islamaumaroc

من وحي الهجرة الخالدة

  دعوة الحق

150 العدد

الهجرة في الإسلام هذه الكلمة الموحية المعبرة، توحي بحقيقة الانطلاقة  التحررية القاضية على الوثنية من أي نوع كانت، وتعبر عن عقيدة الحق ولإقامة شريعة الحق، فهما أساسا ربانية هذا الدين، وهما عنصر الخلود في الإسلام.
فهذه الهجرة هجرة رسول الإسلام – صلى الله عليه وسلم- فكرة خالدة ومبدأ خالد، كانت بحق الثورة الخالدة على الشرك وظواهره والكفر ومظاهره اللذين كانا أخطر انحراف واكبر فساد أصابا الفطرة البشرية، نجمت عنهما جاهلية  رجعية كلها ضلال، وضياع، وتخلف وشقاء.
فهي كفكرة خالدة من أفكار هذا الدين تدل على الصمود من أجل دعوة الحق، من أجل الحفاظ عليه، من أجل تبنيه، من أجل إنقاذ الإنسان به، من أجل إسعاد كل مؤمن به.
وهي كمبدأ خالد من أسمى مبادئ  هذا الإسلام تعني  إعداد قوة معسكر الإيمان  لمحو قوة معسكر الكفران، وتعني فرض وجود أهل الحق في سبيل القضاء على وجود  أهل الباطل، وتعني تكوين إنسان الإيمان، وتعني تربية إنسان الإسلام في مجتمع الإسلام لأول مجتمع المدينة الفاضل من أجل تحقيق المسيرة الإسلامية، المسيرة الفريدة من نوعها، المسيرة التي قادها محمد بن عبد الله برسالة الإسلام من أجل إقامة دولة الإسلام ومجتمع الإسلام في المدينة حيث الإخلاص والوفاء لهذا الدين، والتنافس الشريف لمرضاة الرب، والنواد  والتراحم  والتعاطف بهذا الدين  تجسيدا  وتحقيقا لمفهوم الأخوة  الصحيحة التي هي تعاون وانسجام، وتكثل  وتكافل، واتحاد ومواساة،  ومناصرة للحق وفعل للخير لأنها أخوة صادقة يؤمن  أهلها بالله ويعتقدون في كتابه ويصدقون رسوله:
( إنما المؤمنون أخوة).
( وتعاونوا على البر والتقوى..)
( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى).
لقد كانت الهجرة المحمدية إلى المدينة المنورة لأجل إنسان الإسلام، إنسان الإخاء في الله عامل الوحدة والقوة في الله وبالله، إنسان  الجهاد  في الله هذا الركن الركين  الذي فرض للقضاء على أعداء الله. في كل مكان وزمان، ولو قاية المؤمنين بالله  من كيد وحسد وحقد أعداء لا إله إلا الله  محمد رسول الله- صلى الله عليه وسلم.
أن الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة كانت ضرورة حتمية وقعت في الإبان المناسب من تاريخ البعثة المحمدية، فهي الفيصل بين عهدين  مختلفين:
عهد الفترة المكية الذي عانى فيه الرعيل الأول من المؤمنين بقيادة الرسول الأعظم ما عانوه من طرف المشركين ومن يسير في ركابهم من عبيد الشيطان ومنكري الإيمان.
وعهد الفترة الدينية التى آدنت بالانطلاقة العظمى للإسلام وبشرت بالتحريرية  الكبرى للبشرية من كل الجهات، المنقدة من شتى الضلالات.
فهذه الفترة بحق فترة ميمونة في تاريخ الإنسانية الضالة في الحياة المنحرفة الوجهة من أجل ديمومة وجودها المقصود على الكوكب الأرضي في خلافة  راشدة أسها الإيمان بالله والعمل بدينه العظيم.
أي وربي من أجل تحقيق هذا المصير الكريم للتوع الإنساني  كانت الهجرة إلى المدينة التي ركزت دعائم الدين الجديد ونبثث أصوله العقيدية وجسمت تشريعاته الهادفة لإسعاد الإنسان، فكان بها تشييد صرحه السامق القمة، وكان منها أبراز أدواره القيادية من أجل سعادة هذا الإنسان بحضارته الربانية.
هكذا ففي سبيل هذا البناء الكامل الشامل  الصرح الإسلام ومن أجل الحفاظ عليه، كانت المدينة المنورة مثابة الهجرة، ومركز الدولة الإسلامية الرائدة، ومقر الدعوة لهذا الدين  المبشر بكل خير والمنذر من كل شر، وكان الأنصار والمهاجرون من المصطفين الأخبار الذين بذلوا كل نفس ونقيس  في سبيل الدين الحنيف فاستحقوا ببدلهم الفد هذا، الفوز العظيم بقول الإله العظيم:
( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الدين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار. خالدين  فيها أبدا، ذلك الفوز العظيم).
لقد شاءت الإرادة الإلهية أن تكوم هجرة رسول الإنسانية إلى المدينة لكي يتسع نطاق الدين الجديد في البيئة الملائمة له حيث يجد كل عوامل  الانتصار له والتفاني  في سبيله متوفرة من جانب المؤمنين  الصادقين  فينتشر للصلاح وينشر الإصلاح مخلصا من كل الويلات. منقدا من كل الجاهليات  لأنه الدين المقبول عند الله. المختار منذ الأول للناس  وإلى يوم القيامة فهو الدين الذي قال فيه تعالى:
(... اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا...) ( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من الخاسرين).
أنه قد يبدو لغير المتمعن في حكمة الهجرة وعبرتها وللجاهل لمراحل المتدرجة، ولغير العالم بالأسرار التي رافقتها أنها قرار أو حدثت  نتيجة للمصادفة أو وقعت بسبب الاضطهادات التي تعرضت لها الفئة المؤمنة في مكة برئاسة رسول الله عليه الصلاة والسلام.
والحقيقة التي يجب معرفتها أن الهجرة لم تكن وليدة المصادقة وإنما كانت مقررة في سنة الله النافذة، وواقعة طبقا لمشيئته الحكيمة وإرادته  البالغة، فلقد عرفت  الهجرة عبر التاريخ  الطويل  للدعوة  الإسلامية  بواسطة العديد من رسل الله إلى  البشرية التي عن طريقها كانت النهاية اللازمة لمعركة طالت بين دعوة الله ودعوة الطاغوت، إذ تحققت  تلك النهاية  في انتصار الإيمان بالله على شتى صور الشرك وأشكال الكفر. وتجلت في اجتثاث أصولهما من وجود أنبياء الله والمحت من عالم المؤمنين الذين جاهدوا في الله حق جهاده.
ولكي تتحقق من جديد النهاية  الأبدية لعبادة الطاغوت ودعوة  الجبت الماحية  لهما من الوجود- لما تنكبت البشرية عن سبيل الإيمان وانحرفت عن جادة الله- شاءت إرادة الله أن تكون هجرة محمد بن عبد الله هجرة محكمة الوقوع منسقة الترتيب حتى لا تكون فرصة لإعداء الإسلام وعملوا للحيلولة دون هجرته منعا للمد  الإسلامي  والنور  الرباني من الانتشار، ولكن أعمالهم المعادية هذه أحبطت ومؤامراتهم المدبرة فشلت، لأن الرب العزيز كفيل بصيانة دينه ونصرة رسوله:
(... إلا تنصروه فقد نصره الله..)
(.. ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين..)
وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون..)
( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين..)
هكذا نجحت الهجرة النبوية كما أريد لها ويتضح نجاحها  الباهر في التمهيد لها في الإعداد للمخططات  التي على ضوئها تحققت إلى آخر مرحلة  فيها. ويتجلى نجاح الهجرة المحمدية في الإرهاصات المتقدمة والمتحققة في سادات الاوس والخزرج المؤمنين، أبطال بيعات العقبة  الثلاث  الذين عملوا بإخلاص  بتوجيه  من الداعية الشاب مصعب بن عمير لنشر الإسلام في بيوتات  المدينة  إلى أن آنت مرحلة الانطلاقة  العظيمة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة  بزعامة رسول الرحمة – صلى الله عليه وسلم- وبمشاركة المسلم العظيم أبي بكر الصديق الرفيق في الطريق، وابنه عبد الله لمعرفة أسرار الكفار ونقل الأخبار، وابنتيه أسماء المخلصة وعائشة الصديقة لإعداد الزاد للسفر ونقله لغار ثور، وعامر ابن فهيرة لتزويدهما بما يحتاجانه من مواد غذائية ولمحو آثار أقدامهما بغنمه لتضليل الكفار، وعلى بن أبي طالب الذي اختير للبقاء  ببيت  الرسول بمكة لتأدية الدور الذي كلف به من رد الودائع لأصحابها علاوة على إيهام الإعداد بوجود الرسول بالبيت، وعبد الله بن اريقط الذي أنيطت به مهمة التدليل على الطريق الآمن الموصل إلى يثرب.
من هذه الصورة المقتضبة لمراحل أحداث الهجرة نلحظ العناية الربانية التي أحاطت بوقوعها، ونلمح التنظيم العجيب الذي أتخذه الرسول الحكيم في طريق الهجرة  من البداية إلى النهاية.
حادث الهجرة العظيم خالد كخلود هذا الإسلام فلولاه ما عبد الله على ظهر البسيطة كما يريد الله ولا كان وجود صحيح لعنصر الإيمان في عالم الحقيقة.
حادث الهجرة الخالدة به تحققت دولة القرآن وتأكدت به حرية الدعوة للإسلام إلى كل أطراف المعمورة لحفظ  النوع الإنساني بأهدافه السامية ومقاصده الرحيمة التي أجملها وحددها في عبارة  هادفة  خالدة رسول سعد بن أبي وقاص إلى رستم قائد جيش الفرس " ربعي بن عامر" :
 ( الله ابتعثنا، والله جاء بنا، لنخرج من شاء: من عبادة العباد.. إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا.. إلى سعتها، ومن جور الأديان.. إلى عدل الإسلام فأرسلنا بدينه إلى خلقه، لندعوهم إليه..)(1)



(1)  عبارة ربعي رواها الطبري في " ابتداء أمر القادسية" من أخبار سنة 14 هـ أن ربعي بن عام دخل على ( رستم) قائد الفرس في مجلسه فسأله: ما جاء بكم ؟؟ .. فقال : ( الله ابتعنا ..) عن كتاب  ( دولة الفكرة) لمحمد فتحي عثمان صفحة : 95

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here