islamaumaroc

العرش والتعليم الديني الأصيل القائم على حقائق التنزيل

  دعوة الحق

150 العدد

منذ دخلت دعوة الإسلام هذه الديار المغربية عن طريق الأنصار من أبناء العروبة الذين حملوا رسالة التوحيد، وشريعة الإيمان التي لطفت شعور البرابر، وأثرت في الضمائر والبصائر، وجمعت بين العشائر والعناصر.
منذ ذلك الحين والمغرب يتبوأ مكانة الصدق بإيمانه، ويرفع منارة الإسلام  بإيمانه، فيتقيأ في ظلاله،  ويتقلب في نغماته، ويجاهد في سبيله ويهتدي بنوره  في ظلام الجهل، ويحتمي  بروحه من ظلال الكفر،  ويأخذ الحكمة من كتابه، وينهج نهج النبي وأصحابه، باستثناء بعض الهزات أو بعض الفترات، التي لا تخلو منها أي دعوة من الدعوات.
وكان القرآن محفوظا في صدروهم، ومتلوا بألسنتهم، يتدارسون آياته، ويتقاضون بعدالته، ويتجاوبون مع هدايته، وهو النبراس لحياتهم، والدليل لنهضتهم، والمستشار لسياستهم.
وكان عرش المغرب في أي عصر من عصور  تاريخه ينتقل بين الأكارم والأماجد الذين أخذوا بقوة كتاب الله، وأقاموا بحق حدود الله، وخدموا بصدق سنة رسول الله، وربطوا حياة الدنيا بحياة الأخرى، واحتاطوا على المصالح الصغرى والكبرى، عملوا على توحيد الشعب وتقوية الأواصر، وسجلوا بجهادهم  الناطق المفاخر والمآثر.
وكانت الرابطة بين العرش والشعب من أمتن  الروابط وأقوى الصلات التي تفرض الطاعة والاستجابة للأمر بالمعروف، والعدالة في الحكم والأمانة في التصرف، كما تفرض سياسة متناسبة ومتجاوبة- للتغلب على ما يحدث من المشاكل، وما يطرأ من الزلازل- ، وليقوم الناس بفصل مشاكلهم، وحل معا ضلهم، متجنبين مواضع النقص في حياتهم، ومتباعدين عن الخطأ المتكرر في تجاربهم، وبذلك كان الوضع سليما والاتجاه مستقيما تحظى فيه لغة القوم بالأهمية، والأسبقية في المعارف الإسلامية، وفي المعارف الإنسانية، وفي سائر المصالح الإدارية، ويتحكم قانون الشريعة في حياتهم ومراكز أمتهم، ومحاكم قضائهم، لأن الشريعة من صميم العقيدة، التي تجعل الإنسان متصلا بربه وقائما بحقه.
وكان التعليم الديني أو التعليم الأصيل موضع همة وعناية عند جميع الذين اعتلوا منصة هذا العرش الكريم باعتباره حافظا للشرائع  والمعتقدات، وجامعا للشمل والشتات، وداعيا إلى كريم الصفات، فاجتمع الشعب المغربي على عرش الكتاب والسنة، واصطبغ بصبغة الله ومن أحسن من الله صبغة؟ واندفع في حياته متعلقا بالعرش على هذا القياس لمعالجة  السياسة والتربية، وشؤون الاجتماع والتنمية، في إطار التعاطي للثقافات الحية، والتعرف على الحقائق العلمية.
 ولكن لما مر الاستعمار المشئوم من هذا البلد المؤمن المسلم استبدل قيمه بقيمنا، وأوضاعه بأوضاعنا، وما لبث أن استقبل حياة لا تمت بصلة إلى حياتنا، فاستيقظ الشعب واتصل بعضه ببعض  وخاض معركة لا هوادة فيها، وكان قائدها هو العرش ولما اشتدت المعركة وحمى الوطيس فر الاستعمار بباطله، ومضى إلى سبيله ومركزه، بعد أن خلف من ورائه تركة سوداء، أخذنا بها خطأ وغلطا، أو ضعفا وكسلا.
وعند ذلك بدانا ننحرف عن مادة الدين، وجادة اليقين، ووضعنا أنفسنا موضع غيرنا، ولبسنا جلدا ليس بجلدنا، فضعفت المدرسة الإسلامية، وظهرت المدرسة العصرية، وتبدل العرف، وساء السلوك، وأصبح بعض الشباب يشك في وجود الله وينسب الأحداث إلى الطبيعة، ونعق كل ناعق ببدعته، فتن كل فاتن بفتنته، ولا ريب أن ذلك كان نتيجة حتمية لتنحية المدرسة الأصلية وترعرعت الفلسفة  الإلحادية، فهل إلى خروج من هذه الأزمة الخلفية، والحيرة الفكرية، والحريات الشنيعة، والتيارات الشيعة التي تركت الحياة تتنافى مع أصلها، وتتناقض في نفسها- فهل  إلى خروج من سبيل- وهذا سؤال يشغل بال كل متبصر، يريد الخير للوطن الإسلامي المتحمس.
ويعلم الله أن العلاج من هذه المضايق  يكمن- في العزيمة على الرجوع إلى النظام الإسلامي وسلوكه الطيب الذي في أمكانه أن ينفذ العالم بأسره، ويجعل الحياة تتفتح بين يديه، من دون تشدد ولا ترخص، ومن غير تكالب ولا تظالم من شأنه أن يثير القلق والغضب- وفي بعث مدارس التعليم الأصيل الذي يعبر عن حقائق  التنزيل، وإصلاح مناهجها وهياكلها، وتجديد أساليبها ووسائلها، لتمثل ما كان على حقيقته، ولتشكل ما يكون على صورته، ففي العودة إلى ذلك المعين الصافي والنظام الكافي- استصلاح القلوب واستنفاذ الشعوب، من دوافع الغرور ونوازع الشرور- وتقرير المصير باستقلال اللغة والتفكير- ورسم طريق النمو والنهوض، وتخطيط المذهب في نطاق السمو والصعود.
والعقل الراجح يقضي أن يشمل الإصلاح الضروري سائر المعاهد والكليات كيفما كانت اختصاصاتها واتجاهاتها، وما من شك أن العقل جعله الله للدين سنادا، وللدنيا عمادا، فأوجب سبحانه التكليف بكمله، وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه، والعاقل أقرب إلى الله من الجاهل وقد ثبت من حكم الله في كتاب أن يخلل الأحكام بالمواعظ الجليلة، والوصايا الجميلة لتتعظ الأمة وتحتل مقاما أعلى في حياتها وتنهض نهوضا سليما بطبيعتها.
على أن هذا التعليم من شأنه أن يطلق الحركات ويشبع الرغبات في حدود ما يفتقر إليه الإنسان من أنواع التغذية اللازمة وذلك غذاء  الروح وهو العمل الصالح وتقوى الله العظيم، وغذاء الجسم وهو ما طاب وحل من النباتات والحيوانات، وغذاء العقل وهو العلم والمعرفة بسائر وجوهها، وهذا الغذاء الأخير مفضل  على الغذائيين الأولين إذ به تمهد الطريق إليهما ويقتدر المرء على إتقانهما والتمكن منهما، فضلا عما  يستفيذه من رفعة الشأن وحسن الحال، في المبدأ والمثال.
ومن المفيد أن نشير إلى أن الدولة الإسلامية لا تصح نهضتها ولا يتم حظها إلا إذا قامت على أساس العلم والدين  الخالي من الخرافات، والبدع والضلالات، ومن ثم نرى الملوك عامة وملوك الدولة العلوية خاصة يعقدون الضمائر  على العناية بشؤون العلم والدين والشقاء ويصححون الأوضاع ويصلحون لإعداد حياة  الخير والهناء، وقد حفظ التاريخ أن مرابع العلم ومراجع الدين في دولة المولى إسماعيل كانت زاهرة  ورائجة حتى ذهب  الناس كل مذهب وقويت المدارك والمطالب واتضحت حجج العلم والدين اتضاحا، وافتضحت شبهات الجهل والنفاق افتضاحا، من هناك اتجه رحمه الله إلى جمع النوادر والدفاتر ونسخها، وبذل كل نفيس بسخاء في تحصيلها، فكانت خزانته تضاهي خزانة بغداد أو تزيد، وكان لحفظة القرآن في عهده الشريف سنة خاصة يتميزون بها على غيرهم، وهي أن يركب كل من حذق القرآن فرسا في موكب تصحبه الموسيقى في الشوارع التي يقطعها، وهذا من الهمة العالية بالتعليم الإسلامي الذي وطأ حياة المسلمين، ورفع مقامهم في العالمين، وحفظ أخلاقهم وأفكارهم من غوائل الملحدين، وطوائف المتمردين.
وكان أول من أسس نظام التعليم وأحيا رواسم العلم،  وبين ما يدرس من الكتب والعلوم، وحث على دراسة كتب الأقدمين لصحتها ووضوحا وقلة حشوها هو المولى محمد بن عبد الله العلوي، فلقد  اشتهر رحمه الله بذلك المنشور، الذي نشره سنة 1203 ليطلع عليه الجمهور، وكذلك المولى عبد الرحمن بن هشام الذي يعتبر المؤسس الثاني للنظام، فقد أظهر رحمه الله اهتماما بالغا في إصلاح طريقة التعليم والتدريس، ورتب الدروس اليومية، وعين الحصص الزمانية وطلب إلى المدرسيين الاقتصار على البيان والإفادة، وما يحصل الملكة من دون زيادة، وأصدر في ذلك ظهيرا شريفا بتاريخ: 1261.
وهذا مولانا الحسن الأول كان له إدراك خاص في حركة التعليم وتشجيع أهله، وإحياء معلمه وبعث آثاره، ومن ذلك أنه كان يرتب عطاء خاصا لكل من يحفظ  مختصر الشيخ خليل المالكي في الفقه رحمه الله ويمليه عن ظهر قلب علاوة على إدراجهم في سلك  الطبقة الرابعة من العلماء، كما كان يصدر الظهائر الشريفة بالتوفير والتعظيم لمن يستحق ذلك من الشرفاء  والعلماء تقديرا لمناصبهم العلمية ومزاياهم العلمية، وقد قال صلى الله عليه وسلم:  أنزلوا الناس منازلهم.
وفي عهد المولى عبد العزيز كانت العناية بطلبة العلم فائقة، وكان رحمه الله يوفر لهم ظروف الطلب والعمل ليقبلوا على تعاطي العلم  يجد ونشاط، وكان  صحيح البخاري وشفاء القاضي عياض رحمهما الله تعالى يدرسان كل يوم بالضريح الإدريسي ويتولى ذلك جلة العلماء ممن يقع عليهم الاختيار.
وفي أيام المولى عبد الحفيظ ارتفع مقام العلم والعلماء، وأحيا رحمه الله مل كان مفقودا من الكتب بالطبع، وشجع العلماء على التأليف بالنفع.
ولما اعتلى العرش المولى يوسف بن الحسن توجهت همته إلى إصلاح الحالة العلمية بالقرويين فجعلها ونظر فيها نظرا سديدا حيث وضع العلماء في مراتبهم،  وأبعد الدخلاء عن مواضعهم، وأمر رحمه الله بإنشاء مجلس تحسيني  ينظر فيها تتحسن به حالة التدريس والتعليم من سائر الجهات التربوية والاقتصادية.
أما المولى محمد الخامس فقد ولى وجهه شطر هذا التعليم مومنا بالدين القويم والصراط المستقيم، وجاريا على سنن أسلافه المتقين الذين أسسوا صروح المكارم، وشيدوا المعاهد والمعالم، ولكن كان نظره رحمه الله أدق، وفكره أعمق، إذ شمل الإصلاح كلا من جامع القرويين وجامع ابن يوسف، ورسم بالظهير الشريف المطول  كل ما هو ضروري من الإصلاحات، وتناولت نصوصه جميع الصور والجزئيات، فحصر المدرسين في ثلاث طبقات، ووضع المواد والكتب  وقرر الحصص والأوقات، وحدد الرواتب والمراتب ووضح طريق الامتحانات، وأشار إلى تركيب المجلس الأعلى، ولجنة الامتحان،  وهيئة الإشراف، وشروط الترشيح، مما دل على عناية شاملة لشؤون  التعليم  وظروف التدريس، وأعطى رحمه الله قيمة خاصة لهذا التعليم وأشرف عليه بنفسه، وحض على حفظ القرآن واستظهاره، واكتساب الثقافة العربية الإسلامية، التي قوامها الكتاب والسنة النبوية.
ولقد رأى القريب وسمع البعيد، ما حدث في تاريخ المغرب الجديد، من مكرمات ومعجزات بقيادة  هذا الملك الصالح، والإمام الناصح، قدس الله روحه، ونور بنوره ضريحه.
وإنما أعدنا إلى الذاكرة هذه المقتطفات التاريخية لنشير إلى أن الدين الإسلامي في هذا البلد لا يعدم من ينصره ولا من يبعثه إذا نابه ضعف أو أصابه حيف حسبما رمزنا إلى ذلك في سيرة أولئك الملوك السابقين.
 وهذا ملكنا الحالي أمير المؤمنين مولانا الحسن الثاني الساهر على  مصالح الدين والدنيا لما أحس وعلم ما أصاب هذا التعليم من الظلم  والطغيان، والغبن والنقصان، الذي  منعه من متابعة رسالته، وعاقه عن أداء مهمته، وذلك بواسطة العلماء الذين جهروا بما يبيت لهذا التعليم في الخفاء- استدعي حفظه الله جماعة منهم بتاريخ: 11 يناير سنة 1973- للمذاكرة والمشاورة معهم في هذا الشأن، ولإطلاعهم على ما اتخذه من الإجراءات العاجلة- وبعدما عرض أعزه الله الخطة التي أرتاها للنهوض بهذا التعليم وتقوية مادته  وتوسيع جهاته حفاظا على وجوده كأساس لتاريخ هذا البلد وحضارته، وبعد أن أخبر أنه سماه بالتعليم الأصيل نظر لأصالته الذاتية من حيث استمداد مقوماته من الكتاب والسنة- أمر باجتماع العلماء مع  اللجنة التي عهد إليها بدارسة قضايا هذا التعليم،  والوقوف على مراكزه  ومدارسه، وتصنيف حاجاته وضرورياته،- لمناقشة البرامج والمناهج الجديدة وما يتبعها من الأجهزة اللازمة، والأطر الصالحة،  فعلا ألفت اللجان لمتابعة عملها وتنسيق جهودها، وهذا شيء تاريخي ينبغي أن يذكر ويشكر.
ونسأل الله سبحانه أن يكتب لصاحب الجلالة هذه المبرة في ميزان حسناته، وأن يجعلها من محاسن ذخيرته، وأن يتمم هذه النعمة، لتستقر سياسة هذا التعليم وتزدهر تعاليمه، وترتفع معالمه، وإنها لبشارة خير وبداءة عمل انجازا لما كان أعلن منه جلالته في ذكرى عيد الشباب من أن هذه السنة ستكون سنة بعث إسلامي، وأن البرامج التربوية ستراجع على طريقة التعاليم الإسلامية، وإننا لتنتظر كذلك أن ترجع الحياة إلى مجراها الطبيعي،  ومستواها  الإنساني- وما ذلك ببعيد عن همة من يحسن التصرف بالثقافتين، ويجمع في الحياة بين النهضتين، فتراه يشتغل بعمليات السدود، لتطوير  الأرض وتوفية الحظوظ- ويفتح الباب على مصراعيه للوفوذ، لصالح  التنمية وتقوية النفوذ، كما نراه يرفع المساجد ويحدث بدار الحديث، ويشيد للقوم مدارس العلم الحديث.
 وأن ملكا تحصن فكره وتصحح قصده، وتعدد نفعه، وجعله الله عمودا للإسلام لجدير أ، يكون خير من يحفظ الرسالة، ويضمن الأصالة، ويدفع الضلالة، ويعيد للدين شبابه، وللتعليم اعتباره، ويوثق روافده، ويقوي شواهده، وذلك فصل الخطاب، وإنما يذكر أولوا الألباب، والحمد لله في الأول والآخر، وهو سبحانه الأول والآخر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here