islamaumaroc

ملامح الحركة الأدبية في العصر العلوي

  دعوة الحق

150 العدد

                        ملامح الحركة الأدبية في العصر العلوي الثاني(1)

واصل الأدب مسيرته في ظل العصر العلوي الثاني، ويمتد من وفاة أبي الفداء عام 1139 هـ/ 1727م، حتى وفاة السلطان محمد الثالث عام 1204هـ 1790م.
ومن ميزات الأدب في هذه الفترة ارتقاء أساليب النشر الديواني عما كانت عليه في العصر الأول، ووفرة أعداد الأدباء الذين نبغوا في نفس الفترة وبالخصوص طبقة الشعراء، على أن أسلوب هؤلاء يتراجع عن درجة الشعر في العهد السابق، كما أن تجاوب الأدب مع الأحداث كاد ينعدم في هذه الحقبة، ويبدو أن من أسباب هذه الظاهرة واقع المغرب إزاء تصرفات الجيش البخاري بعد وفاة أبي الفداء، ثم ما دهم البلاد  من الزلزلة العظمى عام 1169 هـ(2) /1755.

ولم ينتعش المغرب إلا بعد ظهور السلطان محمد ابن عبد الله على مسرح السياسة المغربية، وقد صار أيام خلافته عن والده يشجع الاتجاه الأدبي، وعكف – شخصيا- على دراسة مدونات الأدب والتاريخ وبالخصوص كتاب " الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني(3).
ثم كان ولده الأمير علي يشتغل- من بعد- بنفس المادتين، ويجعل من بلاط إمارته بفاس ناديا أدبيا لقراءة مصنفات التاريخ والأدب، وفيها كتاب " الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، " وقلائد العقيان"، و " وفيات الأعيان" لابن خلكان،  و"مؤلفات لسان الدين ابن الخطيب، و " تاريخ ابن خلدون"، ونفح الطيب" للمقري(4).
وعلى المستوى الطلابي شهدت بعض المدائن تجمعات طلابية لمدارسة الأدب وما إليه، وهكذا كان في مكناس: محمد بن محمد بن عبد السلام البيحري،  وأحمد ( بن الراضي) ابن عثمان، وعلي بن صانبة ( البخاري)، وثلاثتهم لا يزالون طلابا، ويتدارسون –فيما بينهم- الطريقة الأدبية، وهذا ما يسجله محمد  
 البيجري (5) عن ذكريات أيام دراسته،وهو يقول في هذا:
"... وعند ذلك لاح لنا شعاع الأدب، فله حينئذ- ءائرنا، وعليه تظافرنا، وما تنافرنا، فتدارسنا" مقامات الحريري" مرات، حتى أدركنا لها المسرات، فحفظت من تخبها خمس عشرة مقامة كلها، ومن البواقي جلها، وحفظت الشعر جميعه، ومن ثم كانت الإنشاءات مطيعة...
وتدارسنا كتبا أخرى من الأدب والسير والأخبار، فانطلق بذلك من قلمنا العنان، فأنبأ عن بنــــــان(6)، وأبان عن اكتنان جنان الجنان".

وقد صار ابن عثمان آنف الذكر في طليعة الشعراء المبرزين في هذه الحقبة، ويأتي- بعده- ابن الونان: أحمد بن محمد التواتي الملوكي ناظم القصيدة " الشمقمقية"، ثالث الحلبة: محمد بن الطيب سكيرج الفاسي(7).
ومن الأدباء الأخرين في نفس العهد:
أحمد بن ناصر الغياثي.
وأحمد بن المهدي الغزال
ومحمد ابن الشاهد(8).

وسوى هؤلاء: أنجب هذا العصر مؤلفا ربط الصلات  الأدبية على مستوى المغرب العربي، وبالضبط بين المغرب وتونس، وكان هو عبد القادر بن عبد الرحمن المدعو السلوي، الأندلسي الأصل ثم الفاسي،  وهذا لا تعرف له ترجمة على حدة، ولهذا سنقدم عنه المعلومات التالية:
وقد درس بفاس، وكان من أساتذته بها الإمام المسناوي: محمد بن أحمد الدلائي ثم الفاسي، المتوفي- بها- عام 1136هـ(9) 1724م.
وفي عام 1156هـ/ 1743م كان في بلاط الباي التونسي: علي باشا بن محمد بن علي تركي من الأسرة الحسينية، المتوفى عام 1169 هـ(10)/ 1756م، ومن منتسخات المترجم برسم الباي التونسي: الأجزاء الثلاثة الأولى من كتاب " الوافي بالوفيات"  للصلاح الصفدي، وجاء في خاتمة الجزء الثاني: أنه  أمر بانتساخه الأمام المستعين بالله، أبو الحسن علي باشا، حيث كان الفراغ  من كتابته بتاريخ أواسط صفر الخير، عام 1156 هـ/ 1743، والأجزاء الثلاثة بالمكتبة الملكية تحت رقم 648.
وبعد هذا التاريخ يقارح نفس الباشا على المترجم تلخيص الحاشية الكبرى على تفسير أبي السعود، المسماة :
" مطامع السعود. وفتح الودود. على تفسير الإمام أبي السعود" ، تأليف الشيخ محمد بن عبد الله زيتونة التونسي.
ويعرف من هذا التخليص- لحد الآن- ثلاثة أسفار بخط المؤلف: اثنان بالمكتبة الاحمدية بتونس، وواحد بالمكتبة الملكية بالرباط رقم 9575، ويتبدي  من أوائل سورة "ق" لينتهي عند آخر سورة التغابن  على بتر يتخلله، وكان انتساخ  هذا السفر المغربي برسم الباشا التونسي،ووقع الفراغ منه عشية الثلاثاء 29 ربيع الأول النبوي عام 1165هـ/ 1752م.
وبعد هذا: فمن المحقق أن المترجم ألف- وهو لا يزال بتونس- موضوعه: " الكوكب الثاقب" أتي الذكر، وهو يرشدنا إلى هذا لما يقدم- في افتتاحية الكتاب- نسبة هكذا" ... الأندلسي الأصل، الفاسي المنشأ، التونسي الدار"؟، فإذا عرفنا أنه فرغ من  تأليف نفس الكتاب عام 1176 هـ، نتبين أن المترجم استمر بالقطر الشقيق حتى هذا التاريخ وبعده – بقليل-  نجده بالمغرب في بلاط السلطان العلوي محمد الثالث عام 1180هـ/ 1766م حيث يشتغل بتصنيف مؤلفه الآخر : " أدراك الأماني" آتي الذكر أيضا، وعلى هذا يكون انتقاله من تونس إلى المغرب وقع بين عامي 1176- 1180هـ، وهنا  ينسدل الغموض  من جديد  على حياة المترجم، فلا نعلم شيئا عن أحواله بعد هذا التاريخ، ولا نعرف حتى وقت وفاته ومكانها.

 والآن: نقدم ثلاثة آثار  أدبية من مخلفات المترجم:
أولا: كتاب " الكوكب الثاقب، في أخبار الشعراء وغيرهم من ذوي المناقب".
وهو يسجل في افتتاحيته أنه كان قديما قد  اشتغل بدراسة الأدب، ثم نزل لم يزي جادا في طلبه، مولعا بالتقاط غرره وعيونه، حتى دون محاسنه في مذكرات موزعة بين عدة رقاع وأوراق، ولما أن ولى عصر الشباب أراد أن ينظم فرائد مدوناته في سلك هذا الكتاب، وهنا يذكر مصادره كالتالي:
- الكامل للمبرد.
- الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني.
- بهجة المجالس. وأنس المجالس لابن عبد البر.
- خاص الخواص لأبي منصور الثعالبي.
- سراج الملوك للطرطوشي.
- الوافي بالوفيات للصفدي.
- الوافي في نظم القوافي للرندي.
- ري الأوام. ومرعى السوام. في نكث  الخواص والعوام للزجالي.
- الصيب والجهام.
- جذوة الاقتباس لابن القاضي.
- وغير ذلك من مؤلفات جهابذة الايمة.
وبعد هذا يأتي تصميم الكتاب في مقدمة وعشرة أبواب وخاتمة:
 المقدمة: في شرح ماهية الأدب، وانقسامه إلى غريزي ومكتسب.
الباب الأول: في طبقات الشعراء، وما جاء في  تعلم الشعر وتعليمه في السادة الكبراء.
الباب الثاني: في ذكر نبذه من أشعارهم، وما  يحسن إيراده من أخبارهم.
الباب الثالث:  في الحرب وتدبيرها، وما ينبغي من الحزم والتيقظ لمن يباشرها، من مقدمها  وأميرها.
الباب الرابع: في شجاعة والجبس وآلات  القتال، وما للشعراء في ذلك من بديع المقال.
 الباب الخامس: ف-ي الجود والسخاء والإيثار، وما يؤثر في ذلك من عجيب الحكايات  وغريب الأثار.
الباب السادس:  في الشح والبخل، وما ينبغي من تجنبهما لأهل الفضل.
الباب السابع: في السفه والحلم، وما قيل من  أحق الناس به الولاة وأولوا العلم.
الباب الثامن: في ذكر ملوك بني  أمية وابتداء دولتهم.
الباب التاسع:  في ذكر الخلفاء من بني العباس إلى منتهى دولتهم.
الباب العاشر: في نوادر من الأخبار حفظت عن أهل الجاهلية وغيرهم.
 الخاتمة: في مواعظ ورقائق.
وقد جاء الباب الثاني أوسع موضوع في الكتاب، حيث يقدم المؤلف 129 ترجمة لشعراء إسلاميين عبر العصر الوسيط،  وبينهم مجموعة مهمة من الغرب  الإسلامي بالأندلس وشمال افريقية.
ومن الجدير بالذكر أن العلامة التونسي الشيخ محمد الشاذلي النيفر اضطلع بدارسة هذا الكتاب وتقييمه(11)، وهو يقول عن ميزته الأدبية: " بعد هذا الكتاب الضخم  أحياء التراث الأدبي من أصوله المعتمدة  في المدرسة الإسلامية أيام ازدهارها، كما يعد الباب الثان ( منه) خطوة في تاريخ الأداب العربية الإسلامية لا في حدود الإقليمية الضيقة، وإنما في المتسع الذي لا يتقيد بحدود مصطنعة.
 ولكن لا ينكر أنه لا يكفي الرغبة الحديثة، غير أنه قد سد فراغا في تلك العصور التي تتوسي فيها الأدب العربي الصميم، واشتغل الأدباء بالتافه من الأبيات الشعرية..."
توجد من هذا الكتاب نسخ متعددة في تونس، وواحدة بدار الكتب المصرية عدد 4.45 " أدب"،  وبالمغرب نسخة بالمكتبة الملكية تحت رقم 925، في 431 ص، مسطرة 26- 27، مقياس 270/200، بخط مغربي  مليح ملون خال من تاريخ التأليف،ووقع الفراغ من انتساخه يوم الأحد 12 ذي الحجة عام 1209 هـ على يد العياشي بن عبد الله الملاقي.

وهذا أثر ثالث لنفس المؤلف، وقد ظل مجهولا حتى عرف في الستينات الأخيرة بالمكتبة الملكية بالرباط، ويحمل اسم " أدراك الاماني، في  من كتاب الأغاني".
وكان تأليفه السلطان محمد الثالث، وهو يهدف بهذه المبادرة إلى نهذيب كتاب الأغاني. لأبي الفرج الأصفهاني، وقد حدد نفس العاهل تصميم هذا التهذيب:
بأن يكون على ترتيب جديد: فالتراجم  يعاد تنسيقها: بالتقديم والتأخير واثبات بعض بمركزه.
مع إضافة مختارات من كلام الموالدين، ومنتخبات من أشعار المحدثين، مما تحسن إضافته، وتستحسن روايته ودرايته.
وعند مفتتح كل سفر من أسفار هذا التهذيب  الجديد، تقع البداءة بشاعر كبير من فحول الشعراء، أو سيد جليل من الجلة الكبراء.
مع الاهتمام بتحرير النصوص الأصيلة لكتاب الأغاني وتصحيحها، وتحقيقها وتنقيحها.
وقد وفى المترجم بهذا التصميم حق توفيه، وكان صدور الأمر السلطاني له بالشروع في هذه المهمة، ويرجع  إلى أوائل المحرم عام 1180هـ ( 1766م) ووافق الفراغ من كتابة النسخة الأولى- بخط المؤلف- أواسط جمادى الثانية من نفس العام:
1180هـ.
يشتمل كتاب إدراك الأماني على 25 سفرا، شاع منها السفر18،  وباقيها: 24 بالمكتبة الملكية تحت رقم 2706، مسطرة 25، مقياس 265/190، خط مغربي جميل ملون مجدول مزخرف قليلا.

 وستكون خاتمة هذه الدراسة الإشارة إلى تجاوب أدبي وافد من تونس  إلى المغرب، كرد فعل تلقائي  أزاء عبد القادر السلوي القادم من المغرب إلى تونس، وقد جاء هذا التجاوب على مستوى خاص، حيث أنشأ الوزير التونسي حمودة بن محمد بن عبد العزيز قصيدة مديحية برسم العاهل المغربي محمد الثالث، والقصيدة مطولة في 60 بيتا مزدوجا من بحر البسيط، ومطلعها:
ياحيرة السفح كم قلب بكم تعبا
 لم يقض في حبكم نحبا ولا اربا(12)


(1) هناك دراسة في نفس الاتجاه بالنسبة إلى العصر العلوي الأول، حسب مجلة " دعوة الحق" : العدد الأول، السنة الخامسة عشرة- ص 82-89
(2)  انظر عن هذه الزلزلة وأبعادها: " نشر المتاني" ط.ف- ج 2 ص 266- 276، مع" الاستقصا" ط. مصر – ج4 ص 128.
(3)  " الترجمانة الكبرى" للزياني، نشرة وزارة الأنباء ص 64، مع مقدمة " إدراك الأماني، من كتاب الأغاني" : المخطوط الذي ستقدمه هذه الدراسة من بعد.
(4)   " الترجمانة الكبرى" للزياني ص 64، مع مؤلفه الأخر: مخطوط " البستان الظريف".
" مجموع في الأدب" من تأليف الأمير عبد السلام بن السلطان محمد الثالث، فرغ منه عام 1198 هـ، وهو بالمكتبة الملكية بخط جامعه تخت رقم 106. " الاستقصا" ط. – ج 1134- 114.
(5)  " رسالة في أسرة البيجريين المكناسيين" ، من تأليف البيجري المذكور، مخطوطة خاصة مبتورة الأخر. وانظر عن ترجمة البيجري: " إتحاف أعلام الناس" ج 4 ص 140- 144. وعن ترجمة ابن عثمان: نفس  المصدر ج 1 ص 353- 360. وعن ترجمة ابن صائبة: المصدر نفسه ج 5 ص 477- 478.
(6)  في القاموس وشرحه: " والبنان- بالضم- الروضة المعشبة التي جليت بالزهر، ويفتح".
(7)  " ثمرة أنسي في التعريف بنفسي" لأبي الربيع سليمان الحوات،  مخطوطة خ.ع. ك 1264 ضمن مجموع
(8)  " الترجمانة الكبرى" ص 60-61.
(9)  ترجمته ومراجعها في " سلوة الأنفاس" ج3 ص 44- 47.
(10)  ترجمته وأخبار دولته عند أبي الضياف:  في تاريخه: " اتحاف أهل الزمان" – ج 2 ص 117- 145.
(11)  نشرت هذه الدراسة ضمن بحث ممتع عن البارزين من أرساليات  القرويين التلقائية إلى تونس، حسب" الكتاب الذهبي لجامعة القرويين، بمناسبة ذكراها المائة بعد الألف" –ص 221- 227.
ثم نشر نفس البحاثة دراسة  ومنقحة أكثر عن خصوص عبد القادر السلوي، في جريدة العمل التونسية: عدد 26 يوليوز سنة 1968، وقد أفدت من الدراستين في جوانب  من حياة المترجم.
(12)  القصيدة- بتمامها- واردة عند محمد بن عبد السلام الناصري في " الرحلة الصغرى" بالمكتبة الملكية رقم121، أما الوزير حمودة فهو مؤلف " الكتاب الباشي"، حيث توجد ترجمته عند مقدمة الجزء الأول منه، نشر الدار التونسية للنشر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here