الكافي للحديث عنها،ولم يتح لها أي مجال للإعلان عن نفسها، أو لترسيخ تقاليدها، في الوقت الذي كانت الشعوب التي تعيش في ظلها مستعدة لأي تكييف و مستعدة فوق ذلك للاستماع فقط و بحماس إني مفتعل إلى ( البلاغ رقم1)، حتى دون أن تستوعب معناه أو تعلم هوية الذين كتبوه.وبالنسبة للمغرب يختلف كل الاختلاف.
فالملكية المغربية توازي تاريخ المغرب أو هي نفسها ذلك التاريخ، فقبل ألف سنة من الميلاد عاش أول ملك  نقرأ عن فتوحاته التي وصلت إلى حدود المصرية و كان اسمه أطلس و هو الذي أعطى اسمه لأعلى جبال في العالم العربي، و حتى في عهد الاحتلال الأجنبي لم  يعرف المغرب غير النظام الملكي، فالفينيقيون الذين أقاموا مراكز تجارية على السواحل كانوا يخضعون لقوانين و سلطة أمراء الجبال، ولكن عندما حاول القرطاجيون الظهور بمظهر المحتلين بدأ الملك ( بكار) مؤيدا من شعبه بحروبه في القرن الثالث قبل الميلاد.
أما الرومان فإنهم جابهوا إدارة مغربية قوية على رأسها باخوس الأول (105 قم) و لم تفدهم الحروب التي شنوها في التوغل بعيدا في الداخل، و بعد أن رفضوا حمايتهم على البلاد في عهد الملك جوبا الثاني اضطروا للجلاء عن البلاد (39م) تاركين المجال لصفحة جديدة في مقاومة ( وندال ثم البيزنطيون الذين قاد المغاربة في عهدهم الملك ( أنطالاس). و عندما قدمت جيوش الفتح الإسلامي الأول كان يتربع على عرش المغرب بالتتابع الأمير قوسيلا ودايا أميرة زناتة.
وقد استمرت  الأسر المالكة في ظل الإسلام، و باستثناء فترة قصيرة جدا كانت البلاد خلالها تابعة للخلافة الإسلامية في الشرق أو الأندلس فإن النظام الملكي ظل ثابت الأركان، و نهضت به أسر  متعاقبة ليس المجال هنا لتعداد أعمالها و مآثرها الحضارية داخل الرقعة المغربية الحالية أو خارجها. و طيلة هذه القرون لم يكن يتحكم في تسلسل الدول المتعاقبة سوى المنطق التاريخي و حتمية تغير الهياكل و الشكل العام.

أحداث و عبر
 و نقرأ في التاريخ المغربي المتأخر ثلاثة أحداث ينبغي أن تحملها على لإطالة التفكير و استخلاص العبرة.
الأول: اتفاق أحد أمراء بني طاس  اسمه أبو حسون (1553) مع العثمانيين الذين كانوا آنذاك يحتلون مجموع العالم العربي، على أن يقدموا بجيوشهم لمساعدته للتغلب  على أحد منافسيه.ودخلت الجيوش العثمانية لأول( و لأخر) مرة مدينة فاس، و لكن الذي حدث هو أن الشعب المغربي وفد أحسن بالخطر الدام على استقلاله و بصفة خاصة الملكي الوطني، شنها حربا مستمرة تحت قيادة السلطان أبي عبد اله الشيخ انتهت بانحسار المد العثماني عند حدود الجزائر.
الثاني: تمثل في تطلع بعض الضباط الأندلسيين الذين كانوا يعملون تحت إمرة الملك أحمد المنصور السعدي إلى الاستيلاء على الحكم بدعوى إعداد البلاد استعادة الأندلس، و كان ذلك غداة معركة وادي المخازن1575، و قد ألقي الجنود المغاربة تلقائيا القبض على قادتهم و سلموهم إلى السلطان وهو في طريقه إلى فاس، و كان أحد المتآمرين الكاهية ( الليوتنان جنرال) سعيد الدغالي.

الثالث:وقع قبل عشرين سنة، ذلك أن سلطات الحماية الفرنسية بالمغرب إزاء تزايد الالتحام بين الملك محمد الخامس و بين الحركة المطالبة بالاستقلال عمدت إلى الاعتداء على العرش و على البيعة العامة التي هي العقد الوحيد المقدس بين الأمة و الملك. و حدث ما لا يزال عالقا لقربه من الوقت الذي نعيشه الآن.
أدجل قد يتصور البعض أن عليه صرف الجهد لإدراك هذه الحقائق و تلمس ملائمتها للواقع المعاش بلادنا المغرب. و لكن الأمر أقل من ذلك كلفة و عناء. فعلى الإنسان أن يتصل بالفلاح أو العامل أو التاجر أو المراه. أو يناظر الصحفي أو النقابي ليدرك بداهة أن طبيعة الرجل المغربي ذات نزوع فطري إلى التقاليد التي عرفها و ألفها أجداده في الحكم خاصة و أن مولك المغرب. ظلوا و على مر القرون ملازمين لفكرة الوحدة بين فئات الأمة، و للواقع الاستقلالي الذي هو الميزة البارزة للعمل الوطني.
 و لقد خضع المغاربة لامتحانات عسيرة نتيجة لاستهداف وحدتهم القومية إلى محاولات لتفتيتها،أو خلق عنصرين متقابلين داخل الكيان المغربي. و كان آخر مظهر لذلك في عهد الاحتلال الفرنسي.
 فقد استنتج خبراء الشؤون الأهلية في المغرب عام 1930 و الثورة المسلحة في الجبال كانت لا تزال مستعرة ضدهم.بأن أرضاء النزهة الاستقلالية عند البربر الجبليين ربما قادت إلى حل مناسب. من شأنه أن يضع نهاية للثورة من جهة، و أن يخلق فئتين يؤدي تقابلهما في المستقبل إلى الإبقاء على الحاجة لتحكيم القوة الثالثة التي تتمثل فيهم.
 و تلك العملية على ما اتسمت به من ذكاء لم تقم على حسابات دقيقة بل أدت إلى نتيجة عكسية معروفة و قادت إلى لم الصفوف بشكل لم يتقدم له نظير حول رمز العرش، و ابتدأت منذ ذلك  السيادة و الكيان المغربي الواحد: العرش، و ابتدأت منذ ذلك الوقت الحركة الاستقلالية تنظم نفسها على صعيد الوطن كله..
 و لم يكن العرش حكما و لكنه كان في مركز القيادة.

ملابسات المحاولتين
 و بعد كل ذلك يجدر بنا أن نتساءل عن " ماهية" الملابسات المحبطة بالعمل الذي تكرر بالمغرب و خلال فترتين لا تبتعدان عن بعضهما البعض أكثر من ثلاثة عشر شهرا. و في سبيل ذلك ينبغي أن نستعين بالذاكرة من أجل المنطق معا.
 و لنسأل بادئ ذي بدء: ماذا وقع في العالم الإسلامي بعد أيلول من عام1969 و هو الشهر الذي انعقد فيه مؤتمر القمة العربي الإسلامي بالرباط و لعب فيه الملك الحسن الثاني دوره المعروف؟
ماذا حديث في بعض الدول الإفريقية التي تشهد فيها الطائفة الإسلامية نموا مطردا؟
 ماذا حدث في الفلبين؟
 ماذا حدث بالإقليم الشرقي من الباكستان؟
 ماذا حدث و يحدث في التيلاند؟
 و أخيرا ماذا حدث في المغرب؟

 الطابع المسرحي
 لنهد إلى القضية، القضية التي شغلت الرأي العام في العلمين العربي و الإسلامي... قضية ما أسماه(الكثيرون) بالتآمر على النظام المغربي..
لقد أثارني كما أثار العديد من الزملاء، الطابع المسرحي لما حدث في الرباط يومي10 تمور 1971 اللتين قصد منها معا التصفية الجسدية للعاهل المغربي الشاب. و كان تعليق أحد السفراء العرب الأول:  يا لله، ها هي( رياح الشرق) تهب و لأول مرة على أقصى غرب الوطن العربي".
 و ارتد الخنجر المسموم الذي أراد بعض المغامرين أن يسددوه للحسن الثاني إلى نحورهم.
و لكن  و يا الهول، تعالت في الجو خناجير مسمومة أخرى، أخذت و باسم ما وقع في المملكة المغربية، تطعن الكيان العربي.
 وجاء تعليق السفير المغربي نفسه:" بالله،ها هو الحسن الثاني يدفع ثمن السياسة العربية و الإسلامية التي امتاز بمبادرات رصينة و إيجابية بصددها".

أهمية  المؤتمر الإسلامي
 و دعني أقدم القضية كما يقتضي المنطق أن تقدم:
 لقد حرص الملك الحسن الثاني أن يجمع في بلاده الجميلة أول مؤتمر في التاريخ يضم قادة المسلمين من ملوك و أمراء و رؤساء في الثاني و العشرين من شهر أيلول عام 1969 و بذل من الجهد ما لا قيل لغيره في سبيل أن يحضر المؤتمر أكبر عدد من أولياء الأمر في العلم الإسلامي و لم تكن المواضيع و لا القرارات التي ناقشها أو أقرها المؤتمرون رغم أهميتها من الخطورة بالقدر الذي تركه الاجتماع كإطار، من آثار عميقة في الشعوب الإسلامية على امتداد القارات الخمس.
 و رب متسائل يضم هذا السؤال و ماذا أفاد العرب من ذلك اللقاء؟
 لقد صرف ملك المغرب مجهودات قيمة لتجميع ما تشتت من أفكار المسلمين حول القضية الفلسطينية، وصبها في اتجاه المساندة لعرب فلسطين و المدافعة عن الأماكن الإسلامية المقدسة بها.
ولم يعد يخفى على أحد أن المؤتمر، و بفضل الحسن مرة أخرى، كان مناسبة للمقاومة الفلسطينية لتلتقي بشاه إيران الذي لم يبدد عطفه على قضيتها فقط و لكنه قرر ابتداء من ذلك الوقت أن يقدم المساعدة لها.
 و من كان يتصور أن القادة الأتراك لم يكن يدخل في خلد أي عربي أن يتقبلوا حديثا عن الأراضي العربية المحتلة أو عن المقاومة بصدر عنهم كما صدر عن غيرهم التصميم للإبقاء على الصفة الإسلامية للأماكن المقدسة.
وهل كان في مقدور المقاومة الفلسطينية أن تحصل على فوائد مادية و أدبية في أقصى بلاد الإسلام( و ما مثال ماليزيا ببعيد) لو لم يهيئ لها مؤتمر القمة الذي رعاه ملك المغرب أسباب ذلك؟
 و هكذا، فإن المؤتمر الإسلامي الذي يعد ظاهرة فريدة في التاريخ والذي فتح أمام الشعوب الإسلامية آفاقا جديدة ووضع أسسا دائمة للقاءات على مختلف المسؤوليات كالأمانة العامة و اجتماع وزراء الخارجية بمقر الأمم المتحدة و خارجها، و قد وجد سندا لا مندوحة همه للنضال العربي و لقضية العرب الكبرى.
 و يكفي كدليل على قيمة هذا السند المناقشة التي جرت في مجلس الشيوخ الأمريكي بعيد انعقاد المؤتمر وقد نشر قسم منها في صحف العالم بما فيها الفقرة التي ترجع النصر الذي حققه الفلسطينيون إلى لملك المغرب بالذات.
 و على نفس القدر عن الأهمية بالنسبة لعرب انعقد مؤتمر آخر، و بالرباط كذلك، ضم ملوك و رؤساء القارة الإفريقية.
فسيظل عالقا بالذهن  القرار التحولي الذي قرره قادة إفريقيا، أو من ناب عنهم،و هذا القرار لم يكن على الجانب المعروف من الصراحة و الشدة و الالتزام فقط، و لكنه اعتبر مرحلة هامة في ترسيخ التقارب بين إفريقيا العربية و إفريقيا السوداء، و في دفع القضايا العربية إلى نطاق المشاغل الإفريقية نفسها.
 لقد أزعج العلماء العظيمان اللذان أنجزا في  الرباط، و بمساعي الملك الحسن الثاني، الأوساط الصهيونية العلمية على النحو الذي رأينا انعكاسه، كما أنهما عملا على إذكاء الحقد على ملك المغرب، والمحاولة بشتى الوسائل للكيد له والتآمر ضده والعمل على أن تنزلق بلاده إلى هاوية الفوضى و التمزق العنصري.
و تجرنا التجارب التي مررنا بها و الدروس التي استوعبناها عن تصرفات أعداء العروبة و الإسلام إلى وضع الحدود المنطقية، التي تتضح يوما بعد يوم لمؤامرتين اللتين تعرض لها الحسن الثاني، و أريد لهما أن تكبحا من إيمانه و صلابته و إقدامه، و أن تمسا بالتالي من سلامة الدول المغربية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here