islamaumaroc

المقاومة البحرية في القرن الحادي عشر

  دعوة الحق

150 العدد

وجدت القرصنة البحرية منذ القدم، ولم نفتأ تضايق السفن والمراكب في عرض البحار عبر القرون والايام، واتخذت القرصنة اشكالا وطرقا اهمها شكل المواجهة ضد سفن معادية، وهذا الشكل هو الذي نسميه بالمقاومة البحرية، التي عرفتها كل الشعوب المجاورة للبحر تقريبا. وقد سجل او حادث من هذا النوع في الاسلام أثر سقوط بغداد في القرن السابع (13 م) بافريقيا الشمالية حيث لاحظ ابن خلدون وجود قراصنة وطنين ببجاية، اما في تونس فكان القراصنة يزاولون مهمتهم على مرأى من الحفصيين بل وبتعاون معهم.
وأود دوسلان في المجلة الافريقة لسنة 1857 أنه يعد اكتشاف القارة الامريكية كان القراصنة الجزائريون من وهران يغيبون على السفن الاسبانية في شواطئ شبه الجزيرة الايبرية وهي محملة بالذهب فيستولون عليها وعلى من فيها من الرجال.
وقام سكان تطويل قبل نحو ستين سنة من طرد المسلمين من اسبانيا بمهاجمة السفن البحرية الاسبانية التي كان رد فعلها عنيفا فغزت تطوان واستولت عليها مدة من الزمن ثم خربها إلى أن أعاد بناءها بنو المنظري الذين هاجروا بدورهم من الاندلس واستقروا بهذه المدينة ابان العهد الوطاسي وهم انفسهم ساهموا بدور كبير في المقاومة البحرية عبر البحر المتوسط.
وباجماع المؤرخين المحدثين، فان القرصنة التي مارسها اهل الاندلس لم تكن سوى رد فعل وطني وديني ضد الطرف الاخر الذي طرد هؤلاء من ارضهم وسامهم الخسف زمنا، ومعلوم ان السياسة التي سلكها فيليب الثاني حيال الشعوب المسيحية نفسها والتي لم تكن تعتنق المذهب الكاثوليكي قد انعكست اثارها السيئة على هذه الشعوب التي عاشت صراعا داخليا طال احيانا سنين عديدة بين اتباع الكاثوليكية وغيرها من المذاهب المسيحية سيما البروتستانية منها، ولذلك لم يكن غريبا ان يشهد المسلمون على يد هذا الملك ما شهدوه من عنف ثم ارغام لهم على مهاجرة الاندلس بصفة نهائية وهذا ما دفعهم إلى أن يتجهوا افوجا إلى عدد من البلاد الاسلامية كمصر والشام وتركيا، ولكن اغلبيتهم استقرت بتونس والمغرب حيث اختار بعضهم المقام بتطوان وهناك تكون الفوج الاول من رجال المقاومة البحرية بهذه البلاد.
ولقد وصف انجليزي يدعى ماين وارينغ اهل تطوان بالعدل والمروءة كما أخبر بأن الانجليز والالمان كانوا يزودونهم بالقسم الاكبر من حاجتهم إلى البارود الذي كانوا يستعملونه في العمليات الحربية ضد المسيحيين.
وفي لجة الفوضى السياسية فان القراصنة الاجانب ايضا وجدوا ملجأ في الموانئ المغربية وكان
أكثرهم هولنديون أو انجليز يأوون إلى ميناء تطوان لبيع ما استولوا عليه من بضائع واسرى، وقد تؤدي بهم الجرأة إلى الاستيلاء على بواخر اجنبية اخرى راسية بهذا المرفا.
على أن الموريسكيين الاندلسيون المطرودون أو الذين تبقوا بالاندلس على أثر الاستيلاء الاسبان على غرناطة حاولوا قبل طردهم أن يتعاونوا مع الهولنديين من جهة، ومع مولاي زيدان السعدي من جهة أخرى على مواجهة مسلحة ضد اسبانيا، ولكن قرار الطرد العاجل الذي اتخذ بحقهم لم يسمح لهم بتحقيق رغبتهم المذكورة.
وإذا كان الاسبان قد اطلقوا على هذا الصنف من اهل الاندلس لقب الموريسكيين فإن المغاربة اعتبروا أندلسيا كان من قدم الاندلس مسلما كان أو يهوديا.
وكان هؤلاء الموريسكيون منفوقين في عدد من الميادين الثقنية والاجتماعية على اخوانهم المغاربة، وحيثما حلوا بالبلاد الاسلاكية احتفظوا بحنين غريب إلى وطنهم مع محافظتهم على شعائر دينهم وتقاليدهم .
غير أن الفرق بين البيئتين: التي تركوها والتي حلوا بها ادى بهم إلى أن يعيشوا في عزلة عن باقي المجتمعات التي حلو فيها، وبوجه عام فقد كانوا يستنكفون الخضوع لسلطة الغير وبعتقدون دائما أنهم في مستوى أية مهمة يتحملونها، وربما لازلنا حتى اليوم نلاحظ نفس المميزات في عدد من اولاساط ذات الاصل الاندلسي التي لم تستطع حتى الآن أن تندمج في وسط آخر غير وسطها.
والواقع أن الموريسكيين كانوا ذوي مهارة في الاعمال الوراعية ولاصناعية وبفضلهم  عرف المغرب ازدهارا كبيرا في النشاط الاقتصادي خلال القرن الحادي عشر للهجرة أما في اسبانيا فإن الانشطة الاقتصادية والصناعية لقيت مصيرا محزنا بعد هجرتهم حتى أن تأخر هذه البلاد في هذه الميادين وكذا في الميدان الثقافي استمر بعدهم مدة أربعة قرون، ومن ال............ أن امريكا وهي بلد تفصله آلاف الكيلومترات عن اسبانيا انقذت هذه البلاد من الانهيار مرتين اولاهما بعد اكتشاف الذهب بهذه القارة والثاني أثر الحرب العالمية الثانية.
وبما أن الموريسكيين لم يعتادوا لأأن بخلصوا الدولة منظمة تتحمل مسؤولياها فإنهم لم يتحملوا العمل في اطارات الجيش السعدي الذي لم يساهموا فيه سوى مكرهين في فترات محدودة، وكانوا يعملون ما أمكنهم على الاستقلال عن السلطة المركزية حتى لقد أسسوا جمهورية حقيقية لمدة من الزمن في رقعة محدودة لا تتجاوز مدينتي الرباط وسلا، ومع ذلك فقد كانوا يخضعون في اغلب الاحيان بشكل أو بآخر للسلطة المركزية التي هي السلطة السعدية.
وقد وفد قسم الموريسكيين من منطقة استرامادور الواقعة في أقصى الشمال الغربي من اسبانيا، وجاء في وثائق دو كاستري عن هولندا (ج 5 ) أنهم كانوا يبثون الرعب في الاوساط الاسبانية ويحركون السلطة المركزية لصالحهم عن طريق الرشوة، وبمجرد  دخولهم إلى المغرب دعاهم السلطان مولاي زيدان إلى الاستقرار بقصبة الاوداية، وقاموا من جهتمهم بتجميع اخوانهم ممن نزلوا بجهات أخرى من المغرب، وهؤلاء استقروا داخل مدينة الرباط التي أتموا القسم الجنوبي من سورها ويمتد من باب الحديد إلى ضفة أبي رقراق حيث بنوا برج سيدي مخلوف.
وبعد مدة قصيرة من موالاتهم للدولة كون الموريسكيون جمهورية اغلب قادتها من الحرناشيين وهم المنتمون إلى حرناشو، قرية استرامادورو تنبع سكان  سلا نشاطهم بقلق بالغ، وهو في اغلبيتهم من مهاجري الاندلس الاقدمين، وقد كانوا يرقبون عن كتب التطورات التي تحدث في الطرف الآخر من ضفة أبي رقراق حيث دبت حياة جديدة إلى مدينة بقيت مهجورة أو تكاد لمدة قرون.
وعمد الموريسكيون إلى طرد القائد الذي كان معنيا من قبل زيدان ثم اتفقوا مع سكان سلا على انتخاب مجلس بلدي سموه بالديوان، وهو اصطلاح كان جاريا بهذا المعنى خلال القرن الحادي عشر لأن المنصور الذهبي كان قد أحدث هو ايضا مجلسا استشاريا له اختصاصات كثيرة وسماه بالديوان.
وأصبح لديوان الرباط حق النظر في كل المسائل الخاصة بارباط وسلا مع تشاطر الموار بين الفريقين.
وهكذا اجتمع تحت سلطة هذه الحكومة الصغيرة عنصران أساسيان، الحرناشيون والاندلسيون الاقدمون، والاولون كانوا أكثر ثراء، وقد وصنهم بنر وغيره بأنهم نهابون ومحاربون اتجه اهتامهم بالخصوص إلى مهاجمة السفن الاسبانية وشواطئ شبه الجزيرة الايبيرية، وبالنظر لخبرة الحرناشيين ومهارتهم في استعمال الاسلحة فقد طلب منهم مولاي زيدان أن يمدوه بأربعمائة مقاتل لمهاجمة أبي حسون الثائر بدرعة، وعندما تأخر أداء رواتبهم غادروا معسكر السلطان عائدين إلى الرباط.
وفي الواقع لم يتخلف المجاهدون البحريون بالرباط وسلا عن التعاون مع السلطة المركزية إلا في اوقات نادرة، فقد كانوا يؤدون إليها باستمرار تقريبا عشر مواردهم عملا بمقتضيات الشريعة.
وفي سنة 1614 انضم إليهم مجاهدو المعمورة ( المهدية) الذين لم يكن نضالهم ضد الاحتلال الاجنبي دون جهاد اخوانهم بالرباط وسلا وقد بلغ مجموع اسراهم من الدول الاجنبية فيما بين سنتي 1618-1626 حوالي ستة آلاف أسير، غير أن رفضهم لمساعدة زيدان عسكريا جعله يشجع العياشي على التصدي لهم حتى يضع حدا لاستقلالهم.
وكان الموريسكيين علاقات مع كل قادة الشمال الافريقي حتى ان الاتراك بالجزائر كانوا يتعاونون معهم على جهاد النصارى والاستيلاء على بواخرهم.
وبالنسبة لمدينة سلا احدى الطرفين في حكومة القراصنة فهي ترجع إلى العهد الموحدي كما هو الشأن في قصبة الاوداية في شكلها الحالي الذي شيدت عليه أيام عبد المومن وقد انزل بها حامية عسكرية كما مدت اسوارها من جهة الجنوب الشرقي ايام السلطان مولاي رشيد العلوي الذي بنى بها برجين لازالا قائمين وأضاف السلطان مولاي اسماعيل بناءات أخرى.
وقد ظلت القصبة الموحدية مسكونة لمدة طويلة من لدن الحامية الموحدية، كما أن مسجد حسان وسور الرباط ثم بناؤه في عهد المنصور الموحدي، لكن بني مرين لم يهتموا بعمران الرباط أو الزيادة فيها عكس ما فعلوه بسلا حيث بنوا اسوارها وعددا من منشآتها كما شادوا قصبة شالا التي انشئت لايواء من توفي من الاسرة الحاكمة.
غير ان دخول المريسكيين في اول القرن 17 غير من وضعية المدينتين المتجاوتين فقد فقدت شالا اهميتها وتخربت على يد ثائر يدعى بالورتاجني وأصبحت مدينة سلا شبه متنقلة منذ وفاة المنصور الذهبي وتتحكم فيها عناصر من اصل اندلسي، بينما بقيت قصبة الاوداية خاضعة لسلطة القائد الذي تعينه الحكومة المركزية إلى أيام السلطان زيدان كما تقدم، ومن الاسر الاندلسية التي تعود إلى هذا العهد ولا تزال اعقابها بالرباط عائلة مورينو والقصري والزيدي وكلهم ممن كانوا في "ديوان"  حكومة القراصنة (ونحن نستعمل لفظ القراصنة كمجرد اصطلاح دولي دون أن يكون مدلولة الحقيقي غير ما سيرد توضيحه في هذه الدراسة).
وفي الوقت الذي كان القراصنة يقومون فيه باعتراض السنن المسيحية كانت علاقاتهم الداخلية بالحكومة القائمة وبعض القادة الشعبيين غير مرضية في جملتها، وكان أبرز القادة الشعبيين في هذه الحقبة هو المجاهد محمد بن احمد المالكي العياشي الذي ينتمي إلى قبيلة مالك بن زغبة من بني هلال الذين كانوا مستقرين بناحية الغرب، ولم يكن في الحقيقة من بني عياش بل حصل على انتصار عظيم ضد البرتغال في معركة جرت سنة 1038 وأخرى سنة 1040-1630 قرب جبل الحبيب بمكان يسمى عياشة بين تطوان وطنجة فلقب بالعياشي.
وقد استوطن العياشي بازمور حيث تطوع لحركة الجهاد ضد البرتغال، وعندما توفي قائد الفحص سنة 1020-1611 عينه مولاي زيدان مكانه على ان يستمر على انتصارات هامة كان يوجه خلالها بخمس الغنيمة إلى العاهل بدأت السعايات تحاك ضده من قبل البرتغال الذين استخدموا كل الوسائل بما فيها رشوة بعض الموظفين السامين لحمل الدولة على تنحية العياشي، غير ان خلفه محمد السنوسي اشعره سرا بضرورة مغادرة المنطقة بعد ان كلف بالقبض عليه، وهكذا اتجه العياشي إلى سلا التي سبق أن زاول بها دراسته خصوصا على يد المجاهدة عبد الله بن حسون، ومن هناك ارتأى أن يحصل على موافقة القادة الشعبيين الآخرين قصد متابعة نضاله ضد البرتغال، فنال تأييد شخصيات كثيرة من بينها رجال الزاوية الدلالية، بينما لم يلق  أية معارضة من القصر السلطاني لان مسألة الدفاع عن التراب الوطني كانت قضية مقدسة بالنسبة لكل الجهات الرسمية والشعبية، وقد حاول العياشي في البداية أن يستولي على المعمورة ولكن مناعتها حالت دون مراده ولم يكن فتحها إلا على يد السلطان مولاي إسماعيل سنة 1092-1681، وعوض أن يلقى تأييد الحرناشيين فقد تملصوا من مساعدته حرصا على استقلالهم وعقودوا هدنة مع رازيلي قائد الاسطول الفرنسي الذي جاء باكر من حكومته لمنع سفن القراصنة من التحرك من أبي رقراق، بعد أن ضجت فرنسا وغيرها من دول اوروبا مما كانت تلاقيه من هجماتهم العنيفة، وقد خشي العياشي من مغبة هذه الهدنة التي قد تحول القراصنة وقائد الاسطول الفرنسي إلى أعداء متضامنين ضده.
والواقع أن المجاهد العياشي كان يتهم القراصنة بـانهم يتعاونون مع المسيحيين حتى لقد اشهر عليهم الحرب سنة 1631 فتواطؤوا حينئذ مع الوليد بن زيدان، غير ان سكان سلا كانوا في حالة نزاع مع القائد الذي يمقل الحكومة السلطانية فقتلوه بينما انسحب العياشي إلى داره ولكن القبائل المجازرة تمسكت بالتعاون معه في ظروف ضعفت فيها سلطة الحكومة، وتوالت عناصر السكان تدخل في طاعته حتى اصبح سياسيا واداريا لمنطقة تمتد بين تازا وتامسنا كما ذكر ذلك الافريقي وكان الامن مهددا في هذه النواحي للسبب المذكور، ودون أن يعلن العياشي انتفاشه على الدولة قام باعباء الجهاد ضد البرتغال في كل من العرائش والجديدة وطنجة والمعمورة ولكن القراصنة لم يكونوا متحمسين للاندماج في حركته حيث كانوا يفضلون القيام بحركة الجهاد في عرض البحر، وبعيدا عن نقطة انطلاقهم، ولذلك استصدر العياشي فتوى تبيح له قتالهم، وحصلوا من جهتهم على تأييد جماعة من العلماء لتبرير موقفهم من عدم مناصرته ولكنهم تمسكوا بطاعة السلطان القائم. ولم تنفع محاصرة العياشي لحوض أبي رقراق في شيء.
وفي غمرة نزاع جديد بين سكان الرباط وسلا قام العياشي بتهدئة ثورة الحياينة بفاس وضواحيها بمساعدة الدلائيين، وما كادت تحل سنة 1040-1637 حتى انقسم القراصنة إلى ثلاث فرق، أحداها تحت سلطة أحدهم وهو القائد القصري والثانية تؤيد السلطان والثالثة تناصر العياشي واخيرا خضعوا جميعا لسيادة السلطان الذي أقر القصري قائدا لهم.
أـما المجاهد العياشي فقد اشتبك مع البرتغال في معركة ضاربة قتل خلالها حاكم الجديدة ( البريجة) وبادر السلطان الشيخ الاصغر الذي سبق أن انهزم أمام العياشي قرب سلا بالاستنجاد بالدلائيين ضد  المجاهد، فنشأت مجابهة حقيقية بينه وبين الدلائيين، وبعد ان انتصر عليهم في عدد من المعارك اشتدوا في مطاردته حتى التجأ إلى قبيلة الخلط بناحية الغرب فاغتاله جماعة من فتاكهم وأسكت بذلك صوت كان يتجلجل ضد التدخل الاجنبي ويقوم صاحبه بجهاد العدو بكل مل لديه من وسائل، وكان موته سنة 1051-1614 وقد طيف براسه بالرباط على مشهد من الدلائيين الذين كانوا بالامس له انصارا.
وينسب إلى العياشي منزل داخل باب معلقة بسلا وبرجان بناها بنفس البلد، وقد اصبحت سلا والرباط تحت حكم الدلائيين إلى قيام الدولة العلوية، ولم يهدأ نشاط القراصنة قط، فقد استمروا في جهادهم حتى القرن التاسع عشر.
على انهم اتخذوا من القرصنة عملا سياسيا واقتصاديا في آن واحد، ومن المؤكد أنهم لم ينصهروا في باقي طبقات المجتمع المغربي إلا بعد اجيال عديدة، وينبغي أن نؤكد هنا ان العزلة التي تعزى إلى المجتمع المحافظ بمدينة الرباط حتى الآن انما يعود سببها في الغالب إلى هذه الفترة التي كان الموريسكيون يدافعون فيها عن حقهم في الكرامة والرغبة الملحة في استعاذة وطنهم السليب.
ولقد كان التعاون مع هذا قائما ووطيدا بين الموريسكيين واخوانهم المغاربة حيث يعمل الجمع في انسجام كامل متن السفن الحربية ويتقاسمون نفس المصير ونفس الغنائم.
ومن طرقهم في ممارسة القرصنة رفع اعلام اجنبية على بواخرهم حتى يضللوا السفن التي يعترضونها فيهاجمونها من حيث تأمن هجومهم ويستولون على ركابها وامتعتها واسلحتها.
ولقد كانت تجارة الرقيق التي مارسها القراسنة عملا معتادا عند بعض الدول المسيحية، فالجنوبيون مثلا كانوا يبيعون عدة دول بما فيها المغرب جملة من الاسيرات المسيحيات، بينما كانوا هم انفسهم يقتنون رقيقا اسر أصلا من اقطار الشمال الافريقي.
وكانت موارد القراصنة تقتسم كما يلي: 10 في المائة للديوان ، و45 في المائة لرب الباخرة، و45 في المائة للرئيس أي الربان، وعندما يخضع القراصنة للسلطة المباشرة للسلطان يؤدون لبيت المال خمس دخلهم، ثم نصف الموارد الباقية، أما النصف الآخر.
فيتاطره البحارة والضباط، وكان مولاي زيدان يعجب ببطولة القراصنة الذين كان يود ان يسند اليهم اسمى المناصب.
وكان الحرناشيون يخصصون قسما من دخلهم لصيانة القصبة، وكما قال جاك كابي في كتابه "مدينة الرباط" صار حوض أبي رقراق بمثابة "الهافر" وهذا الحوض في اقرب بلد إلى أوربا.
وكان من عادة القراصنة أن لا يقاتلوا على متن باهرة واحدة بل تتحادى ثلاثة من مراكبهم لتتعاون على مهاجمة السفن العدوة عند الاقتضاء وقد ارتفع عدد سفنهم من أربع سنة 1026-1647 إلى 560 عشر سنوات وقد نصح اميرال فرنسي الوزير ريشوليو باغراق سفينة في حوض أبي رقراق حتى يمنع على القراصنة استعمال مينائهم.
على ان عدد سفن هؤلاء نزلت على 22 سنة 1044 ثم على 20 سنة 1058 وأغلبها استورد من اوروبا وبعض الوحدات صنعت في عين المكان بمساعدة فنيين هولنديين.
أما طاقم السفينة بما فيه الضباط فكان يعيش عيشة تقشف متن الباخرة، ويتكون غذاؤهم من الخليع والخبز، وفي العشاء من الكسكس، وكان الهجوم في عرض البحار مباغتة، فيرفع على بلاد صديقة، وعند الاقتراب من السفينة الهجوم عليها يبادر جماعة من القراصنة إلى القبض على ربان الباخرة وصحبه، ثم يساق الجميع مع البضائع المنهوبة إلى حوض الرباط وسلا ليباع في المزاد العلني وقد يحتفظ بالاسرى من ذوي المكانة حتى يفادوا بأموال باهظة عن طريق المفاوضات الدبلوماسية.
وقد كان للقراصنة موانئ متعددة غير حوض أبي رقراق، كتطوان والمعمورة بعد استرجاعها أيام العلويين سنة 1681 وزفشالة (المحمدية) التي صارت بعد بناء مينائها أهم من ميناء أكادير، ويفضل الفنيين الاجانب الذين عملوا تحت اشراف القارصنة تعلم المغاربة قيادة السفن بمهارة وان ظلت تسند في الغالب إلى العلوج (أي المسيحيين الذين دخلوا في الاسلام).
وكانت بعض البواخر في عين المكان، وأغلبها بالشراع وبعضها بالمجاديف، وكانت بعض القنصليات في الرباط تسهل التفواض حول مفساداة الاسرى مع حكام الرباط-سلا.
وقد امتدت مغامرات القراصنة إلى شواطئ بريطانيا والمراكز البحرية بايسلندة، وشوهدت بعض سفنهم في اقصى شواطئ برطانيا شمالا.
وقد بث القراصنة الرعب في قلوب البريطانيين بمغامراتهم هذه، وباءت بالفشل كل محاولات اساطيلهم لمحاصرة حوض أبي رقراق، وكانت هذه المغمرات نفسها سببا في انشاء علاقات دبلوماسية حقيقية بين القراصنة وبريطانيا وهولندا، وكانت تمدهم بالصلاح مما أثار حنق الدول الاوروبية الاخرى، فقد كانت فرنسا تتضايق من القراصنة الذين يعترضون بواخر الصيد الفرنسية ويمنعونها من ممارسة نشاطها وكانت العلاقات مع انجلترا متوثرة في الغالبن خصوصا وقد كان للقراصنة رغبة في ان يقوم الطرفان بغزو مشترك لاسبانيا وهو ما كان يهيئه المنصور الذهبي من قبل ايضا، على ان اتفاقا تجاريا انعقد بين الطرفين سنة 1037-1627 على ان تفتح موانئهما لتجارة رعاياها، وتعهدت حكومة أبي رقراق بمساعدة انجلترا عسكريا إذا وقعت في حرب مع عدو لها، ووقع هذا الاتفاق باسم الديوان ابراهيم بركاش ومحمد بركو، غير أن شارل ملك انجلترا رفض المصادقة عليه، وعمد الانجليز بعد ذلك إلى الاستيلاء على سفينة مغربية فرد القراصنة بالاستيلاء على عدد كبير من البواخر الانجليزية وتردد المبعوث البريطاني هاريسون عدة سنوات بين 1626-1631 بين القراصنة وحكومة بلاده في محاولة يائسة لاصلاح ذات البين بين الجانبين.
على ان معظم الاتفاقات التي عقدت مع الاجانب كان موضوعها مفاداة الاسرى وحرية التجارة، ولا تزال المكتبة الوطنية بباريز تحتفظ بنسخة من مشروع لمعاهدة بين الموريسكيين وملك اسبانيا فيليب الرابع (1621-1665) وتختلف هذه المعاهدة تماما عن سابقاتها من حيث أن الموريسكيين يعرضون فيها على الملك الاسباني التزامهم باعتناق المسيحية إذا سمح لهم بالعودة إلى اسبانيا، وقد وقع هذا المشروع كل من عامل القصبة محمد بن عبد القادر صبرون والقائد ابراهيم بن شعيب عن الديوان ومحمد بلانكو (الأبيض) وموسى سانتياكو كشاهدي عدل.
ولاريب أن عرض الموريسكيين كان حيلة لتهيء خطة أخرى ذات نطاق واسع تهدف إلى إعادة السيادة الاسلامية على اسبانيا، والا فلماذا لم يلجأ القراصنة إلى بلد مسيحي آخر بنفس الشرط مع ان تخيلهم عن وطنهم لم يمنعهم من الاستمرار في ممارسة شعائر دينهم؟
وعلى كل ، فقد كان جهاد القراصنة ضد البواخر المسيحية ذا أثر بالغ، حتى ان عددا كبيرا من الأسر الانجليزية كانت تندب أسراها وتقيم الصلوات في الكنائس، ولقد كانت القرصنة البحرية دولية وقريبا مما صارت القرصنة الجوية اليوم، فلم يكن القرصان يهتم كثيرا بمصلحة بلاده المباشرة، بل كان يعد نفسه سعيدا بانتمائه على أسرة القراصنة اكثر مما يعتز بانتسابه إلى جنسية أو دين معين، وكما يقول سلمون في مجلة الوثائق المغربية فان القرصنة بالنسبة للمغاربة كانت جهادا بمنزلة الحرب العلنية، وقد واصل القراصنة نشاطهم تحت ظل العلويين وبتشجيعهم، فقد كان اشهرهم في أيام مولاي اسماعيل وهو ابن عائشة ذا منزلة عالية خولته منصب قائد عام للبحرية المغربية وهذا تقدير كريم من ملك مجاهد لزعيم مناضل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here