islamaumaroc

أول احتفال بعيد العرش في تاريخ المغرب سنة 994 قبل الميلاد

  دعوة الحق

150 العدد

تكاد تحملنا لتاريخ المغرب على الاعتقاد بان ادوار العظمة التي تنالت في عهود المرابطين والموحدين والمرينيين والسعديين والعلويين هي وحدها التي تبرز عناصر القوة ومناحي المنعة في الوطن المغربي، ولكن من السهل التعرف على جوانب من هذه العظمة خارج تلك الحقب التاريخية، إذا ما وقع استقراء المظان الاخرى في تاريخنا السياسي، وكان ذلك الاستقراء يجانس بين مختلف المصادر الدفينة التي قد لا نجد في اغلبها إلا اشارات أو إيماءات لاتخلو من فوائد فقط، ولكنها تعني كشوفا عظيمة في هذا المضمار.
أن المعروف منذ أقدم الازمنة أن بلاد المغرب ضمت شعبا من المحاربين بالفطرة، فالشخص المغربي، كما تظهر ذلك كل احقاب تاريخه متعلق بالحرية، ونازع إلى الاستقلال، متطلع إلى اسباب المنعة والقوة التي تؤهله لتكريس حريته وضمان الاستقلاله قد يرجع ذلك – عند البعض – إلى طبيعة البلاد التي يعيش فوقها هذا الشعب ووجود الموانع الهائلة والحصون المتمثلة في جبال عالية ووديان سحيقة وغايات كثيفة، وقد يرجع عند البعض الآخر إلى عنصر التحدي الطبيعي البشري الذي فرض على المغرب أن يتخذ له من سلاحه رفيقا وصاحبا، ولكن لايجب اغفال الطبائع الاصلية في الاقوام التي عاشت في هذه البلاد منذ اعرق العصور، فانها أقوام انحدرت من سلالات محاربة بالسليقة من اليمن عن طريق النوبة والسودان او أقامت مدة بجبال الحبشة قبل أن تجد في الجبال المغربية وطنا مناسبا لها، وقد حملت الشلاح باستمرار وطيلة ثلاثة آلاف سنة دفاعا عن وطننا وعن نفسها.
زإذا كان تاريخ المغرب منذ استيطانه حتى الآن هو تاريخ حروب وكفاح.
حرب فيما قبل مجيء الفينييقيين للتوسع شرقا وغربا.
وكفاح فيما بين مجيء الفينييقيين ودخول الاسلام من أجل صيانة الاستقلال ومدافعة الاجنبي.
إذا كان تاريخ المغرب خلال هذه الفترة الطويلة التي شهدت احداثا تاريخية جلى قد سار على الدرب الذي اوضحنا، فمما لاريب فيه أن يكون المحاربون القبليون ثم الجيوش النظامية العمود الفقري للمجهودات الحربية التي كان المغاربة طرفا فيها.
ولاشك أن الكشوف الحديثة تظهر العناصر الاولى لقوة الامجاد المغربية وهذا ما نبادر إلى توضيحه الآن:
عندما كان الاوروبيون يهيئون الدراسات عن بلادنا تمهيدا للاحتلال، عثر ثاب الماني يسمى (بارت) على نقوش وتماثيل وأدوات عسكرية في طبقان أرضية عميقة من أرض الجنوب، وكان ذلك الاكتشاف يشكل تحولا عظيما في التقديرات العلمية الموضوعية للمغرب ولافريقيا في ذلك الوقت.
ففي منطقة وادي درعة وجدت رسوم في منتهى الجودة تمثل مغاربة يمتطون الجياد المطهمة ويمسكون بأسلحة دقيقة متخذة من الحديد المطروق، وبترونس من جلود الحيوانات الضارية، وبعض النقوش كانت تمثل عربات عسكرية بعجلات من الحجر وهي شديدة الشبه بالعربة الرومانية التي ظهرت في اوربا بعد هذا الوقت بألف سنة.
وفي الوقت الذي كان فيه المغاربة يتوفرون على هذا السبق الواضح في ميدان التجهيز العسكري كانت اوربا لاتزال تعيش في العصر الحجري المصقول، وكان سكانها لايعرفون غير الرماح الحجرية و يرتدون أي نوع من النسيج او الثياب.
اكتشف بمنطقتين فرنسيين هما سان اشول وشيل ادوات ونقوش تماثل تماما ما وجد في حفريات درعة، ولما كان من الضروري أن تربط تلك الآثار الفرنسية بمثيلاتها في جنوب المغرب فإن العلماء وجدوا انفسهم امام افتراضين:
الاول أن يكون جماعة من المحاربين المغاربة قد وصلوا إلى فرنسا.
أو العكس أن يكون محاربون فرنسيون قد تخطوا اسبانيا والقوا عصا تسيارهم في درعة، وهذا ولاشك من اعظم ما حير المنقبين الذين باشروا حفرياتهم هنا وهناك ومن السهل إيجاد بعض القرائن المتصلة بهذا الموضوع.
أول تلك القرائن هي ان النقوش المغربية تمتد من حيث الرقعة الجغرافية من حوض درعة إلى شمال التشاد بينما تنحصر الكشوفات الفرنسية حول مدينة سان اشول....
وثانيهما أن التاريخ القديم يقص بكيفية لاتقبل الجدل خبر الملك المغربي (اطلس) في مهاجمة بلاد (البرد) والشياطيين أي أوروبا في العام الالف قبل الميلاد، وقد اجتهد بعض المستكشفين المحديثين على اقامة البرهان على أن المغاربة في هذا الوقت قد جلبوا وسائل صنع السفن وفي مقدمتها مادة (البدري) المصرية، بل وان بعضهم وصل إلى امريكا.
غير أن من المصادر القديمة ما لايؤكد قيام هذا الملك بأية غزوة خارج البحار المغربية حيث لم تكن قبائل الجنوب، التي ينتسب إليها تعرف أية وسيلة لركوب الماء وقطع البحار، ولكن هناك حديث واضح عن غزوة قام بها اطلس إلى تخوم مصر، وتوصف حملته بأنها لم تكن موفقة جدا، وقد رجع إل  عاصمته التي كانت تقع بالقرب من طنطان وصرف بقية حياته في التأملات الدينية، وتقول المصادر القديمة بـان القبائل التي عملت تحت امرته لم تذخر جهدا في حمله على معاودة الكرة، وكانت هناك احتفالات عظيمة قدمت فيها ذبائح بشؤية عندما اطلق اسم هذا الملك المغربي على جبال الاطلس، ويمكن ان نعتبر هذه الحادثة اول احتفال بعيد العرش، حيث أن الملك جلس وسط خيمة مصنوعة من جلود السباع فوق صخرة عالية وتقبل سلام وطاعة رؤساء العشائر وكان ذلك في حدود سنة 994 قبل الميلاد.
ولايسعفنا التاريخ باسماء من خلف الملك الاطلس في حكم المغرب، ويظهر ان البلاد تعرضت لظروف قاسية من الجفاف ادت إلى بعض التحوير في سلاح القبائل المحاربة في جنوب المغرب، فقد استبدل الفرس بالجمل الذي استقدمه تجار تشاديون إلى المغرب في حوالي 500 قبل الميلاد واختفت نهائيا الاسلحة الصلصالية ليحل محلها الحديد، واتخذت الفيلة لخدمة نفس الاغراض التي يؤديها السلاح المدرع المعروف في الوقت الراهن.
وكان من نتائج الجفاف ايضا ان انتقل المركز السياسي والعسكري نحو الشمال وغدت الجبال والسهول الساحلية الغربية بدلا من الجنوب هي المستقر الجديد للقبائل المغربية التي واجهت منذ هذا الوقت وبعزيمة لا تلين، أو لاتدخل للفينيقيين في السواحل الشمالية المطلة على البحر الابيض المتوسط.
ورغم أن الفينيقيين لم تكن لهم اطماع توسعية في سواحل المغرب، حيث لم يكن حركهم سوى البحث عن اسواق تجارية وبضائع للتبادل وعلى الرغم كذلك من التقارب اللغوي والتشابه الاجتماعي بين هؤلاء العرب وسكان المغرب، فإن المغاربة لم يقبلوا بأي مظهر من مظاهر التحكم ولو كان تجاريا في بلادهم، وبصفة تلقائية اندلعت الثورات المنظمة، ووقعت مناجزات استمرت طيلة الوجود الفينيقي لتمتد إلى العهدين القرطاجني والوندالي.
ويوسع تاريخنا القديم صفحات بكاملها للتحدث هن كفاح المغاربة تحت قيادة الملك ( فورمول) كما ان الخرافات تضع هذا الملك في مصاف الابطال الاسطوريين، والثابت ان غورمول قاد القبائل المغربية ضد الاجنبي مدة ربع قرن، ورافقه السعد في احدى تلك السنين حيث قضى على جيوش اعدائه، واجتاز البوغاز نحو اسبانيا على ظهر قوارب قرطاجية استولى عليها وعندما بلغ بجيوشه المغربية جبال البرنية الفاصلة بين اسبانيا وفرنسا كان التعب قد دب إليه، والجوع قد انهك جيوشه وخيوله، وكان اغلب الفيلة التي صحبها معه قد ماتت في الطريق، عندما صمم العزم على القفول إلى بلاده، وقد واصل الكفاح بعد ذلك خمس سنين قبل ان يخترمه الموت في احدى المعارك....
وبموت غورمول ران السلام بين المملكة المغربية وبين قرطاجنة، ودخل الملك المغربي (بكار) في حلف مع ملوك تونس عند بداية القرن الثالث قبل الميلاد ويصف المؤرخون جيش بكار الذي كانت اهم مراكزه في طنجة، وشالة من أقوى جيوش ذلك العصر، ولم يتأخر القرطاجنيون في تدريب مجموعة من الجنود على الملاحة البحرية، وهذه المجموعة اصبحت في القرن الثاني قبل الميلاد تسير اسطولا مغربيا لعب دورا هاما في محاربة الرومان وزرع الخوف من المغاربة في سواحلهم الافريقية، واما فيما يرجع إلى الجيوش البربرية فلا نجد إلا الحجيث عن بطولات المغاربة في اسبانيا وايطاليا عندما كانوا يحاربون الرومان تحت قيادة (هانيبال) باعتبار بلادهم حليفة لهذا الملك العظيم.
لم تكن قرطاجنة تتوفر على الامكانيات العسكرية والبشرية والاقتصادية التي كانت متوافرة لدى الرومان، ومن أجل هذا، ورغما عن المناجزات العظيمة، لم تصمد هذه الامة في وجه قواد روما وجحافلها، وفي الوقت الذي كانت قرطاجنة تحترق وقد احاط بها اعداؤها من كل جهة، كان المغاربة يحتفلون بتنصيب الملك باخوس الاول في طنجة ويعقدون عليه الامل في استعاذة عظمة المغاربة من تونس إلى المحيط الاطلسي، ويوصف باخوس بانه كان داهية وصلبا في نفس الوقت، واول عمل قام به هو احداث كرسي للملك في شرق المغرب (نوميديا) نصب فيه صهره المشهور القائد (يوغورطا) الذي كان يكره الرومان كراهية عميقة منذ حروب اسبانيان واجتهد يوغورطا في ادخال تجديد على جيوشه وعهد إلى مرتزقة الرومان بتدريب المحاربين، وفي عام 107 قبل الميلاد نادى بالثورة ضد الرومان واستحث القبائل المشايعة للقرطاجنيين للوثوب على  مراكز الاعداء، وكاد الامر يفلت من يد الرومان، واوشك ان يذهب كل نفوذ لهم في الشمال الافريقي لولا انهم وجهوا القائد الشهير (سيلا) على راس عناصر جديدة من جيوشهم، واشتغلت الحرب سنة كاملة وجد يوغورطا نفسه في وضع يشابه وضع قرطاجنة قبل تفويضها، وهكذا لجأ إلى صهره باخوس في طنجة الذي امده بما هو في حاجة إليه.
ولم يغن كل ذلك، ولم يغير حقيقة التفوق الروماني، وجاءت رسل القائد (سيلا) إلى طنجة تطلب من العاهل المغربي تسليم صهره، ويقف الناريخ هنا قليلا ليلمح إلى اضطرام الواجب مع العاطفة في نفس باخوس، ويصل الملك إلى قراره، ويبادر يوغورطا إلى القبول : أن التضحية باستقلال البلاد الذي قدم المغاربة دماءهم حفاظا عليه وتكريسا له.
وتقدم القائد يوغورطا بسلاحه الكامل، وقيافته العسكرية وشاررات الملك إلى الضباط الرومانيين في سنة 105 قبل الميلاد فاعتقلوه وارسلوه على روما ثم خنقوه بعد ذلك في سجنه.
ولقد نعم المغرب- -بعد تضحية هذا الجندي- باستقلاله لعدة عقود اخرى، وتوالى على ملكه رجال عظام من امثال بوغود، وباخوس الثاني، وجوبا الاول- -والثاني وبطوليمي، وادامون وكان جيش احد هؤلاء الملوك وهو جويا الثاني يضم مائة ألف راجل و 30 ألف فارس و 250 فيلا، وكان الفرسان مسلحين بالرماح والتروس المتخذة من جلود السباع، ويتبعون انظمة عسكرية لا تقل اتفاقا عن الانظمة الرومانية.
والخلاصة أن الامجاد المغربية التييرجع إلى الوقت الذي وجد فيه المغاربة فوق أرض هذه البلاد تعود إلى وجود قيادات حكيمة ومحنكة تمثلت في ملوك هذه الدولة الاقدمين.
 ولقد كان المغاربة الاقدمون يقدسون ملوكهم، ويعتبرونهم القوة الحقيقية التي تعطي للجيوش.
حيويتها وانتصاراتها، وقد أدى الحال بالنسبة لبعض الملوك إلى أن كانوا يرقون إلى مصاف اسوة بما عرفته شعوب ما بين النهرين والصريون وكان الكرسي الذي يجلس عليه الملك بعد عودته من غزوة أو سفرة ينال تقديسا خاصا، وكان لا يتم الجلوس إلا بحضور أعيان الدولة وقواد الجند ورجال الدين، وغالبا ما تنثر الرياحين حوله ويزدان الكرسي من اليمين والشمال بسنابل القمح أو بسعف النخل في العصور المتأخرة، وتقليدا لبعض اباطرة الورمان كان بعض الملوك يمسكون بأيدهم سلسلة يربط طرفها الآخر بعنق شبل صغير بأيديهم دليلا على ما يمثله العرش من سلطان وقوة.
ويمكن أن نعتبر بأن الحادثة التي كان يقع الاحتفال بها، دوريا، ويؤتى فيما بالعرش هي التي تجري فيها الالعاب على اختلافها، وحيث أن الاحتفال كان يحدث في الايام الاولى للمبايعة أي لتنصيب العاهل وانه كان يعاد في نفس الموعد من السنة الموالية تبعا للظروف، وتبرز فيه جميع المظاهر التي تحدثنا عنها فيمكن القول بكل اطمئنان بأن هذه الاحتفالات تشابه ما يقع اليوم من تخليد ليوم الجلوس.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here