islamaumaroc

الاختيار الدبلوماسي المغربي

  دعوة الحق

150 العدد

حاولت من قبل أن أحدد الخصائص التي لعبت دورا مستمرا في قيام الكيان المغربي وتركيز اختياره الدبلوماسي مما طبعها دائما بالتبلور والتفتح".
وفي هذه الحلقة نلتقي مع العوامل التي كونت الدبلوماسية المغربية الحديثة هذه العوامل التي ترتكز على:
اولا- عامل التبادل التجاري بين المغرب والدول والاروبية وغيرها، فقد كان المغرب ينتج ما يزيد عن حاجته في بعض المواد كام كانت تنقصه بعض المواد الاخرى، فكان هذا التبادل التجاري مما يحقق التوازن في حياته الاقتصادية ثم ما كان يصدره المغرب إلى هذه الدول يتمثل في الجلود والحيوانات والزيت والشمع والسكر واللوز والتين كما أن اهم ما يستورده يتمثل في المنتوجات والاسلحة والعتاد الحربي وما نجز به السفن.
ثانيا- العزلة الخانقة التي بات فيها المغرب بعد وقوع حاثتين هامتين هما:
1- سقوط الاندلس.
2- واحتلال الاتراك للجزائر واصبح عليه ان يواجههما، ولم تكن العلاقة بين الاتراك والاسبان على ما يرام، كما كانا معا يعملان لاحتلال المغرب، ولذلككان على المغرب ان يتقيهما معا، وان يدفع احدهما بالآخر عن طريق النشاط الدبلوماسي.
ثالثا- ولما تحررت هولندا من السيطرة الاسبانية في أواخر القرن السادس عشر وجدت في المغرب حليفا كما وجد فيها المغرب حليفا لتحقيق اهدافها ضد السياسة الاسبانية، ولذلك كانت هولندا من اقدم البلاد التي تبادلت السفارات مع المغرب.
رابعا- وعندما احتل الانجليز جبل طارق وجد من المغرب دولة اجنبية جديدة لها خلافات مع اسبانيا وفرنسا، وجبل طارق متأخم لمدينة طنجة، وهذا ما تطلب التوسع في النشاط الدبلوماسي لتجنب الوقوع فريسة لاحدى هذه الدول واستفادة مما بينها من خلاف (1).
خامسا- وقد كان للمغرب اسطول يجوب البحر المتوسط والميحط الاطلسي وكانت سفن هذا الاسطول تستبك مع سفن الدول الاجنبية، كما كان جنوده يشتبكون مع الجيش الاسباني والبرتغالي، ويستولي الجانبان في هذه الحوادث البرية والبحرية على الاسرى، ويحتاج أمر افتكاك الاسرى واعادتهم إلى بلادهم تبادل السفارات بين المغرب وهذه الدول للاتفاق علة طريقة هذا الافتكاك.
سادسا- وعندما ضعف أمر المغرب تحولت ديبلوماسيته إلى وسيلة من وسائل الدفاع عن نفسه، بعد الاعتداءات المتوالية عليه من قبل الاوروبيين الذين اصبحوا جيرانه في افريقيا أيضا، وكثر فيه الاجانب ويبدأ التنافس بينهم من أجل الاستحواذ على خيراته والحصول على الامتيازات وكان على الديبلوماسة المغربية ان تبذل اقصى ما في استطاعتها للحيلولة دون طغيان الاجانب واطماعهم وامتيازاتهم، ومحاولة المحافظة على اكثر ما يمكن المحافظة عليه بعد هزيمتين، حيث كافحت الديبلوماسية المغربية بكل قوتها في مؤتمرين دوليين احدهما مؤثمر مدريد سنة 1880 من أجل الوقوف في وجه مطامع الاوربيين والحد من امتيازاتهم، وثانيهما مؤثمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 من اجل الحصول على ضمان دولي لاستقلال البلاد.
ومن مظاهر كفاح المغرب الديبلوماسي للمحافظة على استقلاله ارسل جلالة الحسن الاول سفارة البابا في الفاتيكان سنة 1888 لاقناعه باستعماله نفوذه لدى الدول الاروبية التي تتربص الدزائر بالمغرب لاقناعها بالكف عن هذا التربص.
وإذا كان المغرب قد قطع مرحلة جديدة بعد سنة 1912 فإن الديبلوماسية المغربية قد واجهت تطورين خطيرين هما:
1- أن وزراة الخارجية لم تلغ وانما اسند امرها إلى المقيم الفرنسي العام بالمغرب يومئذ الذي كان يقوم بدور وزير الخارجية في الحكومة المغربية، فاصبحت اختصاصات وزارة الخارجية المغربية مغتصبة ومرتبطة بالسياسة الخارجية الفرنسية تصرف ديبلوماسيتها كما تشاء، وتعمل في الواقع على حشر المغرب في عزلة تامة، على أنه بالرغم من الضغط الشديد الذي تعرض له المغرب لارغامه على اكضاء الحماية، فقد سعى بكل الوسائل للحفاظ على كيانه الدولي.
2- أن المغرب لم يخضع للامر الواقع في هذا الاغتصاب كما لم يخضع للامر الواقع في ضروب الاغتصاب المختلفة الاخرى، وانما واصل نشاطه في الخارج على الصعيد الرسمـــــي(2).
ولقد أتم النشاط الدبلوماسي في الفترة الواقعة ما بين 1912 إلى سنة 1956 بهذه الصور:
1- تأسيس مجلة (المغرب) بباريز سنة 1932 لدفاع عن حقوق الامة المغربية تحت اشراف جماعة من النواب الفرنسيين وكبار الكتاب والسياسيين المغاربة والفرنسيين والاسبانيين برئاسة السيد روبير لانكي.
2- لقاء انفا بالدار البيضاء في 22 يناير 1943(3) بمناسبة اجتماع رؤساء الدول الحليفة روزفيلت رئيس جهورية امريكا، وتشرشيل رئيس الحكومة البريطانية ودوكول وجيرو رئيسا للحكومة الفرنسية خصوصا إذا أدركنا أن الحديث الذي جرى بين سلطان المغرب والرئيس روزفيلت لم يكن موضوعه الحالة بالمغرب، ولاتطور العلاقات المغربية الفرنسية ولم يكن الهدف الذي يرمي إليه صاحب الجلالة من وراء هذا الحديث هو عقد اتفاق مع امريكا على حساب فرنسا، بل كانت غايته جعل المغرب يستفيد من النظام الذي كان يهيئه الرئيس الامريكي باتفاق تام هو ورفاقه ممثلو انجلترا وفرنسا(4)، ولقد اعتبر المستعمرون أيضا أن مرور مرانكلان روزفيلت على المغرب يعد النقطة التي تفرعت منها جميع المشاكل الفرنسية مع السلطان، فقد يمكن أن تقع بعض التعديلات السابقة لاوانها في ذهن هذا الرجل السري، ولكن هذه التغيرات كان عليها ان لاتفضح نفسها في اية مظاهرة عنيفة، وحتى في اشد الازمات التي تعانيها القوة الحامية.
ابتداء من (آنفا) يتدفق كل شيء وينساب ويتوالى في فترات عنيفة واسعة".
3- زيارة المغفور له محمد الخامس لمدينة طنجة سنة 1947 حيث اعلن جلالته من المدينة " الدولية" نداءه الناريخي الذي رددته صحف العالم الذي اعلن فيه وحدة المغرب، وان له هدفا يجب ان يتحقق، وانه جزء لا يتجزأ من الامة العربية.
4- بعثات الكفاح الوطني في الخارج والتي في صورة مكاتب وطنية في كل من باريس والقاهرة.
ومدريد ونيويورك، بقيت على اتصال دائم بالقصر الملكي بالرباط وكان أعضاء هذه المكاتب يباشرون نشاطهم الديبلوماسي، عن طريق الاتصال بالمسؤوليين وبالصحافة ورجال الفكر، كما كانوا يصدرون كتبا ونشرات عن قضية بلادهم، ويرسلون من آن لآخر الوفود تجوب القارات الخمس لاخراج بلادهم من العزلة التي فرضت عليها، وفضح الاستعمار، وكسب الانصار، وتنوير الرأي العام الدولي.
وكان اعضاء هذه المكاتب يحضرون الجلسات التي تعقدها الامم المتحدة والهيئات الدولية باعتبارهم الوطني، حينما يكون هذا الاعتبار معترفا به.
5- تأسيس نادي روزفيلت في مارس 1946 من طرف نخبة من المثقفين والسياسيين المغاربة الاحرار(5).
6- وكانت الرحلة الملكية إلى فرنسا سنة 1950 عملا دبلوماسيا ممتازا في تاريخ المغرب وضع به جلالة الملك قضية البلاد على بساط البحث، وناقشها مع الدوائر الفرنسية المسؤولة: وزارة الخارجية ورئاسة الوزراء، ورئـاسة الجمهورية، وكانت محادثات ومناورات، وكان اخذ ورود وتبادل وثائق، واخراج القضية المغربية من اطارها الضيق إلى اطار اوسع، وافق اعم وأشمل"(6).
وبعد سنة 1954 فقد ركز محمد الخامس عمله الديبلوماسي بل نشاطه الخارجي لبعث الديبلوماسية المغربية، واعادة تأسيسها وافراغها في القالب الذي يصل الحاضر بالماضي والمستقبل وتخطي مرحلة العزلة وذلك طبقا لما سجلته المعركة الكبرى وظروفها فسجل عهده بطابع الديبلوماسية المحمدية (سنة 1956 حتى 1959) لكن محمد الخامس الذي بعث المغرب الجديد كان يعلم أن بعث الديبلوماسية المغربية الجديدة وحده لايكفي، ولهذا فلم يفارق جلالته الحياة سنة 1951 إلا بعد أن ركز خطوط مستقبل ديبلوماسيتنا في الخطوط التي ارتكزت عليها من بعد.
وهذا التخطيط قد يظهر وكأنه نتيجة لظروف عفوية في عمومه ولكن إذا كنا نعلم أن خطوط هذه الديبلوماسية قد ركزت في مظهرين واضحين هما :
أولا: الرحلة التي قام بها جلالته لدول الشرق العربي في مارس 1960 وخرج منها بنتائج هي اروع مثال يمكن ان ترتكز عليه قدرة هذه الديبلوماسية الفنية حيث عاد جلالته وبيده ست بلاغات رسمية مع رؤساء الدول العربية التي زارها تستهدف إلى أن المغرب جزء لا يتجزأ من الامة العربية.
وهذه الظاهرة قد ركزت حقيقة المفهوم الديبلوماسي الحقيقي الذي يركز الوجود الوطني في شموليته ووضوحه.
ثانيا: ويهضم العالم الخطوة الاولى لانها تحمل اشياء تؤكد اصالة هذه الديبلوماسية، وتستمر الخيوط الجديدة في النسخ عند جلالة الملك فيشعر بأن الاسلوب الذي خطه المغرب ما بين 1956 إلى 1961 اصبح يرتكز على بعث اسلوب آخر، اسلوب يعيش مع الاحداث المقبلة التي يطل عليها المغرب فيدعو جلالته إلى عقد مؤتمر للدول الافريقية المتحررة(7) لان المسقبل يؤكد ان افريقيا على ابواب حياة جديدة كقارة متحررة تنشد التخلص والانطلاق.
وبالرغم من ان المغرب الجديد ابتدأ هذه الديبلوماسية وهو مؤمن ان هذه الديبلوماسية تحتاج منذ اللحظات الاولى إلى:
- خلق الظروف الديبلوماسية.
-بعث الديبلوماسية.
- تهييء الفكر الديبلوماسي.
- البحث عن الديبلوماسية المغربية الجديدة.
فإن هذا ما تؤكده المواقف التي وقفها المغرب منذ 2 مارس 1956 في المجال الديبلوماسي، وهذا بالذات ما يجعلنا نلاحظ الديبلوماسية المغربية في عهد محمد الخامس كانت لاتلتزم اسلوبا معينا بذاته، ولكن هذه الدبلوماسية قد التزمت اسلوبا جديدا، وتفكيرا مستقلا كان كل غاياته, بعث الديبلوماسية المغربية الجديدة في المغرب الجديد.
وإذا كانت وفاة محمد الخامس المفاجئة قد اقتربت بانتهاء فترة جديدة بخصوص الديبلوماسية المغربية، وهو العقاد مؤتمر الدار البيضاء الافريقي (يناير 1961) فإن هذه الفترة تعتبر الظرف الواضح لرسم معالم الديبلوماسية المغربية في المغرب.
الجديد وهو ما يعني في وضوح أن المغرب قد قطع خطوات خاصة، وان نتائج هذا المؤتمر خدمت الديبلوماسية المغربية في العمق، وفتحت لها توافد على عالم اليوم....
وتطورت الاحداث الدولية بسرعة....فانعقد مؤتمر دول عدم الانحياز لكي يفتح المغرب آفافا جديدة في المجال الديبلوماسي المغربي، وقد اوضح استمرار الخطوط العامة التي اختارها المغرب وهو يؤسس هذه الديبلوماسية الحديثة ويؤكد هذا الرأي ـن جلالة الحسن الثاني عندما حضر مؤتمر دول عدم الانحياز، وتراس بعض جلساته وتحدث باسم دوله اوضح كثيرا من خطوط ديبلوماسيتنا المتحررة.
وقد اوضح جلالة الحسن الثاني التمديد الدقيق والمباشر لعدم الانحياز وعدم التبعية فاغتنم جلالته أول فرصة وبعد سنة بالضبط من مؤتمر بلغراد (1962) عند تقويم اوراق اعتماد سفير الولايات المتحدة الامريكية فاكد له انه:
" لم تبق هناك دول عظمى، وأخرى صغيرة، لان جميع الدول متشادة ومتساوية في حق فرض وجودها واحترام مقدساتها."
أما عن عدم الانحياز فيقول جلالته:
" ليس معناه الانعزال وعدم الاكتراث بما يجري في فريق من الانسانية، بل انه بالعكس البحث في مجموع الفكر الانساني عن كل ما هو قيم وسديد....يضمه إلى تراتنا، والاستفادة منه لصالح تطور بيئتنا.
هذا بالاضافة إلى خطاب المغرب اكد في وضوح مبدئين جوهريين:
1- ان الاسلام العالمي يعني جميع الشعوب صغيرها وكبيرها، وليس من اللائق ان تختص الدول الكبرى وحدها بتقرير مصير البشرية.
2- ان تجمع الثروة والتقنية في يد عدد ضئيل من الاقطار، لاسباب تاريخية، من بينها الاستعمار والامبريالية اصبح مرفوضا في قانون الاخلاق، مستنكرا من طرف الضمير الدولي(8).
ومن كل هذه الموافق،  أوضح تمثيل المغرب على كل المستويات:
أولا- التزامه لروح الديبلوماسية المغربية المتزنة التي لاتتأثر بالاحداث الدولية العابرة وبظروف الانتقال التي تسيطر اليوم على ديبلوماسية كثير من الدول النامية وغيرها ممن يتأثرون بالتطور المعاكس وبالتيارات الوقتية التي تهب هنا وهناك تحت شعارات المعسكرات المتصارعة من اجل السيطرة على العالم.
ثانيا: الاسلوب المتحرر الخاص في الاتصال المباشر أو غير المبالشر مع كل الذين دفعتنا الظروف الدولية إلى الاتصال بهم بطريقة أو باخرى.
وهكذا تكون قد التزمنا اختيارنا الديبلوماسي في اتزان مضبوط ولو ان عودة ديبلوماسية المغرب قد اتخذت مصيرها بنفسها، ويستنكر كل وسائل العنف والقمع المتخذة ضدها بـأي اسلوب كان....وإذا كان مؤتمر القم الاسلامي (شتنبر 1969) باعتباره معجزة المسلمين قد لعب المغرب دزرا له قيمته في تحقيق هذه المعجزة، فإن مجرد استعراض قائمة الدول (9) الممثلة فيه تشير إلى مركز الديبلوماسية المغربية واهميتها مما يؤكد عالم التكثلات والايديولوجيات المتنمية التي انصب على عالمنا العربي والاسلامي سيخرج المغرب من معارك متعددة مؤكدا ان ديبلوماسية محددة في اهدافنا.
ووسائلها وطرق عملها طبقا للاختيار المغربي المبني على عدم التبعية وعدم الانحياز وهذه في الحقيقة هي المبادئ الاساسية التي تقوم عليها سياسيتنا الخارجية اليوم، وعلى نهجها سننطلق دائما بعون الله.

(1) كتاب (الدبلوماسية المغربية في عشرات السنين) بتصرف.
(2)  المصدر السابق.
(3)  أنظر كتاب (محمد الخامس ملك المغرب) لروم لاندو صفحات 33-39.
(4)  كتاب (نضال ملك) صفحة 11و 12.
(5)  أنظر جريدة (التقدم) الساوية ع 181. ص 3.21 مارس 1946.
(6)  جريدة ( الرأي العام) ( ع : 176، ص: 4-17-11- (195- ص 10).
(7)  مؤتمر الدار البيضاء ( من 3 إلى 7 يناير 1967).
(8)  مجلة "اللقاء" س : 2 – ع : 14 و 15 – يوليوز 1969 -  ص : 110 ).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here